3:10 صباحًا الجمعة 22 فبراير، 2019


اسرار الحروف العربية

بالصور اسرار الحروف العربية 1c5568756ae4212a47f85aa8efb776e2

 

بسم الله نبتدى و بنوره نهتدى و بمحمد صلى الله عليه و سلم نقتدى ، اما بعد

فان الخاطره بنت اللحظه فان اقبلت اليها و اخذت بيديها فهى لك، وان سوفت او توانيت فقد لا تعود اليك، وان عادت عادت مكرهه تجذبها فلا تنجذب، فاظفر ببنات افكارك كلما عن لك خاطره او عرضت لك نادره و كما قيل:

اذا هبت رياحك فاغتنمها فان لكل خافقه سكون

وان درت نياقك فاحتلبها فما تدرى الفصيل لمن يكون

وكل من عرف و غرف غنى عن قولك ان الخاطره تلد الخاطره و النادره تقود الى النادره بل ان كل فعل يطلب فعلا، و اقرب الامثله ان الحسنه تلد الحسنه و السيئه تطلب السيئة.

ومن هذا المنطلق جئت اغتنم ما عن لى يوم ان عن لي، و نافذه ما عن و سببه اننى كنت اقرا قول ابن كثير في البدايه و النهايه و قد اشار الى ما ذكره ابو جعفر بن جرير عن روايه سيف بن عمر و ملخص ما ذكره هو و غيره ان ابا عبيده لما فرغ من دمشق كتب الى اهل ايليا يدعوهم الى الله و الى الاسلام، او يبذلون الجزيه او يؤذنون بحرب، فابوا ان يجيبوا الى ما دعاهم اليه، فركب اليهم في جنوده، و استخلف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصر بيت المقدس و ضيق عليهم حتى اجابوا الى الصلح بشرط ان يقدم اليهم امير المؤمنين عمر بن الخطاب، فكتب اليه ابو عبيده بذلك))[1] .

ثم ان عمرا رضى الله عنه “سار حتى صالح نصاري بيت المقدس، و اشترط عليهم اجلاء الروم الى ثلاث، ثم دخلها اذ دخل المسجد من الباب الذى دخل منه رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم ليله الاسراء”[2].

هذا كما قال ابن كثير “سياق سيف بن عمر، و قد خالفه غيره من ائمه السير، فذهبوا الى ان فتح بيت المقدس كان في سنه ست عشره [3].

وتابعت القراءه فعلمت اشياء و استذكرت اخري مما يتصل بفتح بيت المقدس و استرداده و انه في سنه ثلاث و ثمانين و خمسمائه استعاده صلاح الدين الايوبى من الصليبيين، و ظللت اقرا و اقرا، و اقلب في مجلداته و اجزائه كقوله “ودخل السلطان و المسلمون البلد يوم الجمعه قبل وقت الصلاه بقليل، و ذلك يوم السابع و العشرين من رجب، قال العماد: و هى ليله الاسراء [ و المعراج ] برسول الله صلى الله عليه و اله و سلم من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى، قال ابو شامه و هو احد الاقوال في الاسراء”[4] .

ثم ساق الحافظ بن كثير و هنا الشاهد و النافذه و السبب – فائده فقال تحت عنوان نكته غريبة “قال ابو شامه في الروضتين: و قد تكلم شيخنا ابو الحسن على بن محمد السخاوى في تفسيره الاول فقال: و قع في تفسير ابى الحكم الاندلسى يعنى ابن برجان في اول سوره الروم اخبار عن فتح بيت المقدس، و انه ينزع من ايدى النصاري سنه ثلاث و ثمانين و خمسمائة. قال السخاوى و لم اره اخذ ذلك من علم الحروف، و انما اخذه فيما زعم من ﴿ الم . غلبت الروم . في ادني الارض و هم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الامر من قبل و من بعد و يومئذ يفرح المؤمنون﴾[5]، فبني الامر على التاريخ كما يفعل المنجمون، فذكر انهم يغلبون في سنه كذا و كذا ، و يغلبون في سنه كذا و كذا على ما تقتضيه دوائر التقدير، ثم قال و هذه نجابه و افقت اصابه ان صح، قال ذلك قبل و قوعه، و كان في كتابه قبل حدوثه، قال و ليس هذا من قبيل علم الحروف، و لا من باب الكرامات و المكاشفات، و لا ينال في حساب، قال و قد ذكر في تفسير سوره القدر انه لو علم الوقت الذى نزل فيه القران لعلم الوقت الذى يرفع فيه”[6].

وبدات بادى الامر اقلب قول السخاوى “فبني الامر على التاريخ كما يفعل المنجمون”، فقلت في نفسى اذا كان قد عرف عن ابن برجان الامعان في علم الحروف حتى استعمله في تفسير القران، فلماذا يحاول بعضهم القول بانه لم ياخذ ذلك الكشف عن علم الحروف و انما بني امره على التاريخ كما يفعل المنجمون اليس الامر و اضحا ان مثل هذا القول بحقه لا يعدو كونه غمطا او تخمينا لا داعى له، و لو كان من فعل المنجمين بعيدا عن علم الحروف لاستطاعه كثيرون غيره فعملوا مثلما عمل، و لكن لما كان علم الحروف عزيزا عز على البقيه ان ينالوا مثل ما نال، و لو بقى لبقى من علمه ما يستفاد منه، الا ان حسد الاقران و وشايه الخلان كانت سببا في وفاته رحمه الله .

وفى غفوه او صحوه – لا ادرى ايهما برقت لى بارقه ظللت اسير بنورها و اتبصر هذا الحرف او الحريف الصغير الضئيل، و هذه الاله التى لا يبالى بها الصبيان و معلموهم، و اتامل كونها في حقيقه امرها اوسع مما يتعلمونه و اعمق مما يفهمونه، فكما انها علم في ايد فهى ايضا معجزه في يد اخرين، فالحرف بمفرده علم، و هو علم بمركبه، و علم برسمه.

اما بمفرده فقد الف العلماء الكتب في اسرار الحروف، و استدلوا بها على امور غريبه و عجيبه في مجالات شتى، و ربما استخدموها في امور لا نعلم لصحتها مدي كرفع صداع او داء او غير ذلك، و وضعوا لها ما يعرف بحساب الجمل التى تحكى مقادير معينه من الارقام لكل حرف من حروف العربيه فالالف في حساب الجمل عباره عن واحد، و الباء اثنان، و الجيم ثلاثه و هكذا، ثم الياء عشره و الكاف عشرون، و هكذا، ثم الراء ما ئتان و الشين ثلاثمائه و هكذا حتى تصل الف.

وقد جمعوها – مرتبه على هذا النسق الحسابى – في قولهم ابجد هوز حطى كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ . و يقال ان هذا كان ترتيبها عند الساميين قبل ان يرتبها نصر بن عاصم الليثى الترتيب الهجائى التى هى عليه اليوم من الالف الى الياء.

واما الحروف المركبه فهى ما تجده في كلماتك، و تكونه في كتاباتك، فتضع حرفا على حرف لتكون كلمه ثم جمله ثم مقالا، و هذا ما نسميه لغه ثم بلاغه ثم ابداعا، و المعني ان هذا التركيب سر بل اسرار و علم بل علوم لا يحيط بها الا المحيط سبحانه و منها و بها خرج الادباء و البلغاء و الخطباء و الشعراء و المبدعون، و خرج المؤلفون و المقننون و المقعدون و الممنهجون و الفلاسفه و علماء الصوتيات و المنطق و غيرهم.

اما علم رسم الحروف و ما فيه من روحانيه و حياه و تجسد و تصور فلا يخفي على من منحه الله ملكه حسن الخط و فن الابداع. فكم هو ساحر ذلك الحرف الجميل المحتبى بمفرده احتباء القاف، او المطرق اطراقه الميم، او الراقد على بيضتيه رقود الحبارى، او الكاعب و قد جمعت بين عقبيها و باعدت بين ساقيها عفيفه لا تمل قول لا، او استرخاء العين و احتشامها، او تثعبنها و قد انسابت بين تلك الحروف و الجمل كسين او تاء مدت ذراعها كما في خط الديوان و الثلث، في تصور غريب عجيب لا تنتهى صوره و لا يمل ناظره.

فمهما بقيت تخط بريشتك فلن تاتى على كل صور الحروف و تشكلاتها، فالثعبانيه و الناعمه و الحانيه و الحزينه و المحتبيه و المتقرفصه و المنعطفه و المختجله و الرقيقه و الانيقه و الدقيقه و الرشيقه و كانها باستمرارك في توليد الحروف و استمرارها في توليد الصور اشبه ما تكون في وجوه الناس، فعلي كثره ما يلدون لا تجد رجلا يشبه رجلا، و هكذا انت بخطك و ريشتك. فلو كتبت الحرف مئات المرات لما شابه احدها الاخر، و كلها غايه في الروعه و الحسن و الجمال.

وهذا التوالد و التبريك غير المنقطع يذكرنى بتلكم الشجره الطيبه المباركه التى اصلها ثابت و فرعها في السماء، تلكم النخله الباسقه السامقه المؤتيه اليانعه الموقره و سر الشبه بينهما انك مهما زرعت من نواها فلن تجنى من واحده كالاخرى، فلو اخذت نوي عذق واحد فاستنبته كله فنبت لما ظهرت منه نخله واحده في طلعها كالاخرى، فكل عجمه او نواه سيتولد منها كائن جديد بطعمه و خصائصه مهما استمررت محاولا، و هى بلا شك زياده في الطيب و البركة.

كما تجده عينه في الحرف، فلا يزال يتوالد منهما طيب و جديد و مفيد، و من هذا المعني جاء وصف المؤمن بالشجره الطيبه فلا يزال يخرج منه و يصعد كلام طيب و عمل صالح.

فالحرف اكبر مما تتصوره، و اوسع في معناه و مبناه مما تفهمه و تراه، و اشبه ما يكون الحرف بجزيء روح او طاقه و لكن الغالب من الناس لا يعرف عن الحروف الا تركيب بعضها الى بعض لتكوين كلمه تحمل معنى معينا بغيه ايصاله الى اخر، و كان الحروف لديهم و سيله تواصل او اوعيه نقل فقط، و كان الحرف ساع كساعى البريد.

والحقيقه ان الحروف حياه او روح يصنع منها المستطيع طاقه نورانيه عجيبه بقدر تمكنه و اقتداره، و كلما استطاع توظيف كلماتها و تركيبها التركيب الروحانى كلما تشربتها النفوس فنقلتها الى و عى نورانى تهتز له الرؤوس و تسرح به النفوس.

وهذا ما يجعلك في شوق الى اعاده ما سمعت و ما قرات، و ربما لا تمله و لو اكثرت ترداده، لان في كل حرف منه اكثر مما وضع له، و هذا ما تجده جليا في القران.

ولهذا السبب تجد المفسرين لا ينتهون من تفسير القران ما كثروا، و كل مفسر يجيء من بعد مفسر يخرج بتفسير جديد و مفيد، و لو كان القران كلمات خبريه لا نور فيها و لا روحانيه لكفي الناس تفسير واحد و مفسر واحد، و لصار كل تفسير من بعده تحصيل حاصل، هذا ان لم يكن محل انتقاد و سخريه و لكن الذى تراه في الجمله و في المفسرين غير ذلك.

ولهذا كثر المفسرون و لا زالوا، لان كل مفسر يغرف من حرفه، فلا ينضب نوره و معناه، و تبقي بعده بقيه باقيه لمن خلفه ممن يجيء بعده، و كانه شمس حتى لو اخذ منها كل بمراته لظلت كما هى ساطعه لامعه لا ينقص ضياؤها و لا ينقضى نورها، بل المرايا تزيدها نورا و سطوعا، و هذا ما تجده ايضا في غير القران مع الفارق بين كلام الله و كلام من صنع البشر، و لكن هذه الاحرف و الكلمات، و هذه الملكه التى تعاملت معها – فاخرجتها بذاك الوحى الروحانى النورانى – هى من الله و باذن الله.

انظر مثلا الى قصيده من احد الشعراء النوابغ الفحول، كم شارح قد شرحها و كم حافظ قد حفظها و كم مره ترنم بها حافظها و رددها و كم مره تمثل في بعض ابياتها و استقوي بها في جداله و مواعظه ثم انظر الى دوام بعض الامثال و بقاء الحكم و طول اعمارها، ما الذى جعل هذه الحكمه او ذلك المثل يبقي مئات السنين و ربما الافها و ما الذى امات بعض الحكم ساعه مولدها في مهدها و في مجلسها انه ما و راء الحرف من معان، و اسرار، وايحاءات، و ابداعات، و جمال، ورقه و سهوله و بعد، و تجليات جعلتك كلها مجتمعة تنتقل من حيث لا تشعر و بطرفه عين الى عالم من نور، لان هذه كلها في هذا التركيب الحرفى الرمزى الذى و افق سرا من اسرار الكون قطعه من نور، و كان الحروف مفاتيح انوار، كلما احسنت تاليف اسنانها او ارقامها و ترتيبها كلما احرزت قدرا اكبر من النور، و دخلت افقا اعلي و ارحب.

وكلما تلعثمت الاذهان في نسق اسرارها كلما خفت نورها او انعدم، فصارت كلاما مبتذلا، بل كلما اسات ترتيبها كلما اظلمت و اظلم معناها فصار اسلوبك سببا في قدحك لا مدحك و في ابعادك لا اسعادك.

ويزيدك تاكيدا لهذا المعني النورانى انك اذا الفت عددا من الحروف على شاكله قول معلوم من الحديث او الكتاب حدث لك بها حدث في هذا الكون، لانها و افقت رمزا او معنى مرادا في هذا الكون، فلو وضعت حرف ح مثلا ثم الحقت به ميما ثم دالا، و عرفتهما بال، ثم قلت الحمد لله لحدث لك ما تعلم، و لو ادخلت حرفا لا يستقيم مع معنى هذه الحروف الثمانيه لما حدث لك ما تحدثه تلك الجملة.

وهذه الحروف الثمانيه تستعمل ايضا كلها منثوره او متفرقه في جمل كثيره من اللغه و لكنها مع كل كلمه تفتح سرا مختلفا عنها في جمل اخرى.

وفى هذا السياق صل ما تقدم بما تعرفه عن جمله عظيمه ليس فيها الا حرف اللام تقريبا، تلك الجمله التى لو وضعت في كفه و وضعت السماوات و الارض في كفه لرجحت بهن، انها كلمه التوحيد، كلمه لا اله الا الله)، فما معنى ان هذه الحروف فقط، و بهذا الترتيب، هى التى تحدث هذه العظمه و هذا الرجحان، و ذلك التصديق و الايمان، و تلك الحسنات و الغروس عند ترديدها جرب ان تحذف منها حرفا، او ان تعبث في ترتيب احد حروفها، او ان تقحمها حرفا اخر ليس منها، ثم انظر كيف ينتقل معناها وينقلب مؤداها الى حال لا تمت لها بصله بل لربما سار بك تركيبك و هندستك الى نقيض ما كانت عليه في عائدها و مؤداها.

اما كونها جمله لاميه لا حرف فيها غيرها، فان الهاء لا مخرج لها كبقيه الحروف، فالهاء جوفى هوائي، ضع مثلا همزه مفتوحه ثم ضع بعدها حرفا ساكنا، و ليكن الهاء، ثم انطق، فانظر من اين يكون مخرجه، ثم جرب عددا من الحروف. فلن تجد في كلمه التوحيد غير اللام، حيث مخرجها مشاركه بين طرف اللسان و الاسنان.

اما الهمزتان في جمله لا اله الا الله فمخرجهما بخلاف ما يذكره اساتذه التجويد و غالب علماء الصوتيات، من انها تخرج من اقصي الحلق، و لكن الصحيح انها تخرج من الحنجره نفسها و لا علاقه بينها و بين الهاء او ما سواها مما يختص مخرجه بالحلق، فهى الحرف الوحيد الذى يخرج من الحنجره و كانها الحرف الوحيد الذى يخرج بغير هواء، فلا حاجه لها فيه.

ولك ان تكرر ما فعلت من قبل، فضع الفا ثم همزه ساكنه هكذا: اء)، ثم رددها حتى يتبين لك ما ترى.

اما الالفات في كلمه التوحيد فقل فيها ما قلته في الهاء، و كى تتبينها قل ا)، او اا و انظر هل للالف الثانيه مخرج ام لا و كانها هى الشيء الوحيد الذى ليس هو بحرف و ليس له مخرج، و كانه موضوع كى لا يلتمس ما قبله بما بعده، و كانه فاصل لسر لا يدركه المتكلم، و لكنه بالغ الاهميه في فرز الكلمات و تجزئه الكلمه الواحده احيانا.

وليس عجيبا كونه انه الحرف الوحيد في اللغه الذى لا يقبل الحركه فنحن نقول ساكنا، و هو في حقيقته ليس حرفا كى تبحث له عن حركه او سكون، كما يزيدك ثقه فيما انت فيه الان ان بعض المتحدثين كالوعاظ مثلا اذا ابطات عليه الكلمه و هو بصدد قولها ظل يطلبها بصوت لا حروف فيه حتى يجدها، فتراه يستمر بصوت شبيه بقولك ا).

وامر اخر حرى بك ان تتفطن له و هو ان لو كان الالف حرفا لصارت حروف الهجاء تسعه و عشرين، فلا تنخدع بقولنا الف باء تاء، بل هى همزه باء تاء، الخ.

واذا علمت هذا السر في تركيب الحروف و ما تحمله بعد ذلك الكلمات من رموز و مفاتيح فحرى بك ان تحرص ما استطعت في دعائك على الجمل و العبارات الماثوره لانها حريه بالموافقه و القبول اكثر مما لو كانت من تاليفك و اجتهادك.

ولا يعنى هذا انك لن تجد شخصا قد يلهمه الله عباره نورانيه كتلك الماثورات، و لكن اجتهادك ان تدعو بما و رد ادعي للقبول.

ومما يدلنا على ان الحرف شيء اخر غير ما يفهمه الناس اننا لم نر او نسمع ان احدا و هو يقرا قد نسى مره نطق احد الحروف في كلمه ما ، او تلعثم في اخراجه كما لو اراد ان ينطق الراء في كلمه غيرهم فجعلها باء مثلا، او جعلها ثاء او اي حرف من حروف الهجاء غير الراء، و انت تعلم ان كل شخص قد مر عليه ان تلعثم يوما في نطق كلمه ما ، او نداء شخص ما ، فناداه باسم اخيه او باسم زميله خطا، و ربما ذكر ثلاثه اسماء قبل ان يوفق الى نطق الاسم الصحيح لذلك الشخص المنادى، فلماذا لا يحصل مثل هذا في الحرف داخل الكلمة و كل تاويل او تبرير ستذكره سادفعه بقولى لماذا.

فلو قلت مثلا ان اللسان تعود على نطق الحرف بتلك الصوره اللفظه فساقول لماذا تعود لماذا صار هذا النطق ملازما لذلك الحرف لماذا لا تخلط بين نطق الحروف احيانا، لا سيما مع السرعه في القراءه او الحديث لماذا لم يتعود لسانك على نطق اسم ابنك بدون خطا او تلعثم، و لكن الحقيقه التى لا محيص عنها هى ان هذا سر انعم الله به على الناطقين، و لا اظنك ستجد شيئا في هذه الدنيا لا يخطئ به البشر الا نطق الحروف.

وبالعوده الى سر الحرف و مواقع حروف الكلمات، و موافقتها حال انطلاقها من القلب الى نور او فتح كونى الله اعلم به، و بتامل ما تقدم بشان لا اله الا الله، تدرك اشياء كثيره سوف تخطر لك في يومك و ليلك، و تستنج ان الحرف كلما و افق سره كلما اضاءت لك في الكون ناحيه و كلما قارب سره كلما كان دون ذلك، فقل النور او خفت، و من هنا صار الماهر في قراءه القران مع السفره الكرام البرره لانه و افق سر كل حرف و قع عليه لسانه، فكانه ابلغ في نوره حتى وصل درجه نورانيه لا يحرزها المتلعثم فيه ممن لا يجيد التشكيل، حيث اخفق هذا الاخير في هندسه الاسرار و تركيب الرموز.

وبعض الجمل كما تعرف جاهزه متاحه قد تمت صناعتها، فما عليك الا توظيفها او التلفظ بها ليحصل لك مؤداها، كجمله سبحان الله و الحمد لله و نحوهما، بل و القران كله.

وهناك من الكلمات النورانيه ما لا يصل اليها كل ذهن، اي قليل هم الذين يفتح الله عليهم فيقعون على نسق من الحروف يهدى الى نور لم يسبقوا اليه، بل قد لا تعرف كتابته في علم ما بعد القلم، كما حصل ذلك من الصحابى الذى ابتدر كلمته بعد ان رفع من ركوعه اثنا عشر الف ملك ايهم يكتبها اولا، ثم انهم لم يعلموا كيف يكتبونها حتى قال الله اكتبوها كما قال عبدي.

وانت تعلم ايضا ان هناك مجموعه من الحروف لو اهتدي اليها لسانك لاصبحت اسعد الناس. و لكن الله اخفاها عن ان تكون عند كل احد، ذلكم اسم الله الاعظم، فتامل كيف اذا ائتلفت تلك الحروف شقت لك الحجب فلا ترد لك دعوه و لا يمتنع سؤال، و كانها مفاتيح لمعان او انوار او قدسيات، بل هى كذلك.

ولطيف السر الذى ادعوك لتامله هنا هو تفاوت الاسماء في التاثير مع انها لمسمي واحد، فكلمه الله و الحى و الواحد و غيرها تدل كلها على ما يدل عليه اسم الله الاعظم، فما الذى جعل هذه الحروف تختلف في الفعل و التاثير عن حروف كلمه الرحمن مثلا و تامل بنحو ما تقدم ما يفتح الله به على نبيه محمد صلى الله عليه و اله و سلم يوم القيامه من المحامد و حسن الثناء ما لم يفتحه على احد من قبله، ثم يقال: يا محمد، ارفع راسك، سل تعطه، و اشفع تشفع .

وبعد ان علمت ما علمت اراه من الجميل ان الفت نظرك الى انه امامك متسعا او فضاء سحيقا لتعمل فيه افلاك خيالك فتعود الينا بكشف قد يحل بعض اسرار حروف فواتح السور، فما معنى ق و ما معنى طسم و لماذا فاتحه السور و لماذا وضعت و نحن الى اليوم لا نعرف لها اي معنى هل الحرف كلمة هل الف لام ميم جملة ما الجامع بين سور البقره و ال عمران و العنكبوت و السجده و غيرهن كى تكون فواتحها الم)؟

ان الحروف لاسرار بين يديك، وان كانت موهبه في رسمها الا ان نطقها لا يحتاج الى رسم، فليست نقطا و انحناءات و زوايا، بل ان الاول لم ينقط، و لكن الفاقد لا يعطى و الجاهل لا يدري، و لذا كانت قيمه الملكه و متعه المواهب، فما معنى الملكه عند من يملكها و ما قيمتها عند من لا يملكها ايا كانت، شعرا او ادبا او رسما او فنا، ذلك ان الله اودع في ذهنك او في كينونتك حسا يحسن موافقه الاسرار النورانيه الكونيه فاذا اتجهت الى شعرك او ادبك او فنك سهل عليك تلمس ما تشاء بفضل ما اودعه الله فيك من اله نورانيه نسميها الملكه او الموهبه او الذائقه و هى بلا شك نعمه عظيمه وايه عظيمة.

وهناك من يوظفها كما ارادها الله فتجعله يسبح في فلك الله منتظما مع كائناته كما تسبح الكواكب و المجرات، كشاعر مكافح منافح، او عالم فذ شرح و طرح، او اديب او رسام او نحو ذلك، و هناك من يبتغى بها غير ما اراد الله، فهى كيد اساء صاحبها استخدامها او كلسانه، او هى كنعمه ذكاء او دهاء او شكيمة.

فالقصد ان الحرف سر اذا ائتلف مع سر اخر اصبت منه ما علمت مما سبق، و من الحروف ما تم وضعه و تجهيزه مسبقا ليصيب معنى معينا كما وضعت الافعال و الاسماء، تامل مثلا قولك: اليك عني ،اي: اذهب بعيدا، او ابتعد عني.

فلو جزاتها لوجدتها كالتالي: الى ك عن ي ، حرفى جر و ضميرين، فلا صله لها بالاسماء و المسميات على تفصيل في الضميرين لا يتسع له المقام هنا.

فالضمير ليس اسما و انما رمز لشيء، و مما يدلك على ذلك ان المد المنفصل في التلاوه غير معتبر مع الضمير، لانه لا يقوي عليه، كقوله تعالى: انا احيي)، و قوله: انا اخوك)، و قوله: بدانا اول)، و غيرها، فليس اسما، و ليس هو ككل كلمة.

فالحرف بمفرده مع عظم شانه – لا يعدو كونه بيننا و في نظرنا كائنا لا وزن له، كمثل ذلك الرجل الذى غصت المكتبات بكتبه، و صنع الرجال و علم الاجيال بعلمه و ادبه، فلربما رايته مره غافلا او رثا يتسوق او مستلقيا نائما لا تجد فيه تلك الصوره النورانيه الساطعه اللامعه التى ارتسمت له في ذهنك عبر السنين من خلال ما قرات له و سمعت عنه.

فاذا وضعته في المكان الصحيح و تبوا مقامه او منبره اشرقت الكائنات من حوله مما يبعث في النفوس و يقول، و كانه مشكاه نور او مفتاح حجاب، فكذلك الحرف، تراه تافها لا تابه به حتى اذا انتظم مع غيره تجلت قيمته فحكم في المعني و قضى، و اذا فهمت هذا فعليه و من هامشه لا بد لك ان تفهم امرين لا ينبغيان، احدهما صنو الاخر.

اما الاول فهو استحقارك نفسك فيما تجد و تقول، فالناس وان استهوتهم الهمزه و اللمزه فانهم ينظرون اليك حال حديثك اليهم و كانك شيء كبير، فكلامك مهما قل فهو ذو اثر، لانهم لا يحسون بما تجده انت في نفسك من تهيب او ضعف او انتقاص او قصور، و لانهم في دور المستمع الذى لا يحرك ذهنا في تكوين او استباق ما ستقول، فهو مستمع سالب هنا، فيعظم في نفسه كل ما تهديه و تصنع له من افكار و من معان جاهزه لم يشق في حصولها طرفه عين، بينما انت في دور الصانع او المضيف، فقد يصنع الصانع او الحرفى سلعه او اله تعجب ناظريها و قد كان في خجل من امره يوم ان كان يجمع خيوطها و اعوادها من سواقط الاسواق، لان الناس راوها جاهزه بعدما كانت، بعد ان تخلقت و شخصت بشكلها الذى كان، بينما كنت انت صحيبا لها مذ كانت فكره عائمه منقوصه فكنت مصاحبا لها منذ قطيعاتها الاولي قبل ان تكون شيئا يجمع له الذهن فيرتسم له صوره خاصه به.

ومن هنا قال الناس: من عرفك صغيرا حقرك كبيرا)، لانه – اول ما راك – لم يرك بعد اكتمالك، و انما كان معايشا لك منذ قطيعتك الاولي و لحيمتك الضئيله فكانه كان يعيش بداخلك او بداخل احداثك فلا يفجؤه منك غريب مهما كبرت و كبرت اعمالك.

وهكذا يري من نفسه صاحب الحرفه المبتدئ، و هكذا يري المتحدث لمعايشته احداث كلمته داخل ذهنه حين يلقيها، فربما ارتبك في تقديم او تاخير او حذف او تبديل من غير ان يحس به المستمعون، فذهنه مليء بالحركه و الربط و التغيير و الاستبدال و التاخير و التقديم و الذكر و النسيان و الاغراء و الاحتراز، فتهتز ثقته بنسب متفاوته بينما المستمع لا يري منه و لا فيه شيئا من ذلك كله، و لا يحس بغير ما يلامس اذنيه من كلامك المنظم المنضبط الجميل.

اضف الى ذلك ان المتحدث يحصى من نفسه كل عثره مهما كانت، فتعظم امامه و تشغل باله، بينما المستمعون هم من مشارب شتى، فما يراه المتحدث اخفاقا في هذه العثره قد يراه اخرون صوابا، و ما يراه تقصيرا قد يراه الاخر حكمه و نباهه و ما يفطن له بعضهم من حركه او زله بدنيه او فكريه قد تفوت على كثيرين، وان لم تفت فقد لا يدركونها او قد يؤولونها.

فالمحصله انه يتعذر على اي مستمع ان يحصى كل ما احصاه المتحدث على نفسه، فلتكن اكثر جديه و رجوله في تعاملك معهم اذا حدثتهم باى حديث لانهم يرونك اكبر مما تراه في نفسك، و يستمعون اليك اكثر و افضل مما تعتقد، و ربما انشرحوا اليك باجمل مما تعطيهم، و هذه تشرحها لك قصائد الشعر اكثر، كمقوله المتنبي: ابن جنى اعلم بشعرى مني).

فاحذر ان تستعين بما يضحكهم كفعل كثير من المنهزمين، فان مستمعيك منجذبون و مستسلمون الى حديثك اكثر مما تمليه عليك ظنونك و وساوسك.

وهنا يبرز تنبيه لا بد منه، و هو الحذر من ان تحط من قيمه ما عملت فتقلله باعينهم، كان تقدم بكلمتين قبل عرضك انتاجك او محاضرتك، تنتقص بهما ما ستقدم و كانك اقل مما يطمعون، فتجعلهما اعتذارا ابتدائيا كى تقى نفسك انتقادا محتملا. و هذا الفعل كما انه يخدش كبريائك في نفوس مستمعيك فان فيه تحطيم لك نفسك بمعولك، و كانك حينما و قفت تبذل في منتوجك و تحقره كانك لا تجد في نفسك قوه العزيمه التى تجعلك ندا او قدا لمهاره هذا الفن.

فاذا اعجب الناظرين ثم غمروك بمديحهم و الثناء انتشيت ساعتها فتسلقت على اكتاف كلماتهم مرتبتك التى تقاصرت عنها قبل قليل، فالفضل او بعضه لهم و ليس لك لانهم هم الذين حملوك على اكتاف كلماتهم، و لست انت الذى ارتقى، بل انت الذى قزم و تقاصر و الذى اعجزته شجاعته من ان ينهض بقدر ابداعه فخذلت نفسك و غمطت ابداعك، و انت الذى اطفات عند المتلقى جذوه التهيؤ و شوق الاستشراف و الاستبشار بجديدك، ذلك الجديد الذى عكرته بانتقاصه و اضعفته بانتقاصك.

وما نشوتك بعد استعجابهم و قد قدمت بانتقاصه الا زياده دليل على ضعف في شجاعتك التفاخريه و على نزول منك بمقامك المفترض، ذلك النزول الذى حاذيت به درجه تقييمك انت لابداعك بنفس مهزوزه او مهزومه و قد يكون عامل ذلك – و بكلمه اوضح – هو الخوف، و الخوف نقيض الشجاعة.

وكم هى فاعله و راقيه كليمات التهيئه و الوصف المتعقل لابداع المبدع قبيل تقديمه الا تري انجراف المجتمع الى شيء ما بسبب مدحه و عزوفهم عنه بسبب ذمه كما تفعل الدعايه و ضدها لسلعه او فكره او شخص او مبدا، مع ان هذا الذم او ذاك المدح قد لا يوافق شيئا من حقيقه هذا الشيء، و مع ان الناس ايضا يرون ذلك الشيء الموصوف و يعايشونه، و لكنه سر الاسلوب و سحر الكلمه و ربما و افق الحقيقه و لكنه ذكاء المتلاعب بالاسلوب كقول ابن الرومي:

فى زخرف القول تزيين لباطله و الحق قد يعتريه سوء تعبير

تقول هذا مجاج النحل تمدحه وان تعب قلت ذا قيء الزنابير

وكلمه تجرح و كلمه تداوي، و الحقيقه هى هي، و قصه عمرو بن الاهتم و الزبرقان عند رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم محفوظه و معروفه و ما كان جانب عمرو الحقيقه و لهذا قال و قد صدق: والله ما كذبت في الاولي و لقد صدقت في الاخرى).

وكنت في فصول المدارس لا استغنى عن مثال اردده في مثل هذه المقامات، ففيه توضيح مقنع على اهميه اختيار الاساليب و الكلمات و مدي تاثيرها في الاتجاه الذى ترغب ان تستميل اليه المستمع، فلو اردت ان تصغر طفلك في نفس السائل من غير ان تكذب لقلت مثلا: عمره سنتان و تسعه اشهر)، و هو كذلك على الحقيقه فاذا ما احتجت الى تكبيره في مقام اخر فانك تقول بعد ثلاثه اشهر يدخل السنه الرابعة)، و ما كذبت في الاولي و صدقت في الثانية.

اما الثانى من الامرين اللذين لا ينبغيان فهو خاص بك انت ايها الشاهد المشاهد، انت ايها الجمهور، فلا ينبغى لك ان تستحقر الرجل من ملبسه او مسكنه او بنيته، فاذا فعلت فانه يضرك و لا يضره، فالواجب ان تشرف بنفسك و روحك فتجعل طريقك اليه و تواصلك معه ليس من خلال جسده و لحمه و ثوبه و نعله، بل من خلال كينونته العلميه و مناخه الفكرى بعيدا عن الاجساد او الذوات، كما يقع تماما منك وهو الصحيح مع من سبقوك بقرون، اولئك الذين تركوا لك جهدا اكبرتهم من خلاله لا من خلال الهيئه و الملبس، و لو خرج عليك احدهم من برزخه لربما عجزت نفسك ان تنسب علمه ذاك اليه.

فاجعل تواصلك مع غيرك تواصلا روحانيا في تسام و تلاطف، لا تواصل اثواب و جلود واحداق كما يفعل المتبلد الاكول. فالصفات غير الذوات.

وليكن ابصارك لغيرك و حكمك عليه من خلال قلبك كما يقع من الاعمى، لا من خلال عينك، و متى تحقق فيك هذا كنت ابعد الناس عن الغيبه و النميمه و عن كل اعراض الناس لتنزهك عن شكليات العيون و سموك عن معكراتها، و لن تستطيع ذلك ما لم تكن قلبا كريما، و في الحديث لا يبلغنى احد عن احد من اصحابى شيئا، فانى احب ان اخرج اليكم و انا سليم الصدر)، اي: في تواصل مع الاخر و تلاطف لا تعكره حصائد العيون و اوهامها و احكامها و لو كان حقيقه و لا شك ان هذا المنهج يبنى الامه و يحمى المجتمع.

وعودا على بدء اقول ان الحرف سر او هو سن في مفتاح متى اهتديت الى وضع غيره معه من الاسنان في نسق معين انفتح لك من نواحى هذا الكون و جواهره و ارواحه سماء او جوهر بقدره.

وكلما كانت هذه الكلمه او هذا التركيب او هذا الكلام تلميحا – اي بعيدا عن مباشره المعني المراد و مسه مسا – كلما كان ارق، و كلما كان ارق كلما كان ابعد في الخيال، و كلما كان ابعد في الخيال كلما اخيلت الاحلام و انبتت الاقلام، و كلما اخيلت الاحلام كلما كان الكلام اكثر اثرا و تاثيرا او اطرابا و اعجابا.

فمتي ابتعدت عن مباشره المعني كان الكلام اكثر بلاغه ورقه ورمزيه من كونه كلمه و معنى و كلمه و معنى كما تفعل العامه و السوقه و كلما كان رقيقا كلما كان اكثر تحررا و بعدا عن قوالب الالفاظ و اوعيه الحروف، و كلما كان اكثر تحررا كلما كان الطف و اسمي و اقل سطورا و ارق نورا، و كلما كان الطف و اسمي كلما كان ابعد خيالا في نفس متلقيه و اكثر ايحاء و ادعي للخواطر و اجلي للحجب.

وكلما كان كذلك كلما طالت شروحه و كثر شارحوه كقصيده عصماء، او كفرائد المتنبى و اشعاره في بعض تجلياته و نورانياته اللغويه الادبيه العذبه الجامعه التى ارتقت حتى ذاب فيها الحرف فصرت تنظر الى نور او فهم من غير اله تعيقك او انيه تقتر عليك، فلا اله هنا و لا و عاء تتناول بواسطته المعني فيعيقك كما تعيقك كثره حروف العامه و السوقه من الناس، لان كثره الحروف و الالفاظ و سوء التركيب ناتج عن عدم اعمال الخيال، فليس الا فك و لسان و رغبه او خبر، فيتخشب المعني و يتبلد الفهم و يكون الكلام اشبه باوعيه الطبخ و اوانيه او ادوات البنائين و الات الحرفيين، فلا عطاء فيه و لا ابداع لعدم دخولك اصلا خيالا تسيح في عوالمه و تلتمس من ايحاءاته، و هنا يكون الفرق بين كلام السوقه و تحبير الملهمين.

فكلما كانت الجمله او البيت او المقوله اكثر ايحاء و اكثر احتمالا و اكثر رمزيه في عمق و غموض لا يفسد المعني بل يضيء الخيال، كلما كان الكلام ابلغ بدرجه لا تبالغ اذا وصفته بالسحر. و هكذا وصف العربى ابن العربيه القران يوم لم يجد في خياله متسعا لادراكه، و هكذا وصف النبى مقوله عمر في الزبرقان: ان من البيان لسحرا).

ومن القصائد و الاساليب الادبيه ما ينتهى بك احيانا الى افاق قد لا يحيط بها الشراح، و لهذا اختلفوا، فتطول الشروح و يكثر الشراح و ربما اعجزت معانيها و مراداتها الاقلام و الاحلام مع انها كلام بشر كبعض جوامع الكلم في الاحاديث النبويه البشريه بل ربما عجز قائل البيت عن تفسير بيته و هو قائله، لانه لم يصنعه صناعه و انما اهتدي اليه بنور انفلق له فقاله.

وكم هم الشعراء الملهمون الذين لا يملكون من الثقافه ما يحاذى عشر ما يحبرون من قصائد و فرائد بل ان بعضهم قد لا يحسن الحديث اذا ما تحدث، و لو قال قصيده لاهتز له كل و جدان، انه الحرف و سره فسبحان من الهم و اعطى.

الي هنا انتهي الكلام عن الحرف وان كان في حقيقته لا ينتهي، و لكنها خواطر في خاطره عرضت لى فاحببت ان يشاركنى فيها غيري، فيقرا او ينقد او يرد فنستفيد و نفيد.

وقد كان بودى ان ابسط شيئا عن الشعر فاتناول موهبته و عذوبته و سبل مراوغته التى لا تجتمع مع النثر بحال، فتجد الشاعر يصوغ الفكره الواحده باكثر من صوره خياليه و هذه تناقض هذه و لكنه الشعر الذى لا يقال لصاحبه: مه)، و كنت اود ايضا الكلام عن شعر التفعيله و من تشاعر بنحوها، فعسي ان يتيسر ظرف و محل اخرين مناسبين، و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين.

494 views

اسرار الحروف العربية