يوم الخميس 12:46 صباحًا 21 مارس، 2019


البيت الذي يشير الى ثقل الزيارة بسبب طول الاقامة هو

بالصور البيت الذي يشير الى ثقل الزيارة بسبب طول الاقامة هو 17979

 

كيانك الهش في القطارات

القطارات التى تمر بى و تعبر مسرعه مبتعده و التى لا الحق بها و لا اصعد اليها و لا اغادر معها، هى نفسها القطارات التى اذهب معها باحلامي، و اكون ما خوذا بها اكثر من تلك التى اكون على متنها، مسافرا بالفعل.

هذا هو الانطباع الذى انتابنى حين رايت القطارات لاول مره في حياتي، و خصوصا تلك القطارات الاوروبيه الفائقه السرعه التى ما ان تنغلق ابوابها المعدنيه امام كيانك الهش، حتى تنطلق عابره طبيعه لا سلطه لحواسك عليها، مخترقه اماكن لا تراها الا لمحا، و ما رقه الفيزياء غير ملتفته لاحلام الناس المنتظره المتاخره و الخاسرة.

****

ترك البيت

اى معنى، يمكن فهمه او ابتكاره او اكتشافه، لترك البيت و السفر للاقامه في مكان اخر: مكان بعيد، غريب، متعذر التنبؤ به؟

ثمه جناح شاسع من سماء زرقاء يحلق و يهبط ليسلمنى لحضن اخضر،
كنت في الطائره احملق بعينين تائهتين يتوجب انتشالهما من الندم.

لكن،
ما ان انسحقت عجلات طائره الخطوط البريطانيه على ارض مطار برلين، حتى شعرت بان التجربه اكثر من جديره و لا يليق بالكاتب ان يتاخر عن تجربته مهما كان السبب.
مطار برلين، لاول و هله منحنى شعورا غامضا باننى في القريه المجاورة. مطار صغير و غير متوقع، نظرا للسمعه و المكانه التاريخيه لمدينه برلين. فما ان خرجت من باب الطائره حتى صادفت الحقيبه امامي، سحبت الحقيبه الثقيله و استدرت بها للخروج، فوجدت السيد توماس هارتمن يلوح لى باطمئنان. بادرته بدفقه اعتذار كثيفه عما سببته له من ارباكات طوال اشهر الاعداد للزيارة.
– هل انتظرت طويلا
اجابنى توماس:
– كنت سانتظرك على كل حال.

يتوجب عليك ان تصادف شخصا يستقبلك في المطار مثل السيد توماس)، لكى تنال شعور الاطمئنان باكرا في البلد الغريب الذى تضع قدميك فيه. ثمه طاقه حميمه يحسن هذا الكائن بثها في روحك. ليس، فقط، لفرط قدرته على دفق الحديث المتسارع المرح فيما يقدم لك تفاصيل الطريق و المكان و لمحات تاريخيه عن زمانه، لكن خصوصا لكونه يرغب في وضعك داخل المدينه دفعه واحده بالعديد من المختصرات، لكى يحلو له التفرغ، كلما تسني له الوقت لرفقتك، لعرض المزيد من التوسع في تفاصيل هذه المعلومه او تلك.
بعد ان انطلقنا بسيارته الحمراء الصغيره ، اكتشفت اننى كنت كمن يواصل معه حديثا انقطع يوم امس.
كان الطريق سبيل الاسترخاء بعد توتر استغرقنى اياما طويلة.

هل انا في قريه العالم؟

****

غابه في الشرفة

احتجت الى ظهيره كامله بعد ان تركنى توماس)، كى استعيد توازنى الروحي، و ابحث عن انسجام فيزيائى مع فضاء الشقة. هذا هو الطابق الرابع و الاخير من المبنى. سعيت الى بعض الاوكسجين لتنشيط الدم المتخثر، لكن ما ان فتحت النافذه حتى انهالت اضواء الشمس الجديده من سماء بالغه الزرقه وحشود لا نهائيه من خضره الاشجار.
هذا هو الهجوم الاول و الهزيمه الثانية.
لقد كنت و سط واحده من اجمل غابات برلين و اكثرها كثافه او على الاقل هكذا شعرت لما اجتاحنى من الخضره الاسرة.
اخذت نفسا عميقا،
وتذكرت فجاه لحظه بسط لى توماس رساله الدعوه في واحده من ليالى مدينه المحرق، حين جاء العام الماضى برفقه قافله فاطمه المرنيسي في زياره ثقافيه الى البحرين.
قلت في نفسي: ليس ثمه عبث في ما ترسمه لك اقدار الكتابة.
فالمحرق ليست كل العالم.

****

الطيران فوق خشب الارض

فى الشقه ذات الارضيه الباركيه الخشبيه كنت اتمني ان اطفو مرتفعا عن الارض لئلا اسمع و قع خطواتى التى ظننت انها تفزع كل ساكنى الادوار الاربعه في المبنى. كيف يحتمل الاخرون سكنا يصر تحت اقدامهم طوال الوقت، و كل هذه السنين، و ربما مدي العمر. كنت اتفادي النهوض عن سريرى قدر الامكان، متنازلا عن الحاجات الضروريه طوال الليل، لئلا اوقظ قاطنى المبنى، خشيه ان اتعرض للتوبيخ في الصباح.
ضحك احد الاصدقاء عندما اخبرته بالفكره التى تفزعنى في غرفتى الموحشه و قال لي: على العكس، يتوجب ان تكثر من السير في الشقه كي، على الاقل، تؤنس وحشتك، و انت و حدك في الليل و النهار.
لا اعرف،
ربما اعجبتنى الفكره لحظتها، لكن دون ان اجرؤ على تطبيقها.

****

نافذه الانترنت

يمكننى وصف حالتى بالمجنون التائه في اليوم و الليله اللذان قضيتهما في الشقه بدون خدمه الانترنت، و ربما حسبت ان تلك بدايه غير مناسبه لئلا اقول غير متوقعه و انا الذى وضعت توفر خدمه الانترنت شرطا اولا في الاتفاق مع السيد توماس.
واوشكت على الفزع الى درجه ان احلاما كابوسيه قد نجحت في تحويل ليلتى الاولي في برلين الى ما يشبه الهستيريا المكبوته و شعرت فجاه ان الجحيم يكمن لى في السرير لشده الحر، فوجدت نفسى اتصل بالسيد توماس هاتفيا لكى اخبره اننى لا استطيع النوم في هذا الجو الخانق. و لكن ما ان سمعت صوته على الطرف الاخر من الخط، حتى شعرت فجاه بالحماقه التى ارتكبتها و انا ازعج هذا الشخص و سط عائلته، و(توماس من النوع الذى تشعر به على الفور فما كان منه الا ان تنفس الصعداء كمن يستعيد طاقته على استيعاب ثورتى غير المتوقعه و قال لى ان الطقس عنده جيد، و ما على الا ان افتح النافذه في الجانب الاخر من الشقه لكى اترك الهواء يتخلل المكان. كانت هذه الملاحظه بمثابه الصدمه لذهنى الشارد، و خجلت ان اشرح لحظتها كيف ان الخلل ليس في الطقس و انما في الوحشه التى تكفلت بليلتى الاولي في المكان الغريب، وحيدا بلا نافذه الانترنت.
حسنا،
سافتح النافذه في الشقه لكن ماذا عن نافذتى الاخري المطله على الكون؟

اجلت شرح الحاله الى اليوم التالي.
لم يكن ذنب توماس و لا غيره،
حظى اننى وصلت في نهايه الاسبوع، العطله المقدسه في عالمهم، حيث لا احد يترك عائلته لكى يمدك بتجهيزات خدمه الانترنت، و على الانتظار حتى صباح اليوم التالي؛ الاثنين.
بدا صباحى يوم الاثنين باكرا، و جلست انتظر اخصائى الانترنت الذى جاء في موعده تماما، التاسعه و النصف، و كنت انتظره منذ السادسة.
كيف يمكننى تفسير ما يحدث لى كلما تعذر او انقطع اتصالى بالانترنت؟
فى برلين، كما في كل مكان اسافر اليه، سيكون توفر الانترنت في الغرفه شرطا لازما يتوقف عليه تلبيه الدعوه .. هذا شرطى الوحيد، لا اكثر و لا اقل.
فى برلين، منذ يوم الاثنين المبارك، كانت خدمه الانترنت في الشقه اكثر من ممتازة. فضلا عن ذلك كان هناك خط هاتف دولى متاحا طوال اقامتي، غير اننى لم اكتشف ذلك الا قبل رحيلى بيوم واحد، و بقيت طوال الوقت استخدم هاتفى المحمول في الاتصالات الدولية.
لقد كانوا على قدر كبير من الكرم، و لم اكن متطلبا بما فيه الكفاية.

****

كاس تلعب بالكون

المانيا برمتها منشغله عن كل شيء، بكاس العالم. فدوره 2006 تقام مبارياتها في مدن المانيه مختلفه و من بينها برلين التى تحولت الى معسكر حماسى لتشجيع بالغ التنوع، لفرق مختلفه ابرزها، بعد الالماني، الفريق البرازيلي.
ياتى التشجيع هنا، بعد الفريق الوطني، لمن يلعب جيدا، و خصوصا لمن يعطى نتيجه جيده في صالح الفريق الالماني. برلين صارت بفوز المانيا على الاكوادور ساحه كرنفال وطني، ليس فقط لفوزهم بثلاثه اهداف نظيفه و بارعه و لان فريق الخصم خطير الى هذا الحد، لكن لان هذا الفوز منح الفريق الالمانى النقاط الكافيه لتفادى اللعب مع الفريق الانجليزي، الخصم التقليدى في مثل هذه المناسبات.

للوهله الاولى، ستبدو مصادفه المونديال غير مناسبه او مربكه لزياره ادبيه كهذه. غير اننى سرعان ما شعرت بان الامر ليس فقط اكثر تشويقا من الايام العاديه لكنه ساهم حسب ملاحظه اصدقاء المان ايضا في خلق مناخ اجتماعى وضع الالمان، المعروفين بجديتهم و تحفظهم، ضمن سياق نفسى و حاله اجتماعيه مبهجه بحيث يسهل معها على الغريب الاستمتاع المشترك بالحاله الجديده للناس، و هذا مما ساعد فعلا على اقامه لحظات نادره من الاتصال بنماذج مختلفه من الالمان، و بمستويات ثقافيه غنيه التنوع.
ربما لان انخاب العالم التى كنت اتبادلها مع الكثيرين في المراكز الثقافيه و المقاهى و الساحات العامه و الحدائق، في جو شعبى بالغ الحيويه هى انخاب كونيه الروح بالمعني الدقيق للكلمه حيث تصل اعداد الحشود احيانا الى الالاف، مشدوده الى الشاشات العملاقه لمتابعه المباريات متخففه من الاعباء الاجتماعيه التقليديه التى عاده ما تحبس الالمانى في حدود ضيقة.

ما عليك الا ان تاخذ الشراب الذى تحب،
وتاخذ مكانا امام الشاشه بين الجالسين او المفترشين ارض المكان،
وتاخذ لك فريقا تشجعه،
وتاخذ الامر ما خذ المتعه
ثم تاخذ كل ما سيحدث بروح رياضيه
وتاخذ راحتك على الاخر.

***

الرياضه هى ايضا ضرب من الثقافة

الرياضه هى ايضا ضرب من الثقافة..
فى برلين، سيبدو الامر بمثابه الطقس اليومى تحت قبه شاهقه و شاسعه من الوان المتعه الاجتماعيه ليس فقط لمن لم يعش موسم الدوره العالميه لكاس العالم في مدينه غربيه لكن خصوصا لمن جاء من بلاد احتكر فيها ما لكو الارض و الفضاء حق بث المباريات بطريقه تحرم ملايين العرب من متابعه متعتهم الرياضيه الاعظم.
اقول ثقافه لكى اشير الى مفارقات لا تكف العقليات الاحتكاريه من وضعنا في مهبها قرابين التجاره الفجة.
فى برلين، فيما ازورها للشان الادبى و الثقافي، سيصادف اننى اكتشف فداحه ما يحدث من حجب تدريجى لابسط متع الكائن في مناطقنا التحت ارضية.
ثقافه لان مصادرات الثقافه عندنا، و هى شان نخبوى لا يزال، ستطال يوما بعد يوم الحاجات الشعبيه العامه اخشي ان لا تكون المتابعه الرياضيه اخرها.
فى برلين، ستلاحظ كيف يستوي، الذين يلعبون و الذين لا يلعبون، في لحظه انطلاق صفاره الحكم لبدايه المباراه و من لم تتح له ظروفه الحضور الحى في ملاعب المدن الالمانيه يستطيع متابعتها عبر شاشات العرض العملاقه في كل مكان، من غرفه البيت الى اكبر الملاعب و الساحات و الحدائق العامة.

اقول ثقافه ايضا، لكى اشير الى ان اول مباراه تابعتها في برلين كانت في احد اكبر المراكز الثقافيه في هذه العاصمه العريقه ثقافيا و هو بيت ثقافات العالم)، حيث كانت اصوات مئات المشاهدين تتعالى في قاعه المركز الكبيره التى كانت تشهد في الايام نفسها اكثر من نشاط ثقافى و فني، مثل المعرض الخاص بامريكا اللاتينيه من كتب و اشغال و مصنوعات فنيه كما كان هناك حفل موسيقى برازيلي، و حفل اكاديمى لمناسبه تخرج فوج جامعى جديد.
كل ذلك في المبني الكبير ذاته الذى يشكل تحفه معماريه بعد اعاده تعميره في السنوات العشر الاخيره و هو المشروع الثقافى المتخصص و المفتوح لفعاليات الفنون العالميه ليتحول من مرفق حكومى على حدود سور برلين، مجاورا للنهر، الى مركز اشعاع ثقافى تتجاوز نشاطاته حدود المانيا، مسهما في الحوار الثقافى مع شعوب العالم.

منذ اليوم التالى لوصولى برلين، شعرت برغبه لابد ان استجيب لها و اقنع بها الاصدقاء منظمى برنامج زيارتي، ان يشمل برنامج زيارتى حضور اهم مباريات كاس العالم. كنت اظن اننى اقول شيئا جديدا، ففيما كنت احاول شرح اقتراحي، اخبرونى بان ذلك ما خوذ بعين الاعتبار، و ليس هذا فحسب، بل كانوا قد برمجوا مواعيد ندوات برنامجنا في الايام التى تخلو من مباراه مهمه او من مباراه يلعب فيها الفريق الالماني.
بهذا تيسر لى ان اتابع اهم المباريات اذ كلما كانت الرياضه شانا اجتماعيا، صار لها ان تتقاطع مع الشان الثقافى و تغنيه و ذلك بوضع الروح المتعصبه في مهب الروح الرياضية.

كيف سيتسني لنا ان نري الى الولع بكره القدم بوصفه شانا ثقافيا، و نحن في سياق اجتماعى و معرفي، و ضمن منظومات لا تري في الثقافه ذاتها شانا انسانيا، منصرفه الى الرياضه باعتبارها حقلا اكثر اهميه من الثقافه الامر الذى يجعلنا نخسر الاثنين معا: الثقافه و الرياضة.
الطقس في برلين، شارك باعتداله في جعل الايام الرياضيه مشمسه طريه تسمح بالانطلاق خارج البيوت، في الساحات و الحدائق، و هو ما لا يحدث كثيرا حتى في مثل هذه الفتره من السنة.
كان الطبيعه صارت ايضا رياضية.

****

فال طيب

قبل موعد الوصول بايام قليله بعث لى توماس يخبرنى بتاجيل رحله الضيف الالمانى ايليا توريانوف لاضطراره البقاء في ميونخ لحضور حفل استلامه الجائزه المهمه التى حصل عليها عن كتابه الجديد جامع العوالم).
بقى ايليا لحضور المناسبه الاستثنائيه التى يستحقها بالفعل، و ليستجيب للعديد من البرامج التلفزيونيه و اللقاءات الصحافيه مع و سائل الاعلام العالميه ثم ليتابع الصعود السريع الملحوظ لمبيعات كتابه الحاصل على الجائزة.
قلت: هذا فال الطيب.

****

مؤلفات ايليا ترويانوف:

  • الاسطوره و الحياه اليوميه في شرق افريقيا 1993
  • حراس الروح مقابلات مع كبار السن في زيمبابوي،
    1996(بالاشتراك مع الكاتب الزيمبابوى شينجارى هوف)
  • كتاب عن عودته الى بلغاريا 1999
  • علي خطي الرحاله المستشرق ريتشارد بيرتون
    (كتاب عن رحله الى تنزانيا 2001
  • علي امتداد نهر الكنج: الى الضفاف الداخليه للهند
    (عن رحلته الى الهند 2003
  • الحج الى المنابع المقدسه للاسلام 2004
  • جامع العوالم.
  • اكاديميا درس علم الاجناس الاثنولوجيا و هذا ما قد يفسر توجهه في الكتابة)
    اعتقد ان اختياره خضع لتجربته في الاجواء الحاره و اهتمامه بالكتابه عن الرحله .
  • انه عالم كبير و ملاجئ انقاذ في كل مكان اولي رواياته) 1996-
    (عن عائله من البلقان تلجا الى ايطاليا)
  • مراسل لعده صحف المانيه في الهند 1998

(ايليا توريانوف في البحرين
(Ilija Trojanow)

تعرفت على ايليا توريانوف)، في البحرين، ثم و اصلت الاقتراب من مشاغله اليوميه في برلين و ميونخ، و هو لا يزال في غمره مشاغل و متطلبات فوزه بالجائزه ليصبح احد الشخصيات الشهيره في المانيا. راقبته عن كثب و هو في قلق كتابه مقالته الاسبوعيه ذهبت معه الى مكان عمله، و الشقه التى يقيم فيها و تقع في المبني ذاته الذى يعمل فيه في دار النشر المتخصصه بالكتب الفنيه و المصوره و تصميم و اصدار المطبوعات المختلفة. حضرت معه اكثر من مقابله صحفيه و اذاعيه كان فيها يتحدث عن حياته و كتبه. لاحظت ان الذين يعبرون عن اعجابهم بتجربته، لا يشيرون فقط الى اسلوبه الحيوى و طريقته في التعبير الادبي، بل و يمتدحون ايضا طاقه السفر لديه لاكتشاف العالم مباشره و بكل حواسه، في زمن تندر فيه التجارب المهمه الخاصه بادب الرحلات. ربما موهبه ايليا)، في ما لمسته من بعض مما ترجم من كتابه الاخير الى العربيه تكمن في قدرته على خلق ذلك المزيج الفعال من السرد الروائى و ما يمتلكه من لغه شعريه و معرفه و قدره على الوصف المباشر و خلق التشويق المكتشف في لحظه ابداعيه متفجره العواطف، خصوصا في وقت قد لا يكترث فيه القارئ بكتاب يتصل بالمعرفه اذا لم يتوسل التشويق الادبى و رشاقه الاسلوب. سوف ينتظر القارئ العربى بعض الوقت ليتعرف على رحلات هذا الكتاب و لغته الادبيه و حسب ايليا فان ثمه مشروعا و شيكا يجرى الاتفاق عليه لترجمه كتابه جامع العوالم الى العربيه عن طريق دار نشر عربيه في المانيا.

****

المثقف الكوني

منذ ايامنا الاولى، و كلما صادفتنا معضله او موقف يشى بتخلف ما ، اقول: ماذا نفعل، سنحتاج بعض الوقت لكى نتجاوز هذا.
يقترح ايليا توريانوف حلا جذريا الثوره ..
غامزا من قناه تجربتى السياسية.
فاضحك قائلا: لقد فات اوان الثوره بمثل تلك الطريقة.
لكنه لا يياس، مؤكدا ان ثمه طرقا و اشكالا مختلفه للثوره .. لئلا يتاخر هذا المجتمع عن العالم.
ثمه حلم حقيقى و صادق يصدر عنه الصديق الالماني، فهذا الذى عاش و اختبر اكثر مناطق العالم فقرا و تخلفا و بعدا عن سياق الحداثه يعرف جيدا قسوه ان يظل المجتمع محروما من حقه في الحضارة. غير ان الامر سيختلف بالطبع هنا. البحرين ليست افريقيا و لا الهند، كل هذه البلدان المختلفه قائمه على منطقها الخاص. المشاكل و المعضلات في البلاد العربيه تزداد تعقيدا دون ان تحصل على فرصه لايجاد حلول جذرية. هناك الحروب المتواصله المستعره تحت سمع و بصر انظمه غير مكترثه بتوفير اوضاع تستحق الامل على الاقل.

غير ان ايليا)، فيما ينطلق بفتوته الحماسيه مقترحا تجربه ادبيه تتصل مباشره بالعمق الانسانى للحياه متسلحا بموهبه جديده و اسلوب ادبى اخاذ حسب تعبير اكثر من قارئ المانى سمعته)، منخرطا في العمل الصحافى الحر، من شانه ان يمنحنا فرص التعرف على تجربه المثقف الكوني، كما احببت ان اسميه اثناء حوارات برلين. و ظنى ان التكريم الذى ناله بعد فوز كتابه جامع العوالم بالجائزه و احتفاء جهات المانيه و عالميه رصينه بتجربته، و ترجمته الى لغات عده كل ذلك كان بمثابه التحيه الحضاريه للشخصيه الجديده للمثقف الكوني.

يقدم ايليا نموذجا لافتا لمصادر تجربته الثقافيه المتجذره في موطنه الاصلى بلغاريا، ثم انتقاله المبكر الى المانيا بعد فرار عائلته من العسف الشيوعى في منتصف الخمسينات، و تمتعه بالجنسيه الالمانية. في كتاباته يهتم باكتشاف و دراسه و كشف افاق المجتمع الانسانى في جوانبه المتازمه اجتماعيا و اقتصاديا و حضاريا، منتجا نصوصا باهره عن افريقيا و اسيا مصقوله ببصيره المثقف المبدع و بحثه الجاد و الطموح. انه يقدم تجربه مشحونه بالدلالات، فيما ينهمك في تلك القضايا بحريه و من غير عقد تقليديه غالبا ما يتعثر بها مثقفون كثر مثقلون بارث تاريخى او رازحون تحت و طاه ايدلوجيا جاهزة. انه يذهب الى كل تلك المناطق الفقيره و المتخلفه بشغف الباحث، و ليس فضول المتفرج.

(ايليا توريانوف)، كلما توغلت معه في حوارنا المتقطع، تكشفت لى مساله غايه في الاهميه و هى كيف تقيم حوارا مع مثقف و اديب ينتمى الى لغه اخرى، و الى جيل اكثر منك حداثة؟
بالنسبه الي، لم اتعثر بفارق العمر بيننا. و هو ايضا لم يبد تبرما او استياء من طبيعتى المحافظه التى تبرز بين وقت و اخر، بل سوف يصادف ما يناسبه مع اولادي، دون ان تفوته فرصه اطلاق التعليقات الذكيه على ذلك.

فى الفصول التى قراتها من كتاب ايليا توريانوف)، التى ترجمها ببراعه المترجم الفذ جونتر اورت)، تعرفت على السرد الروائى السلس و المشوق الذى استطاع ايليا ان يشد به القارئ، كما تبين لى ما يمكن وصفه بالحساسيه الانسانيه التى يشى بها النص طوال الوقت. لقد كان قادرا، كما يكشف الجزء المترجم، على الاحتفاظ بالمعادله الرشيقه بين ذهنيه السرد التاريخى و جماليات الفن الروائي، و لعل هذه الخاصيه قد ساعدت على وضع كتاب جامع العوالم في سياق متميز من التجارب الادبيه دون ان تقلل من اهميته الصحافيه التى يهتم بها عمل ايليا توريانوف المهني.
وتجدر الاشاره هنا، حسب مختصين المان، الى موهبه ترويانوف اللغويه حيث يكتب بلغه غير لغته الام، و يجيد استخدامها على احسن و جه… و الالمانيه اصعب من الانجليزية.

****

(جامع العوالم)

منذ اللحظه الاولي سيبدو الاختلاف بينى و بين زميلى في هذا المشروع بالغ الاتساع، اذ ان طبيعه الكاتب ايليا توريانوف و تجربته و خبرته تختلف تماما عني، فهو الاديب المعروف اساسا، نصا و شخصا في كونه احد الماخوذين بالسفر بوصفه مصدرا للابداع و لطاقه الكتابه و قد اشتهر بذلك، و نال جائزه كما سلف و ذكرنا، عن احدث كتبه جامع العوالم)، و الذى اخذ منه سنوات امضاها في الكتابه عن رحلاته.

ربما هذه المصادفات هى واحده من نقاط التشويق التى ستمنح تجربتنا المشتركه جانبا من الطرافه و ستتيح لشخصين من جيلين و لغتين و تجربتين مختلفتين فرصه اكتشاف عالميهما، المتباعدين و ربما المتناقضين، من خلال هذا الاختلاف.

حين اتي ايليا توريانوف البحرين، بدا كمن ينتقل من غرفه الى اخري في البيت نفسه الذى يعرفه جيدا، فبيته الان هو العالم.
اما بالنسبه الى فقد بدت التجربه ضربا من المعاناه دون ان تفقد تشويقا من نوع ما .

****

غير ان برلين

علي رغم الفتنه التى ادهشتنى لاول و هله فيما كان السيد توماس هارتمن يطرح على فكره الاقامه في برلين عده اسابيع، فان لاوعى الكائن المتحفظ في، و الذى يؤثر السكون و الاستقرار، استيقظ مستنفرا ضد رغبه الكائن الاخر في الذى يميل الى السفر و الاكتشاف. و بدات اضع العراقيل امام الدعوه و ابتكرها في حرج و حيره متذرعا بطول الفتره و مشاكل اللغه و تفاصيل بلا معنى. فيما بقى السيد توماس طوال اشهر الاعداد للزياره يعبر عن حماسه للفكره محاولا تشجيعى و شد ازري، حتى انه حاول ازاله كل العقبات ملبيا رغبتى في اختصار فتره الاقامه من سته اسابيع الى ثلاثة.
كيف يمكن لاحد ان يفوت فرصه انسانيه باهره كهذه؟
لا احسن التقدير بلا قلق، فانا الذى كنت استجيب لكثير من الدعوات الادبيه في السنوات الاخيره و التى غالبا لم تكن تستغرق اكثر من خمسه ايام ، في احوال كثيره كنت اختزلها لاعود سريعا الى البيت.

غير ان برلين امر مختلف، و كان على معرفه هذه الحقيقه مبكرا، لئلا يكون شعورى بالخساره فادحا الى هذا الحد. فقد كنت ضحيه نوع مما يمكن تسميته فوبيا الغياب عن البيت)، الى درجه ان شعورا بالمرض الجسدى انتابنى يوم السفر، مع اضطراب في دقات القلب، و بعض القلق، فاضطررت الى تاجيل رحلتى عده ايام عن الموعد المحدد، الامر الذى اوقعنى في حرج كبير و اربك برنامج الزياره المعد سلفا برفقه زميلى في المشروع ايليا توريانوف).

الان،
يمكننى قول التالي:
حتي لو كان مكسبى الوحيد من هذا المشروع التعرف ب(ايليا توريانوف)، فهذا مكسب جيد و كاف، و كان جديرا بالمغامرة.

****

12 كولانجروف، المتفرع من شارع كودم

سكن برنامج الفنان المقيم التابع للاكاديميه الالمانيه شقه في الدور الرابع و الاخير، من عماره طاعنه في التاريخ و بلا مصعد. لعل هذا كان امتحانا بمثابه النعمة.
حتي ان الالم الصغير الذى حملته معي، و جئت اصعد به ببطء ثقيل درجات السلم التى لا تكاد تنتهى في تلك العتمه المريبه كان لا ينى يكبر و يتضاعف في كل مره اصعد فيها، و ربما مع كل درجه من ذلك السلم المفرط في حياده، الى حد انني، فيما ارتقى تلك الدرجات كان ينتابنى شعور ممض باننى انحدر من جرف سحيق.

قادم من حاله تضاهى المرض، مع حقيبه ثقيله و حماس منقطع النظير الى مكان يضاهى البيت. فما كان من السيد توماس حتى تجشم معى عبء حمل الحقيبه عبر الادوار الاربعه و راح يعرفنى بمكان الاقامة.
طماننى بدايه الى ان خدمه الانترنت ستكون متوفره صباح الغد، ذلك ان اليوم هو الاحد و لا احد يعمل. سبقنى فهزمني، عاده لا استطيع الانتظار ليله واحدة.
لا ينقص الشقه شيء على الاطلاق؛ من الهاتف الى ورق الكتابه الى تجهيزات المرافق الاخرى. يبقي فقط ان افتح حوار استئناس مع كل هذه التفاصيل، و حدي.
عرفت من توماس)، ان العماره مخصصه لضيوف مؤسسه DAAD في مشروع الاقامات الفنيه في برلين.
كل منهم في مكانه، لديه مفتاح الباب الرئيسى و مفتاح شقته. لم التق احدا، لم اتعرف باحد.
وليس من العدل ارجاع وحشه المكان ليلا و نهارا الى التزام كل المقيمين بشققهم، فالمكان ليس للاجتماع، انما للنوم و العمل.
ثمه مواقع اخري تستطيع فيها اللقاء بمن تريد.

****

نسيان الحرب لا يكفي

ليس الاحتفاظ بذاكره الحرب فحسب، لكن الاستمرار في صقل هذه الذاكره بما يجعل المرء قادرا على النجاه من تكرارها في الحياه الجديدة.
طرات هذه الفكره في بالى و انا اتامل دلاله الابقاء على كنيسه شارع كودم المصابه من جراء الحرب العالميه الثانيه انها بمثابه الاحتفاظ بدرس الموت للحياة.
كذلك الاحتفاظ باثر سور برلين بعد هدمه، لئلا تتعرض الذاكره للسهو و النسيان. فليس عبثا و من غير دلاله الاحتفاظ باثر امتداد سور برلين داخل ارض المبانى المشيده حديثا على طريق السور بعد ازالته، و لعل اللافت خصوصا ان ذلك يحدث في بهو المبني الجديد لاذاعه برلين. اذ عندما دلفت ذلك المبني الضخم، برفقه الصديق ايليا توريانوف)، حيث سيتم تسجيل لقاء اذاعى معه، لاحظت على ارضيه البهو خطا رخاميا يبرز بشكل لا يستقيم مع بقيه هندسه المكان بحيث يبدو كما لو يشطر المكان، لكنه ينسجم فنيا مع العمران العام.
عندما سالت عن ذلك، شرحت لى الموظفه التى كانت في استقبالنا، ان سور برلين كان هنا. عند خروجنا من المبني شاهدت جزءا قديما من السور لا يزال محفوظا امام المبني الجديد، لكى نلاحظ كيف يشكل هذا الجزء امتدادا هندسيا للاثر الحديث الموجود داخل البهو.
لاحقا، بدات الاحظ ان ثمه مواقع كثيره في الشوارع و المنعطفات و بعض الحدائق القديمه او المشيده حديثا لا تزال تحتفظ باثر رمزى من ذلك السور الذى صار جزءا من تاريخ المانيا الحديث.
وكان هناك من يريد ان يقول بان ثمه درسا يتوجب تفادى تكراره.

****

المتحف في المنعطف التالي

كلما عبرت تقاطع شارع كودم مع شارع اخر و لمحت اللافته الكبيره التى تشير الى متحف، “ايروتيك”، غالبت رغبه مكبوته لزيارته، مستسلما لفتنه الدلاله الاجتماعيه التى يشير اليها.
اكثر من المانى كان يبدى عدم ارتياحه لفكره هذا المتحف، حين نعبر ذلك التقاطع، لكن احدا لم يعترض على وجوده، فكل فرد له حريه ان يحب ما يشاء دون ان يكون ذلك الموقف حكما يصادر حق من يحب ذلك في برلين.
اعرف ان في برلين مظاهر اكثر جراه و تحررا من هذا المتحف، لكننى رايت في هذه الفكره ضربا من النظر الى هذا النوع من النشاط الانسانى بوصفه جزءا من التاريخى البشرى الذى يتوجب رصد مراحل نشوئه و تطوره و تامل تحولاته و تبلوره في الحياه عبر التاريخ.
وربما سيتحتم علينا التعاطى مع هذا الامر بقدر كاف من الحس الحضاري، في معزل عن الحساسيات الطهرانيه التى قد تفوت علينا احيانا فرصه اكتشاف ما يقترحه العقل و الخيال البشريين في الطبيعه الانسانيه المتعلقه بالنزوع الجنسي، الذى ربما سيظل احد اكبر مكونات و عناصر و دوافع حياتنا.

بقيت حتى مغادرتى برلين خاضعا للترسب الاجتماعي، الذى يحول دون ابداء رغبتى في زياره ذلك المتحف، فاتيقن مجددا من سطوه التربيه التقليديه التى تشدنى الى اتخاذ بعض المواقف الرجعيه حتى الان.
فاسال، كيف يتسني لنا التعرف على انفسنا، في البيت و خارجه.

****

قبل السور و بعده

من شرفه الطابق الاعلي من مبني اذاعه برلين، يمكنك ان تشاهد البانوراما العمرانيه المشيده بعد سور برلين، بمظاهرها و خطوطها الهندسيه الاكثر حداثه و الممتزجه في ايقاع بصرى رشيق، بعدد كبير من القبب المذهبه المنتشره و التى تشير الى المبانى القديمه ذات الهندسه التاريخيه التقليديه الامر الذى اضفي على المنطقه رونقا باهرا يجمع بين الاحتفاظ الواعى بالاثر العمرانى القديم، و هى ظاهره تميزت بها برلين، و بين النزوع الحضارى للعماره الجديدة.
ومن الشرفه ذاتها يمكنك ملاحظه مجمع مبانى الحكومه الالمانيه بكل المرافق المختلفه و المخصصه لعائلات موظفى الحكومة.
فهمت من مرافقتنا ان ثمه من يري في هذا المشهد الجديد جوابا متناغما على اسئله مرحله ما بعد السور.
عند الالمان، سيظل هدم السور حدثا يشار الى ما قبله و ما بعده بوصفه نقطه انعطاف فاصله في التاريخ الالمانى الحديث. لكن دون ان يكون هذا الوصف حكم قيمه نوعيه على ذلك الحدث، فليس كل ما يحدث و يصير و اقعا هو امر حقيقى ناجز، ثمه اكثر من جيل سيختلف في تقدير ذلك الحدث، ليس كحدث توحيدى في حد ذاته، لكن باعتبار المنجز الايجابى المتحقق بعد ذلك، و ما اذا كانت اداره ذلك التحول منتجه و مثمره من قبل فئات مختلفه من الجيل القديم و الجيل الشاب، لديهم ما يستحق التوقف و الاصغاء، عندما يحتفظ بعضهم برايه و انطباعه و تحفظاته. يقال ان المستفيدين من ذلك التحول فئه محدوده وان البعض، ممن فقد ايجابيات العهد الاشتراكى في المانيا الشرقيه لم ينل ما و عد به و جري الكلام عنه في العهد الراسمالي، ربما لان اليات العمل و وسائط العيش الفردية لم تصادف استعدادا ذاتيا لدي الجيل القديم الذى كان يتمتع بتامينات و معاشات اشتراكية). في حين ان قسما كبيرا من الاجيال الشابه سيجدون في منطلقات التحرر، في المرحله الجديده ما يستجيب لنزوعهم و احتياجاتهم، و هم الاجدر بالمستقبل، و يحق لهم هذا دائما.

****

توماس هارتمن، يضاهى شجرا طائشا
(Thomas Hartmann)

عند السيد توماس)، الشيطان ليس في التفاصيل، فثمه ملاك مستنفر يجعل توماس محض راصد يقظ يعتبر تفاصيل زيارتك و شؤون احتياجاتك في اعلي سلم اهتماماته و من اولويات نشاطه اليومي، منذ استلامك رساله الدعوه و حتى وداعك في مطار برلين راحلا.
سيقول لك، معتذرا بكياسه يوم و صولك و استقبالك و استقرارك في مقرك ببرلين، ان طبيعه التزامه بعمله اليومى قد تاخذه عنك طوال الاسبوع فيما عدا السبت و الاحد اذ سيخصص لك الوقت كله. لكنك لن تفتقده ابدا، لانه سيفعل الشيئين معا، حيث سيؤدى مهماته الخاصه دون ان يغفل عن برنامجك اليومي، اما من خلال اتصاله الهاتفى بك شخصيا، او من خلال المرافقين العاملين و المتعاونين معه في برنامج الاستضافة. هكذا تكون حاضرا في صلب برنامجه اليومى طوال الاسبوع، ايام العمل و عطله نهايه الاسبوع، لا يغفل عنك و لا يترك لك غفله عن نفسك.
مجموع رسائله الالكترونيه التى احتفظ بها في ملف الزياره تكفى لاستكمال ملف نموذجى عن شخص يبسط طقسه البرلينى على ضيف يتعثر في زيارته الادبية.
غير ان حديث توماس المتدفق سوف يحقق عده امور في اللحظه نفسها، اذ ستكتشف شخصا يحسن ما يفعله دون ادعاء، و يكسر جهامه المؤسسه و هو على الاخص سيفسر لك الموج الحاشد من خضره الاشجار التى تبدو كانها تفيض على الغابه المتراميه التى لا نغادرها على طول برلين و عرضها.
مع توماس)، انت تسير مغمورا بالاثنين: خضره الشجر الطائش على الغابات، و موج كلام توماس المتدفق شارحا تفاصيل المكان الالماني، منذ التاريخ حتى محتملات النص غير المرئية.
سيارته الصغيره الحمراء التى اختطفتنا من بوابه المطار الحميم، هى ذاتها التى ستعرف الطريق ربما اكثر من قائدها. و فيما هو منهمك في التعريف بتفاصيل الطريق، و انا اصغى اليه منتبها الى اشارات المرور و المنعطفات و العربات المتقاطره حولنا، خشيه ان يسهو عنها، هو الذى لا يسهو ابدا، تيقنت انه يحسن انجاز اكثر من مهمه في وقت واحد، حتى انه عندما انكسر محول السرعه في سيارته بعد اسبوع من و صولي، تاكدت ان ذلك يحدث لفرط اعتماده على السياره في عمل كل شيء.

شارع كودم Kurfürstendamm)، الشهير في برلين، باتجاهيه المتعاكسين و الذى تظلله الاشجار الكثيفه في الوسط و على الجانبين، لا يزال يحتفظ ببعض بريقه المخطوف بعد هدم السور.

انظر..
يقول لى توماس). هذا كان الشارع الاهم في برلين قبل هدم الجدار. الان انتقل كل شيء الى هناك، و يقصد الجانب الشرقى من المدينة؛ المتاجر الكبيره بماركاتها العالميه و موضاتها الكلاسيكيه الشهيره و التنوع المدهش للمطاعم بكل جنسياتها. و يستطرد توماس في سرده المدهش لطبيعه الشارع، منحرفا نحو المنعطفات الداخليه و مواصلا استعراض التعدد اللانهائى للمطاعم التى جرب معظمها شخصيا و خبر مميزات بعضها و سلبيات بعضها الاخر، مشيرا الى ذاك المطعم الذى لم يعد مهما بعد ان غادر مطبخه ذلك الشيف الممتاز. في تلك الانعطافه الفاتنه للمطاعم، منحنى توماس بعض النصائح ذات المغزي التى لو يدرى كم هى حيويه بالنسبه لشخص مثلى ما ان يغادر بيته حتى يصاب بمشكله اختيار الطعام المناسب.

(توماس بشرحه المشوق بلا توقف، يظل قرينا مميزا يسابق اندفاعات الاشجار الخضراء التى تحيط بك و ترافقك و تنتقل معك في الشوارع، و تكمن لك اينما حللت، كان ثمه من يحمى هذه المدينه بجيوش خضراء.

فى الدور الرابع من المبني الذى اقيم فيه، ما ان فتحت نافذتى حتى اندفقت الغابه كامله في الشقه و شغلت الغرف و الممرات و السطح و السقف. خضره غمرت الروح اليابسه ثم بدات تعبث باشياء المكان و تطوى السجاد و تنثر اوراق المكتب و تتصفح الدفاتر و تدير ازرار الكمبيوتر على هواها.
خضره رافقتنى منذ و صولي، و لا ازال مكنوزا بها.
لنتخيل كائنا بحريا يعود محملا بالغابات.
لقد احببت ذلك فعلا، و بدات اندم على اختصار وقت الاقامه الى هذا الحد.

****

وجوه مروان باشي كانت هناك
(Marwan Kassab Bachi)

احتفل به العرب لمناسبه بلوغه السبعين، قضي خمسين منها عند الغرب، في المانيا.
احتفلوا به بعد ان انجز تجربته الفنيه بحريه حلم بها في بلاده بما يكفي، و تحقق في المشهد التشكيلى العالمى بهدوء الناسك و زهده.
لماذا يحتفل العرب بمبدعيهم بعد الموت او قبله بقليل كم يعبرون عن فرح الخلاص منهم؟!
جاءنى صوته عبر الهاتف منسربا مثل لون ازرق مشحون بشجن نادر. سبقنى في الاتصال مثل طفل يرهقه التاجيل و الانتظار.
جاء في الوقت المحدد، و اخذنى من مكان اقامتى بسيارته ذات اللون النبيذى الرائق.
دقائق الارتباك المتوقعه لم تصمد في حضره هذا الطفل الملتحى بفضته العتيقة.
حين يتحدث بصوته الناعم، عليك ان تبذل بعض الجهد لكى تلتقط كلماته. جلست الى جانبه فراح يتحدث كمن يواصل كلاما انقطع قبل ساعة. عثرنا على مداخل كثيره للحديث. تهيبت ان اساله عن غربته، لكنه سمعني. فقال: نشرب قهوه في البيت، ثم نخرج الى العشاء).
طفق في العزف مفتتحا: هذه المدينة..)،
وانخرطت معه في سيره الخمسين عاما في برلين، يتكلم عن المدينه كمن يتحدث معها، او ربما يتحدث مع نفسه عنها.
التقيه للمره الاولى، لمحتى الاولي لوجه مروان باشي اختصرت مسافه كانت تحجبنى عن الوجوه التى لا تحصي في لوحاته. وجوه مفتوحه للبصر و البصيره تستدرجك لكى تتوغل في ذاكره الراس كلما عبرت طبقه لونيه لكى تتفجر في و جهك اعماق الوجه في غبار و شظايا.
غير ان مروان يمعن في التقدم نحوك بوجوه جديده تسبق و جهه الطفولى الذى يشبه حديقه مقصوفه توا بتسعه كيلو غرام الوان.
وجه مروان لا يختلف كثيرا عن وجوه لوحاته الا في الدرجة. انها من النوع ذاته، من التشظى العميق ذاته، وايضا من البحث الهائم ذاته و المولع بعدم الوصول. و حين و قفت اشاهد لوحاته واحده بعد الاخري في مرسمه، لم يكن ينقصنى للتاكد من فكره البحث عن اللاشيء التى راودتنى في طريقنا الى بيته الا ان يطلعنى على واحده من اجمل تجاربه حميميه و جلدا في الرسم. فقد راح يمرر امامى كدسه كثيفه من الصور الفوتوغرافيه لعمل فنى واحد ثابر في العمل عليه في اكثر من خمس و سبعين حاله و تعرض العمل لعدد كبير من التحولات شكلا و رؤيه و وجوها، بدرجه بالغه الذهول، و استغرق من الوقت ما يكفى لخمسه معارض تقريبا، حسب تقديري.
هذا الولع بالبحث الفنى يلقى ضوءا مهما على تجربه مروان، و يتيح لنا فسحه نوعيه لصياغه تعامل و قراءه خاصه لما ينتجه.
عند مروان باشي)، الفنان يبحث بالدرجه الاولى، لكن مثل طفل، و يبقي على الاخرين ان يجدوا ما يحلمون به.
فى مرسمه الزجاجى منحنى نعمه الاطلاع على تجارب و احجام و رؤي بالغه التنوع و الغنى، حتى اننى رايت الفال الحسن ان يبدا يومى الاول في برلين بتجربه تشكيليه من هذا النوع، ليس و لعا بالرسم فقط، و لكن استجابه لنزعه تلوين العالم، كلما فشلنا في تغييره.
وجوهه لا تحصى، و لا تكف عن اطلاق شهوه التامل.
لم يكن يرسم وجوهه، كانت تقوده في نوع من الرحله المراويه عميقه التحديق.
الالوان عند مروان، هى اداته الماديه و غايته الصوفيه في ان.

لا يمكنك تفادى وجوه قادره على التحديق بك الى هذا العمق و بهذه الكثافة. و ليس لك ان تتفادي ذلك، فكل اتصال بوجه جديد امتزاج بتجربه غريبه و في الغرابه جمال.

لرفقه مروان باشي في برلين متعه خاصه و سبيل معرفه فذ. وان ياتى لياخذك الى عالمه فتلك لقيه حميمة.
سيارته النبيذيه تنساب بسلاسه من ينال كاسه الثالثه في مساء منتش. قياده مروان تختلف كثيرا عن سياقه توماس)، لا اعرف لماذا قفزت هذه المقارنه في ذهنى و انا اكتشف كم كنت مسترخيا في مقعدى بجانب مروان دون ان احمل عبء السياقه معه، حتى لم انتبه تقنيا انه يقود السياره اصلا. كان يجلس الى جوارى فحسب، تاركا السياره تذهب بنا، في شوارع عرفها مروان باشي و راح يتحدث عنها بلطف شديد.
خمسون سنه ليست مزحه في حياتنا المشحونه بالعمل و المكتشفات و المراره لكن ان تكون هذه الخمسون لعربى في برلين!
قلت له: لعلك شاركت في تاسيس التاريخ الحديث للمدينه و ربما اسهمت في رسم شوارعها و رويت اشجارها بسهر الاف الليالى الخضراء. عشت في خضم التحولات و المنعطفات العاصفه التى مرت بها هذه المدينه التى كانت واحده من اهم المدن و اكثرها حيويه و فعاليه طوال ثلثى القرن الماضى و كل ما قبله، و لعلها في الحرب الكونيه الثانيه كانت و رده الرماد لتلك الحرب.
بين مكان اقامتى و داره مسافه ينبغى ان لا تزيد عن عشرين دقيقه لكننى خلتها الزمن الكثيف كله الذى امتد خمسين عاما. كان مروان متدفقا في الحديث عن التجربه التى نقلته من احياء دمشق الى مدينه برلين في رحله بحث مريره و خيارات في الدرس و الموهبه و العمل بصوره اغنت حياته وجعلته يعرف ايه وجوه ترصف له طريق العمر، لكى يسكن اخيرا في شارع باسم الشاعر الاشهر هيرمان هيسه). كان المصادفات المبدعه هى التى هيات ذلك ل(مروان باشي)، و هو الذى تولع اضافه الى الرسم، بالادب و الكتابه و حلم دوما بوضع الابداع في سياقه الحضاري. يخبرني، و نحن ندخل في غابه كثيفه رحبه الطريق، حديثه التخطيط و بالغه الهدوء، ذاهبين الى بيته، المختبئ في حضن احد الغابات.
منذ سنتين اشتري مروان هذه الدار و اشتغل على ترميمها بحيث خصص منها مكانا للسكن و اخر للعمل: رسما و كتابه و تاملا.

****

يقرا احوال الطقس في برلين

حين عبرنا باب الدار، دلفنا مباشره من باب مقابل فوجدت نفسى في حديقه متوسطه على الجانب الداخلى من البيت. و قبل ان اجلس على مقعد خشبى بجوار طاوله من ذات الخشب، بادرنى سائلا: هل تشعر بهذا الجو المكتوم، المشحون بسخونه ما هذا يحدث دائما قبل اي انفجار عاصف في الطقس). لم ينتظر تعليقي. اشار الى انها حاله تنذر بالرعد و المطر.
لقد كان يقرا شيئا يعرفه. ربما شيئا كتبه ايضا. لا اعرف.
اعد شاى الدارجيلينك الطيب الرائحه و راح يحكى عن تجربته الاثيره مع عبدالرحمن منيف. كنت اريد ان اسمع منه عن هذه العلاقه فعلا، بعد ان قرات ما كتبه عنه منيف تقديما لواحده من اجمل كتالوجات اعماله.
كان منيف قرينه في التجربه السياسيه و الغربة. غاب زمنا في السياسه و النفط، ثم هرب عائدا الى الادب. قال مروان: كانى استعدت حقى فيه عندما بدا يكتب الرواية. كان رفيقى الابداعى الخاص. و تحدث مروان عن فداحه ما يخسره كل يوم و هو يستوعب بتمنع روحى عميق ذلك الفقد. تحدث عن مراسلاته الطويله الغنيه بالحوارات الادبيه و الفنيه التى شكلت له مصدرا روحيا لمكتشفات حياته. تحدث عن اخر رساله استلمها من منيف قبل وفاته بثلاثه ايام.
يبدو ان تلك العلاقه و المراسلات الحواريه مع منيف هى من بين ما صقل نزوع مروان الفطرى للتعبير عن افكاره كتابه فمما اطلعنى عليه و قرات جانبا منه، من مخطوطات و مذكرات، يشى بطاقه اضافيه يتميز بها هذا الفنان قلما نصادفها عند تشكيليين عرب في زمننا. في ما قرات، ثمه حالات تامليه عميقه في المساله الفنيه و محاوره ممتازه للذات ازاء اللوحة.
وظنى ان تجربه مروان باشي في برلين ساهمت نوعيا في تاسيس البعد العقلانى في تجربته الفنية. فقد كان طوال سنواته في المانيا متصلا باكثر التجارب تنوعا، ليس في حقل الفنون فحسب، اذ شارك في العديد من الورش و المشاريع الثقافيه ذات البعد المعرفي، و اشترك مع فنانين و ناشطين ثقافيين مختلفين، ربما كانوا يرون في تجربته الدافع النوعى لما يبحثون عنه في تجربتهم الغربية. خصوصا ان تجربه مروان في رسمه هذه الوجوه الكثيره تقترح، ربما من حيث لا يقصد، رؤيه جديده لمفهوم البورتريه في الرسم. و عندما تذكرت احدي بورتريهات فان غوخ للحظه و انا اشاهد التعدد الكثير لوجوهه، شعرت بان ما شدنى في اعمال الرسام الهولندى منذ سنوات، هو ذاته الذى شدنى الى وجوه مروان. لقد كان فان غوخ يبحث، مثلما يفعل الان مروان، لكن على طريقته، و هو يقترح بلوره باهره لما يمكن ان يكون قد توقف او كف عن النمو في بورتريه فان غوخ العابر بالوانه الخشنه و الكثيفة.
عندما كان يعرفنى على وجوه لوحاته، اشرت الى ذلك الحضور الطيفى المتوالد لملامح عبدالرحمن منيف في اكثر من لوحه في السنوات الاخيره و قبل ان يجلب نفسا عميقا في شكل نفثه قلب، استدركت مؤكدا على خطوره تفسير اللوحه بالواقع، غير اننى اردت فقط ان اسبر هذا التقاطع العميق بينه و بين رفيقه النضالى و الابداعي. و في تجربتنا العربيه يندر ان نصادف علاقه عميقه بين رسام تشكيلى و اديب على هذه الدرجه من التبلور و الحوار، بعكس التجربه الاوروبيه حيث نعرف العديد من التجارب و الصداقات المهمه و المنتجه بين الرسامين و الكتاب بشتي تجلياتهم، مما ترك لنا تراثا جماليا لا يزال يؤثر في اكتشاف المفاهيم الفنيه و اعاده صياغتها.
فيما كنا نتامل فكره التفسير و التاويل للعمل الفنى اتفقنا على ان كلمه فهم ربما لم تعد تناسب او تليق عندما يتعلق الامر بالفن. و اذا لم تكن كلمه احساس تناسبنا فعلينا ان نبحث عن تعبير غير كلمه الفهم الذهنيه التى تنقض العمل الابداعي.
فالقلب لا يفهم، لان الابداع ليس عقلا.

قلما نصادف فنانا متاملا بهذا الشكل، حتى عندما نتذكر شاكر ال الشيخ كمثال نادر، سوف يتاكد تقديرنا لما نفتقده من تامل روحى في التشكيل العربي.
ظنى انه حتى عندما يفكر الفنان العربى فسوف يفسد عمله الابداعى لفرط ذهنيته و مجافاته للعمق، فالتامل حاله اكثر عمقا و فعاليه من مجرد التفكير، بل انها الرواق الروحى لنشاط مخيله المبدع.

هل ثمه ما يتوقف هنا على مصادفه ان يعيش الفنان العربى في الغرب؟
لا اريد ان اري في تجربه العيش في الغرب حكم قيمه ناجز في كل الاحوال. لكننى لا اريد تفادى هذا السؤال لئلا اخسر فرصه التعرف الصريح على تجربه مروان باشي و غيره. بالطبع لابد من توافر طاقه الذات اليقظه لتامل ما يحدث، فربما كانت الحياه في الغرب، بسبب كونها تجربه مكتسبه ثقافيا و حضاريا، تفرض صقلا لحواس الفنان و تشحذ ادوات و مصادر انبثاقه الروحى فيما يصوغ اعماله الفنية.

كان ذلك كله يدور داخل المرسم الرحب، لكن اثناء ذلك، في الخارج، كان الطقس يتحول بالسرعه التى وصفها البعض بانها الطقس البرليني، فما ان خرجنا من المرسم مغادرين الدار حتى واجهنا الطقس العاصف الذى تفجر رعدا و برقا و مطرا بعد احتباس مكتوم، تماما كما توقع او اجزم مروان قبل قليل. صعدنا السياره فبدات الاشجار تنثر شلال اوراقها في الفضاء على مستوي سطح سيارتنا، و المطر يغسل اسفلت الطريق و يبلغنا رسائل غير مقروءة. كيف تسني لهدوء، يكاد يكون صمتا، ان ينقلب في دقائق الى هذا الصخب العجيب. قلت لمروان:
اصبحت تحسن قراءه احوال الطبيعه لفرط حوارك اليومى معها.
قال بصوت طفولى ناعم، لا يتناسب مع الجو: لا تهتم سيهدا هذا كله بعد قليل.
كمن يريد ان يثنى على اشارتى بمعرفته احوال الطقس.
ولم نكد نقطع الغابه في طريقنا الى شوارع و سط المدينه لتناول العشاء الاول، حتى هدا الجو فجاه و شعرت اننا نخرج من خيمه كبيره فحسب. كانت العاصفه مثل كائن هائج يعبر الشارع.
العشاء الاول، الذى دعانى اليه مروان باشي)، كان في المطعم الصغير الذى يملكه شاب مصرى جلس معنا دقائق يساعد مروان على اقناعى بوجبه السمك الذى يشرف على شرائه شخصيا، غير اننى كالعاده لا اقدم على مجازفه تناول سمك لا اشتريه بنفسى من السوق و يكون حيا او من صيد اليوم نفسه على اقل تقدير، الذى سياخذ فيه طريقه الى الطبخ و من ثم المائدة.
فوعدنى بطبق شهى من قطعه اللحم المشويه الستايك)، و كان شهيا بالفعل، و كذلك كان النبيذ.

****

القراءه الاولى
(Kreuzberg)
الصالون الادبي برلين

وصلنا باكرا. قاعه القراءه الاولي في برلين تضم ايليا توريانوف و عاليا ريان)، الالمانيه من اصل فلسطيني، و الشاب الذى سيتولي الترجمه الفوريه للنقاش الذى سيتبع القراءه و الذى سيظهر متعثرا في ملاحقه الترجمه بشكل ملحوظ. قيل لى انه يخطو الخطوات الاولي في حقل الترجمه الفوريه و هذه محاوله لمنحه فرصه التجربة. حظى اننى ساهمت بندوتى في فرصته المبكرة.
فى الرواق الصغير في خلفيه القاعه التقي مشاركون و اصدقاء متوقعون: السيد فرانك ارنولد)، الممثل المحترف الذى تولي قراءه الترجمه الالمانيه لكتاب ورشه الامل)، ليلي شماع مترجمه الكتاب، جونتر اورت المترجم المستعرب الذى يحسن العربيه كاهلها، الفنان مروان قصاب باشي)، من بين الحضور ايضا كان سكرتير من سفاره البحرين في برلين الذى قدم نفسه و ابلغنا تحيات سفير البحرين في برلين الذى اعتذر عن عدم تمكنه الحضور بسبب سفر خارج برلين، و كان بالطبع السيد توماس هارتمن مهندس برنامج ديوان الشرق و الغرب)، و بادرت اللقاء مديره القاعه التى افتتحت اللقاء بكلمه ترحيب.
بعد دقائق قصيره و فيما كنت انسق مع فرانك ارنولد حول الفصول التى سيقراها من الترجمه الالمانيه شعرا و نثرا، كانت القاعه الصغيره مكتظة تشهد حضور جمهور يسرق نفسه من خضم دوره كاس العالم المتوهجه لحظتها. لكنه الجمهور الذى سوف يحتدم في حوار متنوع، لا تنقصه الحده حول مختلف القضايا التى لا توفر السياسه و لا تقتصر على الادب.
فى تقديمه الحميم، فاض الصديق ايليا توريانوف بتاثره الانسانى برفقتى له في البحرين، محدثا الجمهور عما لاحظه من علاقتى اليوميه القويه بالناس، محيلا هذا الى شهرتى في البحرين، و معتبرا هذا دلاله على اتصال نادر بالحياه مشيرا الى التوقف الكثير لتقبل تحيه الناس من جهه و رنين هاتفى المحمول بشكل دائم.
اختار ايليا ان يتحدث عن الجانب الانسانى لتجربته في البحرين، و كنت اخذته منذ الوهله الاولي من المطار الى العائله في البيت، حيث تعرف على افراد عائلتى و تناول في بيتنا عشاءه الاول. و استطرد في انطباعاته عن افراد عائلتى و ارتياحه لابنائى الذين شاركونى في استضافته، و رافقوه الى اكثر من مكان، عندما كنت مضطرا للسفر اثناء وجوده في البحرين. و الحق انه حين بدا يتكلم، بلغته العاطفيه الرشيقه عن سعادته بتلك الرفقه ارتبكت فعلا، لان انطباعه الايجابى خلصنى من شعورى المكتوم بالتقصير معه يوم كان في البحرين، و خصوصا و اننى سافرت مرتين لبضعه ايام و تركته في رعايه عائلتي، الامر الذى جعلنى اشعر باننى لم اتمكن من تحقيق طموح برنامج زيارته لسببين: سفرى من جهه و طبيعتى الشخصيه من جهه ثانيه حيث لا احسن الجولات السياحيه او غيرها، و لا املك الخبره الجيده بالمناطق و المواقع التى رغب في ان يزورها.
وقبل ان ابدا القراءه عقبت على تقديم ايليا مؤكدا ان زياره الالمانى الى البحرين كانت مناسبه ممتازه لكى اتعرف على بعض مناطق البحرين التى اكتشفتها معه للمره الاولى. و اشرت الى بعض المواقف المحرجه اثناء تجوالى معه، حيث كنت ازوده ببعض المعلومات عن مواقع معينه ليكتشف فيما بعد انها معلومات خاطئه كمثال، ميدان النصب الوطنى التذكارى الذى كان قيد الانشاء وقتها لم يكن ميدان سباق الفورمولا 1 للسيارات كما اخبرته اثناء عبورنا بالسيارة. و قد اعتبر ايليا حالتى ما زحا بانها احد مظاهر الزهايمر المبكر لدى الشعراء.

بدات الندوه
قرات ثلاث قصائد، قرا فرانك بعدى ترجمتها الالمانيه ثم قرا فصلين من كتاب ورشه الامل بطريقته الحيه الباهره في التعبير، الامر الذى جعلنى احجم عن قراءه اي شيء بعده. و قد ساهمت قراءته بلا شك في انعاش جو الندوه و فتح افاق الحوار المتنوع، و خصوصا عن طبيعه المجتمع البحرينى و ما اذا كان ثمه دور للعمل الادبى و الثقافى في تحولات هذا المجتمع السريع التغير.
غير ان ما استوقفنى فعلا انتباهه ايليا توريانوف لما يمكن ان تحدثه النهضه العمرانيه في البيئه الفطريه البحريه الجميله التى تتعرض للتقلص يوميا تحت و طاه المشاريع الاسمنتيه و لاسيما تلك التى تقوم على الردم المتواصل للسواحل في جزيره صغيره مثل البحرين.
يتوجب ان تكون لدينا رؤيه و اضحه ازاء سؤال حضارى من هذا النوع، و لا يكفى ان نشير، كما حاولت ان ابرر، بان هذه هى ضريبه التطوير الحديث. لقد شهد ايليا ما يحدث على سواحل الجزيره الصغيره و شاهد عددا من المشاريع العمرانيه التى تنشا مثل الفطر السريع مشكله حزاما اسمنتيا يعتمد على ردم السواحل. عندما اشرت الى الحاجه المتزايده لسكان جزيره صغيره شعرت بمن يمتعض ازاء هذا السبب و هو يعرف عدد السكان في البحرين، ففى البلاد ما يكفى من المساحات لكى تحتفظ الارض بجمالها.
لقد انطلق ايليا من سؤاله الذكى مما قراه و شاهده في مدينه المحرق و هى الجزيره الطبيعيه ايضا. وقتها شعر بان ثمه ما يعرض تلك الاماكن و التراث الانسانى للخساره و ربما شاركه بعض الذين اصغوا ليلتها الى وصف البحر في كتاب ورشه الامل).
ليلتها شعرت، مجددا، كم ان هذا الكتاب يبدو اكثر نجاحا، بشكل ما ، في تحقيق الاتصال بالاخر، قياسا الى بعض النصوص الشعريه التى قراتها في لقاءات برلين، .. هناك سحر السرد الذى يستحوذ على الذائقه الادبيه في البلاد.

ليله الندوه الاولى، تعرفت على احد الاساتذه العاملين في جامعه برلين، و المهتمين بالشان الشرقي، و سالنى مباشره عن مقدار معرفه الجمهور العربى بكتاب غوته الديوان الشرقى للكاتب الغربي)، فتذكرت له الترجمه المبكره التى حققها عبدالرحمن بدوي، و الاهتمام الموسمى الذى يحظي به غوته و ادبه، و بعض الترجمات المتفاوته و المختلفه لنصوصه، منها ترجمه عبدالغفار مكاوى الذى صدر مجددا عن دار الجمل الالمانية/ العربية. فما كان من هذا الاستاذ الالمانى الا ان عبر عن اسفه كون الجمهور الالمانى نفسه لا يعرف عن هذا الكتاب على نحو ما هو متوقع.
وتبلور حديثنا باقتراح ان يعاد انعاش الذاكره بترجمه جديده و طبعه جديده تجرى في احتفاء خاص، تذكيرا بالاقتراح المبكر الذى اطلقته تجربه غوته فيما يمكن وصفه الان بالحوار بين الشرق و الغرب، و ربما كانت هذه الاستعاده ضروريه في هذه اللحظه بالذات حيث يحتاج فيها عالمنا لابتكار الجسور و الاليات الثقافيه التى ستكون اكثر جدوي و فعاليه من الوسائط و الاساليب السياسيه البائسة.
فيما بعد،
عندما طرحت على الصديق توماس هارتمن فكره ان تبادر مؤسسه ديوان شرق غرب بتنظيم ندوه دوليه حول كتاب غوته بشكل خاص، اعجب بالفكره و تحمس لها، لكن دون ان يشير، سريعا، الى ضروره توفر الداعمين لتحقيق مثل هذه الندوه برجاء ان لا يعدم الوسيلة.

****

تضحيات بلا منجزات

ثقافيا، يصعب على الغرب ادراك المفارقات، بالغه التركيب، في التحولات التى يتعرض لها البناء السياسى للمجتمع العربى في السنوات الخمسين الاخيره خصوصا تلك التداعيات التى تلت هزيمه حزيران 1967، بعد انكشاف هشاشه النظام السياسى العسكري، بشعاره الاشتراكى و خطابه التقدمي، ثم بروز الحكم التقليدي، بوصفه البديل المؤجل لما احدثته تلك الانظمه الانقلابية. حتى ان بعض منظرى السياسه و الفكر العربيين، في معرض انتقاداتهم لتجربه الحكم العسكري، يواصلون عقد المقارنات بين ما حدث تحت هذا الحكم، خالصين مباشره او مواربة الى حتميه و واقعيه الحكم العربى التقليدى الموصوف رجعيا في ادبيات الخطاب الثورى السابق)، مقابل طوباويه مشروع النظام العسكرى الذى قدم ابشع نماذج القمع و الديكتاتوريه و الحكم الشمولى و الظلم الاجتماعي.
عندما تحدثت مع صديق المانى صادرا عن ارثه اليساري عن تجربه المشروع الشيوعى في البلاد العربيه الذى بالغ في نسخه و تبعيته لنماذج الشيوعيه السوفياتيه و الاوروبيه و الالمانيه بشكل خاص، كنت اقرا، فداحه مضاعفه السنوات المهدوره من العمل السياسى العربى الحزبي الذى تبنى، فيما تبنى، من المنظومه الاشتراكيه وعلي راسها الاتحاد السوفياتي الاحتقار و النظره الدونيه الفجه للعمل الثقافى و الابداعى بوصفه تابعا، يضاهى البوق، للحزب.
كيف يتسني للغرب المتحرر الان ان يتفهم مقدار التضحيات و الخسارات التى تكبدتها الثقافه العربيه طوال تلك السنوات، تحت و طاه حركات تحرير تبرعت بجعل منظومات التخلف العربيه بديلا مؤجلا لتلك الاخطاء الشنيعه لطريقه النظر و العمل التى منحتنا القهر و الياس.
فى برلين لمست جمال التحرر من تلك الحقبه
وبقى ان نبرا من اصداء ذلك الارث.

****

“نويكولن”
(Neukolln)

عندما اخذنى توماس هارتمن في جوله الى القسم القديم من برلين، و جدت نفسى في الازقه نفسها التى يمكن التعرف عليها في معظم المدن الاوروبيه القديمه بالمبانى المتواضعه و الفقيره ذاتها، و الشوارع المرصوفه بالصخر القديم، و هندسه بيوتها التقليديه القائمه على مزيج من الخشب و الحجر و الطين المتداخل بشكل مدهش. و في تلك المنطقه من المدينه سوف تصادف الخليط و التنوع لجنسيات الناس.
نويكولن واحده من قريتين قديمتين انشئتا في القرن الرابع عشر، بعد تاسيس برلين في القرن الثالث عشر، و توماس لا ينسي شيئا، من انواع النبيذ حتى برنامج المناسبات التقليديه التى تحتفل بها هذه المدينه ففى منطقه لا تزيد على اربعه كيلومترات تيسر لنا ان نزور عددا كبيرا و متنوعا من المعارض الصغيره و الاحتفالات الشعبيه و اسواق الشراب و الطعام و الاعمال الفنيه المبتكره الغريبة.

وفى نهايه الجوله التقينا ب(عاليا ريان)، الفلسطينيه المولوده في مدينه بريمن في شمال غرب المانيا. تتكلم العربيه افضل قليلا مما اتكلم الانجليزية. هى تعمل مع توماس هارتمن في نفس مشروع شرق غرب)، و حدث ان تكفلت بالبحث عن المطاعم الهنديه مساهمه منها في حل مشكلتى مع الاكل. حين اخبرتها ان زيارتى الاولي لالمانيا كانت الى مدينه بريمن، ابدت ارتياحها لكونى عرفت المانيا من المدينه الاكثر هدوءا و رصانة. قلت لها ، بالمناسبه لقد تناولت افضل طبق من البريانى الهندي في مطعم على مقربه من الميناء في بريمن، في منتصف ثمانيات القرن الماضي، و عليك ان تعثرى على مطعم يضاهيه.

اخذت التحدى ما خذ الجد، ليس فقط انتصارا لمدينتها، و لكن ايضا لانها من محبى الطبخ الهندي، مما سهل لى انحيازها لوجبه هنديه عندما ياتى موعد الاكل، الامر الذى جعلنى اغرر بالجميع للبحث عن مطعم هندى مختلف في كل مره لنجد انفسنا في نهايه الامر ننفجر ضحكا و نحن نمسح عرقنا المتصبب لفرط حراره البهارات المدهشه لذلك الطعام الساحر.
كان ايليا قد اخذنى الى مطعم هندى للمره الاولي في برلين، دون ان يكون الافضل. و طوال فتره اقامتى في برلين كان هذا الموضوع ياخذ حيزا مرحا عندما يتعلق الامر بالاكل، و اظن اننى ساهمت في حوار الشرق و الغرب من طريق ذلك الاتصال التاريخى الذى كان سائدا في القديم: طريق البهارات.
ولا تخلو هداياى الى اصدقائى في العالم من حفنه توابل و بهارات من مزج العائلة.

****

لا جنسيه التجهم

تكلم ريلكه، ذات نص، عن شخص يكون الباب الحقيقى للاتصال من خلاله بالعالم. في برلين، سوف تحتاج في كل لحظه الى شخص ما يسعفك مما انت فيه.
فى برلين، تيسر لى اكثر من شخص يساعدنى على الاتصال بالمجره الالمانية. بل اننى صادفت ما هو اجمل من الشخص الواحد، فقد اكتشفت ما يدحض القول الشائع عن التجهم الالماني. و كنت قد حدثت جمهور ندوتنا الاخيره في ميونخ عن هذه التجربة. قلت لهم اننى جئت متوقعا تجهم الشخصيه الالمانيه غير اننى و جدت العكس. لحظتها طاشت القاعه بالضحك، فتاكدت ان التجهم ينحسر دائما كلما سالته: هل انت صباح الخير ايها التجهم؟

صحيح، لكن سرعان ما تكتشف، اذا اردت، ان ثمه استعدادا كامنا لتبادل الاسئله دون ان يكون التبادل دليلا على تواصل منجز سلفا. سوف يتوقف الامر على فعاليه السؤال و احتمالات قدره الاجوبه و مبادراتها على المشاركه في الانفعال. الالمانى لا ينفعل بسهوله لكن حين ينخرط في الانفعال سوف يملا الموقف قصفا بالضحك و يفيض بالاندفاع نحوك.
وهذا كله سيعتمد على المواهب الذاتية.
التجهم لا جنسيه له. و عندما قال لى صديق ان برلين عاصمه التجهم، غبطنى للحظه اننى ذاهب لزيارتها. كما ان التجهم ليس تراثا ازليا في بنيه الشخصيه انها الظلال الهشه الباقيه من خشونه الجبال السحيقه مشحوذه بالحروب الحديثه لكى تجعل الكائن يتحرك على المحكات، كمن يسال الاجوبه فيما يصنع حياته بمعزل عن الاخرين.
لعل المانيا، التى قسمتها الحروب الساخنه و البارده و التى صادف انها نجت من التجربه الاستعماريه للشرق، هى الان جديره بنقض فكره التجهم بدلالته الكونيه فيما تقف الان في مقدمه اكثر الدول الاوروبيه رغبه في محاوره الشرق و التعرف عليه من الشرفه الثقافيه بعدما عرفت الفشل الذريع لكافه الوسائط السياسيه و خصوصا الغطرسه السياسية.

****

دقائق بيتر بانكه الخمس
(Peter Pannke)

لم اكن بحاجه الى اكثر من خمس دقائق لكى اتواصل مع بيتر بانكه)، احد ابرز الموسيقيين المختصين بموسيقي الشعوب في المانيا.
جاء برفقه ايليا توريانوف)، فجلست في المقعد المجاور له في سيارته في طريقنا الى احد المتاحف، و سرعان ما شرعنا نواصل حديثا في موضوع مشترك، هو الموسيقى.
خفيض الصوت، كانه يريد ان يفسح لك المجال كله لكى يصغى لموسيقي الاخرين. حين عرف شغفى بالموسيقي الشعبيه انتعشت حواسه، و عندما اخبرته عن ابنى الذى يؤثث حياتنا بالموسيقى، و انه درس الموسيقي سبع سنوات و يعمل مؤلفا موسيقيا، ابدي رغبه في تجاوزى و التعرف على ابني. فاخبرته عن مصادفه اننى احمل له هديه خاصه عباره عن ثلاثه اقراص مدمجه تضم كل انواع الموسيقي و الغناء الشعبى في البحرين.
خمس دقائق كانت كافيه لنكتشف الجسر المشترك الذى يفضى الى حقل اجمل الفنون الانسانيه ذاك الذى يجعل الشعر كائنا يجلس على الشرفه و يتفرج على صداقه جديدة.
سارع ايليا الى التعريف السريع بابنى محمد الذى سبق ان تعرف عليه و اشترك معه في عزف بعض المقطوعات في دارنا.

فى ما بعد، اخبرنى توماس هارتمان بان بيتر بانكه هو واحد من ثلاثه اشخاص هم الاكثر شهره في مجال موسيقي الشعوب الشرقية.
فى منتصف الخمسينات من عمره، لكنه امضي ثلاثين عاما في الدراسه و البحث في الموسيقي الصينيه و الهنديه بالاضافه الى علم اللاهوت المقارن في جامعات هامبورغ و ميونخ و الهند، كما اهتم بالتجربه الصوفيه في تجليها الموسيقي.
وقد قاده بحثه الى تركيا وايران و باكستان و الهند قبل ان يكتسب سمعه جيده و مميزه في معرفه موسيقي هذه الشعوب. لقد ساهمت مشاغله الفنيه و الثقافيه في تشكيل ما يمكن وصفه بالحوار الموسيقي بين اوروبا و دول الشرق، ساعده على تفعيل ذلك الدور تقديمه للبرنامج الموسيقى المتخصص، اسبوعيا، في اذاعه برلين منذ سنوات طويلة. و بالاضافه الى عدد من المؤلفات المطبوعه في كتب، يعمل حاليا على اطروحته الاهم في الموسيقي الشرقية)، فقد انتج و شارك في اكثر من خمسين قرصا مدمجا خاصا بالموسيقي الشرقيه المختلفة.
فى تلك الدقائق الخمس التاليه على المقعد المجاور له، فيما كان يقود سيارته المكتظه باربعه اشخاص يطيشون حوارا، تيسر لى التعرف على شخص مولع بما يشكل في هذه اللحظه الكونيه مدخلا انسانيا للتعرف على تجربه البشر من خلال اكثر اشكال التعبير فطرية. و هو ما سوف يجعل الشعر ضيف شرف في حفل صوتى بالغ الحيوية.
لا ادرى لماذا دفعتنى هذه اللحظه لان اضع تجربه بيتر بانكه في سياق اكثر رحابه مستحضرا ظاهره الشعر الصوتى التى تتوسع في السنوات الاخيره في عموم اوروبا، دون ان يتوفر لدى تفسير مكتمل. كان ثمه ما يشى بان اجتهادات، مختلفه الدوافع، تذهب الى مصادر فطريه واحده لاعاده قراءه التجربه البشريه في الغرب من خلال جذورها في الشرق.
كيف يمكننا ان نفهم و نتفاهم مع هذا الولع المعرفى المميز الذى تمثله تجربه بيتر بانكه)، اذا لم نضعها في سياقها الكوني، فيما تاخذنا الى العمق الجمالى للحوار الحضارى المتسارع الاهميه في حياتنا؟
اطرح على نفسى هذا السؤال، و انا اكتسب الخبره النوعيه في صداقه جديده مع بيتر بانكه)، الذى سوف يفاجئنى يوما بعد يوم، اثناء رفقته البالغه العمق في برلين.
فى بيته، شعرت بالحضور الشرقى الجاد في حياته، ليس فقط بسبب التفاصيل الكثيره المتمثله في الالات الشرقيه التقليديه و الاعمال الفنيه و قطع الاثاث، لكن ايضا و خصوصا بسبب ما لا يحصي من تنوع الاعمال الموسيقيه و التسجيلات الشرقيه النادره و كذلك بعض الكتب بلغاتها الاصليه و من بينها العربية.
ما ادهشنى في اهتمامه العميق بالتراث الشعبى للموسيقي العربيه سؤاله المذهل عن تلك الاسطوره التى تقول بان فن غناء الفجري)، الشهير في البحرين و الخليج، قد اخذه المغنى الاول القديم من الجن). تلك الحكايه الشعبيه التى تناقلها التاريخ عن الشخص الذى كان عائدا الى بيته بعد تاديته صلاه الفجر فسمع ذلك الغناء الفاتن يصدر من احد البيوت المهجوره في ظاهر المدينه دخل المكان ليستمع، و بعد ان انتهي المغنون و اكتشفوا وجوده، طلب منهم ان يعلموه سر هذا الغناء، و افقوا بعد ان اخذوا منه عهدا على ان لا يفشى هذا السر. و كانوا من الجن.
هذه الحكايه ليست معروفه حتى في الثقافه العامه في الخليج، و لكى يعرف شخص هذه الحكايه يتوجب ان يكون على درجه من التخصص و البحث في مصادر غير متاحه عموما.
لقد طرح بيتر سؤاله حول هذه الحكايه معبرا عن اعجابه الخاص بطاقه المخيله الشعبيه في صياغه مقارباتها التعبيريه مشيرا الى ان شعوبا مختلفه سوف تشترك معا في هذه التجربه التى تذهب الى المخيله عندما يتعلق الامر بتفسير اصول و مصادر بعض فنونها الغريبه الغامضه الاصول، فالشعوب تشترك في مخيله فنيه واحده المشاغل.
قلت ل(بيتر بانكه): ها انت تفشى السر الجميل في العالم، لعل اتصالك بالجن اكثر من اتصال اهل هذا الفن.
وحين جري الكلام عن موضوع كتابه الجديد، سوف يدهشنى عنوانه المشحون بالدلالات: المغنى يموت مرتين)، و هو عنوان جاء له من الاحلام ايضا، و فق ما رواه لنا بيتر بانكه)، فقد عاش تجربه هذا العنوان في حلم فاتن يكمل جمال الولع بالموسيقى.
تلك هى الدقائق الخمس الغنيه التى استغرقتها صداقتى مع هذا المبدع الجديد طوال ايام اقامتى في برلين، مكتشفا بعدا مختلفا لمعني ان يكون الحوار الحضارى متمثلا في شخص على هذه الدرجه من الرحابة.
تري هل يجسد بيتر بانكه جمله الشاعر الالمانى ريلكه، عندما قال:
“اننى احمل قطعه من الابديه في صدري”؟

****

جزيره المتاحف

تحت ظلال الزيزفون، و انا اقف في منتصف الشارع في مواجهه قوس بوابه برندنبورغ الشهيره في برلين ، قال لى دليلى الى برلين ذلك اليوم، السيد احمد بهجت): “خذ حذرك و خفف الوطء و تمهل، انت الان تقف على اثر نهر من دماء اكثر من عشرين الف قتيل احتدمت بهم المعارك في الحرب العالميه الثانية. فهذا الشارع، الذى شيده الملك فردريك الكبير و لا يزال يحرسه بتمثاله، نشات عليه و من حوله اكثر تجارب و منعطفات تاريخ برلين الحديثه و هو الان ملتقي العديد من المعالم التاريخيه و الثقافيه في المدينة”.
(احمد بهجت شاب عشق مدينه برلين و تولع بتاريخها، و هو سيكون اليوم دليلى و مرشدى الى الاماكن التى يتعين على كل زائر لبرلين ان يقوم بارتيادها، هكذا شرح لى قبل ان يتجه بى الى المدينه بتاريخها الحضارى قبل السور و بعده.
بعد ان التقطنا بعض الصور بجوار التمثال البرونزى الاخضر لاله البحر بوسيدون و سط نافوره و تمثال الصديقين الشهيرين ما ركس و انجلز، و تمثال القديس ما رجرجس و هو يصارع التنين 1858)، بدانا بما يسمونه جزيره المتاحف، و مررنا بقصر الشعب الذى يجرى هدمه و كان قد اقيم على اطلال قصر سابق، و عبرنا كنيسه الدوم و المتحف القديم بقسميه الاول و الثاني، ثم متحف بيرغامون و متحف الشرفه الشهيره التى اعلن منها للمره الاولي عن جمهوريه فايمر، و تبدو الى جوارها الان و زاره الخارجيه و بقربها جامعه هومبولت التى يقع امامها مباشره موقع محرقه الكتب التاريخيه على يد النازيين، و في امتدادها ساحه جندرمن ما ركت حيث توجد فيها المبانى التى انشاها الهوغينونتن البروتستانتيون الذين فروا من الاضطهاد الكاثوليكى في القرن الثامن عشر في فرنسا، و يتوسط هذه الساحه تمثال الشاعر الالمانى الكبير شيلر تحيط به الهات الشعر و الحكمة. و يوجد هناك متحف و كنيسه و مركز للاوبرا من ايام الهوغينوتن. وايضا المكتبه البروسيه التى تضم ثروه كبيره من المخطوطات العربيه النادرة.
ولم ينس دليلنا الشاب ان يعيدنا الى تراث حديث لم يزل في ذاكره الجيل، فاخذنا الى ساحه مشهوره في القسم الشرقى من برلين قبل الجدار، لنري ساعه برلين العالميه الشهيره المصممه لترمز الى القارات بمواقيتها المختلفه و الى جانبها العماره الشاهقه بمقياس الستينيات التى كانت مخصصه للاقامات المؤقته لوفود حركات التحرر القادمه من بلدان العالم الثالث المدعومه انذاك، من حكومه المانيا الشرقية. و يمكنك ان تشاهد مبني لا يشى باى لمسه جماليه هو المقر السابق لمكتب حزب الوحده الاشتراكي.

****

نصب الرماد الفولاذي

2751 قطعه من المستطيلات الاسمنتيه ثقيله الوطء، الكتل الخرسانيه العاليه باشكال مختلفه بارتفاعات تقارب خمسه امتار. سوف تشكل هذه المستطيلات التى يتكون منها هذا النصب، على مساحه مئات الامتار، معطيات بالغه التنوع كلما اختلف موقع الناظر و النظره اليها.
حين يعبر الشخص بجرمه الصغير الضعيف الهش، سوف يخضع لعمليه غامضه من الصهر التاريخي، كما لو ان صانع النصب يصدر عن فكره سحق بدن الكائن كلما سار بين الكتل التى توحى بقدر هائل من الصلاده الغامضة. و سوف يساعد على هذا الشعور ذلك اللون الرمادى الكثيف الذى ليس مصادفه انه لون مشحون بفكره المحرقه الشهيرة. و لك ان تتخيل مقدار المفارقه الباهظه بين الرماد الهش و الاسمنت الرمادى الصلد الموحى بقوه الوطء، هذا الثقل الذى لفرطه على الارض سوف تري بالارض تحت قدميك و هى تميد بدرجات مختلفه في ممرات ضيقه بين الكتل ذات الزوايا الحاده بصرامه ممرات مرصوصه متقاطعه بحيث يمكنك ان تشعر بانك في المتاهه الحقيقيه التى تبدا و لا تنتهى بك الى مكان. اذا نظرت الى النصب من اعلي سوف تجد ان الارتفاعات المختلفه لارضيه النصب تجعل سطح الكتل المصقوله بمثابه الموج المنساب بصمت، لكن بقدر محسوس من العنف.
اما اذا جازفت و وضعت يدك على سطح احدي الكتل فسوف تنتابك القشعريره الناتجه عن صلافه الحجر الاصم الذى سيطرد اصابع و راحه كفك. لن يسمع حواسك، و لن يكترث برغبه اقتراح اي معنى اخر سوي الانتقام الكامن في بروده كل كتله من كتل النصب الشاسع، انتقام ممن لا علاقه له بهذه المصادفات المبالغ في احتدامها العنيف.
بقى ان تتيقن، بنظرتك الكامله لمشهد كتل الاسمنت الرماديه المستطيله الثقيله كالرصاص، بانها كنايه صريحه لقبور لانهائيه في اشاره و اضحه و عنيفه الى تلك القبور المؤجله لليهود الذين قضوا حرقا على يد النازية.
احتجت الساعات الباقيه من ذلك النهار، لكى اتخلص من و طاه الشعور الذى تركه ذلك النصب المتطلب.

****

الترجمه
بوصف اللغه جسرا او جدارا

قبل زيارتى الى برلين بعده اشهر، كانت ليلي الشماع قد بدات بترجمه كتابى و رشه الامل)، و كانت على اتصال مستمر للحديث حول بعض المسائل المتصله بالنص، و قد اهتمت خصوصا بالامور التى تتصل بالبحر و صناعه السفن، الامر الذى استدعى، اثناء وجودها في الكويت، ان ازور معها متحف الغوص و صناعه السفن للمعرفه المباشره عن هذا الحقل، و سجلت ليلى كل ما احتاجته من معلومات.
و(ليلي شماع من جيل المترجمين الشباب الذين نقلوا كتبا و تجارب مهمه من الادب العربى الحديث، روايه و شعرا، و قد اتاح لى توليها ترجمه كتابى فرصه التعرف عن قرب على المشاكل التفصيليه للمهمه المضنيه في ترجمه الادب و الشعر خصوصا.

فى برلين كانت ليلي شماع من بين الاصدقاء الذين رافقونى في الجولات و في الندوات ايضا. و سرنى كثيرا سماعي، من اشخاص مختلفين، المان و عرب يحسنون الالمانيه التعبير عن اعجابهم بترجمه ليلى لفصول كتابي، لانها قربتهم بشكل ممتاز من روح النص المكتوب بالعربية.
وازعم اننى لمست مقدار نجاح الترجمه من خلال اللقاءات المباشره التى قرات فيها فصولا من الكتاب؛ حيث ابدي بعض الحضور اعجابهم باجواء النص الشعريه على الرغم من كونه نثرا.
اللافت في ليلي شماع انها ليست كثيره الادعاء فيما تنجز من ترجمات، بل انها من اكثر المترجمين العرب خفاء في المانيا، في حين انها قد انجزت نصوصا ادبيه حديثه و مهمه و ظنى انها، مع اقران لها عرب و المان، من الجيل نفسه، اصبحوا يمثلون، في السنوات الاخيره عنصرا حيويا في مشروع الحوار الفعال بين الثقافتين العربيه و الالمانية.
الترجمه بوصفها جسرا، من بين الحقول التى يجرى تنشيطها و تفعيلها برصانه من خلال المشاريع الثقافيه المشتركه التى من بينها مشروع ديوان شرق و غرب)، المدعوم من جهات اكاديميه و ثقافيه المانيه الذى هيا هذه الاقامه الادبيه لى و لاخرين سبقونى من كتاب البلاد العربيه وايران و تركيا.

سيظل مشروع تبادل الزيارات الادبيه ديوان شرق غرب بين الكتاب الالمان و الشرقيين، واحدا من انجع و سائط الحوار الثقافى الذى اصبح ينال المزيد من التفهم و التفاهم بين الاطراف المشاركه فيه. فهو بمثابه الخروج الرصين على حدود المناسبات المغلقه و العابره التى نادرا ما تترك اثرا في المشاركين …

****

كائن لا تحتمل هشاشته

فى برلين، كان على ليلي شماع ان تتكفل بمرافقتي، ليس ثقافيا فحسب، و لكن صحيا ايضا.
قلت لها ها انت تحملين عبء من تقومين بترجمه كتابه عندما يحتاج لعنايه صحية.
فاعتبرت ذلك فرصه مؤاتيه للتعرف على الكاتب بوصفه الكائن الذى لا تحتمل هشاشته). رافقتنى الى طبيب الانف و الحنجره في محاوله لاستعاده حاسه الشم التى توشك على التلاشي، بسبب خلل عضوى نتج عن حمي شديده قال لى الطبيب، اللبنانى الاصل، انها حاله عابره فعبرت عليه.

لكن هذا ليس كل شيء مع مترجمه شابه مثل ليلي شماع)، طموحها المعرفى اكثر من حدود النص الذى تسهر على ترجمته، فالسنوات الطويله في برلين سوف تصقل لدي ليلى موهبه بناء الشخصيه الثقافيه الخاصه بها، بشرط اكثر المكونات جمالا و نبلا الابداع الانساني.
وهى اختارت ان تكون ترجمه الادب العربى الحديث الى الالمانيه حقل اهتمامها، لتخلص لنفسها من جانبين، الاصل العربى الذى تصدر عنه، و الحياه الالمانيه التى تعيشها و فيها تستقر.
بهذا الشكل، يجوز لنا القول بان اسهاما كالذى تقترحه ليلي شماع على الثقافه الالمانيه هو كسب نوعى للاخيرة.
لقد اصغيت الى من يمتدح طريقتها المميزه في الاعداد و التقديم للندوات التى تديرها، و تاكدت من هذا عندما شاهدتها و هى تقدمنا ايليا توريانوف و انا في قاعه الهيئه الالمانيه للتبادل الاكاديمى DAAD)، و تشارك في الحوار بوصفها مترجمه النص.

****

الندوه الثانية

الندوه الثانيه في برلين، حضرها ما يشكل نخبه من المهتمين بالشان الثقافى العربي، و كان هناك ايضا عدد من محبى الادب.
وشاركنا، على نحو فعال، المترجم الاستثنائى جونتر اورت)، الالمانى الذى يتكلم اللغه العربيه مثل اهلها، و هو مترجم قانونى محترف، بالاضافه الى ترجمته العديد من الاعمال الادبيه العربيه الى الالمانية. يعد جونتر من اشهر المترجمين الفوريين، على الصعيدين الثقافى و السياسي، و حين كان يترجم لى الحوار المباشر في هذه الندوه شعرت بالاختلاف بين الترجمه الفوريه في الندوه الاولى، و تيقنت من فداحه ما تعرضت له من خساره انذاك.
وكان على ان اندم قليلا على ذلك.

****

عن الترجمه ايضا

لدي جونتر اورت ملاحظات نوعيه في حقل الترجمه كان قد طرحها في محاضره خاصه في الاردن، في الشهر نفسه، تابعتها في الصحافه العربيه انذاك، و تيسر لنا مواصله الحديث عنها مطولا في برلين. و لكى تكتمل الصوره كان علينا ان نلبى دعوه عشاء في داره، و التعرف بزوجته الشاميه التى انهمكت في اعداد عشاء الدجاج بالملوخيه التى انتقت و ريقاتها الخضراء الطازجه غصنا غصنا بيدها، في محاوله لتاكيد عربيه السهرة. في برلين ليس من الحكمه تفويت دعوه عشاء في بيت عربي. و المترجم الذى يسهر على قلق الانتقال باللغه بين لسانين سوف يشركنا في قلقه الخاص بما تتعثر به اجتهادات الترجمه بين الالمانيه و العربية.
كان معنا الفنان مروان قصاب باشي)، و كانت ليلي شماع)، و الصديق مروان على المقيم في مدينه ايسن)، و معنا ايضا مترجم شاب بالغ الدماثه تعرفت عليه في برلين هو يوسف حجازي).
طرح جونتر اورت بعض ملاحظاته على ترجمه اعمال عبدالرحمن منيف الى الالمانيه و هو موضوع سوف يثير اهتمام مروان باشي صديق عبد الرحمن منيف و القارئ الجيد لاعماله، الامر الذى هيا مدخلا مشوقا لملامسه واحده من اهم قنوات الاتصال الثقافى بين الادبين العربى و الالماني، و هى الترجمة.
(جونتر اورت و ليلي شماع تجربتان متميزتان، مع اختلاف حساسيتهما الخاصه تجاه الترجمه و قد اشتركا في حوار السهره بتصورات فنيه شخصيه بالغه الدقه في محاوله للتعبير عن الصعوبات التى يواجهانها فيما ينقلان الابداع العربي، دون ان يقعا في مثالب الاجتهادات المبالغ فيها، فهما يحاولان تقريب النص العربى للحساسيه الالمانية.
انتصر اورت الى شرعيه التدخل الشخصى الطفيف بذائقه المترجم، لكى ياخذ التعبير العربى سياقه الانسب في النص الالماني، من اجل ان يدرك الالمانى كيف يمكن للمطر ان يكون نعمه في صحراء العرب فيما هو بمثابه النقمه في الغرب باسره. و ظنى ان مترجما متمكنا مثل اورت يمكن ان يوفق في اجتهاده بوصفه الالمانى المدرك للحساسيه الفنيه عند القارئ الالماني. تقابله في ذلك الاجتهاد تجربه ليلي شماع التى عبرت عن نزوعها للطاقه الشعريه التى يقترحها النص العربى باعتبارها عنصرا تعبيريا و جماليا لابد من الاعتناء به، في الترجمه من اجل ملامسه اللاوعى الشعرى عند القارئ الالماني.
ليلتها كنا نكتشف، جميعا، كم هى مضنيه عمليه الترجمه كصنيع خالق، نحن الذين نذهب لقراءه نصنا منعكسا على القارئ الالماني، دون ان نتصور الجهود، بالغه التعقيد، التى تحمل عبئها المترجم في عمليه اعاده الخلق، من اجل المساهمه في تحقيق الاتصال الحيوى و الفعال بين تجربتين انسانيتين شاسعتين الى هذا الحد.
ليس من غير دلاله ان يكون موضوع الترجمه على راس كل مشروع يسعي للاتصال و العمل المشترك بين العرب و الالمان، و لا يخلو من محاذير التعرض لموقف الترجمه الخاطئه او المترجم قليل المعرفه عندما تجد نفسك في لحظه سوء التفاهم النموذجيه بينك نصا و شخصا و بين القارئ او المستمع في حوار يتطلب الدرجه القصوي من الدقه و المعرفة.
فى السياق نفسه، سوف نتوقع من مشاريع الاتصال المشترك المباشر، الذى تقوم به تجربه ديوان شرق غرب)، القدر الاكبر و الاهم و الاكثر جديه يوما بعد يوم.

****

اجسام جياكوميتى التى تفتك بك

فى متحف الفن الحديث في ميونخ و جدت ما يؤنس وحشتى التى اوشكت على التلاشى لفرط الوقت: مخلوقات جياكوميتى الرهيفه و الشفيفه كما لو انها كائنات افتراضيه لفرط خفتها في الفضاء. ففيما اودع المكان الالماني، عبر اليوم الاخير في ميونخ، اخذنى الصديق ايليا لزياره المتحف الذى شكل صدمه لاهل المدينه وقت افتتاحه بسبب التنوع المتطور في حداثته، فهو لا يتوقف عند مدارس الرسم الحديث منذ نهايات القرن التاسع عشر فحسب، لكنه يعرض اكثر اجتهادات و مغامرات التصميم و العروض الشيئيه و التصوير و العماره و التقنيه الحديثه حتى نهايات القرن العشرين، مما هيا مناخا يخترق الفكره التقليديه لمفهوم الفن خارج اللوحه و الرسم، الامر الذى جعل بعض اهالى ميونخ يطرحون السؤال الجذري: ما جدوي مثل هذا العرض و كيف يصح ان ينال كل الميزانيه التى يتكلفها متحف ضخم مثل هذا؟
غير اننى لاحظت ان ثمه جوابا صارما و بليغا سوف يتمثل للزائر منذ لحظه دخوله بهو المتحف، حيث سيصادف واحده من اجمل المبانى الحديثه و اكثرها اناقه و سلاسه في التصميم، بحيث يصبح المبني نفسه تحفه فنية.

من بين القاعات العديده للفنون التشكيليه المالوفه هناك مجموعات مختاره لاكثر فنانى العصر الحديث اثاره للجدل و الاختراق التعبيري، من هنرى ما تيس الى بول كلي، من سلفادور دالى و بيكاسو الى جياكوميتي.
ولان لحظات الاتصال بالعمل الفنى ستظل مختلفه في كل مره تشاهد العمل، و بالرغم من اننى قد شاهدت سابقا اعمال هذا الفنان، الا اننى شعرت هنا بان هذه الكائنات، التى بالكاد توجد لفرط شفافيتها و جرمها الخفيف الذى يضاهى الوجود الطيفي، تطفر من جسدى و روحى اكثر من كونها محض منحوتات منتصبه على قواعدها الثابته في فضاء القاعة. لقد كانت خفيفه الوجود و ثقيله الدلاله قادمه نحوك منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، مندفعه برشاقه المعدن الطالع من مناجمه هاربا الى لا مكان، و كلما اقتربت نحو الجسم اكثر اختلط عليك الظن، هل هذه اجسام ذاهبه اليك ام ذاهبه معك ام ذاهبه عنك؟

منتصف خمسينيات القرن العشرين، اين كان يقف الانسان و كيف كان موجودا، و ربما يصح لنا ان نسال: هل كان موجودا اصلا تلك الفتره كانت ذروه الحرب البارده بين معسكرات تبتكر، و تتسابق في ابتكار، مصادره الانسان و نفيه و تشييئه، ليبدو امام نفسه كائنا بلا دلاله و ليكون، في كل لحظه من ذلك الصراع الفظ، بمثابه الوقود البشرى البخس لصراع باهظ الثمن.
لقد قادتنى الصدفه الالمانيه لزياره هذا المعرض مستنجدا، بلا قصد، بكائنات جياكوميتى المرتجفه القادمه من الحروب، في و قفتها كمن يشهق من جحيم. مخلوقات بشريه طيفيه الوجود شبحيه الروح، تخرج من التجربه محمله بعذاب لا يوصف، ليراها كائن مثلي، يري المعدن الاكثر صلابه و الاكثر هشاشه في ان.

كنت هناك،
جالسا على مقعد في زاويه العالم،
وحدى مع جياكوميتى .. اتلاشى.
فبدات اعرف.

****

نصوص برلين

(2)

قاسم حداد

الاب

ما الذى جاء بي
يا ابي
والقطارات مشحونه بالشجر
وماخوذه بغموض المطر

ما الذي، يا ابي،
حطنى في الطريق الى النهر
للناى يقتلني
كلما مر بي

يا ابي
ما الذى جعل العانسات البعيدات يشغفن روحي
ويغزلن، مثل الاغانى النحيله
قمصان قلبي
ويمسحن، مثل الهدايا،
جروحي
ويصقلن بى غربه المتعب
يا ابي

ما الذى جاء بي
نحو هذا النبيذ الغريب
كان الجسور،
وغيم البحيرات و الشجر الحر
ارجوحه الغائب

ها انا، بعد بحرين، تنتابني،
يا ابي
مثل برق، بحارك
فاراف بطفلك
واكتب له نجمه في السديم،
كانك خلق له
خارج الكوكب.

****

لست ضيفا على احد

تاتى القهوه مسبوقه بعطرها
وتاتى الاراكيل
ياتى نحاس الطواجن مكللا بالبهار
وباللؤلؤ البسمتي من الارز
وياتى تخت الموسيقي بصناجاته
بالتوابل نفاذه مثل عطر الغابات
تاتى التاويل و البهاليل
ومنعطفات لا تحصى
فى شارع كودم الزاخر بمقاعده و خضرته
بمنافذه الكثيره نحو مسارب الضوء
بمداخل ترصد الظلال الكثيفه في حواف الرصيف اللانهائي
يستيقظ كودم قبل منتصف النهار
فيحرك اعضاءه مغترا مثل سفينه عظيمه متعدده الصواري
باضوائه الثلاثه ذات السطوة
حيث فيزياء المكان
اضواء تصد العربات من هنا
وتطلق نهر الناس من هناك.

سفينه تؤرجح صواريها
وتهتف: ها رشاقه الناس بين الرصيف و المقهي و منحنيات الريح
صوار قصيره و اثقه مستغرقه تحرس غفله الكائنات
صوار من المعدن القديم
تتكئ على ارصفه تظللها شواهق الاشجار
تمنح الحركه على الكائنات بالقسطاط.

احصيها صاريه صارية
واهتف:
صباح الخير للمدينه و هى تنهض من نومها
صباح الخير لكائناتها في شارع كودم).

لست ضيفا على احد
فكلما رشفت قهوه نقصت صارية
ولمع لون جديد في تاج الشارع المغرور
مستعيدا مجدا يكاد ان يذهب.

لست ضيفا على احد
الاشياء تاتى ما مورة
اجلس في عطر المقهى
واطلق كلماتى في دفتر الشارع
لارقب رشاقه الكائنات و خفتها
تعبر ذاهبه الى بهو الوقت
اقداح البيره الضخمه و هى تفرز عضلات الزند
الاقداح الطويله المبعوجه ذات الخصر
لكى ينثال الذهب خارج السيطرة
فناجين القهوه بتاج الرغوه الهشه اللاسعة
الطيور المذعوره لفرط ابواق مشجعى الكره الطغاة.

اتكئ على سله ريح عابره مكتظه بوريقات صفراء
فلست ضيفا على احد
برلين غير مكترثه بي
لكى انال الحريه كاملة
ففى حانات الشارع المكابر
لم اطلب ضوءا مضاعفا للكتابة
العتمه تكفي
وتكفى نافذه بشرائط البوص الرهيفة
نافذه تظل مواربه لئلا تصد نسمه متعبة.

لست ضيفا على احد
هنا،
لا احد يمنع وحشه البيت
بيت هارب من منخفضات الريح
لاجئا الى ارجوحه الاعالي
بيت يختار عزله الطابق الرابع
مرصودا بدرج باهت تزخرفه مساقط ضوء شحيح
فى حضن عتمه مترفة

لست ضيفا لكى اصعد على مضض
الي بيت يخاف من وحشته
لست ضيفا لكى انام و حدي
فى غرفه تئن ارضها مصقوله تحت عربات احلامي
فليست الشرفه غير و ريقات صفراء تهطل في شارع كودم)
وعطايا النوم رحله مشتهاه تكاد ان تغفو.

****

حريه الريح

يغادر مكانه،
نحو غيم مجهول
يزعم انه قادر على هدنه السفر
ياخذه ليل طويل دائم و مستمر
ليل يشى و يتلاشي و لا يكف ،
ليل يلتبس:
صديق ام كتاب،
ويستسلم
لئلا يقصر عن حريه النجوم و الغيم و الهواء،
فى جساره جناح الحديد
يصعد متوغلا في الليل الشاهق الطويل
يتصاعد مثل لهب
فى مكان الموقد و مكانه الاوج.

****

بورتريه للصباح

الصباح هنا لا يتبع الشمس
صباح اكثر حريه من الشمس
يسبقها و يغرر بها و يؤجلها
كلما طاب للمرأة ان تسهر الليل في وحشه النافذة
كلما طال ليل انتظاراتها
فالصباح المبكر يسرقها
مسعفا ضعفها
الصباح هنا يبتكر شمسا يؤنس بها المرأة الساهرة.

****

صباح يتماثل كلما حرك الناس اعضاءهم
فى الرصيف الذى لا زال رطبا
فى انكسار الهواء على شرفه موحشة
فى القطارات مكتظه بالمرايا البخيلة
بالعصافير مرصوده للشراك

غابه غائمة
غير ان الصباح الذى يسبق الشمس
سوف يمر ليوقظ رائحه الشاي
والقهوه النائمة.

صباح كثيف يحرر احلامنا
ويقايضنا بالتفاصيل
بالاكف المدماه ذاهبه للعمل
كلما انتصر الياس فينا
يقايضنا بالامل.

صباح هنا سوف لن يستجيب لمشتهيات الكسل
صباح لنا،
كلما ندم الضوء في غابة
بدا المحتمل.

سوف يمتد هذا الصباح
الي ان تقرر اشجاره الكشف عن شمسه
الي ان يهرول اطفاله في الحديقه قبل الحصص الموهنة
كاس الحليب الحبيب الذى ترك امرأة الليل في عطرها هائمة
وانزاح في خلسه من سرير انتظاراتها
امراه الليل يا و حدها
والحبيب الذى طار في العربات الاخيرة
فى قاع برلين
فى الدرجات الكثيره و النوم
لا يرتبط الصبح بالشمس
هذا صباح يلون ما تشتهيه الحياة
ويرسم كل التفاصيل
يوقظ ما انتابها في السرير الذى يغادره طيفها
لاحقا بالعربات الرشيقه تشهق منسابة
فى رواق من الافعوان
ويوقظها مثل شمس قبيل الاوان

صباح له الشمس تفاحة
له امرأة مثلها
كلما طاش في غامض الليل حلم لها
شبت النار مثل النهارات،
كالشمس في غيمه ضائعة
كان الصباح سينسى
كان الجريده و هى تؤجل احداثه
سوف تنسى
كان الحبيب الذى سوف ينسى
كان التى شغفت بالتفاصيل تنسى
تري من يسال الشمس عن فجرها
وهى تنسى؟

****

كاس

نفسها الكاس
غير ان الاصابع و الرعشه النبوية
والاحمر المستريب و العتمه المزمنة
رشفه لا تشبه الكاس
فالليل يبكى على كتف النادل المستريح
والسهر الناعم النوم
واللوم يشحذنى بالحنين الغريب
والرؤي الكامنة

نفسها كانت الكاس
حتي اذا طاش في الراس برق كسول
تسني لى الوقت
وانداح في الليل و هج خجول،
تبجلت ايتها القبل المؤمنة.

****

النحل المذعور

اتركوه هاربا يجهل الطريق
ويذهب
سرب النحل المذعور
سرعان ما تمزقه هندسه النيران
يفر ما خوذا نحو العسل المتروك في الاعالي
اتركوه
يعرف طريق المجهول
واذهبوا الى ذخائر المليكة
انقذوها من و طء الحافر و الخف.

****

المحرق

ازقتها المتربة
تجاعيد اطفالها الشاحبة
زرقتها،
ريشه التاج في عرسها
بحرها يحرس الفقر فيها
ويجتازها
تحضر الان، في غيم برلين
رغم المسافات
تقترح الكتب الغائبة
اسمع نوم النوارس في معطف الليل
اسمعها في الظهيرة
اركض،
والشمس خلف الخطي التائبة

يا ايها الولع المر
يا منتهاى البدائي
ايتها المدن الغريبة
انساك كى اتذكرها و حدها
فرسا سائبة.

****

الساحر

مثل ليل يغسل احلامه بالندى
تفيض على جسده ضجه المكان
راسه منسيه على ركبه مثنية
تركتها الحرب الاخيرة
ساق لم تنل منها القذيفه التى اخذت اختها
ساق واحده تفيض عن حاجه الرصيف
فى محطه القطار
مثل احلام محروسه بغياب الدرك
فى يقظه تشبه ليلا لا يشبه احدا
لا يحمل شيئا
يفترش ما يتماهي مع الرصيف الكالح
ويجلس فقط
ظهره الى الحائط
ويداه بطيئتا الحركة
ترسمان اشكالا في الهواء الثقيل.

يوقفك
يشرح لك صدرك بايات غامضة
يستحوذ عليك
فيما يتمتم بلغات فصيحه لا يخطئ لغتك
ولا يفعل شيئا،
يرفع راسه الحليقه عن ركبته الوحيدة
ويستولى على حواسك
مثل سديم ناسك
عيناه مفتوحتان في عينيك
لا يري سواك
ولا يفعل غير ادهاشك
يتوغل نحوك
بلامبالاته الرصينة.

يزم شفتيه
فتعرف انه يشتم رائحه وجبتك القادمة
ربما بادر و نهاك عن السم في الدسم
لا يصدك عن مواصله عبورك الفادح
غير انك مقيد في شباك غير مرئية
وهو يراك
يري القيد و الشباك
كمن يغزلها بحركه يديه البطيئتين
بكلماته النادرة
ينصحك بالعربه التاليه ذات الرقم الزوجي
فيكون القطار كله لك.

يبسط لك كفه الناصعه الحمره مثل و ردة
فتقرا معه ما يكتبه عليك
كل شيء هنا في يدك
ما لك و ما عليك
يبسط كفه فتظن انه يسالك
وحين تهم بمنحه
ينهرك: لست شحاذا
لا اطلب منك
لكنى اطلب لك
فاذهب و الحق بقطار يفوتك.

****

ليلها

فى ليل برلين يخطئ مستوحش باب احلامه،
كلما انتابه النوم
اطلق اشباحه في الهزيع الكثيف من الوقت
يخطئ مستوحش
عندما ينهمر الخوف من ليلها.

برلين ليست على رسلها
بيتها غابة
برلين محروسه بالكلوروفيل
بالاخضر الفائض المستهام
بالبحيرات و الانسجام
برلين تسهو قليلا
فيستيقظ تاريخها في التفاصيل،
فى دفتر الحرب
منسابه في ما تبقي من الحجر القرمزي
من الفرن يخبز طينا و يرسمه للجياع
من المرتجي في ضياع الهروب الكبير
من الموت
مما تبقي لبرلين من صوتها
من الليل اطول من نومها.

يا ليل برلين
يا حارس الخطوات البطيئه عبر الممرات
قل خبرا واحدا يسعفنى في صباح بعيد
قل كيف اقرا اخبارها
كيف اساعدها كى تري في الظلام الوحيد
احتمالاتها في كتابي؟

يا ليلها قل لها
كيف ساقراها في كتاب الصباح،
كما يصنع الخوف لي
ما يلى في الخطي الراعشة
شرفتى الموحشة
سفر موغل في التاويل
فى معجم الليل،
تاريخها، منتهاها
لها ما يحض على الذكريات
ما يجعل السور ارث الكوابيس
ما ينتهى حين يبدا
ما يستحيل اختزالا مخلا لها
وهى في ليلها
فى الهزيع السريع من الحلم.

يا ليل برلين
دعنى افسر ما سوف يبقي من الروح
فى البدء و المنتهى.

****

كائنات المكان

كلما اختلفوا في هجائها
شهقوا بمديحها الشامل
يتهدج بعضهم بالنشيد
مثل فتيه يتعثرون بعشب الحديقه المهمل
مثل تراتيل الاحاد في كنيسه مكسوره البرج
مثل اقداح الجعه الضخمة
تهرول على طاولات المقاهى المزدحمة

لم تكن المدينه بنت الخطيئة
الخطيئه في الناس
قبل السور و بعده

يتقاطر الكهول بالتجاعيد الكثيفة
مرتجفى الاصابع، بعكازاتهم المعروقة
اعواد متوجه بالعاج القديم
مقابض اصفرت لفرط التبغ
واحمرت لفرط النبيذ
واسودت لفرط الوقت.

ارواح الكهول تطفح في ذاكره مستعادة
لزفيرهم رائحه السام
ولاقدامهم المتارجحه رجع المارش القديم
لجيش عائد من الموت.

كلما كشفوا قمصانهم المتهدله عن اثار تهجو المدينة
سارع احفادهم باقتراح المديح لتسليه ضجرهم
ومؤانسه الايام الاخيره لحواسهم المتكاسلة
يتذكرون نسيانهم كلما حرك شخص رماد مجامرهم
وطفقوا يهجون مديح المدينة
قبل السور و بعده.

ينشرون خرائطهم العتيقه على الكراسي
ويطلون عليها من سطح طاولاتهم
كمن يشرف على جحيم و يمطره بزبد الجعه الطائش
ينظرون الى احفاد لا يرون غير نجوم في نهار و شيك
يستعصى على الوصف
ولا يمكن تفاديه.

يمتدون باصابع مرتعشة
يهدهدون صبر الاحفاد
بالمديح الوافر و يدربونهم على المعرفة.

ورثنا مدينه مشطوره الدلالة
تتفصد بالقواميس و تقصر عنها المعاني
نحن ارث الجغرافيا
وخزائن التاريخ
اخذنا ديننا على المناكب،
وتقاسمنا التجربه مع كائنات المكان
لتنال نصيبها من النص.

****

السفر

عندما عشرون ساعه من الليل الكثيف،
تختبرك بتحولات الفيزياء في جسدك
والكيمياء في روحك،
ينبغى عليك ان تذعن لاخفاقك الفاتن،
وتؤمن به و تهتم.

****

الجمر في المهب

يضع قدميه على ارض ليست له و ليست عليه
ارض لا تكترث به،
انها تزن الشخص بخفه غيابه.

قال لنفسه:
هذه لا مبالاه تليق بمن عقد العزم على ضياع مؤقت،
لم يسمعه احد،
فطاب ان لا يهتم باحد.

ان تكون في هامش الناس،
فتلك نعمه تسبغ عليك حريه صغيرة
يحلو لك ان تستغرق في افاق شاسعة
لا يدرك رحابتها سواك،
لكن ان يكون العالم جميعه في هامشك،
فهذا كرم مفعم بالكشف،
وليس لك ان تفوت متعه التمرغ في فرو رؤوف،
لا يناله غير شخص مكتظ بشهوه الكتابه
غزير الاحلام،
لمخيلته طبيعه جمر في المهب.

تستقبله الطبيعه و حدها،
– ربما لانه لم يعد يحلم بغيرها –
فى قميص من الغيم
يشف حينا و يغمض ،
لباس لا يمنح غير رغبه المزيج
ومشاكله الشخص بشمس نادرة.
وحين يبدا الكلام مع الكائن الشفيف،
يصح لمن ينظر اليهما ان يهتف:
“شخصان يتصادمان
تستعيد فيهما اللغات هيئتها الاولى”.

****

اخبار الغابة

هذه هى الغابه اذن.
مكان قصى ياخذك الى المصادفات،
ويسعي اليك باقدام الرؤي الرهيفة
تضع يدك على صنوبره تحرس لك الكوخ
فتتاود لفرط الوجد.
صنوبره تتذرع بالاخضر القديم
صامده في صهاريج الثلج،
فيما تخبئ الاشجار ثيابها في صندوق الصيف.

تحاول ان تصقل احداقا مفتوحه لتملا الذاكره بذكاء الريح،
مازجا الحلم بالنسيان،
فينتابك الولع بصمت تكاد ان تسمعه.

بين كوخك و الكوخ الذى يليه
مسافه يتكفل بها الشجر
غابه تكفى لراحه بين تعبين.

تضع جسدك في بكوريه المكان،
فتبسط لك الروح مظله تحميك من الوقت و عبوره الفادح
وليس لك ان تثق بانين ناياتك لقياس الليل و النهار.

هذه هى الغابه اذن.
ضياعك الجميل الذى يحسن قراءتك،
واقاصيك التى يتملكك شغف كتابتها.

****

صلاة

لماذا
كلما قبل برلين
صليت لى في الدفاتر
بالشعر و الشغف المستثار
وما ان سهوت عن البحر
صليت عني.

فى الصيف
ينتابنى الذعر
وتخطفنى الكيمياء
واخسر بعض الحواس
واهذي
فيا قبل برلين
يا بعدها
جئت في النثر
صليت
يا شعر برلين
يا سردها
رق لى … و امتحني.

كاني
اقسم جسمى على اخرين
ذريعتهم اننى تائه الروح و حدي
وانت
تضيعين، في لحظه النار، عني.

لماذا الحياه التي،
كلما قبل برلين،
ضاعت سدى،
كلما صاحت الروح
جاء الصدى

لماذا تعالجنى الكهرباء
بما يمنع البرق عن شهوتي
وتنهرنى شبكات الغواية
فيما تنامين بالقرب من جنتي.

اذا ضعت في بيت برلين
مستوحشا بالذئاب الاجلاء
مستانسا بالولع الذهبى الذى تبدعين
يفز على ضفتيك الحنين،

وحين اموت قليلا
تنامين في النص قبلي،

تنالينني
علي الرغم مني.

****

كونشيرتو الضوء و القصب

يكسر الضوء،
ظنا انه ذاهب الى النوم،
فتتوهج عزله الذهب من حوله.

تبدا اشياء الغابه بزيارته،
متخلله النوافذ المنسوجه من قصب النايات،
منسربه من تحت اعقاب ارغن هارب من عاج النيازك،
فيبدا فضاء الكوخ في التالق.

ثمه زائر فاتن غاب عنه طويلا،
يستفرد به الان، وينهره بالكوامن
موقدا حوله القناديل،
عابثا بالعاب تفضح خجل الكلمات المتوارية
وتمنح الحروف حرياتها،
ويتركه في التماهى مع الضوء.

يبدا في تبادل الشظايا،
فيما يلثم ثلج كالسكر صحوه الكون،
مثل امرأة تغمر جسد حبيبها بالقبل
ثلج يلمع كلما لمحته العيون بدهشه القلب،
كان الله يمنح الشخص من رحمته ماء
يغسل اقدام القصائد و هى تتقدم.

ثمه زائر حميم عازم على تلقينه درس الكتابه كاملا.

****

حجر قديم

تخوضون في الدم
فى العقيق القديم
فى زجاج يكسر الحنجرة
فى طفله منثوره في الحاشية
فيستيقظ الضوء في الباقى من الروح
فى بريد النيازك
يبدا فينا
يقرا الدفتر
ويتجرع الحياة.

تخطون في حجر الدم،
ينسي و يمحو.

****

نهار

نهار يكاد ان ينهض،
شمسه تقود صباحا طازجا
والكائنات التى انشات هذه الجسور
توشك ان تهرم لفرط العمل
نهار ينهض و يتماثل و يسطع
لكان شمسا واحده لا تكفي.

****

الصنوبر الزكي

فى انتظار
الفارس القادم من الصنوبر الزكي
ياخذنى الى المسرات
ويمنح روحى لحظه البهجة
الفارس الضائع في المدينة
سوف يخطفنى من رصيف القطار
حارسا يقظا لعثراتى المتوحشة
لئلا تستفرد بى وحشة
ولا تنال منى خطوات الغربه المرتبكة.

****

شظايا

عصيه على الوصف
صوره شخص يلتقط شظاياه
فى شريط الشرفة
بين حوض البقدونس و سيل الحمم
الطائش
المنهمر
بلا قياد و لا ادلاء و لا معنى.

****

استغاثة

صريخ صادر من جذور الشجر
مستغيثا بالمياه الخفية
من يصغي
قبل الماء و بعده؟
من يطلقه في نسغ الغصون؟
صريخ يفيض على القلب
يطيش به العقل.

****

الكتابة

نارك الفاشية
فى هشيمي..
من اين لك كل هذا الجمر،
هذه النيازك الفاتكه
هذه التحولات الفادحة
من و رده الغيم الى نجمه الوجه؟
تعالى بنارك الفاشية.

****

مسافات ضوئية

تؤثثين غرفه الليل بغيابك
لا احد يلمس الضوء وينجو
دون ان يعبر المسافه بين القلب و الكتاب.

****

حكمه المكان

تاخذ الحكمه معك الى المكان
فليس للمكان حكمه في غيابك
حكمه ما هوله بكائنات غائبة
خفية
مشحونه بالعناصر الجديده الفجة
كلما وضعت قدمك على عتبه المكان الغريب
ستقرا حكمتك الاولى.

ليس ثمه حكمه واحده لمكان واحد
ثمه امكنه لا تحصي و حكمه واحده
حيثما تكون،
انت في مكان الحكمة.

****

الارجوحة

مثل بهجه العلاج
جسدك ارجوحه القطار الرشيق
وروحك ضالة
لا تنال الهداية
ولا تنشد المعصية.
تسيل من المقعد على ارض العربة
ذائبا
متحولا الى عناصرك الاولي
هباء الروح
وجسد يكاد ان يفنى.

****

تلك

تلك التى تترك المطر يقتفى اثر خطواتها
تلك المتعاليه ناظره الى الشجر من شرفتها
تلك الرشيقه مشقوقه القميص
طائشه الشعر
تلك الضائعة
منشوره الاجنحة
ماخوذه بفكره الالهة
تلك المكترثه بعبء الخلق
غير المتاحه في القصائد،
لا اعرف لها صفه و لا طبيعة.

****

النافر

يتوجب ان تكون بلادك جزيرة
لاجل ان تحظي بفداحه البحر و هو يبتعد عن بيتك.
يتوجب عليك ان تفني قليلا في انتظار رحيم
لئلا يتاخر بك السفر في درجه المنفى
عندما بلادك جزيره تحميك من الغزو
وتاتى لك بالرحيل و المغامرات
ولا تنساك
علي ان تكون نافرا
ومستعدا لذلك.

****

حكمه الشجرة

الشجيرات المزرقه لفرط البرد
المثقله بالانتظار و المعرفه
قالت له الحكمة
نصحته بفهارس الارق
الا يعبر تحت موجها الازرق و هى تبكي.

قالت له الحكمة
خصته بفصاحه الالوان
وهو يضع كتفيه في المعطف
وهو يزيح الطين عن خطوات الماء
وهو ينحنى بعبء الخبز
وهو يستعصى على الضغائن.

تحولات وضعت يده في المناجم
وغمرت اهدابه بالقناديل
الشجيرات ذاتها، رهينه التحولات
وهى تصفر غيرة
وتحمر لفرط البوح.

****

كل هذا النبيذ

ماذا افعل بكل هذا النبيذ؟
انخابه تتدافع في بهو السهرة
واعضائى تتدثر بيقظه الليل
العناصر تترنح ذائبة
تصقل دفتر التاويل
منتشيه بما يتيح للجسد تاج الشهوة
وما يجعل القلب في الغيم.

****

ما لاحد مثلنا

ما من شعوب تزعم تكبد الخسارات
وتجرع الهزائم
وهدر القرابين
مثلما نفعل،
من غير حكمه و لا درس و لا موعظة.

ما من شعوب تخضع لعسف حكامها
وتبجل جلاديها
وتستجير بالجحيم
مثلما نفعل.

نحن جوابو الجهات
نحسن غزل الشباك لخطواتنا
نصقل جمر المواقد لتصهر المسامير
وهى تنغرس في لحمنا حتى خشب الروح
نغير جلودنا لكل سوط
ونتضرع للنصل لئلا يكف
ونعض عليه بالجراح
نقرا مصائرنا في الليل
وتقودنا الكتب.

صب الله الاصنام لنا بالدوارق و الاباريق
طواطم تجثم على الاكباد
تصهرنا في جبل الفولاذ،

الهه تعبث بلا غضب و لا ضغائن
تضعنا في غرفه الصاعقة
وتصفق الباب خلفنا
وتنسى.

****

درس الضوء

ليتك في المعرفة
ليت هذا الضوء الذى يعبث بي
يتكلم و يطرح الصوت
لتدرك الغرفه درس الضوء
وياخذ نيتشه نصيبه من الندم
وينال درس الضوء و يشفى،

ليت المعرفه عله الضوء
ليتها …

****

عله المعرفة

فلك يفيض من نافذه السديم
نصف عتمة
نصف ضوء غائب
وجسده ينضح غبارا يغمر شجره البيت.

فلك اكثر علوا من الصدى
لا يسمع غير خطواته نحو عله المعرفة
ولا يري سوي معدن العلل.

****

تاويل المرض

جسده يستنطق العمل
ويشتغل في حماه الغيم
منهمكا في تاويل المرض
جسده يوغل في غابه القواميس
والفصول ذات الشراك
ينصقل و يرق و يشف و يشى و يفيض بالدلالات
جسده مشحوذ بالليل
يجتاز مختبرات الولع
يشك في ابجديه الضوء
ويعرف لغه تقصر عنه.

****

معراج

اصعد اليه
لا درج يطاله و لا يد عليه،
ترقي به اقداح معبوبه بضوء شاحب
ويطيش له العقل.

اصعد
ساقاى متهالكتان
واطرافى تبرد
ويكبح الضوء عيني.

شاهق
يعرف الاعالي
فاصعد مثل جناح يحلم بالريح.

يشفق،
فيعلم اصابعى الكتابة
ويدرب جسدى على الصبر،
فاصعد.

****

اليد و حدها

ستبكى هذه اليد و حدها
وهى ممدودة
يزخر بها فضاء مشحون بالانتظار..
كيف تقوي نوافذه الغامضة
علي وداع ليل ضائع مثل هذا؟

كانت اليد و حدها بلا مناديل
ولا دمع و لا عناق.
يد ممدوده في سديم الميناء
مثل غيم كسرته زخه من قذائف المساء
وقطعت حبال السفن النائمة.

اليد و حدها
ذات اليد الوحيدة
وحدها،
بكت و حدها.

****

فكره العمل

الفارغ من الدلالات
كلما بالغ في طرح صوته
ضاجا
مجلجلا
يجهر بجراه خطابه الفج،
كلما شغر به المكان
وفرغت التجربه من اخباره
وخرج عن فكره العمل.

كلما تكاثر بالكلام
شحت دلالاته
وشحب المعنى.

****

الندم

اين سنترك اثرنا الخفيف
فوق ارض منكوبه كهذه؟
وكيف سيقرا الاخرون و قع ندمنا الكثيف
فى ساحه الهزيمه المزعومه بالاوسمه
المثقله بالضغائن؟
وماذا سنقول لدوره الدم المذعور
وهى تصقل ترنحنا المكابر
لئلا يشوب الغموض
انخابا تباهى الشمس
وتخدع الامل؟

****

الماضي

يهندس لنا ايقاع القصيدة
هذا الماضى المرضوض بالعجلات الفولاذية..
كنا نؤلف به ايامنا البطيئة
لئيمه الادعاءات
ونؤثث غرف جحيمنا بتركته الفجه
وكنا نغرر باكثر مريدينا حماسا له.

الماضى الذى ينتصر علينا
لا يزال يغلب النحو و الصرف
ويستفرد باللغه في غفله من قلوبنا
يحضر يحتضر
ويصير مستقبلا.

****

ايليا تورجانوف

بخطوات راقص الباليه المترفع
المستخف بالهواء
الموشك على شرفه الكون
خطواته الرشيقه الواثقه عن الارض
وضع حياته في مهب الكتابه مراهنا على السفر
خطوات تكتب له طريقا
فيسلك سواه
الخطوات ذات الخفة
بالقدمين الماخوذتين برحمه الريح
قدمان مجنحتان
ما ان يضعهما في الاقامة
حتي يطير بهما في سفر
يمشى في التجربه على حافه الوقت و المكان
مثل طيف رهيف
كمن لا يريد ايقاظ احد
هو الذى يسعي لايقاظ الخرائط
هو الذى جاب الماء و اليابسة
طواف المعرفه الكونية
منح شبحه الشفيف لرسامى الجزر
وملونى الاوقيانوس بلازورد القلب
ومخلصى الاصداف من مرضها الكريم
ومروجى الكحول بطيئه العمل
ومنحنا نعمه الصداقة
فى ترف الفالس فائضا عن الكمان
طائشا، مندلعا في دفتر الطبيعة
بتلك الخطوات الطازجة
مثل حبات المانغو الخضراء في غابه المطر
فى سهوب اسيا المذهولة
مثل سمك ينسي عاده الماء
فى سواحل افريقيا المنتظرة
ويمنح الناس ارجوحه المبتدا و الخبر
بالخطوات السريعه ذاتها
يتقدم مكترثا،
مشفقا على الارض المتالمة
الفتي البلغاري
شديد الانتبهاه، الخارج مبكرا على النص
جاء متاخرا عن العسف
خطواته الصغيره خارج المكان الاول
منحته بيت العالم
هو الذى راى مناجم الكشف في مجهول السفر

الرجل المندفع في تجاعيد الطبيعة
مدخرا الطفل الذى لم يكبر معه
يمس الارض بقدمين مذعورتين
ماخوذتين بالسفر
لا تستقران في غرفه و لا يكفيهما الوقت
يقيس بهما خيط الافق
مطمئنا لقلقهما
قدمان سادرتان في سديم البحث
تقودهما عينان ساهرتان في شرفه المجرة
تريان او ترويان،
القدمان المسكونتان بالاقامه و السفر،
تكتبان الجسور و تقران جامع العوالم.

****

ذكريات المستقبل

بشغف الملتهب
كنت ساهب روحي
فى نصف القصيده دفعه واحدة
لكى اقوي على رعشة
النصف الثانى من القصيدة
حيث الكتابة
قصف الولع بورده الخلود
ومحو الحالم
لذكريات المستقبل.

****

اقل من القلب

قليل على القلب
هذا الذى كنت سميته
والذى كنت اجلت روحى له
والذى كلما طاش عقلى به في الصباح
تضرعت للشمس كى تنتهى عنده
اقل قليلا من القلب لكنه
شدنى بالتاويل
واقتاد روحي
وانتابني.

كل هذا القليل الصغير من القلب
الذى كنت بجلته
نالني، و انتهى
فابتدات
كحب صغير على القلب
هذا الذى خنتنى كى تموت له
والذي، اعرف الان،
تقتلنى كى تكون له
كل هذا الاقل من القلب
كيف، تجاوزت حبي،
وصدقته
ثم كيف انتميت، انتهيت
وصليت، كفرا، له؟

****

1٬078 views

البيت الذي يشير الى ثقل الزيارة بسبب طول الاقامة هو