يوم الخميس 1:19 صباحًا 27 يونيو، 2019

البيت الذي يشير الى ثقل الزيارة بسبب طول الاقامة هو

صور البيت الذي يشير الى ثقل الزيارة بسبب طول الاقامة هو

 

كيانك الهش في القطارات

القطارات التي تمر بى و تعبر مسرعة،

 

مبتعدة،

 

و التي لا الحق بها و لا اصعد اليها و لا اغادر معها،

 

هى نفسها القطارات التي اذهب معها باحلامي،

 

و اكون ما خوذا بها اكثر من تلك التي اكون على متنها،

 

مسافرا بالفعل.

هذا هو الانطباع الذى انتابنى حين رايت القطارات لاول مره في حياتي،

 

و خصوصا تلك القطارات الاوروبيه الفائقه السرعه التي ما ان تنغلق ابوابها المعدنيه امام كيانك الهش،

 

حتى تنطلق عابره طبيعه لا سلطة لحواسك عليها،

 

مخترقه اماكن لا تراها الا لمحا،

 

و ما رقه الفيزياء غير ملتفته لاحلام الناس المنتظرة،

 

المتاخرة،

 

و الخاسرة.

****

ترك البيت

اى معنى،

 

يمكن فهمة او ابتكارة او اكتشافه،

 

لترك البيت و السفر للاقامه في مكان اخر: مكان بعيد،

 

غريب،

 

متعذر التنبؤ به؟

ثمه جناح شاسع من سماء زرقاء يحلق و يهبط ليسلمنى لحضن اخضر،
كنت في الطائرة،

 

احملق بعينين تائهتين يتوجب انتشالهما من الندم.

لكن،
ما ان انسحقت عجلات طائره الخطوط البريطانيه على ارض مطار برلين،

 

حتى شعرت بان التجربه اكثر من جديرة،

 

و لا يليق بالكاتب ان يتاخر عن تجربتة مهما كان السبب.
مطار برلين،

 

لاول و هلة،

 

منحنى شعورا غامضا باننى في القريه المجاورة.

 

مطار صغير و غير متوقع،

 

نظرا للسمعه و المكانه التاريخيه لمدينه برلين.

 

فما ان خرجت من باب الطائره حتى صادفت الحقيبه امامي،

 

سحبت الحقيبه الثقيله و استدرت بها للخروج،

 

فوجدت السيد توماس هارتمن يلوح لى باطمئنان.

 

بادرتة بدفقه اعتذار كثيفه عما سببتة له من ارباكات طوال اشهر الاعداد للزيارة.
– هل انتظرت طويلا

 


اجابنى توماس:
– كنت سانتظرك على كل حال.

يتوجب عليك ان تصادف شخصا يستقبلك في المطار مثل السيد توماس)،

 

لكي تنال شعور الاطمئنان باكرا في البلد الغريب الذى تضع قدميك فيه.

 

ثمه طاقة حميمه يحسن هذا الكائن بثها في روحك.

 

ليس،

 

فقط،

 

لفرط قدرتة على دفق الحديث المتسارع المرح فيما يقدم لك تفاصيل الطريق و المكان و لمحات تاريخيه عن زمانه،

 

لكن خصوصا لكونة يرغب في و ضعك داخل المدينه دفعه واحده بالعديد من المختصرات،

 

لكي يحلو له التفرغ،

 

كلما تسني له الوقت لرفقتك،

 

لعرض المزيد من التوسع في تفاصيل هذه المعلومه او تلك.
بعد ان انطلقنا بسيارتة الحمراء الصغيرة ،

 

 

اكتشفت اننى كنت كمن يواصل معه حديثا انقطع يوم امس.
كان الطريق سبيل الاسترخاء بعد توتر استغرقنى اياما طويلة.

هل انا في قريه العالم؟

****

غابه في الشرفة

احتجت الى ظهيره كاملة،

 

بعد ان تركنى توماس)،

 

كى استعيد توازنى الروحي،

 

و ابحث عن انسجام فيزيائى مع فضاء الشقة.

 

هذا هو الطابق الرابع و الاخير من المبنى.

 

سعيت الى بعض الاوكسجين لتنشيط الدم المتخثر،

 

لكن ما ان فتحت النافذه حتى انهالت اضواء الشمس الجديدة من سماء بالغه الزرقه و حشود لا نهائيه من خضره الاشجار.
هذا هو الهجوم الاول و الهزيمه الثانية.
لقد كنت و سط واحده من اجمل غابات برلين و اكثرها كثافة،

 

او على الاقل هكذا شعرت لما اجتاحنى من الخضره الاسرة.
اخذت نفسا عميقا،
وتذكرت فجاه لحظه بسط لى توماس رساله الدعوه في واحده من ليالي مدينه المحرق،

 

حين جاء العام الماضى برفقه قافله فاطمه المرنيسي في زياره ثقافيه الى البحرين.
قلت في نفسي: ليس ثمه عبث في ما ترسمة لك اقدار الكتابة.
فالمحرق ليست كل العالم.

****

الطيران فوق خشب الارض

فى الشقة،

 

ذات الارضيه الباركية الخشبية،

 

كنت اتمني ان اطفو مرتفعا عن الارض لئلا اسمع و قع خطواتى التي ظننت انها تفزع كل ساكنى الادوار الاربعه في المبنى.

 

كيف يحتمل الاخرون سكنا يصر تحت اقدامهم طوال الوقت،

 

و كل هذه السنين،

 

و ربما مدي العمر.

 

كنت اتفادي النهوض عن سريرى قدر الامكان،

 

متنازلا عن الحاجات الضرورية طوال الليل،

 

لئلا اوقظ قاطنى المبنى،

 

خشيه ان اتعرض للتوبيخ في الصباح.
ضحك احد الاصدقاء عندما اخبرتة بالفكرة التي تفزعنى في غرفتي الموحشة،

 

و قال لي: على العكس،

 

يتوجب ان تكثر من السير في الشقة،

 

كي،

 

على الاقل،

 

تؤنس و حشتك،

 

و انت و حدك في الليل و النهار.
لا اعرف،
ربما اعجبتنى الفكرة لحظتها،

 

لكن دون ان اجرؤ على تطبيقها.

****

نافذه الانترنت

يمكننى وصف حالتي بالمجنون التائة في اليوم و الليلة اللذان قضيتهما في الشقه بدون خدمه الانترنت،

 

و ربما حسبت ان تلك بداية غير مناسبة،

 

لئلا اقول غير متوقعة،

 

و انا الذى و ضعت توفر خدمه الانترنت شرطا اولا في الاتفاق مع السيد توماس.
واوشكت على الفزع الى درجه ان احلاما كابوسيه قد نجحت في تحويل ليلتى الاولي في برلين الى ما يشبة الهستيريا المكبوتة،

 

و شعرت فجاه ان الجحيم يكمن لى في السرير لشده الحر،

 

فوجدت نفسي اتصل بالسيد توماس هاتفيا لكي اخبرة اننى لا استطيع النوم في هذا الجو الخانق.

 

و لكن ما ان سمعت صوتة على الطرف الاخر من الخط،

 

حتى شعرت فجاه بالحماقه التي ارتكبتها و انا ازعج هذا الشخص و سط عائلته،

 

-و(توماس من النوع الذى تشعر به على الفور فما كان منه الا ان تنفس الصعداء كمن يستعيد طاقتة على استيعاب ثورتى غير المتوقعة،

 

و قال لى ان الطقس عندة جيد،

 

و ما على الا ان افتح النافذه في الجانب الاخر من الشقه لكي اترك الهواء يتخلل المكان.

 

كانت هذه الملاحظه بمثابه الصدمه لذهنى الشارد،

 

و خجلت ان اشرح لحظتها كيف ان الخلل ليس في الطقس و انما في الوحشه التي تكفلت بليلتى الاولي في المكان الغريب،

 

و حيدا بلا نافذه الانترنت.
حسنا،
سافتح النافذه في الشقة،

 

لكن ماذا عن نافذتى الاخرى المطله على الكون؟

اجلت شرح الحالة الى اليوم التالي.
لم يكن ذنب توماس و لا غيره،
حظي اننى و صلت في نهاية الاسبوع،

 

العطله المقدسه في عالمهم،

 

حيث لا احد يترك عائلتة لكي يمدك بتجهيزات خدمه الانترنت،

 

و على الانتظار حتى صباح اليوم التالي؛

 

الاثنين.
بدا صباحي يوم الاثنين باكرا،

 

و جلست انتظر اخصائى الانترنت الذى جاء في موعدة تماما،

 

التاسعة و النصف،

 

و كنت انتظرة منذ السادسة.
كيف يمكننى تفسير ما يحدث لى كلما تعذر او انقطع اتصالى بالانترنت؟
فى برلين،

 

كما في كل مكان اسافر اليه،

 

سيكون توفر الانترنت في الغرفه شرطا لازما يتوقف عليه تلبيه الدعوه .

 

.

 

هذا شرطى الوحيد،

 

لا اكثر و لا اقل.
فى برلين،

 

منذ يوم الاثنين المبارك،

 

كانت خدمه الانترنت في الشقه اكثر من ممتازة.

 

فضلا عن ذلك كان هناك خط هاتف دولى متاحا طوال اقامتي،

 

غير اننى لم اكتشف ذلك الا قبل رحيلى بيوم واحد،

 

و بقيت طوال الوقت استخدم هاتفى المحمول في الاتصالات الدولية.
لقد كانوا على قدر كبير من الكرم،

 

و لم اكن متطلبا بما فيه الكفاية.

****

كاس تلعب بالكون

المانيا برمتها منشغلة،

 

عن كل شيء،

 

بكاس العالم.

 

فدوره 2006 تقام مبارياتها في مدن المانيه مختلفة و من بينها برلين التي تحولت الى معسكر حماسى لتشجيع بالغ التنوع،

 

لفرق مختلفة،

 

ابرزها،

 

بعد الالماني،

 

الفريق البرازيلي.
ياتى التشجيع هنا،

 

بعد الفريق الوطني،

 

لمن يلعب جيدا،

 

و خصوصا لمن يعطى نتيجة جيده في صالح الفريق الالماني.

 

برلين صارت بفوز المانيا على الاكوادور ساحه كرنفال و طني،

 

ليس فقط لفوزهم بثلاثه اهداف نظيفه و بارعة،

 

و لان فريق الخصم خطير الى هذا الحد،

 

لكن لان هذا الفوز منح الفريق الالمانى النقاط الكافيه لتفادى اللعب مع الفريق الانجليزي،

 

الخصم التقليدى في مثل هذه المناسبات.

للوهله الاولى،

 

ستبدو مصادفه المونديال غير مناسبة،

 

او مربكة،

 

لزياره ادبيه كهذه.

 

غير اننى سرعان ما شعرت بان الامر ليس فقط اكثر تشويقا من الايام العادية،

 

لكنة ساهم حسب ملاحظه اصدقاء المان ايضا في خلق مناخ اجتماعى وضع الالمان،

 

المعروفين بجديتهم و تحفظهم،

 

ضمن سياق نفسي و حالة اجتماعيه مبهجة،

 

بحيث يسهل معها على الغريب الاستمتاع المشترك بالحالة الجديدة للناس،

 

و هذا مما ساعد فعلا على اقامه لحظات نادره من الاتصال بنماذج مختلفة من الالمان،

 

و بمستويات ثقافيه غنيه التنوع.
ربما لان انخاب العالم التي كنت اتبادلها مع الكثيرين في المراكز الثقافيه و المقاهى و الساحات العامة و الحدائق،

 

فى جو شعبى بالغ الحيوية،

 

هى انخاب كونيه الروح بالمعنى الدقيق للكلمة،

 

حيث تصل اعداد الحشود احيانا الى الالاف،

 

مشدوده الى الشاشات العملاقه لمتابعة المباريات متخففه من الاعباء الاجتماعيه التقليديه التي عاده ما تحبس الالمانى في حدود ضيقة.

ما عليك الا ان تاخذ الشراب الذى تحب،
وتاخذ مكانا امام الشاشه بين الجالسين او المفترشين ارض المكان،
وتاخذ لك فريقا تشجعه،
وتاخذ الامر ما خذ المتعة،
ثم تاخذ كل ما سيحدث بروح رياضية،
وتاخذ راحتك على الاخر.

***

الرياضه هي ايضا ضرب من الثقافة

الرياضه هي ايضا ضرب من الثقافة..
فى برلين،

 

سيبدو الامر بمثابه الطقس اليومي تحت قبه شاهقه و شاسعه من الوان المتعه الاجتماعية،

 

ليس فقط لمن لم يعش موسم الدوره العالمية لكاس العالم في مدينه غربية،

 

لكن خصوصا لمن جاء من بلاد احتكر فيها ما لكو الارض و الفضاء حق بث المباريات بطريقة تحرم ملايين العرب من متابعة متعتهم الرياضيه الاعظم.
اقول ثقافة،

 

لكي اشير الى مفارقات لا تكف العقليات الاحتكاريه من و ضعنا في مهبها قرابين التجاره الفجة.
فى برلين،

 

فيما ازورها للشان الادبى و الثقافي،

 

سيصادف اننى اكتشف فداحه ما يحدث من حجب تدريجى لابسط متع الكائن في مناطقنا التحت ارضية.
ثقافة،

 

لان مصادرات الثقافه عندنا،

 

و هي شان نخبوى لا يزال،

 

ستطال يوما بعد يوم الحاجات الشعبية العامة،

 

اخشي ان لا تكون المتابعة الرياضيه اخرها.
فى برلين،

 

ستلاحظ كيف يستوي،

 

الذين يلعبون و الذين لا يلعبون،

 

فى لحظه انطلاق صفاره الحكم لبداية المباراة،

 

و من لم تتح له ظروفة الحضور الحى في ملاعب المدن الالمانية،

 

يستطيع متابعتها عبر شاشات العرض العملاقه في كل مكان،

 

من غرفه البيت الى اكبر الملاعب و الساحات و الحدائق العامة.

اقول ثقافة،

 

ايضا،

 

لكي اشير الى ان اول مباراه تابعتها في برلين كانت في احد اكبر المراكز الثقافيه في هذه العاصمه العريقه ثقافيا و هو بيت ثقافات العالم)،

 

حيث كانت اصوات مئات المشاهدين تتعالى في قاعه المركز الكبيرة،

 

التي كانت تشهد في الايام نفسها اكثر من نشاط ثقافى و فني،

 

مثل المعرض الخاص بامريكا اللاتينيه من كتب و اشغال و مصنوعات فنية،

 

كما كان هناك حفل موسيقى برازيلي،

 

و حفل اكاديمى لمناسبه تخرج فوج جامعى جديد.
كل ذلك في المبني الكبير ذاتة الذى يشكل تحفه معماريه بعد اعاده تعميرة في السنوات العشر الاخيرة،

 

و هو المشروع الثقافى المتخصص و المفتوح لفعاليات الفنون العالمية،

 

ليتحول من مرفق حكومى على حدود سور برلين،

 

مجاورا للنهر،

 

الي مركز اشعاع ثقافى تتجاوز نشاطاتة حدود المانيا،

 

مسهما في الحوار الثقافى مع شعوب العالم.

منذ اليوم التالي لوصولى برلين،

 

شعرت برغبه لابد ان استجيب لها و اقنع بها الاصدقاء منظمى برنامج زيارتي،

 

ان يشمل برنامج زيارتى حضور اهم مباريات كاس العالم.

 

كنت اظن اننى اقول شيئا جديدا،

 

ففيما كنت احاول شرح اقتراحي،

 

اخبرونى بان ذلك ما خوذ بعين الاعتبار،

 

و ليس هذا فحسب،

 

بل كانوا قد برمجوا مواعيد ندوات برنامجنا في الايام التي تخلو من مباراه مهمة،

 

او من مباراه يلعب فيها الفريق الالماني.
بهذا تيسر لى ان اتابع اهم المباريات اذ كلما كانت الرياضه شانا اجتماعيا،

 

صار لها ان تتقاطع مع الشان الثقافى و تغنية و ذلك بوضع الروح المتعصبه في مهب الروح الرياضية.

كيف سيتسني لنا ان نري الى الولع بكره القدم بوصفة شانا ثقافيا،

 

و نحن في سياق اجتماعى و معرفي،

 

و ضمن منظومات لا تري في الثقافه ذاتها شانا انسانيا،

 

منصرفه الى الرياضه باعتبارها حقلا اكثر اهمية من الثقافة،

 

الامر الذى يجعلنا نخسر الاثنين معا: الثقافه و الرياضة.
الطقس في برلين،

 

شارك باعتدالة في جعل الايام الرياضيه مشمسة،

 

طريه تسمح بالانطلاق خارج البيوت،

 

فى الساحات و الحدائق،

 

و هو ما لا يحدث كثيرا حتى في مثل هذه الفتره من السنة.
كان الطبيعه صارت ايضا رياضية.

****

فال طيب

قبل موعد الوصول بايام قليلة،

 

بعث لى توماس يخبرنى بتاجيل رحله الضيف الالمانى ايليا توريانوف لاضطرارة البقاء في ميونخ لحضور حفل استلامة الجائزه المهمه التي حصل عليها عن كتابة الجديد جامع العوالم).
بقى ايليا لحضور المناسبه الاستثنائيه التي يستحقها بالفعل،

 

و ليستجيب للعديد من البرامج التلفزيونيه و اللقاءات الصحافيه مع و سائل الاعلام العالمية،

 

ثم ليتابع الصعود السريع الملحوظ لمبيعات كتابة الحاصل على الجائزة.
قلت: هذا فال الطيب.

****

مؤلفات ايليا ترويانوف:

  • الاسطوره و الحياة اليومية في شرق افريقيا 1993
  • حراس الروح مقابلات مع كبار السن في زيمبابوي،
    1996(بالاشتراك مع الكاتب الزيمبابوى شينجارى هوف)
  • كتاب عن عودتة الى بلغاريا 1999
  • على خطي الرحالة المستشرق ريتشارد بيرتون
    (كتاب عن رحله الى تنزانيا 2001
  • على امتداد نهر الكنج: الى الضفاف الداخلية للهند
    (عن رحلتة الى الهند 2003
  • الحج الى المنابع المقدسه للاسلام 2004
  • جامع العوالم.
  • اكاديميا درس علم الاجناس الاثنولوجيا و هذا ما قد يفسر توجهة في الكتابة)
    اعتقد ان اختيارة خضع لتجربتة في الاجواء الحارة و اهتمامة بالكتابة عن الرحله .

     

  • انة عالم كبير و ملاجئ انقاذ في كل مكان اولي رواياته) 1996-
    (عن عائلة من البلقان تلجا الى ايطاليا)
  • مراسل لعده صحف المانيه في الهند 1998

(ايليا توريانوف في البحرين
(Ilija Trojanow)

تعرفت على ايليا توريانوف)،

 

فى البحرين،

 

ثم و اصلت الاقتراب من مشاغلة اليومية في برلين و ميونخ،

 

و هو لا يزال في غمره مشاغل و متطلبات فوزة بالجائزة،

 

ليصبح احد الشخصيات الشهيره في المانيا.

 

راقبتة عن كثب و هو في قلق كتابة مقالتة الاسبوعية،

 

ذهبت معه الى مكان عمله،

 

و الشقه التي يقيم فيها و تقع في المبني ذاتة الذى يعمل فيه في دار النشر المتخصصه بالكتب الفنيه و المصورة و تصميم و اصدار المطبوعات المختلفة.

 

حضرت معه اكثر من مقابله صحفيه و اذاعيه كان فيها يتحدث عن حياتة و كتبه.

 

لاحظت ان الذين يعبرون عن اعجابهم بتجربته،

 

لا يشيرون فقط الى اسلوبة الحيوى و طريقتة في التعبير الادبي،

 

بل و يمتدحون ايضا طاقة السفر لدية لاكتشاف العالم مباشرة،

 

و بكل حواسه،

 

فى زمن تندر فيه التجارب المهمه الخاصة بادب الرحلات.

 

ربما موهبه ايليا)،

 

فى ما لمستة من بعض مما ترجم من كتابة الاخير الى العربية،

 

تكمن في قدرتة على خلق ذلك المزيج الفعال من السرد الروائى و ما يمتلكة من لغه شعريه و معرفة،

 

و قدره على الوصف المباشر و خلق التشويق المكتشف في لحظه ابداعيه متفجره العواطف،

 

خصوصا في وقت قد لا يكترث فيه القارئ بكتاب يتصل بالمعرفه اذا لم يتوسل التشويق الادبى و رشاقه الاسلوب.

 

سوف ينتظر القارئ العربي بعض الوقت ليتعرف على رحلات هذا الكتاب و لغتة الادبية،

 

و حسب ايليا فان ثمه مشروعا و شيكا يجرى الاتفاق عليه لترجمة كتابة جامع العوالم الى العربية عن طريق دار نشر عربية في المانيا.

****

المثقف الكوني

منذ ايامنا الاولى،

 

و كلما صادفتنا معضله او موقف ي شي بتخلف ما ،

 

 

اقول: ماذا نفعل،

 

سنحتاج بعض الوقت لكي نتجاوز هذا.
يقترح ايليا توريانوف حلا جذريا الثوره .

 

.
غامزا من قناة تجربتي السياسية.
فاضحك قائلا: لقد فات اوان الثوره بمثل تلك الطريقة.
لكنة لا يياس،

 

مؤكدا ان ثمه طرقا و اشكالا مختلفة للثوره .

 

.

 

لئلا يتاخر هذا المجتمع عن العالم.
ثمه حلم حقيقي و صادق يصدر عنه الصديق الالماني،

 

فهذا الذى عاش و اختبر اكثر مناطق العالم فقرا و تخلفا و بعدا عن سياق الحداثة،

 

يعرف جيدا قسوه ان يظل المجتمع محروما من حقة في الحضارة.

 

غير ان الامر سيختلف بالطبع هنا.

 

البحرين ليست افريقيا و لا الهند،

 

كل هذه البلدان المختلفة قائمة على منطقها الخاص.

 

المشاكل و المعضلات في البلاد العربية تزداد تعقيدا دون ان تحصل على فرصه لايجاد حلول جذرية.

 

هناك الحروب المتواصلة،

 

المستعره تحت سمع و بصر انظمه غير مكترثه بتوفير اوضاع تستحق الامل على الاقل.

غير ان ايليا)،

 

فيما ينطلق بفتوتة الحماسية،

 

مقترحا تجربه ادبيه تتصل مباشره بالعمق الانسانى للحياة،

 

متسلحا بموهبه جديدة و اسلوب ادبى اخاذ حسب تعبير اكثر من قارئ المانى سمعته)،

 

منخرطا في العمل الصحافى الحر،

 

من شانة ان يمنحنا فرص التعرف على تجربه المثقف الكوني،

 

كما احببت ان اسمية اثناء حوارات برلين.

 

و ظنى ان التكريم الذى نالة بعد فوز كتابة جامع العوالم بالجائزة،

 

و احتفاء جهات المانيه و عالمية رصينه بتجربته،

 

و ترجمتة الى لغات عدة،

 

كل ذلك كان بمثابه التحيه الحضاريه للشخصيه الجديدة للمثقف الكوني.

يقدم ايليا نموذجا لافتا لمصادر تجربتة الثقافيه المتجذره في موطنة الاصلي بلغاريا،

 

ثم انتقالة المبكر الى المانيا بعد فرار عائلتة من العسف الشيوعى في منتصف الخمسينات،

 

و تمتعة بالجنسية الالمانية.

 

فى كتاباتة يهتم باكتشاف و دراسه و كشف افاق المجتمع الانسانى في جوانبة المتازمة،

 

اجتماعيا و اقتصاديا و حضاريا،

 

منتجا نصوصا باهره عن افريقيا و اسيا مصقوله ببصيره المثقف المبدع و بحثة الجاد و الطموح.

 

انة يقدم تجربه مشحونه بالدلالات،

 

فيما ينهمك في تلك القضايا بحريه و من غير عقد تقليديه غالبا ما يتعثر بها مثقفون كثر مثقلون بارث تاريخى او رازحون تحت و طاه ايدلوجيا جاهزة.

 

انة يذهب الى كل تلك المناطق الفقيره و المتخلفة،

 

بشغف الباحث،

 

و ليس فضول المتفرج.

(ايليا توريانوف)،

 

كلما توغلت معه في حوارنا المتقطع،

 

تكشفت لى مساله غايه في الاهمية،

 

و هي كيف تقيم حوارا مع مثقف و اديب ينتمى الى لغه اخرى،

 

و الى جيل اكثر منك حداثة؟
بالنسبة الي،

 

لم اتعثر بفارق العمر بيننا.

 

و هو ايضا لم يبد تبرما او استياء من طبيعتى المحافظة التي تبرز بين وقت و اخر،

 

بل سوف يصادف ما يناسبة مع اولادي،

 

دون ان تفوتة فرصه اطلاق التعليقات الذكيه على ذلك.

فى الفصول التي قراتها من كتاب ايليا توريانوف)،

 

التي ترجمها ببراعه المترجم الفذ جونتر اورت)،

 

تعرفت على السرد الروائى السلس و المشوق الذى استطاع ايليا ان يشد به القارئ،

 

كما تبين لى ما يمكن و صفة بالحساسيه الانسانيه التي ي شي بها النص طوال الوقت.

 

لقد كان قادرا،

 

كما يكشف الجزء المترجم،

 

على الاحتفاظ بالمعادله الرشيقه بين ذهنيه السرد التاريخى و جماليات الفن الروائي،

 

و لعل هذه الخاصيه قد ساعدت على وضع كتاب جامع العوالم في سياق متميز من التجارب الادبية،

 

دون ان تقلل من اهميتة الصحافيه التي يهتم بها عمل ايليا توريانوف المهني.
وتجدر الاشاره هنا،

 

حسب مختصين المان،

 

الي موهبه ترويانوف اللغوية،

 

حيث يكتب بلغه غير لغتة الام،

 

و يجيد استخدامها على احسن و جه… و الالمانيه اصعب من الانجليزية.

****

(جامع العوالم)

منذ اللحظه الاولي سيبدو الاختلاف بينى و بين زميلى في هذا المشروع بالغ الاتساع،

 

اذ ان طبيعه الكاتب ايليا توريانوف و تجربتة و خبرتة تختلف تماما عني،

 

فهو الاديب المعروف اساسا،

 

نصا و شخصا في كونة احد الماخوذين بالسفر بوصفة مصدرا للابداع و لطاقة الكتابة،

 

و قد اشتهر بذلك،

 

و نال جائزة،

 

كما سلف و ذكرنا،

 

عن احدث كتبة جامع العوالم)،

 

و الذى اخذ منه سنوات امضاها في الكتابة عن رحلاته.

ربما هذه المصادفات هي واحده من نقاط التشويق التي ستمنح تجربتنا المشتركه جانبا من الطرافة،

 

و ستتيح لشخصين من جيلين و لغتين و تجربتين مختلفتين فرصه اكتشاف عالميهما،

 

المتباعدين و ربما المتناقضين،

 

من خلال هذا الاختلاف.

حين اتي ايليا توريانوف البحرين،

 

بدا كمن ينتقل من غرفه الى اخرى في البيت نفسة الذى يعرفة جيدا،

 

فبيته الان هو العالم.
اما بالنسبة الى فقد بدت التجربه ضربا من المعاناة،

 

دون ان تفقد تشويقا من نوع ما .

 

****

غير ان برلين

على رغم الفتنه التي ادهشتنى لاول و هله فيما كان السيد توماس هارتمن يطرح على فكرة الاقامه في برلين عده اسابيع،

 

فان لاوعى الكائن المتحفظ في،

 

و الذى يؤثر السكون و الاستقرار،

 

استيقظ مستنفرا ضد رغبه الكائن الاخر في الذى يميل الى السفر و الاكتشاف.

 

و بدات اضع العراقيل امام الدعوه و ابتكرها في حرج و حيرة،

 

متذرعا بطول الفتره و مشاكل اللغه و تفاصيل بلا معنى.

 

فيما بقى السيد توماس طوال اشهر الاعداد للزياره يعبر عن حماسة للفكرة،

 

محاولا تشجيعى و شد ازري،

 

حتى انه حاول ازاله كل العقبات ملبيا رغبتى في اختصار فتره الاقامه من سته اسابيع الى ثلاثة.
كيف يمكن لاحد ان يفوت فرصه انسانيه باهره كهذه؟
لا احسن التقدير بلا قلق،

 

فانا الذى كنت استجيب لكثير من الدعوات الادبيه في السنوات الاخيرة،

 

و التي غالبا لم تكن تستغرق اكثر من خمسه ايام ،

 

 

فى احوال كثيرة كنت اختزلها لاعود سريعا الى البيت.

غير ان برلين امر مختلف،

 

و كان على معرفه هذه الحقيقة مبكرا،

 

لئلا يكون شعورى بالخساره فادحا الى هذا الحد.

 

فقد كنت ضحيه نوع مما يمكن تسميتة فوبيا الغياب عن البيت)،

 

الي درجه ان شعورا بالمرض الجسدى انتابنى يوم السفر،

 

مع اضطراب في دقات القلب،

 

و بعض القلق،

 

فاضطررت الى تاجيل رحلتى عده ايام عن الموعد المحدد،

 

الامر الذى اوقعنى في حرج كبير و اربك برنامج الزياره المعد سلفا برفقه زميلى في المشروع ايليا توريانوف).

الان،
يمكننى قول التالي:
حتى لو كان مكسبى الوحيد من هذا المشروع التعرف ب(ايليا توريانوف)،

 

فهذا مكسب جيد و كاف،

 

و كان جديرا بالمغامرة.

****

12 كولانجروف،

 

المتفرع من شارع كودم

سكن برنامج الفنان المقيم التابع للاكاديميه الالمانية،

 

شقه في الدور الرابع و الاخير،

 

من عماره طاعنه في التاريخ و بلا مصعد.

 

لعل هذا كان امتحانا بمثابه النعمة.
حتى ان الالم الصغير الذى حملتة معي،

 

و جئت اصعد به ببطء ثقيل درجات السلم التي لا تكاد تنتهى في تلك العتمه المريبة،

 

كان لا ينى يكبر و يتضاعف في كل مره اصعد فيها،

 

و ربما مع كل درجه من ذلك السلم المفرط في حياده،

 

الي حد انني،

 

فيما ارتقى تلك الدرجات كان ينتابنى شعور ممض باننى انحدر من جرف سحيق.

قادم من حالة تضاهى المرض،

 

مع حقيبه ثقيلة،

 

و حماس منقطع النظير الى مكان يضاهى البيت.

 

فما كان من السيد توماس حتى تجشم معى عبء حمل الحقيبه عبر الادوار الاربعة،

 

و راح يعرفنى بمكان الاقامة.
طماننى بداية الى ان خدمه الانترنت ستكون متوفره صباح الغد،

 

ذلك ان اليوم هو الاحد و لا احد يعمل.

 

سبقنى فهزمني،

 

عاده لا استطيع الانتظار ليلة واحدة.
لا ينقص الشقه شيء على الاطلاق؛

 

من الهاتف الى ورق الكتابة الى تجهيزات المرافق الاخرى.

 

يبقي فقط ان افتح حوار استئناس مع كل هذه التفاصيل،

 

و حدي.
عرفت من توماس)،

 

ان العماره مخصصه لضيوف مؤسسة DAAD في مشروع الاقامات الفنيه في برلين.
كل منهم في مكانه،

 

لدية مفتاح الباب الرئيسى و مفتاح شقته.

 

لم التق احدا،

 

لم اتعرف باحد.
وليس من العدل ارجاع و حشه المكان ليلا و نهارا الى التزام كل المقيمين بشققهم،

 

فالمكان ليس للاجتماع،

 

انما للنوم و العمل.
ثمه مواقع اخرى تستطيع فيها اللقاء بمن تريد.

****

نسيان الحرب لا يكفي

ليس الاحتفاظ بذاكره الحرب فحسب،

 

لكن الاستمرار في صقل هذه الذاكره بما يجعل المرء قادرا على النجاه من تكرارها في الحياة الجديدة.
طرات هذه الفكرة في بالى و انا اتامل دلاله الابقاء على كنيسه شارع كودم المصابه من جراء الحرب العالمية الثانية،

 

انها بمثابه الاحتفاظ بدرس الموت للحياة.
كذلك الاحتفاظ باثر سور برلين بعد هدمه،

 

لئلا تتعرض الذاكره للسهو و النسيان.

 

فليس عبثا و من غير دلالة،

 

الاحتفاظ باثر امتداد سور برلين داخل ارض المبانى المشيده حديثا على طريق السور بعد ازالته،

 

و لعل اللافت خصوصا ان ذلك يحدث في بهو المبني الجديد لاذاعه برلين.

 

اذ عندما دلفت ذلك المبني الضخم،

 

برفقه الصديق ايليا توريانوف)،

 

حيث سيتم تسجيل لقاء اذاعى معه،

 

لاحظت على ارضيه البهو خطا رخاميا يبرز بشكل لا يستقيم مع بقيه هندسه المكان بحيث يبدو كما لو يشطر المكان،

 

لكنة ينسجم فنيا مع العمران العام.
عندما سالت عن ذلك،

 

شرحت لى الموظفه التي كانت في استقبالنا،

 

ان سور برلين كان هنا.

 

عند خروجنا من المبني شاهدت جزءا قديما من السور لا يزال محفوظا امام المبني الجديد،

 

لكي نلاحظ كيف يشكل هذا الجزء امتدادا هندسيا للاثر الحديث الموجود داخل البهو.
لاحقا،

 

بدات الاحظ ان ثمه مواقع كثيرة في الشوارع و المنعطفات و بعض الحدائق القديمة او المشيده حديثا لا تزال تحتفظ باثر رمزى من ذلك السور الذى صار جزءا من تاريخ المانيا الحديث.
وكان هناك من يريد ان يقول بان ثمه درسا يتوجب تفادى تكراره.

****

المتحف في المنعطف التالي

كلما عبرت تقاطع شارع كودم مع شارع اخر و لمحت اللافته الكبيرة التي تشير الى متحف،

 

“ايروتيك”،

 

غالبت رغبه مكبوته لزيارته،

 

مستسلما لفتنه الدلاله الاجتماعيه التي يشير اليها.
اكثر من المانى كان يبدى عدم ارتياحة لفكرة هذا المتحف،

 

حين نعبر ذلك التقاطع،

 

لكن احدا لم يعترض على و جوده،

 

فكل فرد له حريه ان يحب ما يشاء دون ان يكون ذلك الموقف حكما يصادر حق من يحب ذلك في برلين.
اعرف ان في برلين مظاهر اكثر جراه و تحررا من هذا المتحف،

 

لكننى رايت في هذه الفكرة ضربا من النظر الى هذا النوع من النشاط الانسانى بوصفة جزءا من التاريخى البشرى الذى يتوجب رصد مراحل نشوئة و تطورة و تامل تحولاتة و تبلورة في الحياة عبر التاريخ.
وربما سيتحتم علينا التعاطى مع هذا الامر بقدر كاف من الحس الحضاري،

 

فى معزل عن الحساسيات الطهرانيه التي قد تفوت علينا احيانا فرصه اكتشاف ما يقترحة العقل و الخيال البشريين في الطبيعه الانسانيه المتعلقه بالنزوع الجنسي،

 

الذى ربما سيظل احد اكبر مكونات و عناصر و دوافع حياتنا.

بقيت حتى مغادرتى برلين خاضعا للترسب الاجتماعي،

 

الذى يحول دون ابداء رغبتى في زياره ذلك المتحف،

 

فاتيقن مجددا من سطوه التربيه التقليديه التي تشدنى الى اتخاذ بعض المواقف الرجعيه حتى الان.
فاسال،

 

كيف يتسني لنا التعرف على انفسنا،

 

فى البيت و خارجه.

****

قبل السور و بعده

من شرفه الطابق الاعلى من مبني اذاعه برلين،

 

يمكنك ان تشاهد البانوراما العمرانيه المشيده بعد سور برلين،

 

بمظاهرها و خطوطها الهندسية الاكثر حداثة،

 

و الممتزجة،

 

فى ايقاع بصرى رشيق،

 

بعدد كبير من القبب المذهبه المنتشرة،

 

و التي تشير الى المبانى القديمة ذات الهندسه التاريخيه التقليدية،

 

الامر الذى اضفي على المنطقة رونقا باهرا يجمع بين الاحتفاظ الواعى بالاثر العمرانى القديم،

 

و هي ظاهره تميزت بها برلين،

 

و بين النزوع الحضارى للعماره الجديدة.
ومن الشرفه ذاتها يمكنك ملاحظه مجمع مبانى الحكومة الالمانية،

 

بكل المرافق المختلفة و المخصصه لعائلات موظفى الحكومة.
فهمت من مرافقتنا ان ثمه من يري في هذا المشهد الجديد جوابا متناغما على اسئله مرحلة ما بعد السور.
عند الالمان،

 

سيظل هدم السور حدثا يشار الى ما قبلة و ما بعدة بوصفة نقطه انعطاف فاصله في التاريخ الالمانى الحديث.

 

لكن دون ان يكون هذا الوصف حكم قيمه نوعيه على ذلك الحدث،

 

فليس كل ما يحدث و يصير و اقعا هو امر حقيقي ناجز،

 

ثمه اكثر من جيل سيختلف في تقدير ذلك الحدث،

 

ليس كحدث توحيدى في حد ذاته،

 

لكن باعتبار المنجز الايجابي المتحقق بعد ذلك،

 

و ما اذا كانت ادارة ذلك التحول منتجه و مثمره من قبل فئات مختلفة،

 

من الجيل القديم و الجيل الشاب،

 

لديهم ما يستحق التوقف و الاصغاء،

 

عندما يحتفظ بعضهم براية و انطباعة و تحفظاته.

 

يقال ان المستفيدين من ذلك التحول فئه محدودة،

 

وان البعض،

 

ممن فقد ايجابيات العهد الاشتراكى في المانيا الشرقية،

 

لم ينل ما و عد به و جري الكلام عنه في العهد الراسمالي،

 

ربما لان اليات العمل و وسائط العيش الفردية لم تصادف استعدادا ذاتيا لدي الجيل القديم الذى كان يتمتع بتامينات و معاشات اشتراكية).

 

فى حين ان قسما كبيرا من الاجيال الشابه سيجدون في منطلقات التحرر،

 

فى المرحلة الجديدة،

 

ما يستجيب لنزوعهم و احتياجاتهم،

 

و هم الاجدر بالمستقبل،

 

و يحق لهم هذا دائما.

****

توماس هارتمن،

 

يضاهى شجرا طائشا
(Thomas Hartmann)

عند السيد توماس)،

 

الشيطان ليس في التفاصيل،

 

فثمه ملاك مستنفر يجعل توماس محض راصد يقظ يعتبر تفاصيل زيارتك و شؤون احتياجاتك في اعلى سلم اهتماماتة و من اولويات نشاطة اليومي،

 

منذ استلامك رساله الدعوه و حتى و داعك في مطار برلين راحلا.
سيقول لك،

 

معتذرا بكياسة،

 

يوم و صولك و استقبالك و استقرارك في مقرك ببرلين،

 

ان طبيعه التزامة بعملة اليومي قد تاخذة عنك طوال الاسبوع فيما عدا السبت و الاحد اذ سيخصص لك الوقت كله.

 

لكنك لن تفتقدة ابدا،

 

لانة سيفعل الشيئين معا،

 

حيث سيؤدى مهماتة الخاصة دون ان يغفل عن برنامجك اليومي،

 

اما من خلال اتصالة الهاتفى بك شخصيا،

 

او من خلال المرافقين العاملين و المتعاونين معه في برنامج الاستضافة.

 

هكذا تكون حاضرا في صلب برنامجة اليومي طوال الاسبوع،

 

ايام العمل و عطله نهاية الاسبوع،

 

لا يغفل عنك و لا يترك لك غفله عن نفسك.
مجموع رسائلة الالكترونيه التي احتفظ بها في ملف الزيارة،

 

تكفى لاستكمال ملف نموذجى عن شخص يبسط طقسة البرلينى على ضيف يتعثر في زيارتة الادبية.
غير ان حديث توماس المتدفق سوف يحقق عده امور في اللحظه نفسها،

 

اذ ستكتشف شخصا يحسن ما يفعلة دون ادعاء،

 

و يكسر جهامه المؤسسة،

 

و هو على الاخص سيفسر لك الموج الحاشد من خضره الاشجار التي تبدو كانها تفيض على الغابه المتراميه التي لا نغادرها على طول برلين و عرضها.
مع توماس)،

 

انت تسير مغمورا بالاثنين: خضره الشجر الطائش على الغابات،

 

و موج كلام توماس المتدفق شارحا تفاصيل المكان الالماني،

 

منذ التاريخ حتى محتملات النص غير المرئية.
سيارتة الصغيرة الحمراء التي اختطفتنا من بوابه المطار الحميم،

 

هى ذاتها التي ستعرف الطريق ربما اكثر من قائدها.

 

و فيما هو منهمك في التعريف بتفاصيل الطريق،

 

و انا اصغى الية منتبها الى اشارات المرور و المنعطفات و العربات المتقاطره حولنا،

 

خشيه ان يسهو عنها،

 

هو الذى لا يسهو ابدا،

 

تيقنت انه يحسن انجاز اكثر من مهمه في وقت واحد،

 

حتى انه عندما انكسر محول السرعه في سيارتة بعد اسبوع من و صولي،

 

تاكدت ان ذلك يحدث لفرط اعتمادة على السيارة في عمل كل شيء.

شارع كودم Kurfürstendamm)،

 

الشهير في برلين،

 

باتجاهية المتعاكسين و الذى تظلله الاشجار الكثيفه في الوسط و على الجانبين،

 

لا يزال يحتفظ ببعض بريقة المخطوف بعد هدم السور.

انظر..
يقول لى توماس).

 

هذا كان الشارع الاهم في برلين قبل هدم الجدار.

 

الان انتقل كل شيء الى هناك،

 

و يقصد الجانب الشرقى من المدينة؛

 

المتاجر الكبيرة بماركاتها العالمية و موضاتها الكلاسيكيه الشهيرة،

 

و التنوع المدهش للمطاعم بكل جنسياتها.

 

و يستطرد توماس في سردة المدهش لطبيعه الشارع،

 

منحرفا نحو المنعطفات الداخلية و مواصلا استعراض التعدد اللانهائى للمطاعم التي جرب معظمها شخصيا و خبر مميزات بعضها و سلبيات بعضها الاخر،

 

مشيرا الى ذاك المطعم الذى لم يعد مهما بعد ان غادر مطبخة ذلك الشيف الممتاز.

 

فى تلك الانعطافه الفاتنه للمطاعم،

 

منحنى توماس بعض النصائح ذات المغزي التي لو يدرى كم هي حيوية بالنسبة لشخص مثلى ما ان يغادر بيته حتى يصاب بمشكلة اختيار الطعام المناسب.

(توماس بشرحة المشوق بلا توقف،

 

يظل قرينا مميزا يسابق اندفاعات الاشجار الخضراء التي تحيط بك و ترافقك و تنتقل معك في الشوارع،

 

و تكمن لك اينما حللت،

 

كان ثمه من يحمى هذه المدينه بجيوش خضراء.

فى الدور الرابع من المبني الذى اقيم فيه،

 

ما ان فتحت نافذتى حتى اندفقت الغابه كاملة في الشقه و شغلت الغرف و الممرات و السطح و السقف.

 

خضره غمرت الروح اليابسة،

 

ثم بدات تعبث باشياء المكان و تطوى السجاد و تنثر اوراق المكتب و تتصفح الدفاتر و تدير ازرار الكمبيوتر على هواها.
خضره رافقتنى منذ و صولي،

 

و لا ازال مكنوزا بها.
لنتخيل كائنا بحريا يعود محملا بالغابات.
لقد احببت ذلك فعلا،

 

و بدات اندم على اختصار وقت الاقامه الى هذا الحد.

****

وجوة مروان باشي كانت هناك
(Marwan Kassab Bachi)

احتفل به العرب لمناسبه بلوغة السبعين،

 

قضي خمسين منها عند الغرب،

 

فى المانيا.
احتفلوا به بعد ان انجز تجربتة الفنيه بحريه حلم بها في بلادة بما يكفي،

 

و تحقق في المشهد التشكيلى العالمي بهدوء الناسك و زهده.
لماذا يحتفل العرب بمبدعيهم بعد الموت او قبلة بقليل

 

كم يعبرون عن فرح الخلاص منهم؟!
جاءنى صوتة عبر الهاتف منسربا مثل لون ازرق مشحون بشجن نادر.

 

سبقنى في الاتصال مثل طفل يرهقة التاجيل و الانتظار.
جاء في الوقت المحدد،

 

و اخذنى من مكان اقامتى بسيارتة ذات اللون النبيذى الرائق.
دقائق الارتباك المتوقعه لم تصمد في حضره هذا الطفل الملتحى بفضتة العتيقة.
حين يتحدث بصوتة الناعم،

 

عليك ان تبذل بعض الجهد لكي تلتقط كلماته.

 

جلست الى جانبة فراح يتحدث كمن يواصل كلاما انقطع قبل ساعة.

 

عثرنا على مداخل كثيرة للحديث.

 

تهيبت ان اسالة عن غربته،

 

لكنة سمعني.

 

فقال: نشرب قهوه في البيت،

 

ثم نخرج الى العشاء).
طفق في العزف مفتتحا: هذه المدينة..)،
وانخرطت معه في سيره الخمسين عاما في برلين،

 

يتكلم عن المدينه كمن يتحدث معها،

 

او ربما يتحدث مع نفسة عنها.
التقية للمره الاولى،

 

لمحتى الاولي لوجة مروان باشي اختصرت مسافه كانت تحجبنى عن الوجوة التي لا تحصي في لوحاته.

 

و جوة مفتوحه للبصر و البصيرة،

 

تستدرجك لكي تتوغل في ذاكره الراس كلما عبرت طبقه لونيه لكي تتفجر في و جهك اعماق الوجة في غبار و شظايا.
غير ان مروان يمعن في التقدم نحوك بوجوة جديدة،

 

تسبق و جهة الطفولى الذى يشبة حديقه مقصوفه توا بتسعه كيلو غرام الوان.
وجة مروان لا يختلف كثيرا عن و جوة لوحاتة الا في الدرجة.

 

انها من النوع ذاته،

 

من التشظى العميق ذاته،

 

و ايضا من البحث الهائم ذاتة و المولع بعدم الوصول.

 

و حين و قفت اشاهد لوحاتة واحده بعد الاخرى في مرسمه،

 

لم يكن ينقصنى للتاكد من فكرة البحث عن اللاشيء التي راودتنى في طريقنا الى بيته الا ان يطلعنى على واحده من اجمل تجاربة حميميه و جلدا في الرسم.

 

فقد راح يمرر امامي كدسه كثيفه من الصور الفوتوغرافيه لعمل فنى واحد ثابر في العمل عليه في اكثر من خمس و سبعين حالة،

 

و تعرض العمل لعدد كبير من التحولات شكلا و رؤية و وجوها،

 

بدرجه بالغه الذهول،

 

و استغرق من الوقت ما يكفى لخمسه معارض تقريبا،

 

حسب تقديري.
هذا الولع بالبحث الفنى يلقى ضوءا مهما على تجربه مروان،

 

و يتيح لنا فسحه نوعيه لصياغه تعامل و قراءه خاصة لما ينتجه.
عند مروان باشي)،

 

الفنان يبحث بالدرجه الاولى،

 

لكن مثل طفل،

 

و يبقي على الاخرين ان يجدوا ما يحلمون به.
فى مرسمة الزجاجى منحنى نعمه الاطلاع على تجارب و احجام و رؤى بالغه التنوع و الغنى،

 

حتى اننى رايت الفال الحسن ان يبدا يومي الاول في برلين بتجربه تشكيليه من هذا النوع،

 

ليس و لعا بالرسم فقط،

 

و لكن استجابه لنزعه تلوين العالم،

 

كلما فشلنا في تغييره.
وجوهة لا تحصى،

 

و لا تكف عن اطلاق شهوة التامل.
لم يكن يرسم و جوهه،

 

كانت تقودة في نوع من الرحله المراويه عميقه التحديق.
الالوان عند مروان،

 

هى اداتة الماديه و غايتة الصوفيه في ان.

لا يمكنك تفادى و جوة قادره على التحديق بك الى هذا العمق و بهذه الكثافة.

 

و ليس لك ان تتفادي ذلك،

 

فكل اتصال بوجة جديد امتزاج بتجربه غريبة،

 

و في الغرابه جمال.

لرفقه مروان باشي في برلين متعه خاصة،

 

و سبيل معرفه فذ.

 

وان ياتى لياخذك الى عالمة فتلك لقيه حميمة.
سيارتة النبيذيه تنساب بسلاسه من ينال كاسة الثالثة في مساء منتش.

 

قياده مروان تختلف كثيرا عن سياقه توماس)،

 

لا اعرف لماذا قفزت هذه المقارنة في ذهنى و انا اكتشف كم كنت مسترخيا في مقعدى بجانب مروان دون ان احمل عبء السياقه معه،

 

حتى لم انتبة تقنيا انه يقود السيارة اصلا.

 

كان يجلس الى جوارى فحسب،

 

تاركا السيارة تذهب بنا،

 

فى شوارع عرفها مروان باشي و راح يتحدث عنها بلطف شديد.
خمسون سنة،

 

ليست مزحه في حياتنا المشحونه بالعمل و المكتشفات و المرارة،

 

لكن ان تكون هذه الخمسون لعربي في برلين!
قلت له: لعلك شاركت في تاسيس التاريخ الحديث للمدينة،

 

و ربما اسهمت في رسم شوارعها و رويت اشجارها بسهر الاف الليالي الخضراء.

 

عشت في خضم التحولات و المنعطفات العاصفه التي مرت بها هذه المدينه التي كانت واحده من اهم المدن و اكثرها حيوية و فعاليه طوال ثلثى القرن الماضى و كل ما قبله،

 

و لعلها في الحرب الكونيه الثانية كانت و رده الرماد لتلك الحرب.
بين مكان اقامتى و دارة مسافه ينبغى ان لا تزيد عن عشرين دقيقة،

 

لكننى خلتها الزمن الكثيف كله الذى امتد خمسين عاما.

 

كان مروان متدفقا في الحديث عن التجربه التي نقلتة من احياء دمشق الى مدينه برلين في رحله بحث مريره و خيارات في الدرس و الموهبه و العمل بصورة اغنت حياتة و جعلتة يعرف ايه و جوة ترصف له طريق العمر،

 

لكي يسكن اخيرا في شارع باسم الشاعر الاشهر هيرمان هيسه).

 

كان المصادفات المبدعه هي التي هيات ذلك ل(مروان باشي)،

 

و هو الذى تولع اضافه الى الرسم،

 

بالادب و الكتابة،

 

و حلم دوما بوضع الابداع في سياقة الحضاري.

 

يخبرني،

 

و نحن ندخل في غابه كثيفة،

 

رحبه الطريق،

 

حديثه التخطيط و بالغه الهدوء،

 

ذاهبين الى بيته،

 

المختبئ في حضن احد الغابات.
منذ سنتين اشتري مروان هذه الدار و اشتغل على ترميمها بحيث خصص منها مكانا للسكن و اخر للعمل: رسما و كتابة و تاملا.

****

يقرا احوال الطقس في برلين

حين عبرنا باب الدار،

 

دلفنا مباشره من باب مقابل فوجدت نفسي في حديقه متوسطة على الجانب الداخلى من البيت.

 

و قبل ان اجلس على مقعد خشبى بجوار طاوله من ذات الخشب،

 

بادرنى سائلا: هل تشعر بهذا الجو المكتوم،

 

المشحون بسخونه ما

 

 

هذا يحدث دائما قبل اي انفجار عاصف في الطقس).

 

لم ينتظر تعليقي.

 

اشار الى انها حالة تنذر بالرعد و المطر.
لقد كان يقرا شيئا يعرفه.

 

ربما شيئا كتبة ايضا.

 

لا اعرف.
اعد شاى الدارجيلينك الطيب الرائحه و راح يحكى عن تجربتة الاثيره مع عبدالرحمن منيف.

 

كنت اريد ان اسمع منه عن هذه العلاقه فعلا،

 

بعد ان قرات ما كتبة عنه منيف تقديما لواحده من اجمل كتالوجات اعماله.
كان منيف قرينة في التجربه السياسية و الغربة.

 

غاب زمنا في السياسة و النفط،

 

ثم هرب عائدا الى الادب.

 

قال مروان: كانى استعدت حقى فيه عندما بدا يكتب الرواية.

 

كان رفيقى الابداعى الخاص.

 

و تحدث مروان عن فداحه ما يخسرة كل يوم و هو يستوعب بتمنع روحى عميق ذلك الفقد.

 

تحدث عن مراسلاتة الطويله الغنيه بالحوارات الادبيه و الفنيه التي شكلت له مصدرا روحيا لمكتشفات حياته.

 

تحدث عن اخر رساله استلمها من منيف قبل و فاتة بثلاثه ايام.
يبدوان تلك العلاقه و المراسلات الحواريه مع منيف هي من بين ما صقل نزوع مروان الفطرى للتعبير عن افكارة كتابة،

 

فمما اطلعنى عليه و قرات جانبا منه،

 

من مخطوطات و مذكرات،

 

ي شي بطاقة اضافيه يتميز بها هذا الفنان قلما نصادفها عند تشكيليين عرب في زمننا.

 

فى ما قرات،

 

ثمه حالات تامليه عميقه في المساله الفنية،

 

و محاوره ممتازه للذات ازاء اللوحة.
وظنى ان تجربه مروان باشي في برلين ساهمت نوعيا في تاسيس البعد العقلانى في تجربتة الفنية.

 

فقد كان طوال سنواتة في المانيا متصلا باكثر التجارب تنوعا،

 

ليس في حقل الفنون فحسب،

 

اذ شارك في العديد من الورش و المشاريع الثقافيه ذات البعد المعرفي،

 

و اشترك مع فنانين و ناشطين ثقافيين مختلفين،

 

ربما كانوا يرون في تجربتة الدافع النوعى لما يبحثون عنه في تجربتهم الغربية.

 

خصوصا ان تجربه مروان في رسمة هذه الوجوة الكثيرة تقترح،

 

ربما من حيث لا يقصد،

 

رؤية جديدة لمفهوم البورتريه في الرسم.

 

و عندما تذكرت احدي بورتريهات فان غوخ للحظة،

 

و انا اشاهد التعدد الكثير لوجوهه،

 

شعرت بان ما شدنى في اعمال الرسام الهولندى منذ سنوات،

 

هو ذاتة الذى شدنى الى و جوة مروان.

 

لقد كان فان غوخ يبحث،

 

مثلما يفعل الان مروان،

 

لكن على طريقته،

 

و هو يقترح بلوره باهره لما يمكن ان يكون قد توقف او كف عن النمو في بورترية فان غوخ العابر بالوانة الخشنه و الكثيفة.
عندما كان يعرفنى على و جوة لوحاته،

 

اشرت الى ذلك الحضور الطيفى المتوالد لملامح عبدالرحمن منيف في اكثر من لوحه في السنوات الاخيرة،

 

و قبل ان يجلب نفسا عميقا في شكل نفثه قلب،

 

استدركت مؤكدا على خطوره تفسير اللوحه بالواقع،

 

غير اننى اردت فقط ان اسبر هذا التقاطع العميق بينة و بين رفيقة النضالى و الابداعي.

 

و في تجربتنا العربية يندر ان نصادف علاقه عميقه بين رسام تشكيلى و اديب على هذه الدرجه من التبلور و الحوار،

 

بعكس التجربه الاوروبية،

 

حيث نعرف العديد من التجارب و الصداقات المهمه و المنتجه بين الرسامين و الكتاب بشتي تجلياتهم،

 

مما ترك لنا تراثا جماليا لا يزال يؤثر في اكتشاف المفاهيم الفنيه و اعاده صياغتها.
فيما كنا نتامل فكرة التفسير و التاويل للعمل الفنى اتفقنا على ان كلمه فهم ربما لم تعد تناسب او تليق عندما يتعلق الامر بالفن.

 

و اذا لم تكن كلمه احساس تناسبنا فعلينا ان نبحث عن تعبير غير كلمه الفهم الذهنيه التي تنقض العمل الابداعي.
فالقلب لا يفهم،

 

لان الابداع ليس عقلا.

قلما نصادف فنانا متاملا بهذا الشكل،

 

حتى عندما نتذكر شاكر ال الشيخ كمثال نادر،

 

سوف يتاكد تقديرنا لما نفتقدة من تامل روحى في التشكيل العربي.
ظنى انه حتى عندما يفكر الفنان العربي فسوف يفسد عملة الابداعى لفرط ذهنيتة و مجافاتة للعمق،

 

فالتامل حالة اكثر عمقا و فعاليه من مجرد التفكير،

 

بل انها الرواق الروحى لنشاط مخيله المبدع.

هل ثمه ما يتوقف هنا على مصادفه ان يعيش الفنان العربي في الغرب؟
لا اريد ان اري في تجربه العيش في الغرب حكم قيمه ناجز في كل الاحوال.

 

لكننى لا اريد تفادى هذا السؤال لئلا اخسر فرصه التعرف الصريح على تجربه مروان باشي و غيره.

 

بالطبع لابد من توافر طاقة الذات اليقظه لتامل ما يحدث،

 

فربما كانت الحياة في الغرب،

 

بسبب كونها تجربه مكتسبه ثقافيا و حضاريا،

 

تفرض صقلا لحواس الفنان و تشحذ ادوات و مصادر انبثاقة الروحى فيما يصوغ اعمالة الفنية.

كان ذلك كله يدور داخل المرسم الرحب،

 

لكن اثناء ذلك،

 

فى الخارج،

 

كان الطقس يتحول بالسرعه التي و صفها البعض بانها الطقس البرليني،

 

فما ان خرجنا من المرسم مغادرين الدار حتى و اجهنا الطقس العاصف الذى تفجر رعدا و برقا و مطرا بعد احتباس مكتوم،

 

تماما كما توقع او اجزم مروان قبل قليل.

 

صعدنا السيارة فبدات الاشجار تنثر شلال اوراقها في الفضاء على مستوي سطح سيارتنا،

 

و المطر يغسل اسفلت الطريق و يبلغنا رسائل غير مقروءة.

 

كيف تسني لهدوء،

 

يكاد يكون صمتا،

 

ان ينقلب في دقائق الى هذا الصخب العجيب.

 

قلت لمروان:
اصبحت تحسن قراءه احوال الطبيعه لفرط حوارك اليومي معها.
قال بصوت طفولى ناعم،

 

لا يتناسب مع الجو: لا تهتم سيهدا هذا كله بعد قليل.
كمن يريد ان يثنى على اشارتى بمعرفتة احوال الطقس.
ولم نكد نقطع الغابه في طريقنا الى شوارع و سط المدينة،

 

لتناول العشاء الاول،

 

حتى هدا الجو فجاه و شعرت اننا نخرج من خيمه كبيرة فحسب.

 

كانت العاصفه مثل كائن هائج يعبر الشارع.
العشاء الاول،

 

الذى دعانى الية مروان باشي)،

 

كان في المطعم الصغير الذى يملكة شاب مصري جلس معنا دقائق يساعد مروان على اقناعى بوجبه السمك الذى يشرف على شرائة شخصيا،

 

غير اننى كالعاده لا اقدم على مجازفه تناول سمك لا اشترية بنفسي من السوق و يكون حيا او من صيد اليوم نفسة على اقل تقدير،

 

الذى سياخذ فيه طريقة الى الطبخ و من ثم المائدة.
فوعدنى بطبق شهى من قطعة اللحم المشويه الستايك)،

 

و كان شهيا بالفعل،

 

و كذلك كان النبيذ.

****

القراءه الاولى
(Kreuzberg)
الصالون الادبي برلين

وصلنا باكرا.

 

قاعه القراءه الاولي في برلين تضم ايليا توريانوف و عاليا ريان)،

 

الالمانيه من اصل فلسطيني،

 

و الشاب الذى سيتولي الترجمة الفوريه للنقاش الذى سيتبع القراءة،

 

و الذى سيظهر متعثرا في ملاحقه الترجمة بشكل ملحوظ.

 

قيل لى انه يخطو الخطوات الاولي في حقل الترجمة الفورية،

 

و هذه محاوله لمنحة فرصه التجربة.

 

حظي اننى ساهمت بندوتى في فرصتة المبكرة.
فى الرواق الصغير في خلفيه القاعة،

 

التقي مشاركون و اصدقاء متوقعون: السيد فرانك ارنولد)،

 

الممثل المحترف الذى تولي قراءه الترجمة الالمانيه لكتاب ورشه الامل)،

 

(ليلي شماع مترجمة الكتاب،

 

جونتر اورت المترجم المستعرب الذى يحسن العربية كاهلها،

 

الفنان مروان قصاب باشي)،

 

من بين الحضور ايضا كان سكرتير من سفاره البحرين في برلين الذى قدم نفسة و ابلغنا تحيات سفير البحرين في برلين الذى اعتذر عن عدم تمكنة الحضور بسبب سفر خارج برلين،

 

و كان بالطبع السيد توماس هارتمن مهندس برنامج ديوان الشرق و الغرب)،

 

و بادرت اللقاء مديره القاعه التي افتتحت اللقاء بكلمه ترحيب.
بعد دقائق قصيرة،

 

و فيما كنت انسق مع فرانك ارنولد حول الفصول التي سيقراها من الترجمة الالمانيه شعرا و نثرا،

 

كانت القاعه الصغيرة مكتظة تشهد حضور جمهور يسرق نفسة من خضم دوره كاس العالم المتوهجه لحظتها.

 

لكنة الجمهور الذى سوف يحتدم في حوار متنوع،

 

لا تنقصة الحدة،

 

حول مختلف القضايا التي لا توفر السياسة و لا تقتصر على الادب.
فى تقديمة الحميم،

 

فاض الصديق ايليا توريانوف بتاثرة الانسانى برفقتى له في البحرين،

 

محدثا الجمهور عما لاحظة من علاقتى اليومية القوية بالناس،

 

محيلا هذا الى شهرتى في البحرين،

 

و معتبرا هذا دلاله على اتصال نادر بالحياة،

 

مشيرا الى التوقف الكثير لتقبل تحيه الناس من جهة،

 

و رنين هاتفى المحمول بشكل دائم.
اختار ايليا ان يتحدث عن الجانب الانسانى لتجربتة في البحرين،

 

و كنت اخذتة منذ الوهله الاولي من المطار الى العائلة في البيت،

 

حيث تعرف على افراد عائلتى و تناول في بيتنا عشاءة الاول.

 

و استطرد في انطباعاتة عن افراد عائلتى و ارتياحة لابنائى الذين شاركوني في استضافته،

 

و رافقوة الى اكثر من مكان،

 

عندما كنت مضطرا للسفر اثناء و جودة في البحرين.

 

و الحق انه حين بدا يتكلم،

 

بلغتة العاطفيه الرشيقة،

 

عن سعادتة بتلك الرفقة،

 

ارتبكت فعلا،

 

لان انطباعة الايجابي خلصنى من شعورى المكتوم بالتقصير معه يوم كان في البحرين،

 

و خصوصا و اننى سافرت مرتين لبضعه ايام و تركتة في رعايه عائلتي،

 

الامر الذى جعلنى اشعر باننى لم اتمكن من تحقيق طموح برنامج زيارتة لسببين: سفرى من جهة،

 

و طبيعتى الشخصيه من جهه ثانية،

 

حيث لا احسن الجولات السياحيه او غيرها،

 

و لا املك الخبره الجيده بالمناطق و المواقع التي رغب في ان يزورها.
وقبل ان ابدا القراءة،

 

عقبت على تقديم ايليا مؤكدا ان زياره الالمانى الى البحرين كانت مناسبه ممتازه لكي اتعرف على بعض مناطق البحرين التي اكتشفتها معه للمره الاولى.

 

و اشرت الى بعض المواقف المحرجه اثناء تجوالى معه،

 

حيث كنت ازودة ببعض المعلومات عن مواقع معينة ليكتشف فيما بعد انها معلومات خاطئة،

 

كمثال،

 

ميدان النصب الوطنى التذكارى الذى كان قيد الانشاء و قتها لم يكن ميدان سباق الفورمولا 1 للسيارات كما اخبرتة اثناء عبورنا بالسيارة.

 

و قد اعتبر ايليا حالتي ما زحا بانها احد مظاهر الزهايمر المبكر لدى الشعراء.

بدات الندوة،
قرات ثلاث قصائد،

 

قرا فرانك بعدى ترجمتها الالمانية،

 

ثم قرا فصلين من كتاب ورشه الامل بطريقتة الحيه الباهره في التعبير،

 

الامر الذى جعلنى احجم عن قراءه اي شيء بعده.

 

و قد ساهمت قراءتة بلا شك في انعاش جو الندوه و فتح افاق الحوار المتنوع،

 

و خصوصا عن طبيعه المجتمع البحريني و ما اذا كان ثمه دور للعمل الادبى و الثقافى في تحولات هذا المجتمع السريع التغير.
غير ان ما استوقفنى فعلا انتباهه ايليا توريانوف لما يمكن ان تحدثة النهضه العمرانيه في البيئه الفطريه البحريه الجميلة التي تتعرض للتقلص يوميا تحت و طاه المشاريع الاسمنتية،

 

و لاسيما تلك التي تقوم على الردم المتواصل للسواحل في جزيره صغيرة مثل البحرين.
يتوجب ان تكون لدينا رؤية و اضحه ازاء سؤال حضارى من هذا النوع،

 

و لا يكفى ان نشير،

 

كما حاولت ان ابرر،

 

بان هذه هي ضريبه التطوير الحديث.

 

لقد شهد ايليا ما يحدث على سواحل الجزيره الصغيرة،

 

و شاهد عددا من المشاريع العمرانيه التي تنشا مثل الفطر السريع مشكلة حزاما اسمنتيا يعتمد على ردم السواحل.

 

عندما اشرت الى الحاجة المتزايده لسكان جزيره صغيرة،

 

شعرت بمن يمتعض ازاء هذا السبب و هو يعرف عدد السكان في البحرين،

 

ففى البلاد ما يكفى من المساحات لكي تحتفظ الارض بجمالها.
لقد انطلق ايليا من سؤالة الذكى مما قراة و شاهدة في مدينه المحرق و هي الجزيره الطبيعية ايضا.

 

و قتها شعر بان ثمه ما يعرض تلك الاماكن و التراث الانسانى للخسارة،

 

و ربما شاركة بعض الذين اصغوا ليلتها الى وصف البحر في كتاب ورشه الامل).
ليلتها شعرت،

 

مجددا،

 

كم ان هذا الكتاب يبدو اكثر نجاحا،

 

بشكل ما ،

 

 

فى تحقيق الاتصال بالاخر،

 

قياسا الى بعض النصوص الشعريه التي قراتها في لقاءات برلين،

 

..

 

هناك سحر السرد الذى يستحوذ على الذائقه الادبيه في البلاد.

ليلة الندوه الاولى،

 

تعرفت على احد الاساتذه العاملين في جامعة برلين،

 

و المهتمين بالشان الشرقي،

 

و سالنى مباشره عن مقدار معرفه الجمهور العربي بكتاب غوتة الديوان الشرقى للكاتب الغربي)،

 

فتذكرت له الترجمة المبكره التي حققها عبدالرحمن بدوي،

 

و الاهتمام الموسمى الذى يحظي به غوتة و ادبه،

 

و بعض الترجمات المتفاوته و المختلفة لنصوصه،

 

منها ترجمة عبدالغفار مكاوى الذى صدر مجددا عن دار الجمل الالمانية/ العربية.

 

فما كان من هذا الاستاذ الالمانى الا ان عبر عن اسفة كون الجمهور الالمانى نفسة لا يعرف عن هذا الكتاب على نحو ما هو متوقع.
وتبلور حديثنا باقتراح ان يعاد انعاش الذاكره بترجمة جديدة و طبعه جديدة تجرى في احتفاء خاص،

 

تذكيرا بالاقتراح المبكر الذى اطلقتة تجربه غوتة فيما يمكن و صفة الان بالحوار بين الشرق و الغرب،

 

و ربما كانت هذه الاستعاده ضرورية في هذه اللحظه بالذات حيث يحتاج فيها عالمنا لابتكار الجسور و الاليات الثقافيه التي ستكون اكثر جدوى و فعاليه من الوسائط و الاساليب السياسية البائسة.
فيما بعد،
عندما طرحت على الصديق توماس هارتمن فكرة ان تبادر مؤسسة ديوان شرق غرب بتنظيم ندوه دوليه حول كتاب غوتة بشكل خاص،

 

اعجب بالفكرة و تحمس لها،

 

لكن دون ان يشير،

 

سريعا،

 

الي ضروره توفر الداعمين لتحقيق مثل هذه الندوة،

 

برجاء ان لا يعدم الوسيلة.

****

تضحيات بلا منجزات

ثقافيا،

 

يصعب على الغرب ادراك المفارقات،

 

بالغه التركيب،

 

فى التحولات التي يتعرض لها البناء السياسى للمجتمع العربي في السنوات الخمسين الاخيرة،

 

خصوصا تلك التداعيات التي تلت هزيمه حزيران 1967،

 

بعد انكشاف هشاشه النظام السياسى العسكري،

 

بشعارة الاشتراكى و خطابة التقدمي،

 

ثم بروز الحكم التقليدي،

 

بوصفة البديل المؤجل لما احدثتة تلك الانظمه الانقلابية.

 

حتى ان بعض منظرى السياسة و الفكر العربيين،

 

فى معرض انتقاداتهم لتجربه الحكم العسكري،

 

يواصلون عقد المقارنات بين ما حدث تحت هذا الحكم،

 

خالصين مباشره او مواربة الى حتميه و واقعيه الحكم العربي التقليدى الموصوف رجعيا في ادبيات الخطاب الثورى السابق)،

 

مقابل طوباويه مشروع النظام العسكرى الذى قدم ابشع نماذج القمع و الديكتاتوريه و الحكم الشمولى و الظلم الاجتماعي.
عندما تحدثت مع صديق المانى صادرا عن ارثة اليساري عن تجربه المشروع الشيوعى في البلاد العربية،

 

الذى بالغ في نسخة و تبعيتة لنماذج الشيوعيه السوفياتيه و الاوروبية،

 

و الالمانيه بشكل خاص،

 

كنت اقرا،

 

فداحه مضاعفه السنوات المهدوره من العمل السياسى العربي الحزبي الذى تبنى،

 

فيما تبنى،

 

من المنظومه الاشتراكيه وعلى راسها الاتحاد السوفياتي الاحتقار و النظره الدونيه الفجه للعمل الثقافى و الابداعى بوصفة تابعا،

 

يضاهى البوق،

 

للحزب.
كيف يتسني للغرب المتحرر الان ان يتفهم مقدار التضحيات و الخسارات التي تكبدتها الثقافه العربية طوال تلك السنوات،

 

تحت و طاه حركات تحرير تبرعت بجعل منظومات التخلف العربية بديلا مؤجلا لتلك الاخطاء الشنيعة لطريقة النظر و العمل التي منحتنا القهر و الياس.
فى برلين لمست جمال التحرر من تلك الحقبة،
وبقى ان نبرا من اصداء ذلك الارث.

****

“نويكولن”
(Neukolln)

عندما اخذنى توماس هارتمن في جوله الى القسم القديم من برلين،

 

و جدت نفسي في الازقه نفسها التي يمكن التعرف عليها في معظم المدن الاوروبيه القديمة،

 

بالمبانى المتواضعه و الفقيره ذاتها،

 

و الشوارع المرصوفه بالصخر القديم،

 

و هندسه بيوتها التقليديه القائمة على مزيج من الخشب و الحجر و الطين المتداخل بشكل مدهش.

 

و في تلك المنطقة من المدينه سوف تصادف الخليط و التنوع لجنسيات الناس.
نويكولن واحده من قريتين قديمتين انشئتا في القرن الرابع عشر،

 

بعد تاسيس برلين في القرن الثالث عشر،

 

و توماس لا ينسى شيئا،

 

من انواع النبيذ حتى برنامج المناسبات التقليديه التي تحتفل بها هذه المدينة،

 

ففى منطقة لا تزيد على اربعه كيلومترات تيسر لنا ان نزور عددا كبيرا و متنوعا من المعارض الصغيرة و الاحتفالات الشعبية و اسواق الشراب و الطعام و الاعمال الفنيه المبتكره الغريبة.

وفى نهاية الجوله التقينا ب(عاليا ريان)،

 

الفلسطينية المولوده في مدينه بريمن في شمال غرب المانيا.

 

تتكلم العربية افضل قليلا مما اتكلم الانجليزية.

 

هى تعمل مع توماس هارتمن في نفس مشروع شرق غرب)،

 

و حدث ان تكفلت بالبحث عن المطاعم الهندية مساهمه منها في حل مشكلتى مع الاكل.

 

حين اخبرتها ان زيارتى الاولي لالمانيا كانت الى مدينه بريمن،

 

ابدت ارتياحها لكوني عرفت المانيا من المدينه الاكثر هدوءا و رصانة.

 

قلت لها ،

 

 

بالمناسبة،

 

لقد تناولت افضل طبق من البريانى الهندي في مطعم على مقربه من الميناء في بريمن،

 

فى منتصف ثمانيات القرن الماضي،

 

و عليك ان تعثرى على مطعم يضاهيه.

اخذت التحدى ما خذ الجد،

 

ليس فقط انتصارا لمدينتها،

 

و لكن ايضا لانها من محبى الطبخ الهندي،

 

مما سهل لى انحيازها لوجبه هندية عندما ياتى موعد الاكل،

 

الامر الذى جعلنى اغرر بالكل للبحث عن مطعم هندي مختلف في كل مرة،

 

لنجد انفسنا في نهاية الامر ننفجر ضحكا و نحن نمسح عرقنا المتصبب لفرط حراره البهارات المدهشه لذلك الطعام الساحر.
كان ايليا قد اخذنى الى مطعم هندي للمره الاولي في برلين،

 

دون ان يكون الافضل.

 

و طوال فتره اقامتى في برلين كان هذا الموضوع ياخذ حيزا مرحا عندما يتعلق الامر بالاكل،

 

و اظن اننى ساهمت في حوار الشرق و الغرب من طريق ذلك الاتصال التاريخى الذى كان سائدا في القديم: طريق البهارات.
ولا تخلو هداياى الى اصدقائى في العالم من حفنه توابل و بهارات من مزج العائلة.

****

لا جنسية التجهم

تكلم ريلكه،

 

ذات نص،

 

عن شخص يكون الباب الحقيقي للاتصال من خلالة بالعالم.

 

فى برلين،

 

سوف تحتاج في كل لحظه الى شخص ما يسعفك مما انت فيه.
فى برلين،

 

تيسر لى اكثر من شخص يساعدنى على الاتصال بالمجره الالمانية.

 

بل اننى صادفت ما هو اجمل من الشخص الواحد،

 

فقد اكتشفت ما يدحض القول الشائع عن التجهم الالماني.

 

و كنت قد حدثت جمهور ندوتنا الاخيرة في ميونخ عن هذه التجربة.

 

قلت لهم اننى جئت متوقعا تجهم الشخصيه الالمانية،

 

غير اننى و جدت العكس.

 

لحظتها طاشت القاعه بالضحك،

 

فتاكدت ان التجهم ينحسر دائما كلما سالته: هل انت صباح الخير ايها التجهم؟

صحيح،

 

لكن سرعان ما تكتشف،

 

اذا اردت،

 

ان ثمه استعدادا كامنا لتبادل الاسئلة،

 

دون ان يكون التبادل دليلا على تواصل منجز سلفا.

 

سوف يتوقف الامر على فعاليه السؤال و احتمالات قدره الاجوبه و مبادراتها على المشاركه في الانفعال.

 

الالمانى لا ينفعل بسهولة،

 

لكن حين ينخرط في الانفعال سوف يملا الموقف قصفا بالضحك و يفيض بالاندفاع نحوك.
وهذا كله سيعتمد على المواهب الذاتية.
التجهم لا جنسية له.

 

و عندما قال لى صديق ان برلين عاصمه التجهم،

 

غبطني للحظه اننى ذاهب لزيارتها.

 

كما ان التجهم ليس تراثا ازليا في بنيه الشخصية،

 

انها الظلال الهشه الباقيه من خشونه الجبال السحيقه مشحوذه بالحروب الحديثه لكي تجعل الكائن يتحرك على المحكات،

 

كمن يسال الاجوبه فيما يصنع حياتة بمعزل عن الاخرين.
لعل المانيا،

 

التي قسمتها الحروب الساخنه و الباردة،

 

و التي صادف انها نجت من التجربه الاستعماريه للشرق،

 

هى الان جديره بنقض فكرة التجهم بدلالتة الكونية،

 

فيما تقف الان في مقدمه اكثر الدول الاوروبيه رغبه في محاوره الشرق و التعرف عليه من الشرفه الثقافيه بعدما عرفت الفشل الذريع لكافه الوسائط السياسية،

 

و خصوصا الغطرسه السياسية.

****

دقائق بيتر بانكه الخمس
(Peter Pannke)

لم اكن بحاجة الى اكثر من خمس دقائق لكي اتواصل مع بيتر بانكه)،

 

احد ابرز الموسيقيين المختصين بموسيقي الشعوب في المانيا.
جاء برفقه ايليا توريانوف)،

 

فجلست في المقعد المجاور له في سيارتة في طريقنا الى احد المتاحف،

 

و سرعان ما شرعنا نواصل حديثا في موضوع مشترك،

 

هو الموسيقى.
خفيض الصوت،

 

كانة يريد ان يفسح لك المجال كله لكي يصغى لموسيقي الاخرين.

 

حين عرف شغفى بالموسيقي الشعبية انتعشت حواسه،

 

و عندما اخبرتة عن ابنى الذى يؤثث حياتنا بالموسيقى،

 

و انه درس الموسيقي سبع سنوات و يعمل مؤلفا موسيقيا،

 

ابدي رغبه في تجاوزى و التعرف على ابني.

 

فاخبرتة عن مصادفه اننى احمل له هديه خاصة عبارة عن ثلاثه اقراص مدمجه تضم كل انواع الموسيقي و الغناء الشعبى في البحرين.
خمس دقائق كانت كافيه لنكتشف الجسر المشترك الذى يفضى الى حقل اجمل الفنون الانسانية،

 

ذاك الذى يجعل الشعر كائنا يجلس على الشرفه و يتفرج على صداقه جديدة.
سارع ايليا الى التعريف السريع بابنى محمد الذى سبق ان تعرف عليه و اشترك معه في عزف بعض المقطوعات في دارنا.

فى ما بعد،

 

اخبرنى توماس هارتمان بان بيتر بانكه هو واحد من ثلاثه اشخاص هم الاكثر شهره في مجال موسيقي الشعوب الشرقية.
فى منتصف الخمسينات من عمره،

 

لكنة امضي ثلاثين عاما في الدراسه و البحث في الموسيقي الصينية و الهندية،

 

بالاضافه الى علم اللاهوت المقارن في جامعات هامبورغ و ميونخ و الهند،

 

كما اهتم بالتجربه الصوفيه في تجليها الموسيقي.
وقد قادة بحثة الى تركيا و ايران و باكستان و الهند قبل ان يكتسب سمعه جيده و مميزه في معرفه موسيقي هذه الشعوب.

 

لقد ساهمت مشاغلة الفنيه و الثقافيه في تشكيل ما يمكن و صفة بالحوار الموسيقي بين اوروبا و دول الشرق،

 

ساعدة على تفعيل ذلك الدور تقديمة للبرنامج الموسيقى المتخصص،

 

اسبوعيا،

 

فى اذاعه برلين منذ سنوات طويلة.

 

و بالاضافه الى عدد من المؤلفات المطبوعه في كتب،

 

(يعمل حاليا على اطروحتة الاهم في الموسيقي الشرقية)،

 

فقد انتج و شارك في اكثر من خمسين قرصا مدمجا خاصا بالموسيقي الشرقيه المختلفة.
فى تلك الدقائق الخمس التالية،

 

على المقعد المجاور له،

 

فيما كان يقود سيارتة المكتظه باربعه اشخاص يطيشون حوارا،

 

تيسر لى التعرف على شخص مولع بما يشكل في هذه اللحظه الكونيه مدخلا انسانيا للتعرف على تجربه البشر من خلال اكثر اشكال التعبير فطرية.

 

و هو ما سوف يجعل الشعر ضيف شرف في حفل صوتى بالغ الحيوية.
لا ادرى لماذا دفعتنى هذه اللحظه لان اضع تجربه بيتر بانكه في سياق اكثر رحابة،

 

مستحضرا ظاهره الشعر الصوتى التي تتوسع في السنوات الاخيرة في عموم اوروبا،

 

دون ان يتوفر لدى تفسير مكتمل.

 

كان ثمه ما ي شي بان اجتهادات،

 

مختلفة الدوافع،

 

تذهب الى مصادر فطريه واحده لاعاده قراءه التجربه البشريه في الغرب من خلال جذورها في الشرق.
كيف يمكننا ان نفهم و نتفاهم مع هذا الولع المعرفى المميز الذى تمثلة تجربه بيتر بانكه)،

 

اذا لم نضعها في سياقها الكوني،

 

فيما تاخذنا الى العمق الجمالى للحوار الحضارى المتسارع الاهمية في حياتنا؟
اطرح على نفسي هذا السؤال،

 

و انا اكتسب الخبره النوعيه في صداقه جديدة مع بيتر بانكه)،

 

الذى سوف يفاجئنى يوما بعد يوم،

 

اثناء رفقتة البالغه العمق في برلين.
فى بيته،

 

شعرت بالحضور الشرقى الجاد في حياته،

 

ليس فقط بسبب التفاصيل الكثيرة المتمثله في الالات الشرقيه التقليديه و الاعمال الفنيه و قطع الاثاث،

 

لكن ايضا و خصوصا بسبب ما لا يحصي من تنوع الاعمال الموسيقيه و التسجيلات الشرقيه النادره و كذلك بعض الكتب بلغاتها الاصلية و من بينها العربية.
ما ادهشنى في اهتمامة العميق بالتراث الشعبى للموسيقي العربية،

 

سؤالة المذهل عن تلك الاسطوره التي تقول بان فن غناء الفجري)،

 

الشهير في البحرين و الخليج،

 

قد اخذة المغنى الاول القديم من الجن).

 

تلك الحكايه الشعبية التي تناقلها التاريخ عن الشخص الذى كان عائدا الى بيته بعد تاديتة صلاه الفجر فسمع ذلك الغناء الفاتن يصدر من احد البيوت المهجوره في ظاهر المدينة،

 

دخل المكان ليستمع،

 

و بعد ان انتهي المغنون و اكتشفوا و جوده،

 

طلب منهم ان يعلموة سر هذا الغناء،

 

و افقوا بعد ان اخذوا منه عهدا على ان لا يف شي هذا السر.

 

و كانوا من الجن.
هذه الحكايه ليست معروفة حتى في الثقافه العامة في الخليج،

 

و لكي يعرف شخص هذه الحكايه يتوجب ان يكون على درجه من التخصص و البحث في مصادر غير متاحه عموما.
لقد طرح بيتر سؤالة حول هذه الحكايه معبرا عن اعجابة الخاص بطاقة المخيله الشعبية في صياغه مقارباتها التعبيرية،

 

مشيرا الى ان شعوبا مختلفة سوف تشترك معا في هذه التجربه التي تذهب الى المخيله عندما يتعلق الامر بتفسير اصول و مصادر بعض فنونها الغريبة الغامضه الاصول،

 

فالشعوب تشترك في مخيله فنيه واحده المشاغل.
قلت ل(بيتر بانكه): ها انت تف شي السر الجميل في العالم،

 

لعل اتصالك بالجن اكثر من اتصال اهل هذا الفن.
وحين جري الكلام عن موضوع كتابة الجديد،

 

سوف يدهشنى عنوانة المشحون بالدلالات: المغنى يموت مرتين)،

 

و هو عنوان جاء له من الاحلام ايضا،

 

و فق ما رواة لنا بيتر بانكه)،

 

فقد عاش تجربه هذا العنوان في حلم فاتن يكمل جمال الولع بالموسيقى.
تلك هي الدقائق الخمس الغنية،

 

التي استغرقتها صداقتى مع هذا المبدع الجديد طوال ايام اقامتى في برلين،

 

مكتشفا بعدا مختلفا لمعنى ان يكون الحوار الحضارى متمثلا في شخص على هذه الدرجه من الرحابة.
تري هل يجسد بيتر بانكه جمله الشاعر الالمانى ريلكه،

 

عندما قال:
“اننى احمل قطعة من الابديه في صدري”؟

****

جزيره المتاحف

تحت ظلال الزيزفون،

 

و انا اقف في منتصف الشارع في مواجهه قوس بوابه برندنبورغ الشهيره في برلين ،

 

 

قال لى دليلى الى برلين ذلك اليوم،

 

السيد احمد بهجت): “خذ حذرك و خفف الوطء و تمهل،

 

انت الان تقف على اثر نهر من دماء اكثر من عشرين الف قتيل احتدمت بهم المعارك في الحرب العالمية الثانية.

 

فهذا الشارع،

 

الذى شيدة الملك فردريك الكبير و لا يزال يحرسة بتمثاله،

 

نشات عليه و من حولة اكثر تجارب و منعطفات تاريخ برلين الحديثة،

 

و هو الان ملتقي العديد من المعالم التاريخيه و الثقافيه في المدينة”.
(احمد بهجت شاب عشق مدينه برلين و تولع بتاريخها،

 

و هو سيكون اليوم دليلى و مرشدى الى الاماكن التي يتعين على كل زائر لبرلين ان يقوم بارتيادها،

 

هكذا شرح لى قبل ان يتجة بى الى المدينه بتاريخها الحضارى قبل السور و بعده.
بعد ان التقطنا بعض الصور بجوار التمثال البرونزى الاخضر لالة البحر بوسيدون و سط نافورة،

 

و تمثال الصديقين الشهيرين ما ركس و انجلز،

 

و تمثال القديس ما رجرجس و هو يصارع التنين 1858)،

 

بدانا بما يسمونة جزيره المتاحف،

 

و مررنا بقصر الشعب الذى يجرى هدمة و كان قد اقيم على اطلال قصر سابق،

 

و عبرنا كنيسه الدوم و المتحف القديم بقسمية الاول و الثاني،

 

ثم متحف بيرغامون و متحف الشرفه الشهيره التي اعلن منها للمره الاولي عن جمهوريه فايمر،

 

و تبدو الى جوارها الان و زاره الخارجية،

 

و بقربها جامعة هومبولت التي يقع امامها مباشره موقع محرقه الكتب التاريخيه على يد النازيين،

 

و في امتدادها ساحه جندرمن ما ركت حيث توجد فيها المبانى التي انشاها الهوغينونتن البروتستانتيون الذين فروا من الاضطهاد الكاثوليكى في القرن الثامن عشر في فرنسا،

 

و يتوسط هذه الساحه تمثال الشاعر الالمانى الكبير شيلر تحيط به الهات الشعر و الحكمة.

 

و يوجد هناك متحف و كنيسه و مركز للاوبرا من ايام الهوغينوتن.

 

و ايضا المكتبه البروسية التي تضم ثروه كبيرة من المخطوطات العربية النادرة.
ولم ينس دليلنا الشاب ان يعيدنا الى تراث حديث لم يزل في ذاكره الجيل،

 

فاخذنا الى ساحه مشهوره في القسم الشرقى من برلين قبل الجدار،

 

لنري ساعة برلين العالمية الشهيره المصممه لترمز الى القارات بمواقيتها المختلفة،

 

و الى جانبها العماره الشاهقه بمقياس الستينيات التي كانت مخصصه للاقامات المؤقته لوفود حركات التحرر القادمه من بلدان العالم الثالث المدعومة،

 

انذاك،

 

من حكومة المانيا الشرقية.

 

و يمكنك ان تشاهد مبني لا ي شي باى لمسه جمالية،

 

هو المقر السابق لمكتب حزب الوحده الاشتراكي.

****

نصب الرماد الفولاذي

2751 قطعة من المستطيلات الاسمنتيه ثقيله الوطء،

 

الكتل الخرسانيه العاليه باشكال مختلفة،

 

بارتفاعات تقارب خمسه امتار.

 

سوف تشكل هذه المستطيلات التي يتكون منها هذا النصب،

 

على مساحه مئات الامتار،

 

معطيات بالغه التنوع كلما اختلف موقع الناظر و النظره اليها.
حين يعبر الشخص بجرمة الصغير الضعيف الهش،

 

سوف يخضع لعملية غامضه من الصهر التاريخي،

 

كما لوان صانع النصب يصدر عن فكرة سحق بدن الكائن كلما سار بين الكتل التي توحى بقدر هائل من الصلاده الغامضة.

 

و سوف يساعد على هذا الشعور ذلك اللون الرمادى الكثيف الذى ليس مصادفه انه لون مشحون بفكرة المحرقه الشهيرة.

 

و لك ان تتخيل مقدار المفارقه الباهظه بين الرماد الهش و الاسمنت الرمادى الصلد الموحى بقوه الوطء،

 

هذا الثقل الذى لفرطة على الارض سوف تري بالارض تحت قدميك و هي تميد بدرجات مختلفة في ممرات ضيقه بين الكتل ذات الزوايا الحاده بصرامة،

 

ممرات مرصوصه متقاطعة،

 

بحيث يمكنك ان تشعر بانك في المتاهه الحقيقيه التي تبدا و لا تنتهى بك الى مكان.

 

اذا نظرت الى النصب من اعلى سوف تجد ان الارتفاعات المختلفة لارضيه النصب تجعل سطح الكتل المصقوله بمثابه الموج المنساب بصمت،

 

لكن بقدر محسوس من العنف.
اما اذا جازفت و وضعت يدك على سطح احدي الكتل فسوف تنتابك القشعريره الناتجه عن صلافه الحجر الاصم الذى سيطرد اصابع و راحه كفك.

 

لن يسمع حواسك،

 

و لن يكترث برغبه اقتراح اي معنى اخر سوي الانتقام الكامن في بروده كل كتله من كتل النصب الشاسع،

 

انتقام ممن لا علاقه له بهذه المصادفات المبالغ في احتدامها العنيف.
بقى ان تتيقن،

 

بنظرتك الكاملة لمشهد كتل الاسمنت الرماديه المستطيلة،

 

الثقيله كالرصاص،

 

بانها كنايه صريحه لقبور لانهائية،

 

فى اشاره و اضحه و عنيفه الى تلك القبور المؤجله لليهود الذين قضوا حرقا على يد النازية.
احتجت الساعات الباقيه من ذلك النهار،

 

لكي اتخلص من و طاه الشعور الذى تركة ذلك النصب المتطلب.

****

الترجمة،
بوصف اللغه جسرا او جدارا

قبل زيارتى الى برلين بعده اشهر،

 

كانت ليلي الشماع قد بدات بترجمة كتابي و رشه الامل)،

 

و كانت على اتصال مستمر للحديث حول بعض المسائل المتصلة بالنص،

 

و قد اهتمت خصوصا بالامور التي تتصل بالبحر و صناعه السفن،

 

الامر الذى استدعى،

 

اثناء و جودها في الكويت،

 

ان ازور معها متحف الغوص و صناعه السفن للمعرفه المباشره عن هذا الحقل،

 

و سجلت ليلى كل ما احتاجتة من معلومات.
و(ليلي شماع من جيل المترجمين الشباب الذين نقلوا كتبا و تجارب مهمه من الادب العربي الحديث،

 

روايه و شعرا،

 

و قد اتاح لى توليها ترجمة كتابي فرصه التعرف عن قرب على المشاكل التفصيليه للمهمه المضنيه في ترجمة الادب و الشعر خصوصا.

فى برلين كانت ليلي شماع من بين الاصدقاء الذين رافقونى في الجولات و في الندوات ايضا.

 

و سرنى كثيرا سماعي،

 

من اشخاص مختلفين،

 

المان و عرب يحسنون الالمانية،

 

التعبير عن اعجابهم بترجمة ليلى لفصول كتابي،

 

لانها قربتهم بشكل ممتاز من روح النص المكتوب بالعربية.
وازعم اننى لمست مقدار نجاح الترجمة من خلال اللقاءات المباشره التي قرات فيها فصولا من الكتاب؛

 

حيث ابدي بعض الحضور اعجابهم باجواء النص الشعريه على الرغم من كونة نثرا.
اللافت في ليلي شماع انها ليست كثيرة الادعاء فيما تنجز من ترجمات،

 

بل انها من اكثر المترجمين العرب خفاء في المانيا،

 

فى حين انها قد انجزت نصوصا ادبيه حديثه و مهمة،

 

و ظنى انها،

 

مع اقران لها عرب و المان،

 

من الجيل نفسه،

 

اصبحوا يمثلون،

 

فى السنوات الاخيرة،

 

عنصرا حيويا في مشروع الحوار الفعال بين الثقافتين العربية و الالمانية.
الترجمة،

 

بوصفها جسرا،

 

من بين الحقول التي يجرى تنشيطها و تفعيلها برصانه من خلال المشاريع الثقافيه المشتركة،

 

التي من بينها مشروع ديوان شرق و غرب)،

 

المدعوم من جهات اكاديميه و ثقافيه المانية،

 

الذى هيا هذه الاقامه الادبية،

 

لى و لاخرين سبقونى من كتاب البلاد العربية و ايران و تركيا.

سيظل مشروع تبادل الزيارات الادبيه ديوان شرق غرب بين الكتاب الالمان و الشرقيين،

 

واحدا من انجع و سائط الحوار الثقافى الذى اصبح ينال المزيد من التفهم و التفاهم بين الاطراف المشاركه فيه.

 

فهو بمثابه الخروج الرصين على حدود المناسبات المغلقه و العابره التي نادرا ما تترك اثرا في المشاركين …

****

كائن لا تحتمل هشاشته

فى برلين،

 

كان على ليلي شماع ان تتكفل بمرافقتي،

 

ليس ثقافيا فحسب،

 

و لكن صحيا ايضا.
قلت لها ها انت تحملين عبء من تقومين بترجمة كتابة عندما يحتاج لعنايه صحية.
فاعتبرت ذلك فرصه مؤاتيه للتعرف على الكاتب بوصفة الكائن الذى لا تحتمل هشاشته).

 

رافقتنى الى طبيب الانف و الحنجره في محاوله لاستعاده حاسه الشم التي توشك على التلاشي،

 

بسبب خلل عضوى نتج عن حمي شديدة،

 

قال لى الطبيب،

 

اللبناني الاصل،

 

انها حالة عابرة،

 

فعبرت عليه.

لكن هذا ليس كل شيء مع مترجمة شابه مثل ليلي شماع)،

 

طموحها المعرفى اكثر من حدود النص الذى تسهر على ترجمته،

 

فالسنوات الطويله في برلين سوف تصقل لدي ليلى موهبه بناء الشخصيه الثقافيه الخاصة بها،

 

بشرط اكثر المكونات جمالا و نبلا الابداع الانساني.
وهي اختارت ان تكون ترجمة الادب العربي الحديث الى الالمانيه حقل اهتمامها،

 

لتخلص لنفسها من جانبين،

 

الاصل العربي الذى تصدر عنه،

 

و الحياة الالمانيه التي تعيشها و فيها تستقر.
بهذا الشكل،

 

يجوز لنا القول بان اسهاما كالذى تقترحة ليلي شماع على الثقافه الالمانية،

 

هو كسب نوعى للاخيرة.
لقد اصغيت الى من يمتدح طريقتها المميزه في الاعداد و التقديم للندوات التي تديرها،

 

و تاكدت من هذا عندما شاهدتها و هي تقدمنا ايليا توريانوف و انا في قاعه الهيئه الالمانيه للتبادل الاكاديمى DAAD)،

 

و تشارك في الحوار بوصفها مترجمة النص.

****

الندوه الثانية

الندوه الثانية في برلين،

 

حضرها ما يشكل نخبه من المهتمين بالشان الثقافى العربي،

 

و كان هناك ايضا عدد من محبى الادب.
وشاركنا،

 

على نحو فعال،

 

المترجم الاستثنائى جونتر اورت)،

 

الالمانى الذى يتكلم اللغه العربية مثل اهلها،

 

و هو مترجم قانونى محترف،

 

بالاضافه الى ترجمتة العديد من الاعمال الادبيه العربية الى الالمانية.

 

يعد جونتر من اشهر المترجمين الفوريين،

 

على الصعيدين الثقافى و السياسي،

 

و حين كان يترجم لى الحوار المباشر في هذه الندوة،

 

شعرت بالاختلاف بين الترجمة الفوريه في الندوه الاولى،

 

و تيقنت من فداحه ما تعرضت له من خساره انذاك.
وكان على ان اندم قليلا على ذلك.

****

عن الترجمة ايضا

لدي جونتر اورت ملاحظات نوعيه في حقل الترجمة،

 

كان قد طرحها في محاضره خاصة في الاردن،

 

فى الشهر نفسه،

 

تابعتها في الصحافه العربية انذاك،

 

و تيسر لنا مواصله الحديث عنها مطولا في برلين.

 

و لكي تكتمل الصورة،

 

كان علينا ان نلبى دعوه عشاء في داره،

 

و التعرف بزوجتة الشاميه التي انهمكت في اعداد عشاء الدجاج بالملوخية،

 

التي انتقت و ريقاتها الخضراء الطازجه غصنا غصنا بيدها،

 

فى محاوله لتاكيد عربية السهرة.

 

فى برلين ليس من الحكمه تفويت دعوه عشاء في بيت عربي.

 

و المترجم الذى يسهر على قلق الانتقال باللغه بين لسانين سوف يشركنا في قلقة الخاص بما تتعثر به اجتهادات الترجمة بين الالمانيه و العربية.
كان معنا الفنان مروان قصاب باشي)،

 

و كانت ليلي شماع)،

 

و الصديق مروان على المقيم في مدينه ايسن)،

 

و معنا ايضا مترجم شاب بالغ الدماثه تعرفت عليه في برلين هو يوسف حجازي).
طرح جونتر اورت بعض ملاحظاتة على ترجمة اعمال عبدالرحمن منيف الى الالمانية،

 

و هو موضوع سوف يثير اهتمام مروان باشي صديق عبد الرحمن منيف و القارئ الجيد لاعماله،

 

الامر الذى هيا مدخلا مشوقا لملامسه واحده من اهم قنوات الاتصال الثقافى بين الادبين العربي و الالماني،

 

و هي الترجمة.
(جونتر اورت و ليلي شماع تجربتان متميزتان،

 

مع اختلاف حساسيتهما الخاصة تجاة الترجمة،

 

و قد اشتركا في حوار السهرة بتصورات فنيه شخصيه بالغه الدقة،

 

فى محاوله للتعبير عن الصعوبات التي يواجهانها فيما ينقلان الابداع العربي،

 

دون ان يقعا في مثالب الاجتهادات المبالغ فيها،

 

فهما يحاولان تقريب النص العربي للحساسيه الالمانية.
انتصر اورت الى شرعيه التدخل الشخصى الطفيف بذائقه المترجم،

 

لكي ياخذ التعبير العربي سياقة الانسب في النص الالماني،

 

من اجل ان يدرك الالمانى كيف يمكن للمطر ان يكون نعمه في صحراء العرب فيما هو بمثابه النقمه في الغرب باسره.

 

و ظنى ان مترجما متمكنا مثل اورت يمكن ان يوفق في اجتهادة بوصفة الالمانى المدرك للحساسيه الفنيه عند القارئ الالماني.

 

تقابلة في ذلك الاجتهاد تجربه ليلي شماع التي عبرت عن نزوعها للطاقة الشعريه التي يقترحها النص العربي باعتبارها عنصرا تعبيريا و جماليا لابد من الاعتناء به،

 

فى الترجمة،

 

من اجل ملامسه اللاوعى الشعري عند القارئ الالماني.
ليلتها كنا نكتشف،

 

جميعا،

 

كم هي مضنيه عملية الترجمة كصنيع خالق،

 

نحن الذين نذهب لقراءه نصنا منعكسا على القارئ الالماني،

 

دون ان نتصور الجهود،

 

بالغه التعقيد،

 

التي تحمل عبئها المترجم في عملية اعاده الخلق،

 

من اجل المساهمه في تحقيق الاتصال الحيوى و الفعال بين تجربتين انسانيتين شاسعتين الى هذا الحد.
ليس من غير دلاله ان يكون موضوع الترجمة على راس كل مشروع يسعي للاتصال و العمل المشترك بين العرب و الالمان،

 

و لا يخلو من محاذير التعرض لموقف الترجمة الخاطئة او المترجم قليل المعرفة،

 

عندما تجد نفسك في لحظه سوء التفاهم النموذجيه بينك نصا و شخصا و بين القارئ او المستمع في حوار يتطلب الدرجه القصوي من الدقه و المعرفة.
فى السياق نفسه،

 

سوف نتوقع من مشاريع الاتصال المشترك المباشر،

 

الذى تقوم به تجربه ديوان شرق غرب)،

 

القدر الاكبر و الاهم و الاكثر جديه يوما بعد يوم.

****

اجسام جياكوميتى التي تفتك بك

فى متحف الفن الحديث في ميونخ و جدت ما يؤنس و حشتى التي اوشكت على التلا شي لفرط الوقت: مخلوقات جياكوميتى الرهيفه و الشفيفه كما لو انها كائنات افتراضيه لفرط خفتها في الفضاء.

 

ففيما اودع المكان الالماني،

 

عبر اليوم الاخير في ميونخ،

 

اخذنى الصديق ايليا لزياره المتحف الذى شكل صدمه لاهل المدينه وقت افتتاحة بسبب التنوع المتطور في حداثته،

 

فهو لا يتوقف عند مدارس الرسم الحديث منذ نهايات القرن التاسع عشر فحسب،

 

لكنة يعرض اكثر اجتهادات و مغامرات التصميم و العروض الشيئيه و التصوير و العماره و التقنيه الحديثه حتى نهايات القرن العشرين،

 

مما هيا مناخا يخترق الفكرة التقليديه لمفهوم الفن خارج اللوحه و الرسم،

 

الامر الذى جعل بعض اهالى ميونخ يطرحون السؤال الجذري: ما جدوى مثل هذا العرض و كيف يصح ان ينال كل الميزانيه التي يتكلفها متحف ضخم مثل هذا؟
غير اننى لاحظت ان ثمه جوابا صارما و بليغا سوف يتمثل للزائر منذ لحظه دخولة بهو المتحف،

 

حيث سيصادف واحده من اجمل المبانى الحديثه و اكثرها اناقه و سلاسه في التصميم،

 

بحيث يصبح المبني نفسة تحفه فنية.

من بين القاعات العديده للفنون التشكيليه المالوفه هناك مجموعات مختاره لاكثر فنانى العصر الحديث اثاره للجدل و الاختراق التعبيري،

 

من هنرى ما تيس الى بول كلي،

 

من سلفادور دالى و بيكاسو الى جياكوميتي.
ولان لحظات الاتصال بالعمل الفنى ستظل مختلفة في كل مره تشاهد العمل،

 

و بالرغم من اننى قد شاهدت سابقا اعمال هذا الفنان،

 

الا اننى شعرت هنا بان هذه الكائنات،

 

التي بالكاد توجد لفرط شفافيتها و جرمها الخفيف الذى يضاهى الوجود الطيفي،

 

تطفر من جسدى و روحى اكثر من كونها محض منحوتات منتصبه على قواعدها الثابته في فضاء القاعة.

 

لقد كانت خفيفه الوجود و ثقيله الدلالة،

 

قادمه نحوك منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي،

 

مندفعه برشاقه المعدن الطالع من مناجمة هاربا الى لا مكان،

 

و كلما اقتربت نحو الجسم اكثر اختلط عليك الظن،

 

هل هذه اجسام ذاهبه اليك ام ذاهبه معك ام ذاهبه عنك؟

منتصف خمسينيات القرن العشرين،

 

اين كان يقف الانسان و كيف كان موجودا،

 

و ربما يصح لنا ان نسال: هل كان موجودا اصلا

 

تلك الفتره كانت ذروه الحرب الباردة بين معسكرات تبتكر،

 

و تتسابق في ابتكار،

 

مصادره الانسان و نفية و تشييئه،

 

ليبدو امام نفسة كائنا بلا دلالة،

 

و ليكون،

 

فى كل لحظه من ذلك الصراع الفظ،

 

بمثابه الوقود البشرى البخس لصراع باهظ الثمن.
لقد قادتنى الصدفه الالمانيه لزياره هذا المعرض مستنجدا،

 

بلا قصد،

 

بكائنات جياكوميتى المرتجفة،

 

القادمه من الحروب،

 

فى و قفتها كمن يشهق من جحيم.

 

مخلوقات بشريه طيفيه الوجود شبحيه الروح،

 

تخرج من التجربه محمله بعذاب لا يوصف،

 

ليراها كائن مثلي،

 

يري المعدن الاكثر صلابه و الاكثر هشاشه في ان.

كنت هناك،
جالسا على مقعد في زاويه العالم،
وحدى مع جياكوميتى .

 

.

 

اتلاشى.
فبدات اعرف.

****

نصوص برلين

(2)

قاسم حداد

الاب

ما الذى جاء بي
يا ابي
والقطارات مشحونه بالشجر
وماخوذه بغموض المطر

ما الذي،

 

يا ابي،
حطنى في الطريق الى النهر
للناى يقتلني
كلما مر بي

يا ابي
ما الذى جعل العانسات البعيدات يشغفن روحي
ويغزلن،

 

مثل الاغاني النحيلة،
قمصان قلبي
ويمسحن،

 

مثل الهدايا،
جروحي
ويصقلن بى غربه المتعب
يا ابي

ما الذى جاء بي
نحو هذا النبيذ الغريب
كان الجسور،
وغيم البحيرات و الشجر الحر
ارجوحه الغائب

ها انا،

 

بعد بحرين،

 

تنتابني،
يا ابي
مثل برق،

 

بحارك
فاراف بطفلك
واكتب له نجمه في السديم،
كانك خلق له
خارج الكوكب.

****

لست ضيفا على احد

تاتى القهوه مسبوقه بعطرها
وتاتى الاراكيل
ياتى نحاس الطواجن مكللا بالبهار
وباللؤلؤ البسمتى من الارز
وياتى تخت الموسيقي بصناجاته
بالتوابل نفاذه مثل عطر الغابات
تاتى التاويل و البهاليل
ومنعطفات لا تحصى
فى شارع كودم الزاخر بمقاعدة و خضرته
بمنافذة الكثيرة نحو مسارب الضوء
بمداخل ترصد الظلال الكثيفه في حواف الرصيف اللانهائي
يستيقظ كودم قبل منتصف النهار
فيحرك اعضاءة مغترا مثل سفينه عظيمه متعدده الصواري
باضوائة الثلاثه ذات السطوة
حيث فيزياء المكان
اضواء تصد العربات من هنا
وتطلق نهر الناس من هناك.

سفينه تؤرجح صواريها
وتهتف: ها رشاقه الناس بين الرصيف و المقهي و منحنيات الريح
صوار قصيرة و اثقه مستغرقه تحرس غفله الكائنات
صوار من المعدن القديم
تتكئ على ارصفه تظللها شواهق الاشجار
تمنح الحركة على الكائنات بالقسطاط.

احصيها صاريه صارية
واهتف:
صباح الخير للمدينه و هي تنهض من نومها
صباح الخير لكائناتها في شارع كودم).

لست ضيفا على احد
فكلما رشفت قهوه نقصت صارية
ولمع لون جديد في تاج الشارع المغرور
مستعيدا مجدا يكاد ان يذهب.

لست ضيفا على احد
الاشياء تاتى ما مورة
اجلس في عطر المقهى
واطلق كلماتى في دفتر الشارع
لارقب رشاقه الكائنات و خفتها
تعبر ذاهبه الى بهو الوقت
اقداح البيره الضخمه و هي تفرز عضلات الزند
الاقداح الطويله المبعوجه ذات الخصر
لكي ينثال الذهب خارج السيطرة
فناجين القهوه بتاج الرغوه الهشه اللاسعة
الطيور المذعوره لفرط ابواق مشجعى الكره الطغاة.

اتكئ على سله ريح عابره مكتظه بوريقات صفراء
فلست ضيفا على احد
برلين غير مكترثه بي
لكي انال الحريه كاملة
ففى حانات الشارع المكابر
لم اطلب ضوءا مضاعفا للكتابة
العتمه تكفي
وتكفى نافذه بشرائط البوص الرهيفة
نافذه تظل مواربه لئلا تصد نسمه متعبة.

لست ضيفا على احد
هنا،
لا احد يمنع و حشه البيت
بيت هارب من منخفضات الريح
لاجئا الى ارجوحه الاعالي
بيت يختار عزله الطابق الرابع
مرصودا بدرج باهت تزخرفة مساقط ضوء شحيح
فى حضن عتمه مترفة

لست ضيفا لكي اصعد على مضض
الي بيت يخاف من و حشته
لست ضيفا لكي انام و حدي
فى غرفه تئن ارضها مصقوله تحت عربات احلامي
فليست الشرفه غير و ريقات صفراء تهطل في شارع كودم)
وعطايا النوم رحله مشتهاه تكاد ان تغفو.

****

حريه الريح

يغادر مكانه،
نحو غيم مجهول
يزعم انه قادر على هدنه السفر
ياخذة ليل طويل دائم و مستمر
ليل ي شي و يتلاشي و لا يكف ،

 


ليل يلتبس:
صديق ام كتاب،
ويستسلم
لئلا يقصر عن حريه النجوم و الغيم و الهواء،
فى جساره جناح الحديد
يصعد متوغلا في الليل الشاهق الطويل
يتصاعد مثل لهب
فى مكان الموقد و مكانه الاوج.

****

بورترية للصباح

الصباح هنا لا يتبع الشمس
صباح اكثر حريه من الشمس
يسبقها و يغرر بها و يؤجلها
كلما طاب للمرأة ان تسهر الليل في و حشه النافذة
كلما طال ليل انتظاراتها
فالصباح المبكر يسرقها
مسعفا ضعفها
الصباح هنا يبتكر شمسا يؤنس بها المرأة الساهرة.

****

صباح يتماثل كلما حرك الناس اعضاءهم
فى الرصيف الذى لا زال رطبا
فى انكسار الهواء على شرفه موحشة
فى القطارات مكتظه بالمرايا البخيلة
بالعصافير مرصوده للشراك

غابه غائمة
غير ان الصباح الذى يسبق الشمس
سوف يمر ليوقظ رائحه الشاي
والقهوه النائمة.

صباح كثيف يحرر احلامنا
ويقايضنا بالتفاصيل
بالاكف المدماه ذاهبه للعمل
كلما انتصر الياس فينا
يقايضنا بالامل.

صباح هنا سوف لن يستجيب لمشتهيات الكسل
صباح لنا،
كلما ندم الضوء في غابة
بدا المحتمل.

سوف يمتد هذا الصباح
الي ان تقرر اشجارة الكشف عن شمسه
الي ان يهرول اطفالة في الحديقه قبل الحصص الموهنة
كاس الحليب الحبيب الذى ترك امرأة الليل في عطرها هائمة
وانزاح في خلسه من سرير انتظاراتها
امرأة الليل يا و حدها
والحبيب الذى طار في العربات الاخيرة
فى قاع برلين
فى الدرجات الكثيرة و النوم
لا يرتبط الصبح بالشمس
هذا صباح يلون ما تشتهية الحياة
ويرسم كل التفاصيل
يوقظ ما انتابها في السرير الذى يغادرة طيفها
لاحقا بالعربات الرشيقه تشهق منسابة
فى رواق من الافعوان
ويوقظها مثل شمس قبيل الاوان

صباح له الشمس تفاحة
لة امرأة مثلها
كلما طاش في غامض الليل حلم لها
شبت النار مثل النهارات،
كالشمس في غيمه ضائعة
كان الصباح سينسى
كان الجريده و هي تؤجل احداثه
سوف تنسى
كان الحبيب الذى سوف ينسى
كان التي شغفت بالتفاصيل تنسى
تري من يسال الشمس عن فجرها
وهي تنسى؟

****

كاس

نفسها الكاس
غير ان الاصابع و الرعشه النبوية
والاحمر المستريب و العتمه المزمنة
رشفه لا تشبة الكاس
فالليل يبكى على كتف النادل المستريح
والسهر الناعم النوم
واللوم يشحذنى بالحنين الغريب
والرؤى الكامنة

نفسها كانت الكاس
حتى اذا طاش في الراس برق كسول
تسني لى الوقت
وانداح في الليل و هج خجول،
تبجلت ايتها القبل المؤمنة.

****

النحل المذعور

اتركوة هاربا يجهل الطريق
ويذهب
سرب النحل المذعور
سرعان ما تمزقة هندسه النيران
يفر ما خوذا نحو العسل المتروك في الاعالي
اتركوه
يعرف طريق المجهول
واذهبوا الى ذخائر المليكة
انقذوها من و طء الحافر و الخف.

****

المحرق

ازقتها المتربة
تجاعيد اطفالها الشاحبة
زرقتها،
ريشه التاج في عرسها
بحرها يحرس الفقر فيها
ويجتازها
تحضر الان،

 

فى غيم برلين
رغم المسافات
تقترح الكتب الغائبة
اسمع نوم النوارس في معطف الليل
اسمعها في الظهيرة
اركض،
والشمس خلف الخطي التائبة

يا ايها الولع المر
يا منتهاى البدائي
ايتها المدن الغريبة
انساك كى اتذكرها و حدها
فرسا سائبة.

****

الساحر

مثل ليل يغسل احلامة بالندى
تفيض على جسدة ضجه المكان
راسة منسيه على ركبه مثنية
تركتها الحرب الاخيرة
ساق لم تنل منها القذيفه التي اخذت اختها
ساق واحده تفيض عن حاجة الرصيف
فى محطه القطار
مثل احلام محروسه بغياب الدرك
فى يقظه تشبة ليلا لا يشبة احدا
لا يحمل شيئا
يفترش ما يتماهي مع الرصيف الكالح
ويجلس فقط
ظهرة الى الحائط
ويداة بطيئتا الحركة
ترسمان اشكالا في الهواء الثقيل.

يوقفك
يشرح لك صدرك بايات غامضة
يستحوذ عليك
فيما يتمتم بلغات فصيحة،

 

لا يخطئ لغتك
ولا يفعل شيئا،
يرفع راسة الحليقه عن ركبتة الوحيدة
ويستولى على حواسك
مثل سديم ناسك
عيناة مفتوحتان في عينيك
لا يري سواك
ولا يفعل غير ادهاشك
يتوغل نحوك
بلامبالاتة الرصينة.

يزم شفتيه
فتعرف انه يشتم رائحه و جبتك القادمة
ربما بادر و نهاك عن السم في الدسم
لا يصدك عن مواصله عبورك الفادح
غير انك مقيد في شباك غير مرئية
وهو يراك
يري القيد و الشباك
كمن يغزلها بحركة يدية البطيئتين
بكلماتة النادرة
ينصحك بالعربه التاليه ذات الرقم الزوجي
فيكون القطار كله لك.

يبسط لك كفة الناصعه الحمره مثل و ردة
فتقرا معه ما يكتبة عليك
كل شيء هنا في يدك
ما لك و ما عليك
يبسط كفة فتظن انه يسالك
وحين تهم بمنحه
ينهرك: لست شحاذا
لا اطلب منك
لكنى اطلب لك
فاذهب و الحق بقطار يفوتك.

****

ليلها

فى ليل برلين يخطئ مستوحش باب احلامه،
كلما انتابة النوم
اطلق اشباحة في الهزيع الكثيف من الوقت
يخطئ مستوحش
عندما ينهمر الخوف من ليلها.

برلين ليست على رسلها
بيتها غابة
برلين محروسه بالكلوروفيل
بالاخضر الفائض المستهام
بالبحيرات و الانسجام
برلين تسهو قليلا
فيستيقظ تاريخها في التفاصيل،
فى دفتر الحرب
منسابه في ما تبقي من الحجر القرمزي
من الفرن يخبز طينا و يرسمة للجياع
من المرتجي في ضياع الهروب الكبير
من الموت
مما تبقي لبرلين من صوتها
من الليل اطول من نومها.

يا ليل برلين
يا حارس الخطوات البطيئه عبر الممرات
قل خبرا واحدا يسعفنى في صباح بعيد
قل كيف اقرا اخبارها
كيف اساعدها كى تري في الظلام الوحيد
احتمالاتها في كتابي؟

يا ليلها قل لها
كيف ساقراها في كتاب الصباح،
كما يصنع الخوف لي
ما يلى في الخطي الراعشة
شرفتى الموحشة
سفر موغل في التاويل
فى معجم الليل،
تاريخها،

 

منتهاها
لها ما يحض على الذكريات
ما يجعل السور ارث الكوابيس
ما ينتهى حين يبدا
ما يستحيل اختزالا مخلا لها
وهي في ليلها
فى الهزيع السريع من الحلم.

يا ليل برلين
دعنى افسر ما سوف يبقي من الروح
فى البدء و المنتهى.

****

كائنات المكان

كلما اختلفوا في هجائها
شهقوا بمديحها الشامل
يتهدج بعضهم بالنشيد
مثل فتيه يتعثرون بعشب الحديقه المهمل
مثل تراتيل الاحاد في كنيسه مكسورة البرج
مثل اقداح الجعه الضخمة
تهرول على طاولات المقاهى المزدحمة

لم تكن المدينه بنت الخطيئة
الخطيئه في الناس
قبل السور و بعده

يتقاطر الكهول بالتجاعيد الكثيفة
مرتجفى الاصابع،

 

بعكازاتهم المعروقة
اعواد متوجه بالعاج القديم
مقابض اصفرت لفرط التبغ
واحمرت لفرط النبيذ
واسودت لفرط الوقت.

ارواح الكهول تطفح في ذاكره مستعادة
لزفيرهم رائحه السام
ولاقدامهم المتارجحه رجع المارش القديم
لجيش عائد من الموت.

كلما كشفوا قمصانهم المتهدله عن اثار تهجو المدينة
سارع احفادهم باقتراح المديح لتسليه ضجرهم
ومؤانسه الايام الاخيرة لحواسهم المتكاسلة
يتذكرون نسيانهم كلما حرك شخص رماد مجامرهم
وطفقوا يهجون مديح المدينة
قبل السور و بعده.

ينشرون خرائطهم العتيقه على الكراسي
ويطلون عليها من سطح طاولاتهم
كمن يشرف على جحيم و يمطرة بزبد الجعه الطائش
ينظرون الى احفاد لا يرون غير نجوم في نهار و شيك
يستعصى على الوصف
ولا يمكن تفاديه.

يمتدون باصابع مرتعشة
يهدهدون صبر الاحفاد
بالمديح الوافر و يدربونهم على المعرفة.

ورثنا مدينه مشطوره الدلالة
تتفصد بالقواميس و تقصر عنها المعاني
نحن ارث الجغرافيا
وخزائن التاريخ
اخذنا ديننا على المناكب،
وتقاسمنا التجربه مع كائنات المكان
لتنال نصيبها من النص.

****

السفر

عندما عشرون ساعة من الليل الكثيف،
تختبرك بتحولات الفيزياء في جسدك
والكيمياء في روحك،
ينبغى عليك ان تذعن لاخفاقك الفاتن،
وتؤمن به و تهتم.

****

الجمر في المهب

يضع قدمية على ارض ليست له و ليست عليه
ارض لا تكترث به،
انها تزن الشخص بخفه غيابه.

قال لنفسه:
هذه لا مبالاه تليق بمن عقد العزم على ضياع مؤقت،
لم يسمعة احد،
فطاب ان لا يهتم باحد.

ان تكون في هامش الناس،
فتلك نعمه تسبغ عليك حريه صغيرة
يحلو لك ان تستغرق في افاق شاسعة
لا يدرك رحابتها سواك،
لكن ان يكون العالم كله في هامشك،
فهذا كرم مفعم بالكشف،
وليس لك ان تفوت متعه التمرغ في فرو رؤوف،
لا ينالة غير شخص مكتظ بشهوة الكتابة،
غزير الاحلام،
لمخيلتة طبيعه جمر في المهب.

تستقبلة الطبيعه و حدها،
– ربما لانة لم يعد يحلم بغيرها –
فى قميص من الغيم
يشف حينا و يغمض ،

 


لباس لا يمنح غير رغبه المزيج
ومشاكله الشخص بشمس نادرة.
وحين يبدا الكلام مع الكائن الشفيف،
يصح لمن ينظر اليهما ان يهتف:
“شخصان يتصادمان
تستعيد فيهما اللغات هيئتها الاولى”.

****

اخبار الغابة

هذه هي الغابه اذن.
مكان قصى ياخذك الى المصادفات،
ويسعي اليك باقدام الرؤى الرهيفة
تضع يدك على صنوبره تحرس لك الكوخ
فتتاود لفرط الوجد.
صنوبره تتذرع بالاخضر القديم
صامدة في صهاريج الثلج،
فيما تخبئ الاشجار ثيابها في صندوق الصيف.

تحاول ان تصقل احداقا مفتوحه لتملا الذاكره بذكاء الريح،
مازجا الحلم بالنسيان،
فينتابك الولع بصمت تكاد ان تسمعه.

بين كوخك و الكوخ الذى يليه
مسافه يتكفل بها الشجر
غابه تكفى لراحه بين تعبين.

تضع جسدك في بكورية المكان،
فتبسط لك الروح مظله تحميك من الوقت و عبورة الفادح
وليس لك ان تثق بانين ناياتك لقياس الليل و النهار.

هذه هي الغابه اذن.
ضياعك الجميل الذى يحسن قراءتك،
واقاصيك التي يتملكك شغف كتابتها.

****

صلاة

لماذا
كلما قبل برلين
صليت لى في الدفاتر
بالشعر و الشغف المستثار
وما ان سهوت عن البحر
صليت عني.

فى الصيف
ينتابنى الذعر
وتخطفنى الكيمياء
واخسر بعض الحواس
واهذي
فيا قبل برلين
يا بعدها
جئت في النثر
صليت
يا شعر برلين
يا سردها
رق لى … و امتحني.

كاني
اقسم جسمي على اخرين
ذريعتهم اننى تائة الروح و حدي
وانت
تضيعين،

 

فى لحظه النار،

 

عني.

لماذا الحياة التي،
كلما قبل برلين،
ضاعت سدى،
كلما صاحت الروح
جاء الصدى

لماذا تعالجنى الكهرباء
بما يمنع البرق عن شهوتي
وتنهرنى شبكات الغواية
فيما تنامين بالقرب من جنتي.

اذا ضعت في بيت برلين
مستوحشا بالذئاب الاجلاء
مستانسا بالولع الذهبى الذى تبدعين
يفز على ضفتيك الحنين،

وحين اموت قليلا
تنامين في النص قبلي،

تنالينني
على الرغم مني.

****

كونشيرتو الضوء و القصب

يكسر الضوء،
ظنا انه ذاهب الى النوم،
فتتوهج عزله الذهب من حوله.

تبدا اشياء الغابه بزيارته،
متخلله النوافذ المنسوجه من قصب النايات،
منسربه من تحت اعقاب ارغن هارب من عاج النيازك،
فيبدا فضاء الكوخ في التالق.

ثمه زائر فاتن غاب عنه طويلا،
يستفرد به الان،

 

و ينهرة بالكوامن
موقدا حولة القناديل،
عابثا بالعاب تفضح خجل الكلمات المتوارية
وتمنح الحروف حرياتها،
ويتركة في التماهي مع الضوء.

يبدا في تبادل الشظايا،
فيما يلثم ثلج كالسكر صحوه الكون،
مثل امرأة تغمر جسد حبيبها بالقبل
ثلج يلمع كلما لمحتة العيون بدهشه القلب،
كان الله يمنح الشخص من رحمتة ماء
يغسل اقدام القصائد و هي تتقدم.

ثمه زائر حميم عازم على تلقينة درس الكتابة كاملا.

****

حجر قديم

تخوضون في الدم
فى العقيق القديم
فى زجاج يكسر الحنجرة
فى طفلة منثوره في الحاشية
فيستيقظ الضوء في الباقى من الروح
فى بريد النيازك
يبدا فينا
يقرا الدفتر
ويتجرع الحياة.

تخطون في حجر الدم،
ينسى و يمحو.

****

نهار

نهار يكاد ان ينهض،
شمسة تقود صباحا طازجا
والكائنات التي انشات هذه الجسور
توشك ان تهرم لفرط العمل
نهار ينهض و يتماثل و يسطع
لكان شمسا واحده لا تكفي.

****

الصنوبر الزكي

فى انتظار
الفارس القادم من الصنوبر الزكي
ياخذنى الى المسرات
ويمنح روحى لحظه البهجة
الفارس الضائع في المدينة
سوف يخطفنى من رصيف القطار
حارسا يقظا لعثراتى المتوحشة
لئلا تستفرد بى و حشة
ولا تنال منى خطوات الغربه المرتبكة.

****

شظايا

عصيه على الوصف
صورة شخص يلتقط شظاياه
فى شريط الشرفة
بين حوض البقدونس و سيل الحمم
الطائش
المنهمر
بلا قياد و لا ادلاء و لا معنى.

****

استغاثة

صريخ صادر من جذور الشجر
مستغيثا بالمياة الخفية
من يصغي
قبل الماء و بعده؟
من يطلقة في نسغ الغصون؟
صريخ يفيض على القلب
يطيش به العقل.

****

الكتابة

نارك الفاشية
فى هشيمي..
من اين لك كل هذا الجمر،
هذه النيازك الفاتكة،
هذه التحولات الفادحة
من و رده الغيم الى نجمه الوجه؟
تعالى بنارك الفاشية.

****

مسافات ضوئية

تؤثثين غرفه الليل بغيابك
لا احد يلمس الضوء و ينجو
دون ان يعبر المسافه بين القلب و الكتاب.

****

حكمه المكان

تاخذ الحكمه معك الى المكان
فليس للمكان حكمه في غيابك
حكمه ما هوله بكائنات غائبة
خفية
مشحونه بالعناصر الجديدة الفجة
كلما و ضعت قدمك على عتبه المكان الغريب
ستقرا حكمتك الاولى.

ليس ثمه حكمه واحده لمكان واحد
ثمه امكنه لا تحصي و حكمه واحدة،
حيثما تكون،
انت في مكان الحكمة.

****

الارجوحة

مثل بهجه العلاج
جسدك ارجوحه القطار الرشيق
وروحك ضالة
لا تنال الهداية
ولا تنشد المعصية.
تسيل من المقعد على ارض العربة
ذائبا
متحولا الى عناصرك الاولي
هباء الروح
وجسد يكاد ان يفنى.

****

تلك

تلك التي تترك المطر يقتفى اثر خطواتها
تلك المتعاليه ناظره الى الشجر من شرفتها
تلك الرشيقه مشقوقه القميص
طائشه الشعر
تلك الضائعة
منشوره الاجنحة
ماخوذه بفكرة الالهة
تلك المكترثه بعبء الخلق
غير المتاحه في القصائد،
لا اعرف لها صفه و لا طبيعة.

****

النافر

يتوجب ان تكون بلادك جزيرة
لاجل ان تحظي بفداحه البحر و هو يبتعد عن بيتك.
يتوجب عليك ان تفني قليلا في انتظار رحيم
لئلا يتاخر بك السفر في درجه المنفى
عندما بلادك جزيره تحميك من الغزو
وتاتى لك بالرحيل و المغامرات
ولا تنساك
على ان تكون نافرا
ومستعدا لذلك.

****

حكمه الشجرة

الشجيرات المزرقه لفرط البرد
المثقله بالانتظار و المعرفة،
قالت له الحكمة
نصحتة بفهارس الارق
الا يعبر تحت موجها الازرق و هي تبكي.

قالت له الحكمة
خصتة بفصاحه الالوان
وهو يضع كتفية في المعطف
وهو يزيح الطين عن خطوات الماء
وهو ينحنى بعبء الخبز
وهو يستعصى على الضغائن.

تحولات و ضعت يدة في المناجم
وغمرت اهدابة بالقناديل
الشجيرات ذاتها،

 

رهينه التحولات
وهي تصفر غيرة
وتحمر لفرط البوح.

****

كل هذا النبيذ

ماذا افعل بكل هذا النبيذ؟
انخابة تتدافع في بهو السهرة
واعضائى تتدثر بيقظه الليل
العناصر تترنح ذائبة
تصقل دفتر التاويل
منتشيه بما يتيح للجسد تاج الشهوة
وما يجعل القلب في الغيم.

****

ما لاحد مثلنا

ما من شعوب تزعم تكبد الخسارات
وتجرع الهزائم
وهدر القرابين
مثلما نفعل،
من غير حكمه و لا درس و لا موعظة.

ما من شعوب تخضع لعسف حكامها
وتبجل جلاديها
وتستجير بالجحيم
مثلما نفعل.

نحن جوابو الجهات
نحسن غزل الشباك لخطواتنا
نصقل جمر المواقد لتصهر المسامير
وهي تنغرس في لحمنا حتى خشب الروح
نغير جلودنا لكل سوط
ونتضرع للنصل لئلا يكف
ونعض عليه بالجراح
نقرا مصائرنا في الليل
وتقودنا الكتب.

صب الله الاصنام لنا بالدوارق و الاباريق
طواطم تجثم على الاكباد
تصهرنا في جبل الفولاذ،

الهه تعبث بلا غضب و لا ضغائن
تضعنا في غرفه الصاعقة
وتصفق الباب خلفنا
وتنسى.

****

درس الضوء

ليتك في المعرفة
ليت هذا الضوء الذى يعبث بي
يتكلم و يطرح الصوت
لتدرك الغرفه درس الضوء
وياخذ نيتشه نصيبة من الندم
وينال درس الضوء و يشفى،

ليت المعرفه عله الضوء
ليتها …

****

عله المعرفة

فلك يفيض من نافذه السديم
نصف عتمة
نصف ضوء غائب
وجسدة ينضح غبارا يغمر شجره البيت.

فلك اكثر علوا من الصدى
لا يسمع غير خطواتة نحو عله المعرفة
ولا يري سوي معدن العلل.

****

تاويل المرض

جسدة يستنطق العمل
ويشتغل في حماه الغيم
منهمكا في تاويل المرض
جسدة يوغل في غابه القواميس
والفصول ذات الشراك
ينصقل و يرق و يشف و ي شي و يفيض بالدلالات
جسدة مشحوذ بالليل
يجتاز مختبرات الولع
يشك في ابجديه الضوء
ويعرف لغه تقصر عنه.

****

معراج

اصعد اليه
لا درج يطالة و لا يد عليه،
ترقي به اقداح معبوبه بضوء شاحب
ويطيش له العقل.

اصعد
ساقاى متهالكتان
واطرافى تبرد
ويكبح الضوء عيني.

شاهق
يعرف الاعالي
فاصعد مثل جناح يحلم بالريح.

يشفق،
فيعلم اصابعى الكتابة
ويدرب جسدى على الصبر،
فاصعد.

****

اليد و حدها

ستبكي هذه اليد و حدها
وهي ممدودة
يزخر بها فضاء مشحون بالانتظار..
كيف تقوي نوافذة الغامضة
على وداع ليل ضائع مثل هذا؟

كانت اليد و حدها بلا مناديل
ولا دمع و لا عناق.
يد ممدوده في سديم الميناء
مثل غيم كسرتة زخه من قذائف المساء
وقطعت حبال السفن النائمة.

اليد و حدها
ذات اليد الوحيدة
وحدها،
بكت و حدها.

****

فكرة العمل

الفارغ من الدلالات
كلما بالغ في طرح صوته
ضاجا
مجلجلا
يجهر بجراه خطابة الفج،
كلما شغر به المكان
وفرغت التجربه من اخباره
وخرج عن فكرة العمل.

كلما تكاثر بالكلام
شحت دلالاته
وشحب المعنى.

****

الندم

اين سنترك اثرنا الخفيف
فوق ارض منكوبه كهذه؟
وكيف سيقرا الاخرون و قع ندمنا الكثيف
فى ساحه الهزيمه المزعومه بالاوسمة،
المثقله بالضغائن؟
وماذا سنقول لدوره الدم المذعور
وهي تصقل ترنحنا المكابر
لئلا يشوب الغموض
انخابا تباهى الشمس
وتخدع الامل؟

****

الماضي

يهندس لنا ايقاع القصيدة
هذا الماضى المرضوض بالعجلات الفولاذية..
كنا نؤلف به ايامنا البطيئة
لئيمه الادعاءات
ونؤثث غرف جحيمنا بتركتة الفجة،
وكنا نغرر باكثر مريدينا حماسا له.

الماضى الذى ينتصر علينا
لا يزال يغلب النحو و الصرف
ويستفرد باللغه في غفله من قلوبنا
يحضر يحتضر
ويصير مستقبلا.

****

ايليا تورجانوف

بخطوات راقص البالية المترفع
المستخف بالهواء
الموشك على شرفه الكون
خطواتة الرشيقه الواثقه عن الارض
وضع حياتة في مهب الكتابة مراهنا على السفر
خطوات تكتب له طريقا
فيسلك سواه
الخطوات ذات الخفة
بالقدمين الماخوذتين برحمه الريح
قدمان مجنحتان
ما ان يضعهما في الاقامة
حتى يطير بهما في سفر
يمشي في التجربه على حافه الوقت و المكان
مثل طيف رهيف
كمن لا يريد ايقاظ احد
هو الذى يسعي لايقاظ الخرائط
هو الذى جاب الماء و اليابسة
طواف المعرفه الكونية
منح شبحة الشفيف لرسامي الجزر
وملونى الاوقيانوس بلازورد القلب
ومخلصى الاصداف من مرضها الكريم
ومروجى الكحول بطيئه العمل
ومنحنا نعمه الصداقة
فى ترف الفالس فائضا عن الكمان
طائشا،

 

مندلعا في دفتر الطبيعة
بتلك الخطوات الطازجة
مثل حبات المانغو الخضراء في غابه المطر
فى سهوب اسيا المذهولة
مثل سمك ينسى عاده الماء
فى سواحل افريقيا المنتظرة
ويمنح الناس ارجوحه المبتدا و الخبر
بالخطوات السريعة ذاتها
يتقدم مكترثا،
مشفقا على الارض المتالمة
الفتى البلغاري
شديد الانتبهاه،

 

الخارج مبكرا على النص
جاء متاخرا عن العسف
خطواتة الصغيرة خارج المكان الاول
منحتة بيت العالم
هو الذى راي مناجم الكشف في مجهول السفر

الرجل المندفع في تجاعيد الطبيعة
مدخرا الطفل الذى لم يكبر معه
يمس الارض بقدمين مذعورتين
ماخوذتين بالسفر
لا تستقران في غرفه و لا يكفيهما الوقت
يقيس بهما خيط الافق
مطمئنا لقلقهما
قدمان سادرتان في سديم البحث
تقودهما عينان ساهرتان في شرفه المجرة
تريان او ترويان،
القدمان المسكونتان بالاقامه و السفر،
تكتبان الجسور و تقران جامع العوالم.

****

ذكريات المستقبل

بشغف الملتهب
كنت ساهب روحي
فى نصف القصيده دفعه واحدة
لكي اقوى على رعشة
النصف الثاني من القصيدة
حيث الكتابة
قصف الولع بورده الخلود
ومحو الحالم
لذكريات المستقبل.

****

اقل من القلب

قليل على القلب
هذا الذى كنت سميته
والذى كنت اجلت روحى له
والذى كلما طاش عقلى به في الصباح
تضرعت للشمس كى تنتهى عنده
اقل قليلا من القلب لكنه
شدنى بالتاويل
واقتاد روحي
وانتابني.

كل هذا القليل الصغير من القلب
الذى كنت بجلته
نالني،

 

و انتهى
فابتدات
كحب صغير على القلب
هذا الذى خنتنى كى تموت له
والذي،

 

اعرف الان،
تقتلنى كى تكون له
كل هذا الاقل من القلب
كيف،

 

تجاوزت حبي،
وصدقته
ثم كيف انتميت،

 

انتهيت
وصليت،

 

كفرا،

 

له؟

****

1٬219 views

البيت الذي يشير الى ثقل الزيارة بسبب طول الاقامة هو