8:32 مساءً الأربعاء 20 فبراير، 2019


الصبر على البلاء

بالصور الصبر على البلاء 53d24e2d25052c4161616ae52ac99a34

 

البلاء سنه الله الجاريه في خلقه؛ فهناك من يبتلي بنقمه او مرض او ضيق في الرزق او حتى بنعمه .. فقد قضي الله عز و جل على كل انسان نصيبه من البلاء؛ قال تعالى انا خلقنا الانسان من نطفه امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا [الانسان: 2,3] .. فمنهم من سيفهم حكمه الله تعالى في ابتلاءه، فيهون عليه الامر .. و منهم من سيجزع و يتسخط، فيزداد الامر سوءا عليه ..

وهذه رساله الى كل مبتلى، و كل الناس مبتلي و مصاب ..

هون على نفسك، فمهما كانت شده البلاء سياتى الفرج من الله لا محاله ..

كان محمد بن شبرمه اذا نزل به بلاء، قال “سحابه صيف ثم تنقشع” [عده الصابرين و ذخيره الشاكرين 19:2)].

فكيف تنال هذا الفضل العظيم و تصير من عباد الله الصابرين؟؟

 

اعلم انك لن تتحصل على الصبر الا بالتدريب .. قال رسول الله “.. من يتصبر يصبره الله، و ما اعطى احد عطاء هو خير و اوسع من الصبر” [متفق عليه] .. و على قدر استعدادك، يكن صبرك على المشاكل و الابتلاءات التى تعتريك في الطريق ..

فعليك ان تستعد باخذ الاسباب و خطوات التصبر التالية؛ حني يهون عليك البلاء و تنال عظيم الثواب:

اولا: معرفه الحكمه من البلاء .. فالله سبحانه و تعالى يبتلى ليهذب لا ليعذب .. فعليك ان تفهم لماذا يبتليك الله تعالى ..

1 البلاء في حق المؤمن كفاره و طهور .. فقد نبتلى بذنوبنا و معاصينا؛ كى يكفرها الله عز و جل عنا فلا نقابله بها، و يوم القيامه ستتمني لو انه قد اعطاك المزيد من الابتلاءات في الدنيا ..

عن النبى قال “ما يصيب المسلم من نصب و لا و صب و لا هم و لا حزن و لا اذي و لا غم حتى الشوكه يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه” [متفق عليه] ..

وعن ام سلمه رضى الله عنها قالت: سمعت رسول الله يقول “ما ابتلي الله عبدا ببلاء و هو على طريقه يكرهها، الا جعل الله ذلك البلاء كفاره و طهورا ما لم ينزل ما اصابه من البلاء بغير الله عز و جل او يدعو غير الله في كشفه” [رواه ابن ابى الدنيا و حسنه الالباني، صحيح الترغيب و الترهيب 3401)]

وعن ابى هريره رضى الله عنه قال: قال رسول الله “ما يزال البلاء بالمؤمن و المؤمنه في نفسه و ولده و ما له، حتى يلقي الله و ما عليه خطيئة” [رواه الترمذى و صححه الالباني، صحيح الجامع 5815)]

وعن سفيان، قال: “ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمه و الرخاء مصيبة” [سير اعلام النبلاء 13:306)].

2 البلاء دليل حب الله للعبد .. و المحب لا يتضجر من فعل حبيبه ابدا، قال رسول الله “اذا احب الله قوما ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر و من جزع فله الجزع” [رواه احمد و صححه الالباني] .. و قال رسول الله “من يرد الله به خيرا يصب منه” [صحيح البخارى ].

3 البلاء يبلغك المنازل العلا .. برفقه النبى محمد ، فالعبد تكون له عند الله المنزله فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره، حتى يبلغه اياها .. عن ابى هريره رضى الله عنه قال: قال رسول الله “ان الرجل ليكون له عند الله المنزله فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه اياها”[رواه ابو يعلي و ابن حبان و قال الالباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب و الترهيب 3408)]..

كان شريح يقول “انى لاصاب بالمصيبه فاحمد الله عليها اربع مرات: احمد اذ لم يكن اعظم منها، و احمد اذ رزقنى الصبر عليها، و احمد اذ و فقنى للاسترجاع لما ارجو من الثواب، و احمد اذ لم يجعلها في ديني” [سير اعلام النبلاء 7:112)] ..

فلا تستعجب ان رايت اعداء الله يمكن لهم في الارض، بينما اهل الايمان مستضعفون في كل مكان .. فقد قال رسول الله “مثل المؤمن كمثل الخامه من الزرع تفيئها الرياح تصرعها مره و تعدلها اخري حتى ياتيه اجله، و مثل المنافق كمثل الارزه المجذيه التى لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مره واحدة” [متفق عليه]

وهكذا يكون حال المؤمن ما بين الابتلاءات و نزول الرحمات حتى يلاقى الله عز و جل، اما الكافر فاذا اخذه لم يفلته ..

وكم في البليه من نعمه خفيه ..

وليس معنى هذا ان تتمني البلاء، و لكن عليك ان تسال الله العفو و العافية.

 

ثانيا: تذكر احوال الاشد منك بلاء .. فمن يري بلاء غيره، يهون عليه بلائه ..

قال سلام بن ابي مطيع: دخلت على مريض اعوده، فاذا هو يئن .. فقلت له: اذكر المطروحين على الطريق، اذكر الذين لا ما وي لهم و لا لهم من يخدمهم، قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك، فسمعته يقول لنفسه: اذكرى المطروحين في الطريق، اذكرى من لا ما وي له و لا له من يخدمه. [عده الصابرين و ذخيره الشاكرين 22:27)]

وتذكر لطف الله تعالى عليك .. ما ت ابن لعروه بن الزبير و كان قد بترت ساقه، فقال رضى الله عنه “اللهم ان كنت ابتليت فقد عافيت، وان كنت اخذت فقد ابقيت؛ اخذت عضوا و ابقيت اعضاء، و اخذت ابنا و ابقيت ابناء” [الكبائر للذهبى 1:183)].

ثالثا: تلقي البلاء بالرضا بقضاء الله و قدره .. و هذا من اعظم ما يعين العبد على المصيبه قال تعالى ما اصاب من مصيبه في الارض و لا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبراها ان ذلك على الله يسير [الحديد: 22]

فالبلاء من قدر الله المحتوم، و قدر الله لا ياتى الا بخير .. قال ابن مسعود: “لان اعض على جمره او ان اقبض عليها حتى تبرد في يدي احب الى من ان اقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن” [طريق الهجرتين و باب السعادتين 16:35)].

عن العباس بن عبدالمطلب قال: قال رسول الله “ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا و بالاسلام دينا و بمحمد رسولا” [رواه مسلم] .. فالرضا بقضاء الله يورث حلاوه الايمان التى تهون من اثر الشوك تحت الاقدام.

رابعا: الجزع و عدم الرضا لا ينفعا .. فالتحسر على المفقود لا ياتى به .. كان يحيى بن معاذ يقول “يا ابن ادم، ما لك تاسف على مفقود لا يرده عليك الفوت؟!، و ما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟!” [صفه الصفوه 2:295)].

خامسا: معرفه طبيعه الدنيا و انها دار عناء .. فالدنيا بمثابه القنطره التى تعبر بها الى الدار الاخره فلا تحزن على ما فاتك فيها ..

قال ابن الجوزى “اما بعد؛ فانى رايت عموم الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجا يزيد عن الحد، كانهم ما علموا ان الدنيا على ذا وضعت .. و هل ينتظر الصحيح الا السقم؟، و الكبير الا الهرم ، و الموجود سوي العدم !” [تسليه اهل المصائب 1:71)] .. و قال ايضا “ولولا ان الدنيا دار ابتلاء لم تعتور فيها الامراض و الاكدار، و لم يضق العيش فيها على الانبياء و الاخيار .. و لو خلقت الدنيا للذه لم يكن حظ للمؤمن منها” [موسوعه فقه الابتلاء 4:129)].

 

سادسا: معرفه ثواب الصبر العظيم .. و حينها يهون عليك كل بلاء، قال تعالى .. انما يوفي الصابرون اجرهم بغير حساب [الزمر: 10] ..

مات عبدالله بن مطرف، فخرج مطرف على قومه في ثياب حسنه و قد ادهن، فغضبوا و قالوا: يموت عبدالله ثم تخرج في ثياب مثل هذه مدهنا؟!!، قال: “فاستكين لها و قد و عدنى ربى تبارك عليها ثلاث خصال كل خصله منها احب الى من الدنيا كلها؟!، قال الله عز و جل الذين اذا اصابتهم مصيبه قالوا انا لله و انا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمه و اولئك هم المهتدون [البقرة: 156,157] .. فاستكين لها بعد هذا؟” [صفه الصفوه 2:132)]

والصبر مثل اسمه مر مذاقه  …  لكن عواقبه احلي من العسل

 

سابعا: ثق بحدوث الفرج من الله سبحانه و تعالى .. اذا رايت امرا لا تستطيع غيره، فاصبر و انتظر الفرج .. قال تعالى فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا [الشرح: 5,6].

ثامنا: استعن بالله و الجا اليه و اطلب منه المعونه .. و اساله ان يلهمك الصبر و الرضا بقضائه؛ كى يهون عليك البلاء و تنجح في الامتحان الذى يورثك الجنه ان شاء الله تعالى ..

فلابد من التوكل و الاستعانه كى تنال الصبر .. قال الله تعالى واصبر و ما صبرك الا بالله .. [النحل: 127].

تاسعا: انما الصبر عند الصدمه الاولي .. عن انس قال: مر النبى بامراه تبكى عند قبر، فقال “اتقى الله و اصبري”، قالت: اليك عني، فانك لم تصب بمصيبتي، و لم تعرفه فقيل لها انه النبى . فاتت باب النبى فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم اعرفك. فقال “انما الصبر عند الصدمه الاولى” [متفق عليه].

عاشرا: ترك التشكى .. فينبغى ان تحفظ لسانك عن الشكوي لاى احد، سوي الله عز و جل ..

بث شكواك الى مولاك، كما فعل نبى الله يعقوب عليه السلام عندما قال قال انما اشكو بثى و حزنى الى الله .. [يوسف: 86] .. و كان ميمون بن مهران يقول “ان الناس يعيرون و لا يغفرون، و الله يغفر و لا يعير” [سير اعلام النبلاء 9:81)].

لمن تشكو يا عبدالله .. هل تشكو الخالق للمخلوق ؟!

راي بعضهم رجلا يشكو الى اخر فاقه و ضروره فقال يا هذا تشكو من يرحمك الى من لا يرحمك .. ثم انشد

واذا اتتك مصيبه فاصبر لها … صبر الكريم فانه بك ارحم

واذا شكوت الى ابن ادم انما … تشكو الرحيم الى الذي لا يرحم

[مدارج السالكين 2:161)]

 

الحادى عشر: اياك و الغضب عند البلاء .. فان الغضب ينافى الصبر، قال تعالى فاصبر لحكم ربك و لا تكن كصاحب الحوت اذ نادي و هو مكظوم [القلم: 48]

الثانى عشر: لا تستعجل .. فوض امرك الى الله و خذ بالاسباب، و لا تستعجل فكل ياتى بقدر ..

عن خباب بن الارت قال: شكونا الى النبى و هو متوسد برده في ظل الكعبه و قد لقينا من المشركين شده فقلنا: الا تدعو الله؟، فقعد و هو محمر و جهه و قال “كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الارض فيجعل فيه، فيجاء بمنشار فيوضع فوق راسه فيشق باثنين فما يصده ذلك عن دينه، و الله ليتمن هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخاف الا الله او الذئب على غنمه و لكنكم تستعجلون” [رواه البخاري].

الثالث عشر: لا تياس و تستسلم لتثبيط الشيطان .. لا تياس مهما كانت شده البلاء، فانه دائما يبدا كبيرا ثم يتلاشي .. و قد قال الله تعالى .. و من يقنط من رحمه ربه الا الضالون [الحجر: 56].

الرابع عشر: التامل في قصص الصابرين .. فاي بلاء قد تتعرض له، فقد تعرض النبى لمحن و ابتلاءات اشد منه .. و كان خير الصابرين و الشاكرين و الحامدين .. فتامل في صبره و صبر الصالحين من قبله و بعده ..

يقول ابن القيم في الفوائد “يا مخنث العزم اين انت و الطريق .. طريق تعب فيه ادم، و ناح لاجله نوح، ورمى في النار الخليل، و اضجع للذبح اسماعيل، و بيع يوسف بثمن بخس، و لبث في السجن بضع سنين، و نشر بالمنشار زكريا، و ذبح السيد الحصور يحيى، و قاسي الضر ايوب، و زاد على المقدار بكاء داوود، و سار مع الوحش عيسى، و عالج الفقر و انواع الاذي محمد … و تزهي انت باللهو و اللعب؟!” [الفوائد 1:42)].

مسك الختام، قول الله تعالى تسليه لكل مبتلي .. لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم .. [النور: 11]

وقوله عز و جل .. و عسي ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسي ان تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و انتم لا تعلمون [البقرة: 216]

جعلنا الله واياكم من عباده الصابرين،،

290 views

الصبر على البلاء