يوم الخميس 12:46 صباحًا 21 مارس، 2019


بحث عن علم النفس كامل

بالصور بحث عن علم النفس كامل picture131

ما هو علم النفس؟

يبدو السؤال “ما هو علم النفس؟” اكثر ازعاجا بالنسبه لكل عالم نفس من السؤال “ما هى الفلسفة” بالنسبه لكل فيلسوف. لان مساله المعني و الماهيه بالنسبه للفلسفه تشكلها اكثر مما يعرفها جواب عن هذا السؤال. اما كون السؤال لا يكف عن اعاده الظهور، بسبب عدم وجود جواب مقنع و شاف، فهو، بالنسبه لمن يريد ان يعتبر نفسه فيلسوفا، سبب تواضع و ليس عله اذلال. و لكن، بالنسبه لعلم النفس، فان مساله ما هيته، او بشكل متواضع، مساله مفهومه، تطرح ايضا مساله الوجود ذاته لعالم النفس، و ذلك بالحد الذى عوض ان يجيب فيه بدقه عن من هو، فانه يصطدم بصعوبه الجواب عما يفعل، و عندئذ، فانه لا يمكنه ان يبحث الا في فعاليه قابله للاعتراض دوما عن تبرير اهميته كمتخصص، و هى اهميه قد لا تزعج بعضهم في ان يراها تولد لدي الفيلسوف عقده نقص.
وعندما نقول عن فعاليه عالم النفس بانها قابله للاعتراض و المناقشه فاننا لا نقصد بذلك انها و هميه و انما نريد ببساطه ان نلاحظ بان هذه الفعاليه هى بدون شك غير مؤسسه طالما لم يقم الدليل على انها ناتجه عن تطبيق علم معين، اي طالما ان وضع علم النفس ليس ثابتا بشكل يجبرنا على اعتبار انه اكثر و افضل من اختباريه سمجه مقننه ادبيا لغايات تعليمية. و الواقع اننا نخرج من كثير من الاعمال السيكولوجيه بانطباع انها تخلط بفلسفه عديمه الصرامه اخلاقيه بلا لزوم و اقتضاء و طبا بلا مراقبة. فلسفه بلا صرامه لانها انتقائيه تحت ذريعه الموضوعيه و اخلاقيه بلا لزوم لانها تجمع بين تجارب سلوكيه هى نفسها خاليه من النقد، تجربه المعترف و المربى و الرئيس و القاضي…الخ، و طب بلا مراقبه لان من بين الانواع الثلاثه من الامراض الاكثر غموضا و الاقل قابليه للعلاج: امراض الجلد، و امراض الاعصاب، و الامراض العقليه و فرت دراسه النوعين الاخيرين دائما لعلم النفس ملاحظات و فرضيات.
واذن، يمكن ان يبدو باننا عندما نطرح سؤال “ما هو علم النفس؟” فاننا انما نطرح سؤالا ليس تافها و لا غير ذى اهمية.
لزمن طويل، كان البحث يتم عن الوحده المميزه لمفهوم علم ما في اتجاه موضوعه. فالموضوع كان يملى المنهج المستخدم لدراسه خصائصه. غير ان الامر كان، في العمق، حصر العلم في التحقيق في معطى، في استكشاف ميدان معين. و لكن عندما ظهر بان كل علم انما يمنح ذاته معطاه ان قليلا او كثيرا، و يتملك، بذلك ما يدعي ميدانه، فان مفهوم علم ما انشد تدريجيا الى منهجه اكثر من موضوعه. او بكيفيه ادق، تلقت العباره “موضوع العلم” معنى جديدا. فموضوع العلم لم يعد فقط هو الميدان المميز للمشكلات التى ينبغى ان تحل، و العوائق التى يجب ان تتجاوز، بل صار ايضا هو نيه و هدف ذات العلم؛ فالمشروع المميز هو الذى يشكل و عيا نظريا من حيث هو كذلك.
فعن السؤال “ما هو علم النفس؟”، يمكن الاجابه بابراز ميدانه رغم تعدد المشروعات المنهجية. و الى هذا النوع ينتمى مثلا الجواب الذى تقدم به دانيال لاغاش Daniel Lagache عام 1947 عن سؤال طرحه عام 1936 ادوار كلاباريد Edouard Claparède)([1]). ان و حده علم النفس يبحث عنها هنا في التعريف الممكن لعلم النفس كنظريه عامه في السلوك، و هى تركيب بين علم النفس التجريبى و علم النفس العيادى و التحليل النفسى و علم النفس الاجتماعى و الاثنولوجيا…
ومع ذلك، فبامعان النظر قليلا يمكن القول، ربما، بان هذه الوحده تشبه ميثاق تعايش سلمى موقع بين مختصين اكثر مما تشبه ما هيه منطقيه تحصلت بالكشف عن ثابت في تنوع حالات متعددة. فمن الاتجاهين اللذين يبحث لاغاش عن اقامه اتفاق متين بينهما: الاتجاه الطبيعى علم النفس التجريبي و الاتجاه الانسانوى علم النفس العيادي)، لدينا انطباع بان الثانى يبدو له بانه اكثر اهمية. و لعل هذا ما يفسر من دون شك غياب علم النفس الحيوانى في هذا الاستعراض لاطراف النزاع. صحيح ان علم النفس الحيوانى متضمن في علم النفس التجريبى الذى هو في جزء كبير منه علم نفس حيواني-، و لكنه محبوس فيه كماده يطبق عليها المنهج. و بالفعل فانه لا يمكن ان يقال عن علم للنفس بانه تجريبى الا اعتبارا لمنهجه، و ليس بسبب موضوعه. بينما، و خلافا للمظاهر، فان بموضوعه اكثر من منهجه يمكن ان يقال عن علم للنفس بانه عيادي، تحليلى نفسي، اجتماعى او اثنولوجي. و كل هذه الصفات هى مؤشرات على نفس الموضوع الواحد للدراسة: الذى هو الانسان، الثرثار او السكوت، الكائن الاجتماعى الاليف او اللاجتماعي. و حالئذ، هل يمكن الحديث بدقه عن نظريه “عامة” في السلوك طالما لم يتم حل مساله معرفه هل هناك اتصال ام انقطاع بين اللغه البشريه و اللغه الحيوانيه بين المجتمع البشرى و المجتمع الحيواني من الممكن الا تكون الفلسفه حول هذه النقطه هى التى عليها ان تقرر، و انما العلم، و بالاحري علوم عديده بما فيها علم النفس. و لكن علم النفس لا يمكنه، ليعرف ذاته، ان يستبق ما هو مدعو للحكم عليه. لانه بدون ذلك، فانه من الحتمي، عندما يقدم ذاته كنظريه عامه في السلوك، ان يتبني فكره ما عن الانسان. و عندئذ، فانه يجب السماح للفلسفه بان تسال علم النفس عن المصدر الذى ياتى منه بهذه الفكره و عما اذا كان لا يستعيرها، في العمق، من فلسفه معينة.
اننى اود، لاننى لست عالم نفس، ان اقارب المساله الاساسيه التى يطرحها طريق مغاير، اي البحث عما اذا كانت و حده مشروع ام لا هى التى قد يمكنها ان تمنح و حدتها المحتمله لمختلف انواع العلوم المسماه سيكولوجية. و لكن الطريق الذى اخترناه لهذا البحث يستلزم عوده الى الوراء. فالبحث عن في ماذا تغطى ميادين بعضها البعض يمكن ان يتم باستكشافها المستقل و بمقارنتها في الحاضر(…). و البحث عما اذا كانت مشروعات تلتقى فيما بينها يتطلب ابراز معنى كل واحد منها، ليس عندما ضاع في اليه التنفيذ، و انما حين انبثق من الوضع الذى اثاره، و هكذا، فان البحث عن جوانب للسؤال “ما هو علم النفس؟” يصبح، بالنسبه الينا، و اجب رسم الخطوط العريضه لتاريخ علم النفس؛ و لكن منظورا اليه، بالطبع، في توجهاته و بالعلاقه مع تاريخ الفلسفه و تاريخ العلوم؛ تاريخ غائى بالضروره لانه معين لنقل، حتى السؤال المطروح، المعني الاصلى المفترض لمختلف الدراسات و المناهج و المشاريع التى يبرر تنافرها الراهن هذا السؤال.
I علم النفس كعلم طبيعي:

انه لمن الغريب، و علم النفس يعنى اشتقاقيا علما بالنفس، ان يكون علم للنفس غائبا تماما، في الفكر و الواقع، من المنظومات الفلسفيه القديمه على الرغم من ان “النفس” Psyché كانت تتصور فيها ككائن طبيعي. فالدراسات المتعلقه بالنفس كانت، في تلك المنظومات، تتوزع بين الميتافيزيقا و المنطق و الفيزياء. و مطول ارسطو في النفس هو في الواقع كتاب في البيولوجيا العامه و واحد من المكتوبات المخصصه للفيزياء. فبعد ارسطو، و حسب تقاليد المدرسه كانت دروس الفلسفه لا تزال حتى بدايه القرن السابع عشر، تتحدث عن النفس ضمن فصل من فصول الفيزياء. و لقد كان موضوع الفيزياء هو الجسم الطبيعى و المنظم الذى يتضمن الحياه بالقوة. و لذلك كانت الفيزياء تعالج النفس كشكل للجسم الحى و ليس كماهيه منفصله عن المادة. و من و جهه النظر هذه، فان دراسه لاعضاء المعرفه اي للحواس الخارجيه الخمسه المعروفة و للحواس الداخليه الحس المشترك، الذاكره الخيال لا تختلف في شيء عن دراسه اعضاء التنفس او الهضم. فالنفس موضوع طبيعى للدراسه و شكل في تراتب الاشكال، حتى و لو كانت و ظيفتها الاساسيه هى معرفه الماهيات. و من ثم، فعلم النفس هو منطقه من مناطق الفيزيولوجيا، بمعناها الاصلى و الكونى كنظريه في الطبيعة.
فالي هذا التصور القديم يعود، بدون قطيعه جانب من علم النفس الحديث: فيزيولوجيا الجهاز العصبى متصوره كسيكولوجيا للجهاز العصبى حصرا ولكن اليوم ايضا كسيكولوجيا لعلم الغدد الصم) و علم النفس المرضى كدراسه طبية. و تحت هذه العلاقه فانه لا يبدو عديم الجدوي التذكير بانه و قعت قبل الثورتين الكبيرتين اللتين سمحتا بازدهار الفيزيولوجيا الحديثه ثوره هارفى W.Harvey و ثوره لافوازييه Lavoisier)، ثوره ليست باقل اهميه من نظريه الدوره الدمويه او نظريه التنفس على يد غالينوس Galien حينما اقام عياديا و تجريبيا، بعد اطباء مدرسه الاسكندريه هيروفيل Hérophile و اراسيسترات Erasistrate)، ضد المذهب الارسطى و طبقا لارهاصات الكميون Alcméon و ابو قراط Hippocrate و افلاطون، بان الدماغ و ليس القلب هو عضو الاحساس و الحركه و انه مكان النفس. و لقد اسس غالينوس حقا انتسابيه متواصله من الابحاث، استمرت لقرون، يكمن محورها الجوهرى في نظريه الانفاس الحيوانية؛ تلاشت و استبدلت في نهايه القرن 18 بالكهرباء العصبية. و على الرغم من انه تعددى في تصوره للعلائق بين الوظائف النفسيه و الاعضاء الدماغيه فان غال Gall ينحدر مباشره من غالينوس و يهيمن، رغم غراباته، على كل الابحاث حول التموضعات الدماغيه اثناء الستين سنةالاولي من القرن 19، اي الى حدود بروكا Broca). و اجمالا، فان علم النفس اليوم، كعلم نفس فيزيولوجى و كعلم نفس مرضي، يعود دوما الى القرن الثاني.
II علم النفس كعلم للذاتية:

يسجل انهيار الفيزياء الارسطيه في القرن 17 نهايه علم النفس كفيزياء موازيه كعلم موضوع طبيعي؛ و بالترابط مع ذلك يسجل ميلاد علم النفس كعلم للذاتية. ان المسؤولين الحقيقيين عن حدث قيام علم النفس الحديث، علم بالذات المفكره هم الفيزيائيون الميكانيكيون الاليون للقرن 17([2]).
فاذا كان و اقع العالم لم يعد يختلط بمضمون الادراك، و اذا كان الواقع يتحصل و يطرح باسقاط اوهام التجربه الحسيه المعتاده فان الفضاله الكيفيه لهذه التجربه من حيث ان بامكانها ان تقوم كدحض للواقع، تلزم المسؤوليه الخاصه بالفكر، اي بذات التجربه من حيث انها لا تتطابق مع العقل الرياضى و الالي، الذى هو اداه الحقيقه و مقياس الواقع.
غير ان هذه المسؤوليه هي، في نظر الفيزيائي، اثم، من هنا تشكل علم النفس كمهمه لتبرئه الفكر. فمشروعه هو مشروع علم يفسر، امام الفيزياء، لماذا هو الفكر مضطر بالطبيعه لخداع العقل بالعلاقه مع الواقع. اذن، فان علم النفس يقدم ذاته هنا كفيزياء للحس الخارجي، و ذلك لابراز المغالطات التى تتهم بها الفيزياء الميكانيكيه ممارسه الحواس في و ظيفه المعرفة.
ا فيزياء الحس الخارجي:
يبدا علم النفس اذن، بما هو علم للذاتيه كعلم نفس فيزيائي. و ذلك لسببين: الاول انه لا يمكنه ان يكون اقل من فيزياء حتى ياخذ ما خذ الجد من لدن الفيزيائيين. و الثانى ان عليه ان يبحث في طبيعه اي في بنيه الجسد البشري، عن سبب وجود البقايا اللاواقعيه للتجربه الانسانية.
ولكن ليست هذه، مع ذلك، عوده الى التصور القديم عن علم النفس كجزء من الفيزياء. فالفيزياء الجديده حساب، و علم النفس ينزع الى تقليدها. انه سيبحث في تحديد ثوابت كميه للاحساس و تحديد العلاقات بين هذه الثوابت.
ولعل ديكارت و ما لبرانش يتعينان في المقدمة. ففى القواعد من اجل توجيه الفكر(XII)، يقترح ديكارت اختزال الاختلافات الكيفيه بين المعطيات الحسيه الى اختلاف في الاشكال الهندسية. و الامر يتعلق هنا بالمعطيات الحسيه من حيث انها، بالمعني الدقيق، اخبارات لجسم من طرف اجسام اخرى؛ فما تخبر عنه الحواس الخارجيه هو حس داخلى “التخيل الذى ليس شيئا اخر غير جسم و اقعى و ممثل”. و في القاعده XIV يتحدث ديكارت صراحه عما سيسميه كانط بالمقدار التكثيفى للاحساسات نقد العقل الخالص، التحليليه المتعاليه استباق الادراك): فالمقارنات بين الاضواء و الاصوات…الخ، لا يمكنها ان تتحول الى علائق دقيقه الا بالمماثله مع امتداد الجسم الممثل. و اذا اضفنا الى ذلك ان ديكارت، اذا لم يكن، بالمعني الدقيق، هو مخترع لفظ و مفهوم الارتكاس، فانه اكد مع ذلك على ثبات العلاقه بين الاثاره و رد الفعل، فاننا نري بان علما للنفس، مفهوما كفيزياء رياضيه للحس الخارجى انما يبدا معه لينتهى الى فيخنر Fechner)، بفضل مساعده الفيزيولوجيين كهرمان هلمهولتز Hermann Helmholtz على الرغم و ضد التحفظات الكانطية…
بعد ذلك، و سع فونت Wundt هذا النوع من علم النفس ليصير علم نفس تجريبى يسنده في اعماله الامل في ان يظهر، في قوانين و قائع الشعور، حتميه تحليليه من نفس صنف تلك التى تبعث الميكانيكا و الفيزياء الامل في صلاحيتها الكونيه بالنسبه لكل علم ايا كان.
لقد توفى فيخنر عام 1887، سنتين قبل رساله برغسون دراسه في المعطيات المباشره للشعور(1889)، و توفى فونت سنه 1920 بعدما كون كثيرا من الاتباع لازال بعضهم على قيد الحياه و بعدما شهد الهجومات الاولي لعلماء نفس الشكل ضد الفيزياء التحليليه التجريبيه و الرياضيه معا، للحس الخارجي…
ب علم الحس الداخلي:
غير ان علم الذاتيه لا يقتصر على بلوره فيزياء للحس الخارجي، و انما يقترح و يقدم ذاته ايضا كعلم للشعور بالذات، او علم الحس الداخلي. فالي القرن 18 تعود نشاه لفظ علم النفس بمعني علم الانا فولف Wolff)، و لعل كل تاريخ هذا العلم يمكن ان يكتب كتاريخ للتفسيرات المعكوسه التى كانت تاملات ديكارت مناسبتها، دون ان تتحمل مسؤوليتها.
عندما ينظر ديكارت، في بدايه “التامل الثالث”، في “داخله” من اجل ان يصير اكثر معرفه بنفسه او اكثر الفه معها، فان هذا النظر انما يستهدف الفكر. فالداخل الديكارتي، اي الشعور بالانا المفكر، هو المعرفه المباشره التى للنفس عن ذاتها من حيث هى فهم خالص. و التاملات يسميها ديكارت “ميتافيزيقية” لانها تزعم التوصل راسا الى معرفه طبيعه و ما هيه ال”انا افكر” في الادراك المباشر لوجوده. فالتامل الديكارتى ليس مساراه شخصيه و التفكير الذى يمنح لمعرفه الانا صرامه و موضوعيه الرياضيات ليس تلك الملاحظه للذات التى لم يخش روحانيو بدايه القرن 18 ان ينسبوها لسقراط حتى يستطيع بيير-بول رويي كولار Pierre-Paul Royer-Collard ان يطمئن نابليون الاول بان “اعرف نفسك” و ”الكوجيتو” و ”الاستبطان” انما توفر للعرش و للكنيسه معا اساسهما الحصين.
الا ان لا شيء يجمع بين الداخل الديكارتى و الحس الداخلى للارسطيين “الذى يتصور موضوعاته داخليا و في داخل الراس”، و الذى راينا ان ديكارت يعتبره جانبا من الجسم ق XIII). لذلك يقول ديكارت بان النفس تعرف ذاتها مباشره و بكيفيه اسهل من الجسد. و هذا تاكيد تجهل في غالب الاحيان نيته السجاليه الصريحه لان النفس، حسب الارسطيين، لا تعرف ذاتها بكيفيه مباشرة. “ان معرفه النفس لا تتم مباشره ابدا، و انما بالتفكير، لان النفس شبيهه بالعين التى تري كل شيء و لا يمكنها ان تري ذاتها الا بالانعكاس كما في مراة.. و بالمثل، فان النفس لا ترى، و لا تعرف ذاتها الا بالتفكير و التعرف على اثارها”([3]). و هذه اطروحه تثير سخط ديكارت، عندما يستخدمها كاسندى Gassendi في اعتراضاته على “التامل الثالث”، و التى يجيب عليها قائلا: “ليست العين هى التى تري نفسها، و لا المرأة و انما الفكر الذى و حده يعرف المرأة و العين و ذاته في نفس الوقت”.
الا ان هذا الرد الحاسم لم يقض على هذه الحجه المدرسيه السكولائية)، فمين دوبيرون(Maine de Biran يستعيدها مره اخري ضد ديكارت في كتابه بحث في تفكيك الفكر، و اوغست كونت يثيرها ضد امكانيه الاستبطان اي ضد هذه الطريقه في معرفه الذات التى يستعيرها بيير-بول رويى كولار من ريد Reid ليجعل من علم النفس التمهيد العلمى للميتافيزيقا، مبررا بالنهج التجريبى الاطروحات التقليديه للماهويه الروحية([4]). بل ان كورنو Cournot نفسه، بنفاذ بصيرته، لا يستهين باستعاده الحجه اياها لدعم فكره ان الملاحظه النفسيه تتعلق اكثر بسلوك الاخر من انا الملاحظ، وان علم النفس ينتمى الى الحكمه اكثر من العلم وان “من طبيعه الوقائع النفسيه ان تترجم الى حكم بدل مبرهنات”([5]).
والواقع انه تم تجاهل تعاليم ديكارت، ضده بتشكيل علم اختبارى للنفس كتاريخ طبيعى للانا من لوك الى ريبو Ribot عبر كوندياك و الايديولوجيين الفرنسيين و النفعيين الانجليز و انطلاقا منه، كما اعتقد بتشكيل علم نفس عقلانى مؤسس على حدس انا ما هوي.
ولعل كانط يحتفظ حتى اليوم بمجد انه اثبت بانه اذا كان و ولف قد سمي هؤلاء المواليد بالما بعد ديكارتيين(…)، فانه لم يفلح مع ذلك في تاسيس طموحاتهم الى المشروعية. فكانط يبين، من جهه بان الحس الداخلى الظواهرى ليس الا شكلا من الحدس التجريبي، و بانه ينزع الى الاختلاط مع الزمان؛ و من جهه اخرى، بان الانا، ذات كل حكم للادراك المتميز، هو و ظيفه تنظيم للتجربه و لكن لا يمكنه ان يكون موضوع علم لانه يشكل الشرط المتعالى لكل علم. لذلك ترفض المبادئ الميتافيزيقيه الاولي لعلم الطبيعه 1786 لعلم النفس مدي وصلاحيه العلم، سواء على شاكله الرياضيات او على صوره الفيزياء. فليس هناك علم رياضى للنفس ممكن، بالمعني الذى توجد به فيزياء رياضية. و حتى لو طبقنا على تغييرات الحس الداخلي، بمقتضي استباق الادراك المتعلق بالمقادير التكثيفيه رياضيات الاتصال، فاننا لن نحصل على اي شيء مهم اكثر مما قد تكونه هندسه تقتصر على دراسه خصائص الخط المستقيم. و بالمثل، فليس هناك علم تجريبى بالمعني الذى تتشكل به الكيمياء باستعمال التحليل و التركيب. و اذن، فانه لا يمكننا، لا على انفسنا و لا على غيرنا، ان نقيم تجارب. اما الملاحظه الداخليه فانها تفسد موضوعها. و السعى الى مباغته الذات في ملاحظه ذاتها قد يقود الى الاستيلاب. لذلك، فان علم النفس لا يمكنه ان يكون سوي وصفيا، و مكانه الحقيقى هو داخل “انثروبولوجيا” كتمهيد لنظريه في المهاره و الحذر، تتوجها نظريه في الحكمة.
ج علم الحس الباطني:
اذا اسمينا علم النفس الكلاسيكى ذلك الذى ننوى دحضه، فانه يجب القول بان هناك دوما في علم النفس كلاسيكيا بالنسبه لاحد ما . فالايديولوجيون، الذين هو و رثه الحسيين، كانوا يعتبرون على انه كلاسيكيى علم النفس الاسكتلندى الذى لم يكن ينادى مثلهم بالمنهج الاستقرائى الا من اجل التاكيد، ضدهم، على ما هويه الفكر. بيد ان علم النفس الذرى و التحليلى للحسيين و الايديولوجيين كان، قبل ان يرفضه منظورا نظريه الشكل كعلم نفس كلاسيكي، قد نظر اليه النظره نفسها من قبل عالم نفس رومانسى كمين دوبيرون. فمعه و به صار علم النفس تقنيه المذكرات الخاصه و علم الحس الباطني. لقد كانت عزله ديكارت تزهد عالم رياضي، اما عزله مين دوبيرون فهى فراغ مساعد. و اذا كان “الانا افكر” الديكارتى يؤسس الفكر في ذاته، فان ال”انا اريد” البيرونى يؤسس الوعى للذات ضد الخارجية. ففى مكتبه الملبد، يكتشف مين دوبيرون بان التحليل النفسى لا يتعلق بالتبسيط و انما بالتعقيد، وان الواقعه النفسيه الاولي ليست عنصرا و انما علاقه وان هذه العلاقه تعاش في الجهد. و هكذا يتوصل الى نتيجتين غير متوقعتين بالنسبه لرجل يمارس وظائف السلطه اي وظائف الحكم و القيادة: الاولي ان الشعور يتطلب صراع سلطه و مقاومه و الثانيه ان الانسان ليس(… ذكاء تخدمه اعضاء و انما تنظيما حيا يخدمه ذكاء. فمن الضرورى بالنسبه للنفس ان تكون مجسدة.واذن، فليس هناك علم للنفس بدون بيولوجيا.
وملاحظه الذات لا تغنى عن اللجوء الى فيزيولوجيه الحركه الاراديه و الى مرضيه الانفعالية. ان وضع مين دوبيرون فريد بين اثنين من رويى كولار: فلقد تحاور مع المذهبى و خضع لحكم الطبيب العقلي. اننا نتوفر من مين دوبيرون على كتاب يسمي فسحه مع السيد رويى كولار في حدائق اللوكسنبورغ، و من انطوان اتاناز رويى كولار Antoine-Athanase Royer-Collard)، و هو الاخ الاصغر للاول على فحص لمذهب مين دوبيرون، و لو لم يقرا مين دوبيرون ويناقش كابنيس Cabanis العلاقات بين المادى و المعنوى عند الانسان، 1792)، و لم يقرا ويناقش بيشا Xavier Bichat ابحاث حول الحياه و الموت، 1800)، لكان تاريخ علم النفس المرضى سيتجاهله، الشيء الذى لا يمكنه ان يفعله. فرويي-كولار الثانى هو، بعد بينل Pinel و مع اسكيرول Esquirol احد مؤسسى المدرسه الفرنسيه للطب العقلي. لقد كان بينل يدافع عن فكره ان المختلين عقليا هم مرضي كباقى المرضي الاخرين، لا ممسوسين و لا مجرمين، و هم مختلفون عن الاخرين في نفس الوقت، اي يجب ان يعالجوا في استقلال عن الاخرين و في استقلال حسب الحالات في مراكز استشفائيه متخصصة. لقد اسس بينل الطب العقلى كعلم مستقل انطلاقا من العزل العلاجى للمختلين في بيساتر Bicêtre و لا سالبيتريير Salpêtrière)، و قلده رويي-كولار في “الدار الوطنيه لشرونتون” Maison Nationale de charenton التى صار طبيبا رئيسيا لها عام 1805، العام نفسه الذى ناقش فيه اسكيرول اطروحته في الطب حول الاهواء و الانفعالات كاسباب و اعراض و وسائل علاجيه للاختلال العقلي. و في سنه 1816 اصبح رويى كولار استاذا للطب الشرعى في كليه الطب بباريس، ثم في سنه 1821 استاذ كرسى الطب العقلي… و في لا سالبيتريير اصبح شاركو Charcot)، بعد بنيل و اسكيرول… سنه 1862 رئيس القسم الذى سيتابع اعماله ريبو و بيير جانيت Pierre Janet و سيغموند فرويد.
لقد راينا علم النفس المرضى يبدا ايجابيا مع غالينوس، و ها نحن نراه ينتهى الى فرويد، الذى ابتكر سنه 1896 لفظ “التحليل النفسي”. ان علم النفس المرضى لم يتطور بدون علاقه مع الدراسات النفسيه الاخرى. و على اثر ابحاث مين دوبيرون، فانه يرغم الفلسفه على التساؤل، منذ اكثر من قرن من الزمان، عن من اي واحد من رويى كولار الاثنين يجب ان تستعير الفكره التى عليها ان تكونها عن علم النفس. و هكذا يكون علم النفس المرضى في الان معا قاض و طرف في النزاع اللامنقطع الذى فوضت الميتافيزيقا ادارته لعلم النفس، دون ان تتخلي مع ذلك عن ان تقول كلمتها فيه، حول علائق الجسدى بالنفسي، و هى علاقه صيغت طويلا كجسدية-نفسيه قبل ان تصير نفسية-جسديه و لعل هذا القلب هو نفسه الذى حدث في الدلاله التى منحت للاشعور. فاذا فكرنا بان النفسى يمكنه ان يكون لاشعوريا، فان علم النفس لا يمكنه ان يختزل الى علم الشعور. ان النفسى لم يعد فقط ما هو مختلف، و انما ما يختفى و ما نخفى انه لم يعد فقط الباطني، و لكن ايضا حسب لفظ استعاره بوسويى Boussuet من المتصوفة السحيق الذى لا قعر له. و هكذا، لم يعد علم النفس علم الباطنيه و حسب، و انما صار كذلك علم اعماق النفس.
III علم النفس كعلم للاستجابه و السلوك:

باقتراحه تعريف الانسان كتنظيم حى يخدمه ذكاء، رسم مين دوبيرون مسبقا(… الحقل الذى سيتشكل فيه علم للنفس جديد في القرن 19. و لكنه عين له في نفس الوقت حدوده لانه وضع في “انثروبولوجياه” الحياه البشريه بين الحياه الحيوانيه و الحياه الروحية.
ولقد شهد القرن 19، بجانب علم النفس كمرضيه عصبيه و عقليه كفيزياء للحس الخارجي، كعلم للحس الداخلى و للحس الباطني، قيام بيولوجيا للسلوك البشري. و يبدو لنا ان اسباب هذا الحدث هى كالتالي: اولا اسباب علميه تتمثل في تكون بيولوجيا كنظريه عامه في العلاقات بين العضويات الحيه و الاوساط، و التى تسجل نهايه الاعتقاد بوجود مجال بشرى منفصل و متميز؛ ثانيا اسباب تقنيه و اقتصاديه تكمن في تطور نظام صناعى يشد الانتباه الى الطابع الصناعى و المهارى للنوع البشري، و الذى يسجل نهايه الاعتقاد في تعالى و تبجيل التفكير التاملي؛ و اخيرا اسباب سياسيه تتلخص في نهايه الاعتقاد بقيم الامتياز الاجتماعى و في انتشار المساواتية: فالتجنيد و التعليم العمومى اللذان اصبحا شانا من شؤون الدوله و المطالبه بالمساواه امام الاعباء العسكريه و الوظائف المدنيه فلكل واحد حسب عمله، او اثاره، او جداراته هى الاساس الواقعي، و لو انه لا يدرك في معظم الاحيان، لظاهره خاصه بالمجتمعات الحديثه اي الممارسه المعممه للخبره المتخصصه بالمعني الواسع، كتحديد للكفاءه و كشف عن التظاهر و التصنع.
غير ان ما يميز، في نظرنا، علم نفس السلوكات هذا، بالعلاقه مع الانواع الاخري من الدراسات السيكولوجيه هو عجزه الجوهرى عن ادراك و اظهار مشروعه المؤسس له بكامل الوضوح. فاذا كانت من بين المشاريع المؤسسه لبعض الانواع السابقه من علم النفس، مشاريع يمكن اعتبارها تصورات فلسفيه معكوسه فان هنا، بالمقابل، و كل علاقه بايه نظريه فلسفيه مرفوضه تطرح مساله معرفه من اين يمكن لمثل هذا البحث السيكولوجى ان يستمد معناه. فبقبولها ان تصير علما موضوعيا بالكفاءات و ردود الافعال و السلوكات، تنسي هذه السيكولوجيا و هؤلاء السيكولوجيون كليا ان يحددوا سلوكهم الخاص بالعلاقه مع الظروف التاريخيه و الاوساط الاجتماعيه التى هم مدعوون فيها الى اقتراح مناهجهم او تقنياتهم و الى جعل خدماتهم مقبولة.
لقد كتب نيتشه، و هو يلخص نفسيه عالم النفس في القرن 19، يقول: “اننا نحن، علماء نفس المستقبل(…)، نعتبر الاداه التى تريد ان تعرف ذاتها. كعلامه على انحطاط النوع تقريبا. فنحن ادوات المعرفه و نود ان تكون لنا كل سذاجه و دقه الاداه و اذن يجب علينا الا نحلل انفسنا، وان نعرف انفسنا”([6]). فيا له من سوء فهم مدهش، و كم هو كاشف فعلم النفس لا يريد ان يكون الا اداه و لكن دون ان يبحث عن معرفه لمن هو اداه او لماذا.
غير ان نيتشه كان قد بدا اكثر نباهه في بدايه جينيالوجيا الاخلاق، عندما انكب على اللغز الذى يمثله السيكولوجيون الانجليز، اي النفعيون، اللذين انشغلوا بنشاه العواطف الاخلاقية. و لقد كان يتساءل عما دفع علماء النفس في اتجاه الاستخفاف، في تفسير السلوكات البشريه بالمصلحه و المنفعه و بنسيان هذه الدوافع الاساسية. و هاهو نيتشه، امام تصرف سيكولوجيى القرن 19، يتخلي عن كل ازدراء مؤقتا، اي عن كل جلاء و وضوح!
ان فكره المنفعه كمبدا لعلم النفس، تعود الى الوعى الفلسفى بالطبيعه البشريه كقوه حيله و صناعه هيوم، بيرك Burke))، او بكيفيه اكثر ابتذالا الى تعريف الانسان كصانع للادوات الموسوعيون، ادم سميت…). بيد ان علم النفس البيولوجى للسلوك لا يظهر بانه قد تمكن من التخلص، بنفس الشكل، من و عى فلسفى صريح، بدون شك لانه لا يمكنه ان يشتغل الا اذا ظل غير معبر عنه. ان هذا المبدا هو تعريف الانسان نفسه كاداة. فبعد النفعيه المتضمنه لفكره المنفعه بالنسبه للانسان، و لفكره الانسان كحكم على المنفعه اتت الاداتيه المتضمنه لفكره منفعه الانسان و فكره الانسان كوسيله للمنفعة. و الذكاء لم يعد هو ما يخلق الاعضاء و يخدمها، و انما صار هو ما يخدم الاعضاء. و لعله ليس بلا عاقبه ان الاصول التاريخيه لعلم نفس الاستجابه ينبغى ان يتم البحث عنها في الاعمال التى اثارها اكتشاف المعادله الشخصيه الخاصه بالفلكيين المستخدمين للمنظار ماسكيلين Maskelyne، 1796). فلقد تمت دراسه الانسان اولا كاداه للاداه العلميه قبل ان يدرس كاداه لكل اداة.
فالابحاث حول قوانين التكيف و التعلم، و حول علاقه التعلم بالمهارات، و حول الكشف عن القدرات و قياسها، و حول شروط المردوديه و الانتاجيه سواء تعلق الامر بالافراد او بالجماعات وهى ابحاث لا تنفصل عن تطبيقاتها على الانتقاء او التوجيه تقبل بمسلمه ضمنيه مشتركة: تتمثل في ان طبيعه الانسان هى ان يكون اداه وان قدره هو ان يوضع في مكانه، و في دوره و مهمته.
وبطبيعه الحال، فان لنيتشه الحق في القول بان علماء النفس يريدون ان يكونوا “الادوات الساذجه و الدقيقة” لهذه الدراسه عن الانسان. فلقد اجتهدوا للوصول الى معرفه موضوعيه حتى و لو كانت الحتميه التى يبحثون عنها في السلوكات لم تعد اليوم هى الحتميه على الشاكله النيوتونيه التى كانت ما لوفه لدي اوائل فيزيائيى القرن 19، و انما بالاحري حتميه احصائيه اقاموها تدريجيا على نتائج قياس ديمومه الحياة. و لكن ما هو معنى هذه الاداتية ما الذى يدفع او يغرى علماء النفس بان يجعلوا من انفسهم، من بين الناس، ادوات طموح للتعامل مع الانسان كاداة؟
فى الانواع الاخري من علم النفس، تشكل النفس او الذات، الشكل الطبيعى او الشعور بالداخليه المبدا الذى يطرح لتبرير فكره معينه عن الانسان قيميا بالعلاقه مع حقيقه الاشياء. و لكن، بالنسبه لعلم نفس تنفر فيه كلمه نفس، و تضحك فيه كلمه شعور، فان حقيقه الانسان تعطي في كون انه لم تعد هناك فكره عن الانسان بما هى قيمه مختلفه عن قيمه الاداة. و الحال انه يجب الاعتراف بانه لكى يتعلق الامر بفكره اداه فانه ينبغى الا توضع كل فكره في مستوي الاداه و انه لمنح قيمه ما الى اداه فانه يجب بالذات الا تكون كل قيمه هى قيمه اداه تتعلق قيمتها التابعه بتوفير قيمه اخرى. و اذن، فاذا كان عالم النفس لا يستمد مشروع علمه من فكره عن الانسان، فهل يعتقد ان بامكانه ان يجد له مشروعيته بسلوكه لاستعمال الانسان اننا نقول: بسلوكه لاستعمال، رغم اعتراضين ممكنين. و بالفعل، يمكن ان يلاحظ علينا من جهه بان هذا الصنف من علم النفس لا يجعل التمييز بين النظريه و التطبيق، و من جهه اخري بان الاستعمال ليس من صنيع عالم النفس، و انما من صنيع الذى يطلب منه او اولئك الذين يطلبون منه تقارير او تشخيصات مرضية. و نحن نجيب على ذلك بانه، عدا الخلط بين منظر علم النفس و استاذ علم النفس، يجب الاعتراف بان عالم النفس المعاصر هو، في غالب الاحيان، ممارس محترف يقوم “علمه” كله على البحث عن “قوانين” للتكيف مع و سط اجتماعى تقني و ليس مع و سط طبيعى مما يمنح دوما لعملياته في “القياس” دلاله تقدير و مدي خبرة. بحيث ان سلوك عالم نفس السلوك البشرى يتضمن اجباريا اقتناعا بالتفوق، و وعيا موجها راضيا، و عقليه مدير تسيير لعلاقه الانسان بالانسان. و لهذا السبب، يجب ان ناتى الى السؤال الوقح: ما الذى يعين علماء النفس كادوات للادواتية في ماذا و بماذا نتعرف، من بين الناس، على اولئك الذين يستحقون ان يعينوا للانسان-الاداه دوره و وظيفته و من يوجه الموجهين؟
اننا لا نضع انفسنا، بطبيعه الحال، في حقل القدرات التقنية. فان يكون ثمه نفسانيون جيدون او رديئون، اي تقنيون مهره بعد التعلم او اشرارا بغباوه لم يعاقب عليها القانون، فليست هذه هى المسالة. اما المساله فهى ان علما او تقنيه علميه لا يحتويان بذاتهما على ايه فكره تمنحهما معناهما. ففى كتابه مدخل الى علم النفس ما رس بول غيوم Paul Guillaume سيكولوجيه الانسان الخاضع لامتحان الاختبار. و لقد قام المختبر ضد هذا البحث لانه خشى من ان فعلا ما يمارس عليه. و لقد راى غيوم في هذا الموقف اعترافا ضمنيا بفعاليه الاختبار. و لكن يمكننا ان نري فيه ايضا البدايات الجنينيه لنفسيه المختبر. فاعتراض المختبر هو الاشمئزاز من ان يري نفسه و هو يتعامل معه كحشره من طرف انسان لا يعترف بايه سلطه تقول له من هو و ماذا عليه ان يفعل. “التعامل مع الانسان كحشرة”، ان العباره لستاندال Sthendal الذى يستعيرها من كوفيى G.Cuvier). و ماذا لو تعاملنا مع عالم النفس كحشره و اذا طبقنا توصيه ستاندال، مثلا، على كينسى Kinsey الكئيب التافه؟
وبتعبير اخر، فان سيكولوجيه الاستجابه و السلوك اعتقدت، في القرن 19 و القرن 20، بانها تمكنت من ان تصير مستقله بالانفصال عن كل فلسفه اي عن التامل الذى يبحث عن فكره للانسان بالنظر فيما و راء المعطيات البيولوجيه و السوسيولوجية. غير ان هذه السيكولوجيا لا يمكنها ان تتجنب انعكاس نتائجها على سلوك اولئك الذين يحصلون عليها.
ولذلك، فان السؤال “ما هو علم النفس؟” سيصبح، بالحد الذى يحرم فيه على الفلسفه ان تبحث له عن جواب، “الي اي شيء يريد ان يصل علماء النفس عندما يفعلون ما يفعلون و باسم ماذا نصبوا انفسهم علماء للنفس؟”(… فللانتقاء منتق، ينبغى عاده تجاوز صعيد الاجراءات التقنيه للانتقاء. و في السيكولوجيا العلميه يبقي السؤال مطروحا: فمن له، ليس الكفاءه و انما مهمه ان يكون عالم نفس ان علم النفس ينهض دائما على ازدواجيه و لكنها لم تعد ازدواجيه الشعور حسب الوقائع و المعايير التى تتضمنها فكره الانسان، و انما ازدواجيه كتله من “الذوات” و نخبه مهنيه من المختصين يمنحون لانفسهم مهمتهم الخاصة.
لقد كان علم النفس، عند كانط و عند مين دوبيرون، يتعين داخل “انثروبولوجيا”، اي رغم الالتباس المنتشر اليوم عن هذا اللفظ، داخل فلسفة. فعند كانط، تبقي النظريه العامه في المهاره البشريه في علاقه مع نظريه في الحكمة. اما علم النفس الادواتي، فانه يقدم ذاته كنظريه عامه في المهاره خارج كل احاله على الحكمة. فاذا لم نستطع تعريف هذه السيكولوجيا بالنظر الى فكره عن الانسان، بمعني تعيين علم النفس في الفلسفه فانه لا سلطه لنا بطبيعه الحال بان نمنع ايا كان من ان يسمى نفسه عالما نفسانيا وان ندعو علما للنفس ما يفعله. و لكن لا احد يمكنه ان يمنع الفلسفه من الاستمرار في التساؤل عن الوضع الغير محدد لعلم النفس، غير محدد من جهه العلوم كما من جهه التقنيات. و بذلك، فان الفلسفه تتصرف بسذاجتها المشكله لها، و التى هى قليله الشبه بالبلاهه الى حد انها لا تقصى و قاحه مؤقته تقودها مره اخرى، الى الالتفات صوب الجانب الشعبي، اي الجانب الطبيعى لغير الاختصاصيين.
واذن، فان الفلسفه تطرح، بشكل عامى جدا، على علم النفس السؤال: قل لى نحو ماذا تنزع لاعرف من انت الا ان الفيلسوف يمكنه ايضا ان يتوجه الى عالم النفس في شكل نصيحه اتجاه والنادر لا حكم له و يقول: عندما نخرج من السوربون من شارع سان-جاك، فانه يمكننا ان نصعد او ننزل. فاذا مشينا صعودا، فاننا سنقترب من البانتييون Panthéon الذى هو مكان يحفظ ذكري بعض كبار الرجال، و لكن اذا مشينا نزولا، فاننا سنتجه حتما نحو مركز الشرطةn

 

575 views

بحث عن علم النفس كامل