2:37 صباحًا الأحد 18 نوفمبر، 2018

زواج المصلحة


صوره زواج المصلحة

 

 

 

 

زواج المصلحه هو نوع حديث من عقود الزواج قائم على قضاء المصالح فقط دون لقاء بين الزوجين،

فلا يجمع الزوجين فيه بيت واحد،

ولا يتعاشران معاشرة الازواج.

عرف في بلاد الغرب،

وليس الغرض منه ان يكون زواجا مستقرا كالزواج الذي نعرفه،

وله صور عديده منها:

الصورة الاولى:

يتفق رجل وامراه على عقد زواج مقابل مبلغ من المال يدفعه اليها،

وقد يكون هذا المبلغ مقطوعا او موزعا على سنوات حسب الاتفاق وذلك في مقابل ان تذهب معه الى مصلحه شرطة الاجانب عند تجديد الاقامه كل سنه،

الى ان يحصل على الاقامه الرسميه،

ومن ثم يفسخ العقد،

وفي تلك الاثناء اما ان يعيش الرجل مع هذه المرأة عيشه الزوجين؛

فيضمهما بيت واحد يتعاشران فيه معاشرة الازواج غير انهما يتفقان على فسخ العقد عند حصول الزوج على الاقامه الرسميه،

وهذا الاتفاق لا يصرح به طبعا عند الجهه العاقده،

لان القانون لا يسمح بذلك.

الصورة الثانيه:

لا يعيش الرجل مع المرأة التي عقد عليها امام السلطات،

ولا يخالطها ولا تخالطه،

بل يتفقان على ان تذهب معه عند تجديد الاقامه كل سنه،

كي تقول للسلطات انها مرتبطه به كزوج،

وتاخذ المبلغ المتفق عليه،

ويذهب بعد ذلك كل واحد الى حال سبيله،

مع العلم بان هذا اللون من الوان الزواج قد يقدم عليه الرجل لاجل ان يحصل هو على الاقامه،

وبالمقابل قد تفعله المرأة مع الرجل لتحصل على الاقامه،

ويمكن ان يكون احدهما غير مسلم،

ويمكن ان يكون الاثنان مسلمين

وفي كل الاحوال فانه خلال هذه المدة تكون الزوجه محسوبه على زوجها من الناحيه القانونيه،

ويكون هو محسوبا عليها من الناحيه القانونيه كذلك،

ولو افترضنا ان هذه المرأة عاشرت رجلا اخر،

وانجبت منه،

فان المولود يسجل باسم الزوج المؤقت،

ولو جاء هو يطالبها بحق المعاشرة الزوجية فانها لا تستطيع ان تمتنع عن ذلك قانونا،

وخاصة اذا كانت هي المحتاجه الى الاقامه.

وهذا العقد بصورتيه المذكورتين انما يتم في البلديه كسائر العقود المدنيه في هذا البلد،

وقد يكون عقدا شرعيا بشروطه الشرعيه المعتبره،

ولكن الجانبين لا يصرحان بذلك الاتفاق في صلب العقد،

وانما هو اتفاق بينهما بحضور بعض افراد العائلتين:

(عائلة الزوج،

وعائلة الزوجه).

الصورة الثالثه:

ان يتزوج الرجل المرأة بصداق،

ولكنه مضمر في نفسه،

ويصرح لاصدقائه واقاربه ان غرضه ليس الزواج،

وانما هو الحصول على الاقامه،

فمتى حصل على الاقامه طلق زوجته هذه،

وهو لا يستطيع ان يصرح بهذا امام المراه،

خوفا من ان تطرده قبل الحصول على الاقامه .

اراء للفقهاء المعاصرين

اختلف الفقهاء المعاصرون في هذا الزواج بصورة المذكوره ما بين محلل ومحرم،

وقد التزمنا بايرادها؛

لان المساله معاصره،

وخاصة ببلاد الغرب،

حيث لم ترد هذه الصور عند الفقهاء القدماء.

اولا:

راي المجلس الاوروبي للافتاء والبحوث

فصل المجلس الاوروبي للافتاء والبحوث القول في الصور الثلاث،

لانه هو الذي اوردها،

فقال:

الصورة الاولى:

حرام ياثمان عليه؛

وذلك بسبب منافاه هذا العقد لمقصد الشريعه في الزواج،

اذ هو عقد صوري مقصود به امر اخر غير الزواج،

فهو لو استوفى شروط العقد،

فانه لا يحل لهذا المعنى،

وكذلك لاجل ان قانون البلاد لا يسمح به،

يتاكد المنع بمجيء هذه الصورة مخالفه لقانون البلد،

والقانون هنا متفق مع المقصد الشرعي،

كما ان هذه الصورة لا تخلو من شبه بنكاح المتعه الذي حرمه النبي  “صلى الله عليه وسلم”   كما في حديث سبره بن معبد انه كان مع رسول الله  “صلى الله عليه وسلم”   فقال:

«يايها الناس اني قد كنت اذنت لكم في الاستمتاع من النساء وان الله قد حرم ذلك الى يوم القيامه فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تاخذوا مما اتيتموهن شيئا» 1)،

من جهه التوقيت الذي فيه الى فتره الحصول على الاقامه ثم يفسخ العقد بعد ذلك.

والصورة الثانيه:

مثل الاولى في التحريم وفيها قضية مقطوع بحرمتها وهي زواج المسلمه بغير المسلم،

فان مجرد العقد فاسد،

سواء للغايه المذكوره في السؤال،

او لمجرد الزواج.

واما الصورة الثالثه:

فالعقد وان كانت صورته صحيحه،

الا ان الزوج اثم بغشه المراه،

وذلك لاضماره نيه الطلاق من حين العقد،

والزواج في الاسلام يعنى الديمومه والبقاء والاستقرار للحياة الزوجيه،

والطلاق طارئ بعد العقد،

ولهذا السبب حرم الزواج المؤقت واعتبر فاسدا.

كذلك فان الايجاب والقبول في الزواج شرطان اساسيان فيه،

والمرأة حين قبلته زوجا،

فانما كان مقصدها حقيقة الزواج ولو علمت انه قبلها زوجه مؤقته يطلقها متى شاء لرفضت ذلك،

فاذا كان عازما الطلاق عند العقد اثر ذلك في صحة العقد،

لان المرأة بنت قبولها على غير ما اراد 2).

ثانيا:

راي الشيخ عبد الله بن بيه

اما الشيخ عبد الله بن بيه فقد نقل الحالات التي اوردها المجلس الاوروبي للافتاء والبحوث،

ونقل اجابه المجلس عليها،

ثم عقب قائلا:

«قلت:

ان بطلان هذا العقد ليس صحيحا؛

فالزواج في الاسلام ليس مقصودا منه الديمومه والبقاء،

وانما له قصود مختلفة ذكرها النبي   “صلى الله عليه وسلم”   في قوله:

«تنكح المرأة لاربع خصال لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها..» 3 ولهذا فلا عبره بقصد الطلاق عند النكاح لتحقق هذه القصود او بعضها بالنكاح،

ثم ان الزواج اذا وقع بشروطه فانه زواج صحيح حتى ولو نوى عدم الاستمتاع بها»(4 والذي تطمئن اليه النفس ان ما ورد في حديث ابي هريره لا يعبر عن مقاصد الزواج،

وانما عن الاسباب التي تدعو الناس للزواج،

وهو عرض من النبي   “صلى الله عليه وسلم”   لاحوال الناس وعاداتهم في الخصال التي بسببها يكون الاقبال على اختيار الزوجه،

ثم فيه ارشاد للظفر بذات الدين،

اما مقاصد الزواج وغاياته فامر مختلف عن هذا.

الراي المختار

لمناقشه هذه المساله وترجيح راي فيها،

فانه يجب علينا ان نتحدث عن امرين:

الاول:

عرض موقف الفقهاء من مساله الالفاظ والقصود عند التعاقد،

وموقفهم من قاعده:

«العبره في العقود للمقاصد والمعاني لا للالفاظ والمباني» اذ الزواج عقد من العقود.

الثاني:

عرض مقاصد الشريعه من الزواج،

ودور ذلك في الحكم على هذه المساله.

اولا:

اراء فقهاء المذاهب في معتمد العقود بين الالفاظ والمقاصد

اختلف الفقهاء في اثر القصود في صحة التصرفات والعقود،

فمنهم من اعتبرها دون التفات الى ظاهر الالفاظ والشروط والموانع،

اذ ان الالفاظ موضوعه لمقاصدها ومعانيها،

ومنهم من اهدرها ولم يعتبرها واكتفى بالظاهر فقط دون رعايه لمالات العقود وتحقيق مضامينها ومعانيها.

فالحنفيه يغلب عليهم الاخذ بظاهر الالفاظ في العقود،

والاهم هو استجماع الشروط دون اعتبار للمعاني والقصود والبواعث،

ومن هنا راوا ان نكاح المحلل صحيح،

قال السرخسي:

«فان تزوج بها الثاني على قصد ان يحللها للزوج الاول من غير ان يشترط ذلك في العقد صح النكاح ويثبت الحل للاول اذا دخل بها الثاني وفارقها،

فان شرط ان يحللها للاول فعند ابي حنيفه رحمه الله تعالى الجواب كذلك ويكره هذا الشرط،

وعند ابي يوسف رحمه الله تعالى النكاح جائز ولكن لا تحل به للاول،

وعند محمد رحمه الله تعالى النكاح فاسد» 5).

ومن يبيع العصير لمن يتخذه للخمر اجازوا بيعه،

قال السرخسي:

«بيع الكرم ممن يتخذ الخمر من عينه جائز لا باس به،

وكذلك بيع الارض ممن يغرس فيها كرما ليتخذ من عنبه الخمر،

وهذا قول ابي حنيفه وهو القياس،

وكره ذلك ابويوسف ومحمد رحمهما الله استحسانا؛

لان بيع العصير والعنب ممن يتخذه خمرا اعانه على المعصيه وتمكين منها،

وذلك حرام» 6).

واما المالكيه فانهم يعتبرون البواعث والقصود في العقود،

ويحكمون بحلها او حرمتها،

او بطلانها وصحتها،

انطلاقا من بواعثها ومقاصدها،

ولا يتوقفون عند شروطها الظاهره لنشوئها؛

ولهذا ابطلوا نكاح المحلل،

قال ابن جزي:

«ولا اي لا يحل الزوجه نكاح التيس،

وهو المحلل الذي يتزوجها ليحلها لزوجها اتفاقا،

ونكاحه باطل مفسوخ خلافا لهما يعني ابا حنيفه والشافعي والمعتبر في ذلك نيه المحلل لا نيه المرأة ولا نيه المحلل له وقال قوم من نوى ذلك منهم افسد» 7).

وكذلك نكاح المريض والمريضه لا ينعقد،

ولا يترتب عليه توارث بينهما،

جاء في المدونه:

«قلت:

ارايت المرأة تتزوج وهي مريضه ايجوز تزويجها ام لا

قال:

لا يجوز تزويجها عند مالك،

قال:

فان تزوجها ودخل بها الزوج وهي مريضه

قال:

ان ماتت كان لها الصداق ان كان مسها،

ولا ميراث له منها،

وان مات هو وقد مسها فلها الصداق ولا ميراث لها،

وان كان لم يمسها فلا صداق لها ولا ميراث» 8).

واما الشافعيه فانهم يعتمدون الظاهر دون النظر للمعاني في العقود،

قال الامام الشافعي:

«اصل ما اذهب اليه ان كل عقد كان صحيحا في الظاهر لم ابطله بتهمه ولا بعاده بين المتبايعين،

واجزته بصحة الظاهر،

واكره لهما النيه اذا كانت النيه لو اظهرت كانت تفسد البيع».

ويضرب لذلك امثله فيقول:

«كما اكره للرجل ان يشتري السيف على ان يقتل به ولا يحرم على بائعه ان يبيعه ممن يراه انه يقتل به ظلما؛

لانه قد لا يقتل به،

ولا افسد عليه هذا البيع،

وكما اكره للرجل ان يبيع العنب ممن يراه انه يعصره خمرا،

ولا افسد البيع اذا باعه اياه؛

لانه باعه حلالا،

وقد يمكن ان لا يجعله خمرا ابدا،

وفي صاحب السيف الا يقتل به احدا ابدا،

وكما افسد نكاح المتعه ولو نكح رجل امراه عقدا صحيحا وهو ينوي الا يمسكها الا يوما او اقل او اكثر لم افسد النكاح،

انما افسده ابدا بالعقد الفاسد» 9).

واما الحنابله فانهم يعتبرون البواعث والمقاصد في العقود،

ولهذا حرموا نكاح المحلل،

قال ابن قدامه:

«نكاح المحلل حرام باطل في قول عامة اهل العلم،

منهم:

الحسن والنخعي وقتاده ومالك والليث والثوري وابن المبارك والشافعي،

فان شرط عليه التحليل قبل العقد ولم يذكره في العقد ونواه في العقد او نوى التحليل من غير شرط،

فالنكاح باطل ايضا» 10).

وقال في كشاف القناع عبارة صريحه واضحه:

«لا يصح نكاح المحلل؛

لانه ليس المقصود منه بقاء المرأة مع زوجها،

والعقد لا يقصد به نقيض مقصوده» 11).

واما الظاهريه فمذهبهم مثل الشافعيه،

حيث يهدرون القصود في العقود ويقيمونها على ظاهرها؛

اذ انهم يتركون الراي والقياس،

ويتوقفون عند ظواهر النصوص؛

ولهذا اباحوا نكاح المحلل وغيره،

قال ابن حزم:

«والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق-:

ان كل نكاح انعقد سالما مما يفسده،

ولم يشترط فيه التحليل والطلاق فهو نكاح صحيح تام لا يفسخ،

وسواء اشترط ذلك عليه قبل العقد او لم يشترط؛

لان كل ناكح لمطلقه ثلاثا فهو محلل ولا بد،

فالتحليل المحرم هنا هو ما انعقد عقدا غير صحيح،

واما اذا عقد النكاح على شرط التحليل ثم الطلاق فهو عقد فاسد،

ونكاح فاسد،

فان وطئ فيه فان كان عالما ان ذلك لا يحل فعليه الرجم والحد؛

لانه زنا،

وعليها ان كانت عالمه مثل ذلك،

ولا يلحق الولد،

فان كان جاهلا فلا حد عليه ولا صداق،

والولد لاحق،

وبالله تعالى التوفيق،

وهكذا القول في كل عقد فاسد بالشغار،

والمتعه،

والعقد بشرط ليس في كتاب الله تعالى،

اي شرط كان،

وبالله تعالى التوفيق» 12).

يتبين من ذلك ان الحنفيه والشافعيه والظاهريه لا يعتبرون البواعث والقصود في العقود،

وانما يحكمون بالصحة على العقد بناء على ظاهر الفاظه واستجماع شروطه وانتفاء موانعه،

اما المالكيه والحنابله فان مبنى الامر عندهم على النيات والبواعث والقصود متى اتضحت وظهرت،

حتى لو توافرت الشروط وانتفت الموانع.

والذي يترجح من هذه الاقوال هو ما ذهبت اليه المالكيه والحنابله باعتبار النيات والبواعث والقصود،

وان العبره في العقود للمقاصد والمعاني لا للالفاظ والمباني،

ولا يعني هذا اهمال تحقق الشروط وانتفاء الموانع،

بل لابد من مسايره الشروط والظواهر للمعاني والمقاصد؛

وذلك لعده امور:

الاول:

ان هذا الراي يتسق مع روح الاسلام ومقاصد الشريعه ومقرراتها العامه.

الثاني:

ان هناك نصوصا شرعيه تقضي بهذا الراي،

ولا يمكن تجاوزها،

من ذلك:

قوله تعالى:

{ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا البقره:

231)،

وقوله:{من بعد وصيه يوصى بها او دين غير مضار}.

(النساء:

12)،

فبينت الايتان الكريمتان حرمه هذه التصرفات اذا كانت بقصد الاضرار،

وحديث:

«انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى…» ،

وهو اصل في ابطال الحيل وتحريم الوصول الى اشياء محرمه،

وان كانت الذرائع اليها مشروعه،

او بوسائل ظاهرها الصحه،

وقد سبقت الاشاره في فصل الوظائف الى انه من المعلوم ان شيخ الاسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم اطالا النفس في الحديث عن الحيل،

قال ابن تيميه:

«الحيل يستحلها من لم يفقه حكمه الشارع،

وهو ابعد الناس عن فهم مقصود الشارع ومعرفه العلل،

وعن الفقه في الدين» 13)،

وفصل فيه ابن القيم بما لا مزيد عليه،

وبخاصة في كتابيه:

اعلام الموقعين،

واغاثه اللهفان،

وعقد البخاري في جامعة الصحيح كتابا للحيل،

واخرج فيه الاحاديث الداله على ابطالها،

وتحدث عنها السرخسي في اخر مبسوطه في اكثر من مائه صفحه،

والامام الشاطبي في موافقاته،

والطاهر بن عاشور في مقاصده،

وغيرهم.

والثالث:

اننا لو قلنا ان العقود تصح بشروطها وظواهرها دون النظر الى معانيها ومقاصدها يلزم منه امور تنزهت عنها الشريعه،

اذ «الشريعه قبل ان تكون الفاظا وعبارات،

هي معان واغراض ومقاصد تعبر عن اراده المشرع» 14)،

ومن هذه الامور اباحه نكاح المحلل،

وهو الذي لعن النبي فيه المحلل والمحلل له،

واباحه بيع العينه،

ومنها قبول الولاه للهديه من الرعيه،

ومنها قبول الدائن الهديه من المدين،

وهي ربا،

الا اذا كانت عاده بينهما،

والله تعالى لعن اليهود حينما تحايلوا على حكمه؛

اذ حرم عليهم الصيد يوم السبت،

وحينما دبغوا الجلود فباعوها… وهكذا.

والخلاصه ان القول باهدار القصود والمعاني في العقود يفتح النوافذ امام ارتكاب الحرام،

ويفسد الحياة الاجتماعيه والاخلاقيه والسياسيه،

ويفرغ الاحكام الشرعيه من مضمونها.

وهذا لا يعني التوسع في الاخذ بالقصود بما يهدر النصوص او ظواهرها،

وانما يلزم الاخذ بالمقاصد والمعاني حين يكون المقصد ظاهرا ومكشوفا،

اما اذا لم تظهر المقاصد ولم تنكشف فالحكم يكون على ظاهر الالفاظ،

وبهذا فان بناء الحكم على قصد قد ظهر يكون بناء على ظاهر معلوم لا على مغيب مجهول 15).

ثانيا:

مقاصد الشريعه من الزواج،

ودور ذلك في الحكم على للمساله التي نحن بصددها،

وللحكم على زواج المصلحه وبيان دور المقاصد الجزئيه في الاستدلال على حكمه ينبغي اولا ان نعرف مقاصد الزواج،

وقد تحدث الامامان الغزالي والشاطبي عن ذلك.

اما الامام الغزالي فقد اورد في كتابة العظيم:

«احياء علوم الدين» كلاما عن حكم واسرار ومقاصد وفوائد الزواج نورده باختصار من احيائه؛

حيث قال:

«وفيه فوائد خمسه:

الولد،

وكسر الشهوه،

وتدبير المنزل،

وكثرة العشيره،

ومجاهده النفس بالقيام بهن» 16).

واما الامام ابواسحاق الشاطبي فقد تحدث عن مقاصد الزواج عرضا،

وهو يتكلم عن ان للشارع في شرع الاحكام العاديه والعباديه مقاصد اصلية ومقاصد تابعه،

ومثل لذلك بالنكاح فقال:

«انه مشروع للتناسل على المقصد الاول،

ويليه طلب السكن والازدواج،

والتعاون على المصالح الدنيويه والاخرويه،

من الاستمتاع بالحلال،

والنظر الى ما خلق الله من المحاسن في النساء،

والتجمل بمال المراه،

او قيامها عليه وعلى اولاده منها او من غيرها او اخوته،

والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين،

والازدياد من الشكر بمزيد النعم من الله على العبد».

قال:

«وعند ذلك يتبين ان نواقض هذه الامور مضاده لمقاصد الشارع باطلاق،

من حيث كان مالها الى ضد المواصله والسكن والموافقه،

كما اذا نكحها ليحلها لمن طلقها ثلاثا،

فانه عند القائل بمنعه مضاد لقصد المواصله التي جعلها الشارع مستدامه الى انقطاع الحياة من غير شرط،

اذ كان المقصود منه المقاطعه بالطلاق،

وكذلك نكاح المتعه،

وكل نكاح على هذا السبيل،

وهو اشد في ظهور محافظة الشارع على دوام المواصله،

حيث نهى عما لم يكن فيه ذلك» 17).

وهذه المقاصد كما لا يخفى مستخرجه من التامل في النصوص الشرعيه التي تحدثت عن الزواج،

ومن ذلك:

قوله تعالى:

{والله جعل لكم من انفسكم ازواجا وجعل لكم من ازواجكم بنين وحفده ورزقكم من الطيبات افبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون”.

(النحل:

72)،

وقوله تعالى:

{ومن اياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم موده ورحمه ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون الروم:

21).

وقول النبي  “صلى الله عليه وسلم”   فيما رواه مسلم بسنده عن عبد الله قال:

قال لنا رسول الله   “صلى الله عليه وسلم” 



«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءه فليتزوج فانه اغض للبصر واحصن للفرج،

ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء»(18 ،



وعن معقل بن يسار قال:

جاء رجل الى النبي  “صلى الله عليه وسلم”   فقال:

اني اصبت امراه ذات حسب وجمال،

وانها لا تلد افاتزوجها

قال:

«لا».

ثم اتاه الثانية فنهاه،

ثم اتاه الثالثة فقال:

«تزوجوا الودود الولود فاني مكاثر بكم الامم» 19).

يمكن من خلال ما سبق القول ان مقاصد الزواج تتلخص في:

طلب النسل،

الصالح،

وتحقيق عماره الله في الارض،

وهو مقصد مترتب على طلب النسل،

لانه بكثرة النسل تكون العماره،

وتحقيق السكن النفسي،

والاشباع الجنسي،

والتراحم بين الزوجين،

واعفاف الزوج نفسه؛

فالزواج اغض للبصر واحصن للفرج،

واعفاف الطرف الاخر؛

فهو من التعاون على البر والتقوى،

واقامه الاسرة الصالحه التي تقام فيها احكام الشرع،

وتحقيق الاستقرار في المجتمع نفسيا وخلقيا،

وتقوية اواصره،

وهو ما يؤدي الى حفظ نظامه الكلي وامنه العام؛

حيث ان الشهوة لها ضرام في ظهر الانسان،

وما لم يتيسر لها الطريق؛

فتصرف في مسارها المشروع،

فان ذلك يؤدي الى سلوك طرق غير مشروعه،

ومسايره الفطره وعدم مصادمتها،

فاستبقاء الفطره نقيه صافيه كما خلقها الله،

والحفاظ عليها،

والسير مع مقتضياتها وفق الشرع،

وعدم مصادمتها لا شك انه مقصد عام من المقاصد المهمه.

الحكم المختار لزواج المصلحه في ضوء مقاصد عقد الزواج

ومن خلال ما سبق يمكن الاتفاق مع المجلس الاوربي للافتاء،

او مع المالكيه والحنابله؛

خلافا لراي العلامه ابن بيه،

او الحنفيه والشافعيه؛

فزواج المصلحه بصورة التي سبق ايرادها لا يجوز بناء على انها فرغت العقد من مضمونه ومعانيه ومقاصده،

بناء على ان المقصد منه مكشوف وواضح،

واذا كان كلام الفقهاء وخلافهم الذي سبق ذكره في العقود عامه،

فكيف بعقد الزواج الذي وصفة الله ب «الميثاق الغليظ» في قوله تعالى:

{وان اردتم استبدال زوج مكان زوج واتيتم احداهن قنطارا فلا تاخذوا منه شيئا اتاخذونه بهتانا واثما مبينا.

وكيف تاخذونه وقد افضى بعضكم الى بعض واخذن منكم ميثاقا غليظا}.

(النساء:

20-21).

فلا شك ان الاحتياط لهذا العقد اولى،

والحرص عليه والورع فيه يكون اكثر،

واجراءه على معانيه ومقاصده يكون ادعى واعلى،

ولذلك فان الصورة الثالثة من صور زواج المصلحه وان اجازها المجلس الاوربي للافتاء لاكتمال شروطها وانتفاء موانعها فانه اثم الزوج في هذه الصوره؛

لانه يضمر في نفسه الطلاق بعد قضاء مصلحته،

ولان هذا غش للزوجه واهلها.

وكذلك يحظر هذا الزواج؛

لان هذا العقد بصورة ينافي ما شرع الزواج لاجله؛

ولهذا وجدنا ابن قدامه «يحرم»،

ويبطل نكاح المحلل،

سواء شرط فيه التحليل قبل العقد ولم يذكره في العقد ونواه في العقد او نوى التحليل من غير شرط،

وراينا الشاطبي يقول ان الزواج مشروع للتناسل على المقصد الاول،

وذكر مقاصد تبعيه ثم قال:

«نهى يعني الشارع عما لم يكن فيه ذلك».

اذا اضيف لذلك ان اجراء قصد الزواج للمصلحه فقط يشوه صورة المسلمين في الغرب،

ويعرض الاسلام دينا ومله للقيل والقال هناك في وقت لسنا بحاجة فيه الى مزيد مطارده ومزيد اتهامات تبين بما لا تردد فيه ان هذا الزواج غير جائز،

وبهذا يتضح دور مقصد الحكم في الاستدلال على حكمه،

والافاده منه في الاستدلال للتوصل الى حكم في نوازله ومستجداته.

 

327 views

زواج المصلحة