3:55 مساءً الخميس 24 يناير، 2019


زواج المصلحة

بالصور زواج المصلحة images152

 

 

 

 

زواج المصلحة هو نوع حديث من عقود الزواج قائم على قضاء المصالح فقط دون لقاء بين الزوجين،

فلا يجمع الزوجين فيه بيت واحد،

و لا يتعاشران معاشره الازواج.

عرف في بلاد الغرب،

و ليس الغرض منه ان يكون زواجا مستقرا كالزواج الذى نعرفه،

و له صور عديده منها:

الصوره الاولى: يتفق رجل و امراه على عقد زواج مقابل مبلغ من المال يدفعه اليها،

و قد يكون هذا المبلغ مقطوعا او موزعا على سنوات حسب الاتفاق و ذلك في مقابل ان تذهب معه الى مصلحه شرطه الاجانب عند تجديد الاقامه كل سنه الى ان يحصل على الاقامه الرسميه و من ثم يفسخ العقد،

و في تلك الاثناء اما ان يعيش الرجل مع هذه المراه عيشه الزوجين؛

فيضمهما بيت واحد يتعاشران فيه معاشره الازواج غير انهما يتفقان على فسخ العقد عند حصول الزوج على الاقامه الرسميه و هذا الاتفاق لا يصرح به طبعا عند الجهه العاقده لان القانون لا يسمح بذلك.

الصوره الثانية: لا يعيش الرجل مع المراه التى عقد عليها امام السلطات،

و لا يخالطها و لا تخالطه،

بل يتفقان على ان تذهب معه عند تجديد الاقامه كل سنه كى تقول للسلطات انها مرتبطه به كزوج،

و تاخذ المبلغ المتفق عليه،

و يذهب بعد ذلك كل واحد الى حال سبيله،

مع العلم بان هذا اللون من الوان الزواج قد يقدم عليه الرجل لاجل ان يحصل هو على الاقامه و بالمقابل قد تفعله المراه مع الرجل لتحصل على الاقامه و يمكن ان يكون احدهما غير مسلم،

و يمكن ان يكون الاثنان مسلمين

و في كل الاحوال فانه خلال هذه المده تكون الزوجه محسوبه على زوجها من الناحيه القانونيه و يكون هو محسوبا عليها من الناحيه القانونيه كذلك،

و لو افترضنا ان هذه المراه عاشرت رجلا اخر،

و انجبت منه،

فان المولود يسجل باسم الزوج المؤقت،

و لو جاء هو يطالبها بحق المعاشره الزوجيه فانها لا تستطيع ان تمتنع عن ذلك قانونا،

و خاصه اذا كانت هى المحتاجه الى الاقامة.

وهذا العقد بصورتيه المذكورتين انما يتم في البلديه كسائر العقود المدنيه في هذا البلد،

و قد يكون عقدا شرعيا بشروطه الشرعيه المعتبره و لكن الجانبين لا يصرحان بذلك الاتفاق في صلب العقد،

و انما هو اتفاق بينهما بحضور بعض افراد العائلتين: عائله الزوج،

و عائله الزوجة).

الصوره الثالثة: ان يتزوج الرجل المراه بصداق،

و لكنه مضمر في نفسه،

و يصرح لاصدقائه و اقاربه ان غرضه ليس الزواج،

و انما هو الحصول على الاقامه فمتي حصل على الاقامه طلق زوجته هذه،

و هو لا يستطيع ان يصرح بهذا امام المراه خوفا من ان تطرده قبل الحصول على الاقامه .

اراء للفقهاء المعاصرين

اختلف الفقهاء المعاصرون في هذا الزواج بصوره المذكوره ما بين محلل و محرم،

و قد التزمنا بايرادها؛

لان المساله معاصره و خاصه ببلاد الغرب،

حيث لم ترد هذه الصور عند الفقهاء القدماء.

اولا: راى المجلس الاوروبى للافتاء و البحوث

فصل المجلس الاوروبى للافتاء و البحوث القول في الصور الثلاث،

لانه هو الذى اوردها،

فقال:

الصوره الاولى: حرام ياثمان عليه؛

و ذلك بسبب منافاه هذا العقد لمقصد الشريعه في الزواج،

اذ هو عقد صورى مقصود به امر اخر غير الزواج،

فهو لو استوفي شروط العقد،

فانه لا يحل لهذا المعنى،

و كذلك لاجل ان قانون البلاد لا يسمح به،

يتاكد المنع بمجيء هذه الصوره مخالفه لقانون البلد،

و القانون هنا متفق مع المقصد الشرعي،

كما ان هذه الصوره لا تخلو من شبه بنكاح المتعه الذى حرمه النبي  “صلي الله عليه و سلم”   كما في حديث سبره بن معبد انه كان مع رسول الله  “صلي الله عليه و سلم”   فقال: «يايها الناس انى قد كنت اذنت لكم في الاستمتاع من النساء وان الله قد حرم ذلك الى يوم القيامه فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله و لا تاخذوا مما اتيتموهن شيئا» 1)،

من جهه التوقيت الذى فيه الى فتره الحصول على الاقامه ثم يفسخ العقد بعد ذلك.

والصوره الثانية: مثل الاولي في التحريم و فيها قضيه مقطوع بحرمتها و هى زواج المسلمه بغير المسلم،

فان مجرد العقد فاسد،

سواء للغايه المذكوره في السؤال،

او لمجرد الزواج.

واما الصوره الثالثة: فالعقد وان كانت صورته صحيحه الا ان الزوج اثم بغشه المراه و ذلك لاضماره نيه الطلاق من حين العقد،

و الزواج في الاسلام يعني الديمومه و البقاء و الاستقرار للحياه الزوجيه و الطلاق طارئ بعد العقد،

و لهذا السبب حرم الزواج المؤقت و اعتبر فاسدا.

كذلك فان الايجاب و القبول في الزواج شرطان اساسيان فيه،

و المراه حين قبلته زوجا،

فانما كان مقصدها حقيقه الزواج و لو علمت انه قبلها زوجه مؤقته يطلقها متى شاء لرفضت ذلك،

فاذا كان عازما الطلاق عند العقد اثر ذلك في صحه العقد،

لان المراه بنت قبولها على غير ما اراد 2).

ثانيا: راى الشيخ عبد الله بن بية

اما الشيخ عبد الله بن بيه فقد نقل الحالات التى اوردها المجلس الاوروبى للافتاء و البحوث،

و نقل اجابه المجلس عليها،

ثم عقب قائلا: «قلت: ان بطلان هذا العقد ليس صحيحا؛

فالزواج في الاسلام ليس مقصودا منه الديمومه و البقاء،

و انما له قصود مختلفه ذكرها النبي   “صلي الله عليه و سلم”   في قوله: «تنكح المراه لاربع خصال لمالها و لحسبها و لجمالها و لدينها..» 3 و لهذا فلا عبره بقصد الطلاق عند النكاح لتحقق هذه القصود او بعضها بالنكاح،

ثم ان الزواج اذا و قع بشروطه فانه زواج صحيح حتى و لو نوي عدم الاستمتاع بها»(4 و الذى تطمئن اليه النفس ان ما و رد في حديث ابى هريره لا يعبر عن مقاصد الزواج،

و انما عن الاسباب التى تدعو الناس للزواج،

و هو عرض من النبي   “صلي الله عليه و سلم”   لاحوال الناس و عاداتهم في الخصال التى بسببها يكون الاقبال على اختيار الزوجه ثم فيه ارشاد للظفر بذات الدين،

اما مقاصد الزواج و غاياته فامر مختلف عن هذا.

الراى المختار

لمناقشه هذه المساله و ترجيح راى فيها،

فانه يجب علينا ان نتحدث عن امرين:

الاول: عرض موقف الفقهاء من مساله الالفاظ و القصود عند التعاقد،

و موقفهم من قاعدة: «العبره في العقود للمقاصد و المعانى لا للالفاظ و المباني» اذ الزواج عقد من العقود.

الثاني: عرض مقاصد الشريعه من الزواج،

و دور ذلك في الحكم على هذه المسالة.

اولا: اراء فقهاء المذاهب في معتمد العقود بين الالفاظ و المقاصد

اختلف الفقهاء في اثر القصود في صحه التصرفات و العقود،

فمنهم من اعتبرها دون التفات الى ظاهر الالفاظ و الشروط و الموانع،

اذ ان الالفاظ موضوعه لمقاصدها و معانيها،

و منهم من اهدرها و لم يعتبرها و اكتفي بالظاهر فقط دون رعايه لمالات العقود و تحقيق مضامينها و معانيها.

فالحنفيه يغلب عليهم الاخذ بظاهر الالفاظ في العقود،

و الاهم هو استجماع الشروط دون اعتبار للمعانى و القصود و البواعث،

و من هنا راوا ان نكاح المحلل صحيح،

قال السرخسي: «فان تزوج بها الثانى على قصد ان يحللها للزوج الاول من غير ان يشترط ذلك في العقد صح النكاح و يثبت الحل للاول اذا دخل بها الثانى وفارقها،

فان شرط ان يحللها للاول فعند ابى حنيفه رحمه الله تعالى الجواب كذلك و يكره هذا الشرط،

و عند ابى يوسف رحمه الله تعالى النكاح جائز و لكن لا تحل به للاول،

و عند محمد رحمه الله تعالى النكاح فاسد» 5).

ومن يبيع العصير لمن يتخذه للخمر اجازوا بيعه،

قال السرخسي: «بيع الكرم ممن يتخذ الخمر من عينه جائز لا باس به،

و كذلك بيع الارض ممن يغرس فيها كرما ليتخذ من عنبه الخمر،

و هذا قول ابى حنيفه و هو القياس،

و كره ذلك ابويوسف و محمد رحمهما الله استحسانا؛

لان بيع العصير و العنب ممن يتخذه خمرا اعانه على المعصيه و تمكين منها،

و ذلك حرام» 6).

واما المالكيه فانهم يعتبرون البواعث و القصود في العقود،

و يحكمون بحلها او حرمتها،

او بطلانها و صحتها،

انطلاقا من بواعثها و مقاصدها،

و لا يتوقفون عند شروطها الظاهره لنشوئها؛

و لهذا ابطلوا نكاح المحلل،

قال ابن جزي: «ولا اي لا يحل الزوجة نكاح التيس،

و هو المحلل الذى يتزوجها ليحلها لزوجها اتفاقا،

و نكاحه باطل مفسوخ خلافا لهما يعنى ابا حنيفه و الشافعي و المعتبر في ذلك نيه المحلل لا نيه المراه و لا نيه المحلل له و قال قوم من نوي ذلك منهم افسد» 7).

وكذلك نكاح المريض و المريضه لا ينعقد،

و لا يترتب عليه توارث بينهما،

جاء في المدونة: «قلت: ارايت المراه تتزوج و هى مريضه ايجوز تزويجها ام لا

قال: لا يجوز تزويجها عند ما لك،

قال: فان تزوجها و دخل بها الزوج و هى مريضة

قال: ان ما تت كان لها الصداق ان كان مسها،

و لا ميراث له منها،

و ان ما ت هو و قد مسها فلها الصداق و لا ميراث لها،

و ان كان لم يمسها فلا صداق لها و لا ميراث» 8).

واما الشافعيه فانهم يعتمدون الظاهر دون النظر للمعانى في العقود،

قال الامام الشافعي: «اصل ما اذهب اليه ان كل عقد كان صحيحا في الظاهر لم ابطله بتهمه و لا بعاده بين المتبايعين،

و اجزته بصحه الظاهر،

و اكره لهما النيه اذا كانت النيه لو اظهرت كانت تفسد البيع».

ويضرب لذلك امثله فيقول: «كما اكره للرجل ان يشترى السيف على ان يقتل به و لا يحرم على بائعه ان يبيعه ممن يراه انه يقتل به ظلما؛

لانه قد لا يقتل به،

و لا افسد عليه هذا البيع،

و كما اكره للرجل ان يبيع العنب ممن يراه انه يعصره خمرا،

و لا افسد البيع اذا باعه اياه؛

لانه باعه حلالا،

و قد يمكن ان لا يجعله خمرا ابدا،

و في صاحب السيف الا يقتل به احدا ابدا،

و كما افسد نكاح المتعه و لو نكح رجل امراه عقدا صحيحا و هو ينوى الا يمسكها الا يوما او اقل او اكثر لم افسد النكاح،

انما افسده ابدا بالعقد الفاسد» 9).

واما الحنابله فانهم يعتبرون البواعث و المقاصد في العقود،

و لهذا حرموا نكاح المحلل،

قال ابن قدامة: «نكاح المحلل حرام باطل في قول عامه اهل العلم،

منهم: الحسن و النخعى وقتاده و ما لك و الليث و الثورى و ابن المبارك و الشافعي،

فان شرط عليه التحليل قبل العقد و لم يذكره في العقد و نواه في العقد او نوي التحليل من غير شرط،

فالنكاح باطل ايضا» 10).

وقال في كشاف القناع عباره صريحه و اضحة: «لا يصح نكاح المحلل؛

لانه ليس المقصود منه بقاء المراه مع زوجها،

و العقد لا يقصد به نقيض مقصوده» 11).

واما الظاهريه فمذهبهم مثل الشافعيه حيث يهدرون القصود في العقود و يقيمونها على ظاهرها؛

اذ انهم يتركون الراى و القياس،

و يتوقفون عند ظواهر النصوص؛

و لهذا اباحوا نكاح المحلل و غيره،

قال ابن حزم: «والذى نقول به و بالله تعالى التوفيق-: ان كل نكاح انعقد سالما مما يفسده،

و لم يشترط فيه التحليل و الطلاق فهو نكاح صحيح تام لا يفسخ،

و سواء اشترط ذلك عليه قبل العقد او لم يشترط؛

لان كل ناكح لمطلقه ثلاثا فهو محلل و لا بد،

فالتحليل المحرم هنا هو ما انعقد عقدا غير صحيح،

و اما اذا عقد النكاح على شرط التحليل ثم الطلاق فهو عقد فاسد،

و نكاح فاسد،

فان و طئ فيه فان كان عالما ان ذلك لا يحل فعليه الرجم و الحد؛

لانه زنا،

و عليها ان كانت عالمه مثل ذلك،

و لا يلحق الولد،

فان كان جاهلا فلا حد عليه و لا صداق،

و الولد لاحق،

و بالله تعالى التوفيق،

و هكذا القول في كل عقد فاسد بالشغار،

و المتعه و العقد بشرط ليس في كتاب الله تعالى،

اى شرط كان،

و بالله تعالى التوفيق» 12).

يتبين من ذلك ان الحنفيه و الشافعيه و الظاهريه لا يعتبرون البواعث و القصود في العقود،

و انما يحكمون بالصحه على العقد بناء على ظاهر الفاظه و استجماع شروطه و انتفاء موانعه،

اما المالكيه و الحنابله فان مبني الامر عندهم على النيات و البواعث و القصود متى اتضحت و ظهرت،

حتي لو توافرت الشروط و انتفت الموانع.

والذى يترجح من هذه الاقوال هو ما ذهبت اليه المالكيه و الحنابله باعتبار النيات و البواعث و القصود،

و ان العبره في العقود للمقاصد و المعانى لا للالفاظ و المباني،

و لا يعنى هذا اهمال تحقق الشروط و انتفاء الموانع،

بل لابد من مسايره الشروط و الظواهر للمعانى و المقاصد؛

و ذلك لعده امور:

الاول: ان هذا الراى يتسق مع روح الاسلام و مقاصد الشريعه و مقرراتها العامة.

الثاني: ان هناك نصوصا شرعيه تقضى بهذا الراي،

و لا يمكن تجاوزها،

من ذلك: قوله تعالى: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا البقرة: 231)،

و قوله:{من بعد و صيه يوصي بها او دين غير مضار}.

(النساء: 12)،

فبينت الايتان الكريمتان حرمه هذه التصرفات اذا كانت بقصد الاضرار،

و حديث: «انما الاعمال بالنيات و انما لكل امرئ ما نوى…» ،

و هو اصل في ابطال الحيل و تحريم الوصول الى اشياء محرمه وان كانت الذرائع اليها مشروعه او بوسائل ظاهرها الصحه و قد سبقت الاشاره في فصل الوظائف الى انه من المعلوم ان شيخ الاسلام ابن تيميه و تلميذه ابن القيم اطالا النفس في الحديث عن الحيل،

قال ابن تيمية: «الحيل يستحلها من لم يفقه حكمه الشارع،

و هو ابعد الناس عن فهم مقصود الشارع و معرفه العلل،

و عن الفقه في الدين» 13)،

و فصل فيه ابن القيم بما لا مزيد عليه،

و بخاصه في كتابيه: اعلام الموقعين،

و اغاثه اللهفان،

و عقد البخارى في جامعه الصحيح كتابا للحيل،

و اخرج فيه الاحاديث الداله على ابطالها،

و تحدث عنها السرخسى في اخر مبسوطه في اكثر من ما ئه صفحه و الامام الشاطبى في موافقاته،

و الطاهر بن عاشور في مقاصده،

و غيرهم.

والثالث: اننا لو قلنا ان العقود تصح بشروطها و ظواهرها دون النظر الى معانيها و مقاصدها يلزم منه امور تنزهت عنها الشريعه اذ «الشريعه قبل ان تكون الفاظا و عبارات،

هى معان و اغراض و مقاصد تعبر عن اراده المشرع» 14)،

و من هذه الامور اباحه نكاح المحلل،

و هو الذى لعن النبى فيه المحلل و المحلل له،

و اباحه بيع العينه و منها قبول الولاه للهديه من الرعيه و منها قبول الدائن الهديه من المدين،

و هى ربا،

الا اذا كانت عاده بينهما،

و الله تعالى لعن اليهود حينما تحايلوا على حكمه؛

اذ حرم عليهم الصيد يوم السبت،

و حينما دبغوا الجلود فباعوها… و هكذا.

والخلاصه ان القول باهدار القصود و المعانى في العقود يفتح النوافذ امام ارتكاب الحرام،

و يفسد الحياه الاجتماعيه و الاخلاقيه و السياسيه و يفرغ الاحكام الشرعيه من مضمونها.

وهذا لا يعنى التوسع في الاخذ بالقصود بما يهدر النصوص او ظواهرها،

و انما يلزم الاخذ بالمقاصد و المعانى حين يكون المقصد ظاهرا و مكشوفا،

اما اذا لم تظهر المقاصد و لم تنكشف فالحكم يكون على ظاهر الالفاظ،

و بهذا فان بناء الحكم على قصد قد ظهر يكون بناء على ظاهر معلوم لا على مغيب مجهول 15).

ثانيا: مقاصد الشريعه من الزواج،

و دور ذلك في الحكم على للمساله التى نحن بصددها،

و للحكم على زواج المصلحه و بيان دور المقاصد الجزئيه في الاستدلال على حكمه ينبغى اولا ان نعرف مقاصد الزواج،

و قد تحدث الامامان الغزالى و الشاطبى عن ذلك.

اما الامام الغزالى فقد اورد في كتابه العظيم: «احياء علوم الدين» كلاما عن حكم و اسرار و مقاصد و فوائد الزواج نورده باختصار من احيائه؛

حيث قال: «وفيه فوائد خمسة: الولد،

و كسر الشهوه و تدبير المنزل،

و كثره العشيره و مجاهده النفس بالقيام بهن» 16).

واما الامام ابواسحاق الشاطبى فقد تحدث عن مقاصد الزواج عرضا،

و هو يتكلم عن ان للشارع في شرع الاحكام العاديه و العباديه مقاصد اصليه و مقاصد تابعه و مثل لذلك بالنكاح فقال: «انه مشروع للتناسل على المقصد الاول،

و يليه طلب السكن و الازدواج،

و التعاون على المصالح الدنيويه و الاخرويه من الاستمتاع بالحلال،

و النظر الى ما خلق الله من المحاسن في النساء،

و التجمل بمال المراه او قيامها عليه و على اولاده منها او من غيرها او اخوته،

و التحفظ من الوقوع في المحظور من شهوه الفرج و نظر العين،

و الازدياد من الشكر بمزيد النعم من الله على العبد».

قال: «وعند ذلك يتبين ان نواقض هذه الامور مضاده لمقاصد الشارع باطلاق،

من حيث كان ما لها الى ضد المواصله و السكن و الموافقه كما اذا نكحها ليحلها لمن طلقها ثلاثا،

فانه عند القائل بمنعه مضاد لقصد المواصله التى جعلها الشارع مستدامه الى انقطاع الحياه من غير شرط،

اذ كان المقصود منه المقاطعه بالطلاق،

و كذلك نكاح المتعه و كل نكاح على هذا السبيل،

و هو اشد في ظهور محافظه الشارع على دوام المواصله حيث نهي عما لم يكن فيه ذلك» 17).

وهذه المقاصد كما لا يخفى مستخرجه من التامل في النصوص الشرعيه التى تحدثت عن الزواج،

و من ذلك: قوله تعالى: والله جعل لكم من انفسكم ازواجا وجعل لكم من ازواجكم بنين و حفده و رزقكم من الطيبات افبالباطل يؤمنون و بنعمت الله هم يكفرون”.

(النحل: 72)،

و قوله تعالى: ومن اياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم موده و رحمه ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون الروم: 21).

وقول النبي  “صلي الله عليه و سلم”   فيما رواه مسلم بسنده عن عبد الله قال: قال لنا رسول الله   “صلي الله عليه و سلم”  «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءه فليتزوج فانه اغض للبصر و احصن للفرج،

و من لم يستطع فعليه بالصوم فانه له و جاء»(18 ،



و عن معقل بن يسار قال: جاء رجل الى النبي  “صلي الله عليه و سلم”   فقال: انى اصبت امراه ذات حسب و جمال،

و انها لا تلد افاتزوجها

قال: «لا».

ثم اتاه الثانيه فنهاه،

ثم اتاه الثالثه فقال: «تزوجوا الودود الولود فانى مكاثر بكم الامم» 19).

يمكن من خلال ما سبق القول ان مقاصد الزواج تتلخص في: طلب النسل،

الصالح،

و تحقيق عماره الله في الارض،

و هو مقصد مترتب على طلب النسل،

لانه بكثره النسل تكون العماره و تحقيق السكن النفسي،

و الاشباع الجنسي،

و التراحم بين الزوجين،

و اعفاف الزوج نفسه؛

فالزواج اغض للبصر و احصن للفرج،

و اعفاف الطرف الاخر؛

فهو من التعاون على البر و التقوى،

و اقامه الاسره الصالحه التى تقام فيها احكام الشرع،

و تحقيق الاستقرار في المجتمع نفسيا و خلقيا،

و تقويه اواصره،

و هو ما يؤدى الى حفظ نظامه الكلى و امنه العام؛

حيث ان الشهوه لها ضرام في ظهر الانسان،

و ما لم يتيسر لها الطريق؛

فتصرف في مسارها المشروع،

فان ذلك يؤدى الى سلوك طرق غير مشروعه و مسايره الفطره و عدم مصادمتها،

فاستبقاء الفطره نقيه صافيه كما خلقها الله،

و الحفاظ عليها،

و السير مع مقتضياتها و فق الشرع،

و عدم مصادمتها لا شك انه مقصد عام من المقاصد المهمة.

الحكم المختار لزواج المصلحه في ضوء مقاصد عقد الزواج

ومن خلال ما سبق يمكن الاتفاق مع المجلس الاوربى للافتاء،

او مع المالكيه و الحنابلة؛

خلافا لراى العلامه ابن بيه او الحنفيه و الشافعية؛

فزواج المصلحه بصوره التى سبق ايرادها لا يجوز بناء على انها فرغت العقد من مضمونه و معانيه و مقاصده،

بناء على ان المقصد منه مكشوف و واضح،

و اذا كان كلام الفقهاء و خلافهم الذى سبق ذكره في العقود عامه فكيف بعقد الزواج الذى وصفه الله ب «الميثاق الغليظ» في قوله تعالى: وان اردتم استبدال زوج مكان زوج و اتيتم احداهن قنطارا فلا تاخذوا منه شيئا اتاخذونه بهتانا و اثما مبينا.

و كيف تاخذونه و قد افضي بعضكم الى بعض و اخذن منكم ميثاقا غليظا}.

(النساء: 20-21).

فلا شك ان الاحتياط لهذا العقد اولى،

و الحرص عليه و الورع فيه يكون اكثر،

و اجراءه على معانيه و مقاصده يكون ادعي و اعلى،

و لذلك فان الصوره الثالثه من صور زواج المصلحه وان اجازها المجلس الاوربى للافتاء لاكتمال شروطها و انتفاء موانعها فانه اثم الزوج في هذه الصورة؛

لانه يضمر في نفسه الطلاق بعد قضاء مصلحته،

و لان هذا غش للزوجه و اهلها.

وكذلك يحظر هذا الزواج؛

لان هذا العقد بصوره ينافى ما شرع الزواج لاجله؛

و لهذا و جدنا ابن قدامه «يحرم»،

و يبطل نكاح المحلل،

سواء شرط فيه التحليل قبل العقد و لم يذكره في العقد و نواه في العقد او نوي التحليل من غير شرط،

و راينا الشاطبى يقول ان الزواج مشروع للتناسل على المقصد الاول،

و ذكر مقاصد تبعيه ثم قال: «نهى يعنى الشارع عما لم يكن فيه ذلك».

اذا اضيف لذلك ان اجراء قصد الزواج للمصلحه فقط يشوه صوره المسلمين في الغرب،

و يعرض الاسلام دينا و ملة للقيل و القال هناك في وقت لسنا بحاجه فيه الى مزيد مطارده و مزيد اتهامات تبين بما لا تردد فيه ان هذا الزواج غير جائز،

و بهذا يتضح دور مقصد الحكم في الاستدلال على حكمه،

و الافاده منه في الاستدلال للتوصل الى حكم في نوازله و مستجداته.

 

358 views

زواج المصلحة