10:54 مساءً الأربعاء 20 فبراير، 2019


شعر المتنبي عن الصداقة

بالصور شعر المتنبي عن الصداقة cdc6ce416942bb83962a4a76caba07d6
ورد في لسان العرب لابن منظور: الصدق: نقيض الكذب, و من امثالهم امثال العرب الصدق ينبئ عنك لا الوعيد, و الصديق: المصدق و الصديق: المصادق لك.
ويقال: فلان صديقي، اي اخص اصدقائي، و انما يصغر على وجه المدح، و الصداقه و المصادقة: المخاله و صدق النصيحه و الاخاء, و صادقته مصادقه و صداقا: خاللته، و جمعها خلال, و الخلة: الصداقه المختصه التى ليس فيها خلل، و جمعها خلال, و الخلال و المخالة: الصداقه و الخل: الود و الصديق، و الخليل: الصديق، و الود: مصدر المودة.
قال ابن سيدة: الود الحب يكون في جمع مداخل الخير، و التجمل: تكلف الجميل، و المجاملة: المعامله بالجميل و المجامل: الذى يقدر على جوابك فيتركه ابقاء على مودتك، و الالف: الذى تالفه، و الالف: الاليف، يقال: حنت الالف الى الالف، و الرضا: ضد السخط، و الحب: نقيض البغض، و الحب: الوداد و المحبه و الشك: نقيض اليقين، و جمعه شكوك.
العلاقات الاجتماعيه و الانسانيه مهمه جدا بين الناس، و من اهم هذه العلاقات ما نسميه بالصداقه و قد تكون الصداقه و المحبه و الود بين شخصين لفتره محدوده تتداخل فيها المصالح و الرغبات، و الاهداف، فاذا ما انتفت هذه الاهداف فقد ينصرم عقد الصداقه و هذا مما يجعل ا حتمالا احد الطرفين الصادق في صداقته يشعر بالحزن و الاسي و الالم، عندما يكتشف حقيقه صاحبه، و هذا ما نراه في عصرنا الحاضر حيث تلعب المصالح و الوصوليه و الانتفاع ، و حب المظاهر ادوارا مهمه في ما هيه الصداقه و اهدافها، و يبدو ان ما يعانيه الانسان او بعض الناس في عصرنا من هذه الناحيه ما هو الا ظاهره انسانيه متاصله في حياه البشر على مر العصور, و هنا نحاول ان نتتبع و جهه نظر و مفهوم شاعر العربيه الفذ المتنبى في الصداقه بين اناس عصره الذى يسبق عصرنا بمئات السنين و نقارنه فيما هو حادث في عصرنا الحاضر، و هل ما كان ينطبق على بعض اناس عصر الشاعر ينطبق على بعض اناس عصرنا؟
قال ابو الطيب المتنبى في قصيده يعاتب بها صديقه سيف الدولة:
1 شر البلاد بلاد لا صديق بها
وشر ما يكسب الانسان ما يصم
يقول العكبرى في شرح هذا البيت: يصم: يعيب, و الوصم: العيب, و جمعه: و صوم و الوصم: الصدع في العود من غير بينونه و المعنى: يقول: شر البلاد بلاد لا يوجد فيها من يؤنس بوده، و يسكن الى كريم فعله، و شر ما كسبه الانسان ما عابه و اذله,وقال المتنبى في قصيده يمدح بها محمد بن سيار بن مكرم التميمي:
2 و من نكد الدنيا على الحر ان يرى
عدوا له ما من صداقته بد
يقول العكبرى عن هذا البيت: المعنى: يقول: من نكد الدنيا، و قله خيرها ان الحر يحتاج فيها الى اظهار صداقه عدوه ليامن شره، و هو يعلم انه عدوه، و هو لا يجد بدا من ان يريه الصداقه من نفسه، دفعا لغائله و اراد ما من مداجاته مخادعته ، و لكنه سمي المداجاه لما كانت في صوره الصداقه و لما كان الناس يحسبونها صداقة.
وقال الشاعر في قصيده يمدح بها كافورا:
3 كفي بك داء ان تري الموت شافيا
وحسب المنايا ان يكن امانيا
4 تمنيتها لما تمنيت ان ترى
صديقا فاعيا او عدوا مداجيا
يقول العكبرى عن البيت الثالث: المعنى: كفاك داء رؤيتك الموت شفاء اي اذا افضت بك الحال الى ان تتمني المنايا، فذلك غايه الشده وان داء شفاؤه الموت، اقصي الادواء، وان المنيه اذا صارت امنيه فهى غايه البليه و المعنى: كفاك من اذيه الزمان ما تتمني معه الموت، و يقول العكبرى عن البيت الرابع: اعيا: صعب و عز و المداجي: المساتر للعداوه و هو من الدجى، و هى الظلمه و المعنى: يقول: تمنيت الموت لما طلبت صديقا مصافيا فاعجزك، او عدوا ساترا للعداوه و عند عدم الصديق المصافي، و العدو الموافق، يتمني المرء المنيه قال الواحدي: هذا تفسير الداء المذكور في البيت, الثالث .
لقد بين ابو الطيب المتنبى في بيته الاول من ابياته الاربعه السابقه ان الانسان قد يصيبه الاحباط، و تضيق به الدنيا بما رحبت عندما لا يجد ممن حوله من الناس من يركن اليه و يشعر بصدق صداقته و مودته له، و يصاب المرء الحر المثالى بالنكد و النفص و الحزن عندما تضطره الحال ان يبدى صداقته و مودته لشخص يعرف تمام المعرفه كما يقول الشاعر في بيته الثانى مقته و عداوته له, و هذا مما قد نراه في بعض الناس في حياتنا المعاصره اما لخوف من ذلك الشخص او هدف لتحقيق مصلحه معينه او درء لزوال نعمه و يوضح شاعرنا المتنبى في بيته الثالث و الرابع ان افتقار المرء لصديق صادق صدوق مخلص، و مصادقته رغم انفه لعدو ساتر لعداوته و هو يحس فيها قد يصبح الموت عنده امنيه و نحن نسمع في عصرنا الحاضر عن ازدياد ظاهره الانتحار بين الناس حتى في دول متمسكه بعقيدتها و بروابطها العائليه و الاجتماعيه و التى ربما يكون من احد اسبابها انعزال الفرد عن محيطه، و تقوقعه على ذاته، و عدم وجود من يؤانسه و يصادقه و يصدق معه,وقال ابو الطيب في قصيده يمدح بها سيف الدوله و يذكر ايقاعه بقبائل العرب:
1 و ما بلد الانسان غير الموافق
ولاهله الادنون غير الاصادق
2 و جائزه دعوي المحبه و الهوى
وان كان لا يخفي كلام المنافق
يقول العكبرى في شرح البيت الاول: الاصادق: جمع صديق، و هم الذين يصدقون الود، و فسره الواحدى بالاصدقاء، و الادنون: الاقربون و المعنى: يقول هذا حاثا على التغرب و ترك حب الاوطان، وان كل بلد و افقك فهو بلدك، و كل اهل و د اصفوك و دهم اهلك، فما بلد الانسان الا الذى يوافقه، و يساعده على الظفر بجمله مقاصده و الادنون من اهله: اللاصقون به من قرابته الذين يصفونه و دهم، و الاحبة: الذين لا يؤخرون عنه فضلهم و يقول العكبرى عن البيت الاخر: المنافق: الذى يظهر خلاف ما يعتقده، و المعنى: يقول: يجوز ان يدعى المحبه من لا يعتقدها، و يظاهر بها من لا يلتزمها، و لكن المنافق لا يخفى اضطراب لفظه، و هذا اشاره الى ان شكره لسيف الدوله ليس كشكر من يتصنع له، و لا يخلص له حقيقه و ده.
يقول شاعرنا ابو الطيب المتنبى في بيتيه السابقين: بلد الانسان هو البلد الذى يشعر به بالكرامه و العز و الراحه النفسيه و الصديق الوفى المخلص في صداقته الخالص في محبته خير من القريب اللاصق بقرابته اذا لم يكن صادقا في و ده و محبته، و قد ينخدع بعض الناس باشخاص يظهرون الصداقه و المحبه و الموده و لكنهم منافقون غير صادقين في ذلك,, و هذا ما نراه في عصرنا الحاضر، فقد يكون الاخ الشقيق او ابن العم القريب مخادعا و منافقا في حبه و مودته و صداقته لغرض من الاغراض، او للحصول على منفعه معينه و عندما ينتفى ذلك يظهر منه الجفاء و محاوله الابتعاد، فما بالك بالناس الاخرين، و قد ينخدع بعض الناس بسلوك غيره من الناس لفتره قد تطول او تقصر، و لكن الزمن يكون بالمرصاد لكشف الحقيقه المره يقول نافع 1403ه 1983م يري المتنبى في الاخلاق العاليه الدعامه الاساسيه للصدق، وان الحكم الاول و الاخير على هذا الصديق يعود اليها, وان هذه الاخلاق ينبغى ان تكون طبعا له، لا يتكلفها، فان المرء يستطيع ان يدعى الموده و الحب و الهوى، و لكنه اذا كان منافقا فلابد للايام ان تفصحه, لقد اشار شاعرنا في بيته الاول من بيتيه السابقين الى ظاهره الانعزال و هى سلوك قد يقوم به الشخص عندما يكتشف حقيقه علاقته بالناس الاخرين و حتى باقرب اقربائه فيلجا الى و سيله الابتعاد و التغرب، او الى الانعزال و التفرد عن الناس، و تعرف الموسوعه الامريكيه 1985م الشخص المنعزل بانه ذلك الانسان الذى يعيش حياه منعزله عن الاتصال الاجتماعى مع الاخرين و قد ينعزل الانسان لعده اسباب، فهو يمكن انه يريد تجنب ما يراه في المجتمع من حوله من سوء اخلاق و غيرها، او انه يعتقد انه يحمى نفسه منهم بعيشه المنفرد، و قد ينعزل ليعطى نفسه الفرصه للتفكير و التامل,, لقد سمعنا و لا نزال نسمع في عصرنا الحاضر انعزال اشخاص اصحاب فكر و علم و ادب بسبب ما لا حظوه في مجتمعاتهم من فساد اخلاق.
وقال شاعرنا المتنبى في قصيده يمدح بها سيف الدولة:
1 اذا ما الناس جربهم لبيب
فانى قد اكلتهم و ذاقا
2 فلم ار و دهم الا خداعا
ولم ار دينهم الا نفاقا
يقول العكبرى في شرح البيت الاول: المعنى: يقول: معرفتى الناس، اكثر من معرفه اللبيب المجرب، لانى اكل و هو ذائق، و الذائق ليس في المعرفه كالاكل، لان الاكل اتم معرفه من الذائق، و ذلك لتمكين في اختبارهم و احاطتى بمعرفتهم، و يقول العكبرى عن البيت الاخر: المعنى: يقول: لم ار ما يتجاورون فيه من الود الا الخداع و المكاذبه و ما يبدونه من الدين الا نفاقا.
لقد اشار شاعرنا المتنبى في بيته هذين الى سلوكين متعارضين و متباينين في بعض الاشخاص، فقد يظهر شخص لشخص اخر الود و المحبه و الصداقه و لكنه يضمر عكسها، كما انك قد تجد بعض الافراد يظهر الورع و التدين، و هو في حقيقه امره ما هو الا منافق و مخادع لاسباب معينه عنده، و هذا ما نشاهده في عصرنا الحاضر في عديد من الناس، فقد تجد هذا التباين في السلوك عند اخيك، او جارك، او زميلك في عملك,,!!وقال الشاعر في قصيده يمدح بها كافورا:
1 اقل اشتياقا ايها القلب ربما
رايتك تصفى الود من ليس جازيا
2 خلقت الوفا لو رحلت الى الصبا
لفارقت شيبى موجع القلب باكيا
يقول العكبرى عن البيت الاول: الود: المحبه و تصفي: تخلص و المعنى: يقول لقلبه: لا تشتق الى من لا يشتاق اليك فانك تحب من لا يجازيك بالمحبه, و يقول العكبرى عن البيت الاخر: المعنى: قال ابو الفتح: هذا شرح لما قبله، و دليل على انه فارق سيف الدوله ذاما، لانه جعله كالشيب، اي لو فارقت الشيب الذميم برحيلى الى الصبا، و هو خير حياه الانسان، لكان ذلك الفراق موجعا لقلبي، مبكيا لعيني، و قال الواحدي: هذا البيت راس في صحه الالف، و ذلك ان كل احد يتمني مفارقه الشيب، و هو يقول: لو فارقنى شيبى الى الصبا، لبكيت عليه لالفى اياه، لانى خلقت الوفا,هذه هى مشكله المتنبى في عصره، فلا دخل لعصرنا فيها، لان اغلب الناس في عصرنا لا يعرفون للالفه و الموده و المحبه و الاخلاص سبيلا او طريقا الى قلوبهم، و اخلوا من قواميسهم هذه الكلمات الجوفاء، فهذه الكلمات ما هى الا كحصان طرواده تستخدم لاغراض و ما رب معينه فاناس عصرا و ربما اغلب الناس في عصر الشاعر عندما قرؤوا او يقرؤون بيتى شاعرنا السابقين لانطلقت حناجرهم باصوات القهقهه و الضحك و الاستهجان تسفيها لراى شاعرنا.
وقال ابو الطيب في قصيده يمدح بها سيف الدولة:
1 غيرى باكثر هذا الناس ينخدع
ان قاتلوا جبنوا او حدثوا شجعوا
2 اهل الحفيظه الا ان تجربهم
وفى التجارب بعد الغى ما يزع
يقول العكبرى عن البيت الاول: الخداع: الغرور، و اصله من خدع الضب في حجره: اذا دخل فيه، و الخداع: ان يتمكن الكلام الباطل في قلب مستمعيه فينخدع، و الاسم: الخديعه و الخدعه و المعنى: لا اعتقد في هؤلاء الناس الخير، و لكن غيرى ممن يجهل امرهم يغتر بقولهم، فينخدع به، لانهم اذا قاتلوا جبنوا، و اذا حدثوا اظهروا الشجاعه اي ان شجاعتهم القول لا بالفعل، و يقول العكبرى عن البيت الاخر: الحفيظة: الحميه و الانفه و الغي: الفساد، و يزع: يكف، و المعنى: يقول: هم اهل الحفيظه غير مجربين، فاذا جربتهم لم ترهم كذلك، و في تجربتهم ما يكف عن مخالطتهم.
يعرف بعض من الناس في عصرنا الحاضر ان اغلب من يتعاملون معهم من الناس مبنيه حياتهم و سلوكياتهم على الغش و الخداع و الكلام المنمق و التظاهر بالمثل و الاخلاق الرفيعه و لكنهم في الحقيقه يظهرون ما لا يبطنون، و يقولون و يعدون و لا يفعلون، و يبدون المحبه و الصداقه, و ,, و يبطنون الكره و البغضاء و الحسد، و مع معرفه الانسان لحقيقتهم، فليس له لا حول و لا قوه و لا شجاعه لنبذهم و الابتعاد عنهم لتداخل المصالح المعيشيه في زمننا المعاصر,, و قال المتنبى في قصيده يذكر فيها مسيره من مصر و يرثى فاتكا؟
1 و كن على حذر للناس تستره
ولا يغرك منهم ثغر مبتسم
2 غاض الوفاء فما تلقاه في عدة
واعوز الصدق في الاخبار و القسم
يقول العكبرى عن البيت الاول: المعنى: يقول: احذر الناس، و استر حذرك منهم، و لا تغتر بابتسامهم اليك، فان خدعهم في صدورهم، فهم يضمرون في قلوبهم ما لا يبدون لك من المكر، و هذا من قول الحكيم: الحيوان كله متغلب، و ليس من السياسه شكوي بعض الى بعض، و يقول العكبرى عن البيت الاخر: المعنى: نقص الوفاء، فما تراه في عده و عد ، يعنى اذا و عدك احد بشيء فما يصدق فيه، و اذا حلف لم يصدق.
نحس و نحن نقرا بيتى شاعرنا المتنبى هذين و كانه يعيش بيننا في عصرنا الحاضر، فكم و كم من انسان في عصرنا الحالى يبتسم لانسان اخر ابتسامات عريضه و خلف هذه الابتسامات يخفى حقده و غله و مكره عليه، و قد يحلف و يقسم باغلظ الالفاظ بان يفعل له كذا و كذا، و يعده بهذا و ذاك، و هو غير صادق او مخلص في قوله، و هذا ضرب من ضروب الرياء و المخادعه و الرياء كما عرفه علم النفس الحديث حاله مرضيه حيث يقوم الانسان المرائى بافعال ظاهره للعيان، و لكنها تعاكس ما يبطنه، و لذلك قيل: الرياء يلبس الرذيله ثوب الفضيله و لو عدنا مره اخري الى بيتى شاعرنا السابقين نجده يقول: لا يغرك منهم من الناس ثغر فم مبتسم، و هنا فقد لمح الشاعر انه ربما يكون خلف الابتسامه السم الزعاف,, اما الكذب كما يعرفه علم النفس سلوك يقوم به الفرد متعمدا مع علمه بعدم صحه قوله,وقال الشاعر في قصيده يذكر بها حماه التى كانت تغشاه بمصر:
1 فلما صار و د الناس خبا
جزيت على ابتسام بابتسام
2 و صرت اشك فيمن اصطفيه
لعلمى انه بعض الانام
3 يحب العاقلون على التصافي
وحب الجاهلين على الوسام
يقول العكبرى في شرح البيت الاول: الخب: المكر, و الود: الحب و الصداقه و المعنى: يقول: لما صار و د الناس غير صادق، صرت كاحدهم ، افعل بهم كما يفعلون، فاذا ابتسموا الي، تبسمت لهم، و يقول العكبرى عن البيت الثاني: المعني يقول: لم اكن على ثقه من موده من اوده، لعلمى انه من جمله الناس يريد: لعموم فساد الخلق كلهم، اذا اخترت احدا للموده لم اثق بمودته، و يقول العكبرى عن البيت الثالث: الوسام و الوسامة: الحسن, و المعنى: يقول: العاقل انما يحب من يحبه على صفاء الود، فمن اصفي له الود احبه، و الجاهل يحب على جمال الصوره و ذلك حب الجهال، لانه ليس كل جميل المنظر يستحق المحبه كخضراء الدمن: رائق اللون، و بى المذاق.
نعتقد ان بعض الاشخاص في عصرنا الحاضر و خصوصا في عصرته تجاربه مع الناس يتبع في علاقته مع بعض الافراد ما فعله شاعرنا مع الماكرين و المخادعين في عصره كما بين في بيته الثانى فاذا تبسم او ضحك له شخص ما كر مخادع رد عليه ابتسامه بابتسامه و ضحكه بضحكه و لتفشى هذه الظاهره في عصرنا يشك بعض الناس حتى بصدق اقرب الناس اليه، و قد يقوم بعض ممن لم تحكه التجارب مع الناس باظهار الموده و الصداقه لشخص معين لجمال صورته، او لمكانته الاجتماعيه او حتى لاسمه و مركزه,, اما العاقل المجرب فهو يحب و يصادق على صفاء الود و الصدق و المحبه ان و جدها في الطرف الاخر , يقول السيوفى 1980م في تعليق له على الابيات السابقة: بعد ان عرف المتنبى في حلب قوه الطموح، و روعه الحلم، و نشوه التحقيق اذا به هنا في مصر و قدوهم ان الحال قد تتغير يصطدم بهذا الواقع المرير فالخداع صار هو الغالب، و المظاهر الفارغه الخلب التى سلبت من الابصار دهشتها حتى احالتها جوفاء فارغه متحجره قد صارت هى المقياس و الافق,, لقد ذهب الود و صار ما ضيا و حل مكانه الخب الدخيل, و اذا بسمه الطهاره تفقد عذريتها لتسجيل قناع من الرياء الكاذب, و حار الشاعر كيف يداوى ذلك,, هو الذى ما اعتاد غير الصدق و الصراحه و الاخلاص، و ما كان منه الا ان قابل ابتسامه عصره بابتسامه الرثاء و الحسره و الاشفاق فالياس,, لقد تاكد المتنبى مما يقوله بعد طول اختبار و تجربه و قال ابو الطيب في قصيده يمدح بها سيف الدولة:
ما الخل الا من اود بقلبه
واري بطرف لا يري بسوائه
يقول العكبرى في شرح هذا البيت: الخل: الصديق، و هو الخليل ايضا و المعنى: قال ابو الفتح: يقول ليس لك خليل الا نفسك, قال: و يجوز ان يكون المعنى: ما الخل الا من لا فرق بينى و بينه فاذا و ددت فكانى احب بقلبه، و اذا نظرت فكانى انظر بطرفه.
والمعنى: خليلك من و افقك في كل شيء، فيود ما و ددت و يري ما تري و قال ابن القطاع: ما خليل الا الذى يبالغ في الموده فكانه يود بقلبي.
لقد بين ابو الطيب في بيته هذا من من الناس الذى تنطبق عليه الشروط و المواصفات بان يكون خلا و صديقا,, و نعتقد ان ما قاله شاعرنا يعد من ثالث المستحيلات الخل الوفى بان تجد في عصرنا الراهن خلا و فيا صادقا و لا في عصر شاعرنا و لا في العصور التى سبقته و لا بالعصور التى تلته، و الادهي ان عصرنا عصر اختلطت فيه المفاهيم و القيم و لم يعد يعرف فيه من هو الحابل و من هو النابل؟
وقال المتنبى في قصيده يمدح بها عضد الدولة:
1 و في الاحباب مختص بوجد
واخر يدعى معه اشتراكا
2 اذا اشتبهت دموع في خدود
تبين من بكي ممن تباكى
يقول العكبرى عن البيت الاول: المعنى: يقول: و في الاحبه من و جده صحيح لا دعوى، و منهم من يدعى المحبه و ليس هو من اهلها و ليس لدعواه حقيقه او المعنى: انه صحيح الود ليس كمن يدعى الوداد من غير حقيقه او لست ممن يدعى محبتك الممدوح و يظهر غير ذلك، لان ما اشتهر فيك من صحيح المدح يدل على انى صحيح الود، غير مداج في موالاتك.
لقد بين شاعرنا المتنبى في بيتيه هذين ان بعض الصداقات و اظهار الود و المحبه هى في حقيقتها صادقه و لكن قد ينخدع المرء بالظاهر فعليه ان يتحري و يتبين من بكي صادقا و من تباكى، و من يظهر المحبه و يدعيها صدقا و من يدعيها كذبا,, و هذا التبين نعتقد انه مستحيل في عصرنا لانه على الاقل اعجز الناس في العصور التى قبلنا.
وقال الشاعر في قصيده يمدح بها بدر بن عمار:
1 اذا صديق نكرت جانبه
لم تعينى في فراقه الحيل
2 في سعه الخافقين مضطرب
وفى بلاد من اختها بدل
يقول العكبرى عن البيت الاول: نكرت و انكرت: لغتان و عييت بامري: اذا لم اهتد اليه و اعيانى هو, المعنى: يقول: اذا تغير على صديق و حال عن و دى و انكرت احواله لم تعجزنى الحيله في فراقه بل افارقه و لم اقم عليه و يقول العكبرى عن البيت الاخر الخافقين: الشرق و الغرب لان الريح تخفق فيهما و المضطرب موضع الاضطراب و هو الذهاب و المجيء, و المعنى: يقول البلاد كثيره و الارض و اسعه فاذا لم يطب موضع كان لى غيره بدلا.
لقد و ضح ابو الطيب في بيتيه السابقين الحل عندما يكتشف المرء تبدل و تغير احوال من يحبه و يوده و يصادقه فما عليه الا ان يتجنبه و يرحل عنه,, و هذا ما فعله الشاعر في عصره حيث امتطي ظهر جواده و فر,, اما في عصرنا فماذا نركب و كيف نرحل، و الناس هم الناس في كل مكان,, فما علينا الا المخاتله و المخادعة.
وقال ابو الطيب المتنبى في قصيده يمدح بها سيف الدولة:
1 رضاك رضاى الذى اوثر
وسرك سرى فما اظهر
2 كفتك المروءه ما تتقي
وامنك الود ما تحذر
3 و سركم في الحشا ميت
اذا انشر لا ينشر
يقول العكبرى في شرح البيت الاول: سرنا واحد، فما اظهر منه و اذا رضيت امرا فهو رضاي، و كذا اذا شخطته سخطته و يقول العكبرى عن البيت الثاني: المعنى: يريد انى ذو مروءه و محبه خالصه فلا افشى سرك و يقول العكبرى عن البيت الثالث نشر الله الموتي و انشرهم فنشروهم، و كله في الاحياء, و المعنى: يقول: السر لشده اخفائه في قلبى هو ميت اماته لا يحيا بعدها.
لقد حدد ابو الطيب في ابياته هذه ما يجب ان تكون عليه الصداقه و المحبه بين شخصين من حفظ للموده و للسر و لكن و بالرغم من قوله هذا فقد انصرفت عري الصداقه و المحبه و الود و كتمان الاسرار بينه و بين صاحبه سيف الدوله و هذا لم يترك لنا مجالا الا القول عما يسمي بالصداقه و الود و المحبه في عصرنا الحاضر ما هى الا كلمات جوفاء ليس لها معنى و هى ضروب من الرياء و خاتمه قولنا في هذا الصدد هو قول شاعرنا حيث يقول في قصيده يمدح بها المغيث بن على العجلي:
خليلك انت لا من قلت خلي
وان كثر التجمل و الكلام
يقول العكبرى عن هذا البيت: الخليل: الصديق, و الانثي خليله و الخليل ايضا الفقير المختل الحال, و المعنى: يقول: ليس لاحد صديق الا نفسه في الحقيقه و ليس من تقول هو: خليلى خليلا لك وان كثر تملقه و لان لك قوله .
915 views

شعر المتنبي عن الصداقة