11:51 صباحًا السبت 23 فبراير، 2019


غريبة الحسين

بالصور غريبة الحسين imgres217
تحفل روايه “غريبه الحسين”[1] لاحمد التوفيق  بسمات روائيه عديدة. و لعل اول سمه اثارتنى فيها تتمثل في كلمه “غريبة” الوارده في العنوان و التى لها صله “بالغربة” كما هو و اضح ؛ حيث ان قراءه الروايه يمكن ان تحيلنا الى استثمار الغربه بايحاءاتها المتعدده في بناء عدد من صورها و تشكيلاتها. و تبعا لذلك سيحاول مقالى الاجابه عن عدد من الاسئله التى دارت في ذهنى منذ اول قرائتى للعنوان:
ما هى تجليات سمه الغربه في الرواية هل هى غربه الانسان مع نفسه و من ثم مع مجتمعه على اعتبار ان عنوان الروايه يشير الى اسم شخصيه الحسين ام ان الامر يتعلق بتصوير غربه الموسيقي في حد ذاتها، علما ان عنوان الروايه ما خوذ من احدي نوبات الموسيقي الاندلسيه الاحدي عشرة؟
تحكى الروايه قصه “كلود” الفتاه الفرنسيه المثقفه الرقيقه المشاعر، الفاتنه الجمال، التى تحب كل ما هو شرقى و عربي. تسافر كلود مع و الدها الى المغرب من اجل ان ينجز بحثا حول الموسيقي الاندلسيه و يدونها. و في هذا البلد تتعرف الى شخصيات عربيه و فرنسيه و تزور مدنا متعدده فيثيرها سر تسميه نوبه غريبه الحسين [2] و ضياع كثير من النوبات الاندلسيه الاخرى. كما تعيش كلود مواقف سياسيه و نفسيه و غراميه و ثقافيه الى ان ينتهى بها الامر  الى ان تحب المغربى “علال” و الزواج منه في ظروف متوترة. لكن الامور ستنحل في نهايه المطاف و ستعود كلود سالمه صحبه زوجها الى فرنسا.
وفى ظل ايام وجود كلود في المغرب و مرورها بمجموعه من الاحداث يستشعر القارئ امتداد خيوط سمه الغربه لتلف مجموعه من شخصيات الرواية: فكلود نفسها توجد في مجتمع غريب عن مجتمعها و هى تحاول ان تكتشف كل دقائقه و تفاصيله الانسانية. و ”روز ” احدي زوجات “الحاج ادريس” عم عمر ، شخصيه انكليزيه اختارت الزواج و العيش بعيدا عن وطنها على الرغم من الاختلافات الموجوده بين ثقافتها  و ثقافه المجتمع الغربي. و ”ام علال” الزموريه تركت بيئتها     و قبائلها الرحل لتستقر و تعيش بعيدا عن تقاليدهم و اعرافهم. بل ان المستعمر نفسه يعيش تلك الغربه فهو موجود في ارض غير ارضه، و في احضان ثقافه غير تلك التى تربي عليها .
ان مفهوم الغربه بمعاني البعد ، و الغياب، و الخفاء، وايضا الغموض يشكل جزءا من اساليب بناء صور “غريبه الحسين” . و لقد اشار الكاتب الى هذا المصطلح صراحه في احدي الصور –  اضافه الى اثارته في عنوان الروايه حيث كلود تناجى نفسها و هى جالسه بين مجموعه من النساء المغربيات: ” كنت ساصدمها لو قلت اننى غريبه اننى نصرانيه اننى اسكن الفندق، اننى اريد ان اختار من اتزوجه، اننى متحيره في امر  شاب لا يظهر انه يستطيع ان يقرر شيئا من مصيره “[3] . فللغربه في هذه الصوره بعد اجتماعي، و ديني، و غموض غرامي، و مصيرى ايضا. و الكاتب يلح على تاكيد جل هذه الابعاد من خلال تكرار كلمه “انني” و استعمالها في جمل قصيره و متواتره خمس مرات، و في كل مره نتبين الغربه بامتداداتها المعنويه تغلف نفسيه كلود التى وصفها الكاتب برقه مشاعرها، و شعورها الانسانى الرهيف جدا الذى قد لا يتفق مع كثير من انماط السلوك المتداول بين الفرنسيين  المقيمين بالمغرب. و في هذه الحاله يجسد الكاتب غربه نفسيه كلود حتى بين بعض الشخصيات التى تنتمى الى نفس الوسط الاجتماعى و الفكرى الذى تربت و عاشت فيه. و يترجم الراوى مظاهر غربه هذه الفئه المستعمره عن طريق الصوره الاتيه
«من يستطيع ان يقول لى ماذا تقول هذه المغنية؟فبعد اقامه بالمغرب لمده خمسه عشر عاما لا اتكلم العربيه الا لانهر بعض الموظفين او المتسولين . لقد غشنا المغاربه لانهم يتكلمون معنا لغتنا و ظلوا في حصنهم اللغوي. و قد حسبنا اننا حطمنا كل حصونهم »[4] كذلك تعكس الصوره احد معانى الغربه غربه الكلام و اللغه اي غموضهما و خفاءهما.       و المستعمر في هذه الصوره لا يعيش غربه البعد و النزوح عن الوطن و حدها و انما غربه و سائل التواصل الانسانى ايضا. ان اللغه التى يستعملها و يفهمها لغه نهر و اوامر، اما لغه التواصل الطبيعيه بينه و بين الشعب المستعمر فلم يصل الى تعرفها و تعلمها. و اذا عدنا الى تامل بناء هذه الصوره لاحظنا ان “السؤال” يشكل لونا بلاغيا خاصا في طريقه صياغته و هو ما نلمسه في كثير من صور هذه الرواية. ان استعمال هذا الاسلوب الانشائى انما يشكل استفهاما و بحثا عن تفسير و فهم عديد من مظاهر الغربه و عدم التوافق مع المحيط الثقافى و الاجتماعى و النفسى الذى تعيشه نماذج من شخصيات الرواية. يتضح ذلك جليا في هذه الصوره من خلال سؤال جوزيف ما لان احد الفرنسيين المقيمين بالمغرب عن معنى ما تقوله المغنية؛ فلغه الغناء بما فيها من صور انسانيه و اخيله لم يستطع [وصف ما لان] ادارك معناها. و من خلال ذلك يتبدي للقارئ مفهوم الغربه من احدي و جهاته التى تعنى البعد و الغموض. انه بعد و غموض فكرى و حضارى لا يتجسد بمظهره الايجابى و انما بمفهومه السلبى الذى يوحى بانكسار العلاقات الانسانيه و انقطاعها.
وعلي الرغم من  تميز كثير من شخصيات الروايه بسمه الغربه الا ان الصور التى اثارتنى في “غريبه الحسين” تلك التى تشكل و ترسم “غربه الموسيقى” في حد ذاتها. فالروايه تحفل بكثير من الصور التى تجسد غربه الموسيقي في عالميها القديم و الحاضر معا، مع ابتعادها عن ثقافه مجتمعها الموجوده فيه، ثم غربتها بين ابناء بيئتها الذين يجهلون اصولها و علماءها. و لا ادل على ذلك من هذه الصوره المنبثه في ثانى فصول الرواية:
«…و ظهر من كلام بعضهم انهم من علماء الموسيقى، و قد ارادوا ان يتملقوا عمر فذكروا اعلاما من المسلمين كان لهم السبق في تدوين الالحان، و خجل عمر مره اخري لجهله بحضاره بلده و لعن في نفسه كل العلوم و التخصصات التى لا تبدا بمعرفه الذات الوطنيه »[5].
فى ظل اسلوب تقريرى يشكل الراوى بوضوح مظهر غربه الموسيقي بين ابناء بيئتها. ففى احدي جلسات “عمر” مع مجموعه من الفرنسيين تبين له “جهله” باحد مظاهر حضارته الفنيه في حين كان الغرباء اعلم منه بهذا المظهر الثقافى الذى يعكس جانبا من وطنيه الانسان و هويته. لكن غربه الموسيقي لا تتمثل في “جهلها ” من قبل ابناء بيئتها، و انما تتميز كذلك ب”ضياعها” منهم  و “تحويرها” و ابعادها  من ثم عن اصلها الاول:
« هذه الموسيقي الاصيله التى اخترقت القرون و حملت صدي الاجواء التى و لدت و ترعرعت فيها تمثل لونا من الوان الزخم الحضارى لثقافه هذا البلد، فقد توارثها المعلمون بالتلقين المباشر و السماع و ربما زاد فيها من زاد او ضاع منها ما ضاع، و لا نعرف منها الا ما وصلنا، و هذا الذى وصل الينا ارث للانسانيه لا بد ان نحوله الى كتابه موسيقيه يستطيع الناس ان يقراوها في كل مكان »[6] نلمس في هذه الصوره غربه الموسيقي خاصه تلك المسماه بموسيقي الاله او الموسيقي الاندلسيه ، و بعدها عن اصلها الحقيقي: “ربما زاد فيها من زاد او ضاع منها ما ضاع، و لا نعرف منها الا ما وصلنا” خاصه وان هذا النوع الموسيقي مر بفترات تاريخيه صعبة؛ و تعكس صياغه هذه الصوره في اطار اسلوب تقريرى و مباشر الارتباط الحقيقى لهذا الاشكال بواقعنا الموسيقى و التاريخي، و هى مباشره اسلوبيه نلمسها في عديد من صور الروايه التى تدعونا الى عقد مقارنات بين التصوير الروائى الذى يستلزم الخيال في كثير من تجلياته و بين حقيقه تلك الصور في الواقع. و تبعا لذلك تحيلنا تقريريه الصوره اعلاه الى ضروره العوده الى التاريخ و التعرف الى ما مرت به الموسيقي من مراحل ادت الى ضياعها؛ فقد تعرضت الموسيقي في اوائل العصر الموحدى الى كثير من المضايقات، اذ ارتبط موقف ذلك العصر بمقاومه مختلف مظاهر الترف و منها الموسيقى. كما ان تراجع الحياه السياسيه و الثقافيه و الاجتماعيه في اواخر العصر المرينى ادي الى  «تقهقر الحياه الثقافيه ، و كانت موسيقي الاله في مقدمه الفنون التى تضررت من جراء ذلك ، فقد ضاع منها الكثير حسب ما يفهم من كلام ابن خلدون عندما قال ، متحدثا عن احوالها ببلاد المغرب ، في زمانه، اواخر القرن الثامن الهجري  الرابع عشر الميلادي):” و بها منها الان صبابه على تراجع عمرانها”»[7]. لكل ذلك لا نستطيع ان نقول جازمين ان موسيقي الاله التى وصلت الينا اليوم انها هى التى سادت حقيقه و غنيت و اطربت الاندلسين. فالمسافه الزمنيه بيننا و بين عصرها طويله ، و طريقه تلقينها تمت عن طريق التواتر الشفاهى كما هو معروف، الامر الذى ادي الى الزياده فيها ، و النقصان في بعضها، و ضياع بعضها الاخر، و عدم معرفتنا بانغامها الا ما وصل الينا اليوم سماعا.
لكل ذلك اري ان روايه “غريبه الحسين” تعكس غربه موسيقي الاله في زمننا، و ضياع كثير منها هو احد مظاهر غربتها. و لذلك كان حل هذا الاشكال بالنسبه الى فيرنى و هو و الد كلود الذى حمل على عاتقه امر تدوين الموسيقي الاندلسيه –  يكمن في كتابه ما تبقي من هذه الموسيقي حتى ” يستطيع الناس ان يقراوها في كل مكان”. و الحقيقه اننا اذا عدنا الى الواقع المعاصر نري انه قد تمت فعلا عديد من محاولات تدوين بعض هذه النوبات ، من ذلك نوبه الاصبهان التى كتبها اركاديو دى لاريا بالاتين   Arcadio de Larrea Palacín  [8]، و نوبه غريبه الحسين التى دونت من قبل محمد ابرويل[9] ، ثم نوبات العشاق و رمل المايه و رصد الذيل التى عمل على تدوينها يونس الشامي[10].  و قبل ذلك كانت محاولات من قبل كثير من الاجانب امثال الكسيس شوطان Alexis Chottin الذى دون  ميزان البسيط من نوبه العشاق، و بوستيلو الذى « جمع كثيرا من الطبوع و الانغام التى كانت متفرقه و سجل بعضا منها بالنوطة»[11] .
وعلي الرغم من الجهود الشاقه لعمليات الاستماع و التدوين الموسيقي لهذه النوبات الا انها ما زالت تثير اشكالات موسيقيه حقيقيه ؛ فنوبه رصد الذيل  على سبيل المثال ذكر مدونها ان القارئ سيلاحظ” اننا تجنبنا اثقال الرموز الموسيقيه بعلامات الزخرفه او التحليه التى يزخر بها العزف العربي، و ذلك لعدم اتفاق العازفين على انواعها  و مواقعها ،  بل و عدم استخدامها مرتين بصوره متطابقه من لدن نفس العازف. و لذلك تركنا حريه استعمالها للعازف حسب ما يمليه عليه ذوقه و تتيحه براعته الفنية” [12] انه اشكال وحيد ضمن مجموعه من الاشكالات الفنيه العديده التى تعرفها الموسيقي الاندلسيه او موسيقي الاله  مما يجعل هذا النوع الموسيقى يعيش “غربة” حقيقيه عن اصله الاول.
و لعل تكرار سؤال ما معنى غريبه الحسين في صفحات متعدده من الروايه ان يعد مظهرا بلاغيا اخر يعكس “غربة” هذا النوع الموسيقي. فالسؤال يتكرر في صور متعدده من الروايه و في كل مره يكون الجواب عنه مستحضرا احد معانى الغربه مع “المقابلة” بين ما يشكل عناصر غربه الموسيقي و غربه شخصيه “كلود” نفسها:
« سالت المعلم عن معنى “غريبه الحسين”، فقال انه غير متاكد من اصل التسميه و لكنه يظن ان معلما اسمه الحسين قد وضع هذه النوبه و لم يضع نوبه غيرها، فهى غريبته كاليتيمة»[13] ان عبارات من قبيل “المعلم غير متاكد” ، “لكنه يظن” ، تعكس عدم و قوف شيوخ الموسيقي الاندلسيه انفسهم على سر تسميه هذه النوبة. كما ان تشبيه ابداع معلم الموسيقي لنوبه وحيده ب “اليتيمة” انما يمثل مره اخري غربتها و وحدتها. لكن هذه المعانى لا تنطبق فقط على نوبه “غريبه الحسين” في الروايه و انما على شخصيه كلود نفسها. فكلود غير متاكده من كثير من الاشياء التى تعيشها و منها حبها لعمر، و توجهات شبكة  سريه تدعي بالنادي، و مستقبلها الذى تجهل مصيره.
وعلي غرار نفس هذه الصيغ التصويريه التى تستدعى “السؤال” ثم الجواب الذى يمكن مقارنته بشخصيه كلود نقرا الصوره الاتية:
« ما معنى”غريبه الحسين”
قال المايسترو:
هى نوبه متاخره من حيث زمن ظهورها. وضعها رجل اسمه الحسين، متميزه بما صب فيها من الحنان، متميزه غريبه بين غيرها من النوبات»[14] ان اهم ما يميز الجواب عن معنى نوبه “غريبه الحسين” في الصوره وصفها بالحنان الذى جعلها متفردة  الى درجه غربتها بين غيرها من النوبات. و لعل هذا الحنان الموسيقى الغريب هو ما يميز مشاعر كلود؛ فعواطفها الرهيفه تجعلها طوال الروايه مختلفه عن ثقافه بنات مجتمعها و جيلها. و في ظل هذه الطريقه التصويريه المقارنه يمكن ان نتبع نفس النهج في هذه الصوره الثالثة:
« ما معنى  غريبه الحسين؟
قال: الغريبه في لغتنا هى القصه التى يتاثر لها الناس، و نوبه غريبه الحسين صنعها معلم في ذكري صديق له اسمه الحسين، مرض حتى قضي من كتم حب امراة»[15] اثار الجواب عن سؤال معنى غريبه الحسين “ذكرى” الصديق الذى كان “الحب” سببا في “موته”. و قد كانت هذه المفاهيم الثلاثه “الذكرى”، و ”الحب” و ”الموت” موجهه الى كثير من احداث الروايه خاصه تلك التى مرت بها كلود التى عاشت على “ذكرى” امها ، و ”احبت” عمر ثم علال، و واجهت ” الموت” من خلال غرق امها و من خلال مغامرتها مع علال في اخر الرواية.
لكن المثير في هذه الصوره استعمال مصطلح “القصة” في حد ذاتها بوصفها تفسيرا ل “الغريبة”.  بذلك تكون غريبه الحسين هى قصته التى جعلته يصنع هذه النوبة. و الحقيقه ان لنوبه “غريبه الحسين” في الواقع قصصا متعدده ، فقد «قيل ان المبدعه لها جاريه لسلطان اسمه الحسين كان اسمها غريبه لبعدها عن اهلها و وطنها و كان سيدها لا يسلو عنها فلذلك جاءت ملاي بالشوق و الحنين. و قيل، على العكس من ذلك، ان سيدها هجرها بعد ان اذاقها حلاوه الحب فبكته…»[16].
بذلك تكون ل”غريبه الحسين ” في الواقع الخارجى قصص مقترنه بالحب، و الحنين،      و البكاء، و الشوق، و الغربه و كلها عناصر فنيه يمكن مقابلتها بشخصيه كلود الروائية.
*                     
ان اجمل الصيغ  التعبيريه التي  تثيرها  روايه “غريبه الحسين” اسلوب المقارنه بين صورها الروائيه و بين الواقع الموسيقى الذى تحياه الموسيقي الاندلسية. و بذلك تقف “الصورة” متارجحه بين لغه الروايه و بين نقل انسيابات لغه الموسيقي التى يصعب حصرها لغويا، خاصه اذا كانت تعكس سمه من نوع “الغربة”. ان غربه الموسيقي في روايه “غريبه الحسين” هى تصوير لجوانب من  غربه الانسان في حد ذاته ما دام الفن عموما يعد احد مظاهر تكوين هويته و ثقافته.

 

276 views

غريبة الحسين