5:59 صباحًا الأربعاء 12 ديسمبر، 2018

غريبة الحسين


صوره غريبة الحسين
تحفل روايه “غريبة الحسين”[1] لاحمد التوفيق  بسمات روائيه عديده.

و لعل اول سمه اثارتني فيها تتمثل في كلمه “غريبه” الوارده في العنوان و التي لها صله “بالغربه” كما هو واضح ؛



حيث ان قراءه الروايه يمكن ان تحيلنا الى استثمار الغربه بايحاءاتها المتعدده في بناء عدد من صورها وتشكيلاتها.

وتبعا لذلك سيحاول مقالي الاجابه عن عدد من الاسئله التي دارت في ذهني منذ اول قرائتي للعنوان:
ما هي تجليات سمه الغربه في الروايه

هل هي غربه الانسان مع نفسه و من ثم مع مجتمعه على اعتبار ان عنوان الروايه يشير الى اسم شخصيه الحسين

ام ان الامر يتعلق بتصوير غربه الموسيقى في حد ذاتها،

علما ان عنوان الروايه ماخوذ من احدى نوبات الموسيقى الاندلسيه الاحدى عشره؟
تحكي الروايه قصة “كلود” الفتاة الفرنسية المثقفه،

الرقيقه المشاعر،

الفاتنه الجمال،

التي تحب كل ما هو شرقي وعربي.

تسافر كلود مع والدها الى المغرب من اجل ان ينجز بحثا حول الموسيقى الاندلسيه ويدونها.

وفي هذا البلد تتعرف الى شخصيات عربية وفرنسيه،

و تزور مدنا متعدده فيثيرها سر تسميه نوبه غريبة الحسين [2] وضياع كثير من النوبات الاندلسيه الاخرى.

كما تعيش كلود مواقف سياسية ونفسيه وغراميه وثقافيه الى ان ينتهي بها الامر  الى ان تحب المغربي “علال” والزواج منه في ظروف متوتره.

لكن الامور ستنحل في نهاية المطاف وستعود كلود سالمه صحبه زوجها الى فرنسا.
وفي ظل ايام وجود كلود في المغرب و مرورها بمجموعة من الاحداث يستشعر القارئ امتداد خيوط سمه الغربه لتلف مجموعة من شخصيات الروايه:

فكلود نفسها توجد في مجتمع غريب عن مجتمعها و هي تحاول ان تكتشف كل دقائقه و تفاصيله الانسانيه.

و”روز ” احدى زوجات “الحاج ادريس” عم عمر ،



شخصيه انكليزيه اختارت الزواج و العيش بعيدا عن وطنها على الرغم من الاختلافات الموجوده بين ثقافتها  وثقافه المجتمع الغربي.

و”ام علال” الزموريه تركت بيئتها     وقبائلها الرحل لتستقر وتعيش بعيدا عن تقاليدهم و اعرافهم.

بل ان المستعمر نفسه يعيش تلك الغربه،

فهو موجود في ارض غير ارضه،

وفي احضان ثقافه غير تلك التي تربى عليها .


ان مفهوم الغربه بمعانى البعد ،



و الغياب،

و الخفاء،

وايضا الغموض يشكل جزءا من اساليب بناء صور “غريبة الحسين” .



ولقد اشار الكاتب الى هذا المصطلح صراحه في احدى الصور –  اضافه الى اثارته في عنوان الروايه حيث كلود تناجي نفسها و هي جالسه بين مجموعة من النساء المغربيات:

” كنت ساصدمها لو قلت انني غريبه،

انني نصرانيه،

انني اسكن الفندق،

انني اريد ان اختار من اتزوجه،

انني متحيره في امر  شاب لا يظهر انه يستطيع ان يقرر شيئا من مصيره “[3] .



فللغربه في هذه الصورة بعد اجتماعي،

وديني،

و غموض غرامي،

ومصيري ايضا.

و الكاتب يلح على تاكيد جل هذه الابعاد من خلال تكرار كلمه “انني” واستعمالها في جمل قصيرة ومتواتره خمس مرات،

و في كل مره نتبين الغربه بامتداداتها المعنويه تغلف نفسيه كلود التي وصفها الكاتب برقه مشاعرها،

وشعورها الانساني الرهيف جدا الذي قد لا يتفق مع كثير من انماط السلوك المتداول بين الفرنسيين  المقيمين بالمغرب.

و في هذه الحالة يجسد الكاتب غربه نفسيه كلود حتى بين بعض الشخصيات التي تنتمي الى نفس الوسط الاجتماعي والفكري الذي تربت وعاشت فيه.

ويترجم الراوي مظاهر غربه هذه الفئه المستعمره عن طريق الصورة الاتيه


«من يستطيع ان يقول لي ماذا تقول هذه المغنيه؟فبعد اقامه بالمغرب لمدة خمسه عشر عاما لا اتكلم العربية الا لانهر بعض الموظفين او المتسولين .



لقد غشنا المغاربه لانهم يتكلمون معنا لغتنا و ظلوا في حصنهم اللغوي.

و قد حسبنا اننا حطمنا كل حصونهم »[4] كذلك تعكس الصورة احد معاني الغربه،

غربه الكلام و اللغه،

اي غموضهما و خفاءهما.       والمستعمر في هذه الصورة لا يعيش غربه البعد والنزوح عن الوطن وحدها وانما غربه وسائل التواصل الانساني ايضا.

ان اللغه التي يستعملها ويفهمها لغه نهر واوامر،

اما لغه التواصل الطبيعية بينه وبين الشعب المستعمر فلم يصل الى تعرفها وتعلمها.

واذا عدنا الى تامل بناء هذه الصورة لاحظنا ان “السؤال” يشكل لونا بلاغيا خاصا في طريقة صياغته و هو ما نلمسه في كثير من صور هذه الروايه.

ان استعمال هذا الاسلوب الانشائي انما يشكل استفهاما وبحثا عن تفسير وفهم عديد من مظاهر الغربه و عدم التوافق مع المحيط الثقافي و الاجتماعي و النفسي الذي تعيشه نماذج من شخصيات الروايه.

يتضح ذلك جليا في هذه الصورة من خلال سؤال جوزيف مالان احد الفرنسيين المقيمين بالمغرب عن معنى ما تقوله المغنيه؛

فلغه الغناء بما فيها من صور انسانيه واخيله لم يستطع [وصف مالان] ادارك معناها.

ومن خلال ذلك يتبدى للقارئ مفهوم الغربه من احدى وجهاته التي تعني البعد و الغموض.

انه بعد وغموض فكري وحضاري لا يتجسد بمظهره الايجابي وانما بمفهومه السلبي الذي يوحي بانكسار العلاقات الانسانيه وانقطاعها.
وعلى الرغم من  تميز كثير من شخصيات الروايه بسمه الغربه،

الا ان الصور التي اثارتني في “غريبة الحسين” تلك التي تشكل و ترسم “غربه الموسيقى” في حد ذاتها.

فالروايه تحفل بكثير من الصور التي تجسد غربه الموسيقى في عالميها القديم و الحاضر معا،

مع ابتعادها عن ثقافه مجتمعها الموجوده فيه،

ثم غربتها بين ابناء بيئتها الذين يجهلون اصولها و علماءها.

ولا ادل على ذلك من هذه الصورة المنبثه في ثاني فصول الروايه:
«…و ظهر من كلام بعضهم انهم من علماء الموسيقى،

و قد ارادوا ان يتملقوا عمر فذكروا اعلاما من المسلمين كان لهم السبق في تدوين الالحان،

و خجل عمر مره اخرى لجهله بحضارة بلده و لعن في نفسه كل العلوم و التخصصات التي لا تبدا بمعرفه الذات الوطنية »[5].
في ظل اسلوب تقريري يشكل الراوي بوضوح مظهر غربه الموسيقى بين ابناء بيئتها.

ففي احدى جلسات “عمر” مع مجموعة من الفرنسيين تبين له “جهله” باحد مظاهر حضارته الفنيه،

في حين كان الغرباء اعلم منه بهذا المظهر الثقافي الذي يعكس جانبا من وطنية الانسان وهويته.

لكن غربه الموسيقى لا تتمثل في “جهلها ” من قبل ابناء بيئتها،

وانما تتميز كذلك ب”ضياعها” منهم  و “تحويرها” و ابعادها  من ثم عن اصلها الاول:
« هذه الموسيقى الاصيله التي اخترقت القرون و حملت صدى الاجواء التي ولدت و ترعرعت فيها تمثل لونا من الوان الزخم الحضاري لثقافه هذا البلد،

فقد توارثها المعلمون بالتلقين المباشر و السماع و ربما زاد فيها من زاد او ضاع منها ما ضاع،

و لا نعرف منها الا ما وصلنا،

و هذا الذي وصل الينا ارث للانسانيه لا بد ان نحوله الى كتابة موسيقيه يستطيع الناس ان يقراوها في كل مكان »[6] نلمس في هذه الصورة غربه الموسيقى خاصة تلك المسماه بموسيقى الاله او الموسيقى الاندلسيه ،



وبعدها عن اصلها الحقيقي:

“ربما زاد فيها من زاد او ضاع منها ما ضاع،

ولا نعرف منها الا ما وصلنا” خاصة وان هذا النوع الموسيقى مر بفترات تاريخيه صعبه؛

و تعكس صياغه هذه الصورة في اطار اسلوب تقريري و مباشر الارتباط الحقيقي لهذا الاشكال بواقعنا الموسيقي والتاريخي،

وهي مباشره اسلوبيه نلمسها في عديد من صور الروايه التي تدعونا الى عقد مقارنات بين التصوير الروائي الذي يستلزم الخيال في كثير من تجلياته و بين حقيقة تلك الصور في الواقع.

وتبعا لذلك تحيلنا تقريريه الصورة اعلاه الى ضروره العوده الى التاريخ و التعرف الى ما مرت به الموسيقى من مراحل ادت الى ضياعها؛

فقد تعرضت الموسيقى في اوائل العصر الموحدي الى كثير من المضايقات،

اذ ارتبط موقف ذلك العصر بمقاومه مختلف مظاهر الترف و منها الموسيقى.

كما ان تراجع الحياة السياسية و الثقافيه و الاجتماعيه في اواخر العصر المريني ادى الى  «تقهقر الحياة الثقافيه ،



و كانت موسيقى الاله في مقدمه الفنون التي تضررت من جراء ذلك ،



فقد ضاع منها الكثير حسب ما يفهم من كلام ابن خلدون عندما قال ،



متحدثا عن احوالها ببلاد المغرب ،



في زمانه،

اواخر القرن الثامن الهجري  الرابع عشر الميلادي):” و بها منها الان صبابه على تراجع عمرانها”»[7].

لكل ذلك لا نستطيع ان نقول جازمين ان موسيقى الاله التي وصلت الينا اليوم انها هي التي سادت حقيقة وغنيت واطربت الاندلسين.

فالمسافه الزمنيه بيننا وبين عصرها طويله ،



و طريقة تلقينها تمت عن طريق التواتر الشفاهي كما هو معروف،

الامر الذي ادى الى الزياده فيها ،



و النقصان في بعضها،

وضياع بعضها الاخر،

وعدم معرفتنا بانغامها الا ما وصل الينا اليوم سماعا.
لكل ذلك ارى ان روايه “غريبة الحسين” تعكس غربه موسيقى الاله في زمننا،

و ضياع كثير منها هو احد مظاهر غربتها.

ولذلك كان حل هذا الاشكال بالنسبة الى فيرني وهو والد كلود الذي حمل على عاتقه امر تدوين الموسيقى الاندلسيه –  يكمن في كتابة ما تبقى من هذه الموسيقى حتى ” يستطيع الناس ان يقراوها في كل مكان”.

والحقيقة اننا اذا عدنا الى الواقع المعاصر نرى انه قد تمت فعلا عديد من محاولات تدوين بعض هذه النوبات ،



من ذلك نوبه الاصبهان التي كتبها اركاديو دي لاريا بالاتين   Arcadio de Larrea Palacín  [8]،

ونوبه غريبة الحسين التي دونت من قبل محمد ابرويل[9] ،



ثم نوبات العشاق و رمل المايه ورصد الذيل التي عمل على تدوينها يونس الشامي[10].  وقبل ذلك كانت محاولات من قبل كثير من الاجانب امثال الكسيس شوطان Alexis Chottin الذي دون  ميزان البسيط من نوبه العشاق،

و بوستيلو الذي « جمع كثيرا من الطبوع والانغام التي كانت متفرقه و سجل بعضا منها بالنوطه»[11] .


وعلى الرغم من الجهود الشاقه لعمليات الاستماع والتدوين الموسيقى لهذه النوبات الا انها مازالت تثير اشكالات موسيقيه حقيقيه ؛



فنوبه رصد الذيل  على سبيل المثال ذكر مدونها ان القارئ سيلاحظ” اننا تجنبنا اثقال الرموز الموسيقيه بعلامات الزخرفه او التحليه التي يزخر بها العزف العربي،

وذلك لعدم اتفاق العازفين على انواعها  و مواقعها ،

  بل و عدم استخدامها مرتين بصورة متطابقه من لدن نفس العازف.

ولذلك تركنا حريه استعمالها للعازف حسب ما يمليه عليه ذوقه و تتيحه براعته الفنيه” [12] انه اشكال وحيد ضمن مجموعة من الاشكالات الفنيه العديده التي تعرفها الموسيقى الاندلسيه او موسيقى الاله،  مما يجعل هذا النوع الموسيقي يعيش “غربه” حقيقيه عن اصله الاول.
و لعل تكرار سؤال



ما معنى غريبة الحسين

في صفحات متعدده من الروايه،

ان يعد مظهرا بلاغيا اخر يعكس “غربه” هذا النوع الموسيقي.

فالسؤال يتكرر في صور متعدده من الروايه،

وفي كل مره يكون الجواب عنه مستحضرا احد معاني الغربه مع “المقابله” بين ما يشكل عناصر غربه الموسيقى وغربه شخصيه “كلود” نفسها:
« سالت المعلم عن معنى “غريبة الحسين”،

فقال انه غير متاكد من اصل التسميه،

و لكنه يظن ان معلما اسمه الحسين قد وضع هذه النوبه و لم يضع نوبه غيرها،

فهي غريبته كاليتيمه»[13] ان عبارات من قبيل



“المعلم غير متاكد” ،



“لكنه يظن” ،



تعكس عدم وقوف شيوخ الموسيقى الاندلسيه انفسهم على سر تسميه هذه النوبه.

كما ان تشبيه ابداع معلم الموسيقى لنوبه وحيده ب “اليتيمه” انما يمثل مره اخرى غربتها ووحدتها.

لكن هذه المعاني لا تنطبق فقط على نوبه “غريبة الحسين” في الروايه و انما على شخصيه كلود نفسها.

فكلود غير متاكده من كثير من الاشياء التي تعيشها و منها حبها لعمر،

وتوجهات شبكه  سريه تدعى بالنادي،

ومستقبلها الذي تجهل مصيره.
وعلى غرار نفس هذه الصيغ التصويريه التي تستدعي “السؤال” ثم الجواب الذي يمكن مقارنته بشخصيه كلود نقرا الصورة الاتيه:
« ما معنى”غريبة الحسين”
قال المايسترو:
هي نوبه متاخره من حيث زمن ظهورها.

وضعها رجل اسمه الحسين،

متميزه بما صب فيها من الحنان،

متميزه،

غريبة بين غيرها من النوبات»[14] ان اهم ما يميز الجواب عن معنى نوبه “غريبة الحسين” في الصورة وصفها بالحنان الذي جعلها متفرده  الى درجه غربتها بين غيرها من النوبات.

ولعل هذا الحنان الموسيقي الغريب هو ما يميز مشاعر كلود؛

فعواطفها الرهيفه تجعلها طوال الروايه مختلفة عن ثقافه بنات مجتمعها و جيلها.

وفي ظل هذه الطريقة التصويريه المقارنة يمكن ان نتبع نفس النهج في هذه الصورة الثالثه:
« ما معنى  غريبة الحسين؟
قال:

الغريبة في لغتنا هي القصة التي يتاثر لها الناس،

ونوبه غريبة الحسين صنعها معلم في ذكرى صديق له اسمه الحسين،

مرض حتى قضى من كتم حب امراه»[15] اثار الجواب عن سؤال معنى غريبة الحسين “ذكرى” الصديق الذي كان “الحب” سببا في “موته”.

وقد كانت هذه المفاهيم الثلاثه “الذكرى”،

و”الحب” و”الموت” موجهه الى كثير من احداث الروايه خاصة تلك التي مرت بها كلود التي عاشت على “ذكرى” امها ،



و”احبت” عمر ثم علال،

وواجهت ” الموت” من خلال غرق امها ومن خلال مغامرتها مع علال في اخر الروايه.
لكن المثير في هذه الصورة استعمال مصطلح “القصه” في حد ذاتها بوصفها تفسيرا ل “الغريبه”.  بذلك تكون غريبة الحسين هي قصته التي جعلته يصنع هذه النوبه.

والحقيقة ان لنوبه “غريبة الحسين” في الواقع قصصا متعدده ،



فقد «قيل ان المبدعه لها جاريه لسلطان اسمه الحسين كان اسمها غريبة لبعدها عن اهلها ووطنها و كان سيدها لا يسلو عنها فلذلك جاءت ملاى بالشوق و الحنين.

وقيل،

على العكس من ذلك،

ان سيدها هجرها بعد ان اذاقها حلاوه الحب فبكته…»[16].
بذلك تكون ل”غريبة الحسين ” في الواقع الخارجي قصص مقترنه بالحب،

والحنين،      والبكاء،

و الشوق،

و الغربه،

و كلها عناصر فنيه يمكن مقابلتها بشخصيه كلود الروائيه.
*                     
ان اجمل الصيغ  التعبيريه التي  تثيرها  روايه “غريبة الحسين” اسلوب المقارنة بين صورها الروائيه،

و بين الواقع الموسيقي الذي تحياة الموسيقى الاندلسيه.

و بذلك تقف “الصوره” متارجحه بين لغه الروايه و بين نقل انسيابات لغه الموسيقى التي يصعب حصرها لغويا،

خاصة اذا كانت تعكس سمه من نوع “الغربه”.

ان غربه الموسيقى في روايه “غريبة الحسين” هي تصوير لجوانب من  غربه الانسان في حد ذاته مادام الفن عموما يعد احد مظاهر تكوين هويته و ثقافته.

 

248 views

غريبة الحسين