5:20 صباحًا الخميس 24 يناير، 2019


في اي سنة نزل القران

بالصور في اي سنة نزل القران 156dbc0a9f623107af89a6b4de1684fd

ان ما يسمي بعلوم القران الكريم مندرج تحت نزول القران الكريم و لازم له،

و عليه فلابد من الالمام في الاسطر التاليه بالامور التاليه اجمالا من غير تفصيل في الدقائق،

فذلك شان الموضوعات الخاصه بالنزول الذى هو موضوع البحث.
اعلم ان الامه اعتنت بنص القران الكريم و حفظه و على راس الامه نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فقد بلغ من عنايته بالقران الكريم و حرصه على حفظه ان كان يعاجل جبريل حين يقرئه القران حتى انزل الله عليه “لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه و قرانه فاذا قراناه فاتبع قرانه ثم ان علينا بيانه”القيامه 16-19 و انزل عليه “انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون”الحجر 9 فعندئذ اطمان الرسول صلى الله عليه و سلم على القران و كان جبريل يعارض الرسول صلى الله عليه و سلم القران في كل سنه و عارضه القران في سنته التى توفى فيها مرتين.

و كان صلى الله عليه و سلم يعتنى بكتابه القران الكريم فكان له كتبه يكتبون القران الكريم،

يقول لهم ضعوا ايه كذا في مكان كذا من السوره كذا،

و كتب القران كله في حياته محمد صلى الله عليه و سلم في الرقاع و اللخاف باقراره صلى الله عليه و سلم.

و مما يدل على عنايه المسلمين بالقران الكريم انه حفظه منهم في عهد النبى صلى الله عليه و سلم عدد لا باس به،

ثم تتابع الحفظ بعد ذلك حتى قيل انه قتل يوم بئر معونه سبعون من القراء.
ومن مظاهر العنايه به انه لما استحر القتل في الحفظه عمد ابو بكر الى جمعه في مكان واحد في الصحف،

و احتاط لذلك الجمع،

حيث الف نخبه من الحفظه على راسهم زيد بن ثابت الذى كان كاتب الوحى في حياه النبى صلى الله عليه و سلم و قد كان امير المؤمنين ابو بكر الصديق موفقا في هذا الجمع،

ثم بعد هذا الجمع ظلت الصحف عند امير المؤمنين ابى بكر في خلافته ثم بعد وفاته انتقلت الى امير المؤمنين عمر رضى الله عنه ثم بعد وفاته كانت عند حفصه رضى الله عنها حتى كانت خلافه امير المؤمنين عثمان رضى الله عنه فحصل في زمن عثمان اختلاف بين القراء في الامصار،

فكان من توفيق الله ان جمع امير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه الصحابه و عرض عليهم اختلاف القراء في الامصار و في المدينه و كان رايه ان يجمع القران في مصحف واحد،

فوافقه الصحابه بالاجماع على ذلك،

فارسل الى حفصه و اخذ منها الصحف،

و جمع القران في مصحف واحد و وزعه على الامصار،

فكان بذلك موفقا حيث ادرك الناس قبل ان يختلفوا.

و من مظاهر العنايه بالقران الكريم عند المسلمين،

انهم حرروا القراءات و فرقوا بين المتواتر و الشاذ،

و جعلوا قواعد لا يثبت القران الا بها و هي:
اولا:-الاسناد المتصل للقراءه في كل طبقة.
ثانيا:-موافقه القراءه لوجه نحوي.
ثالثا:-ان يحتملها الرسم العثماني.
وكل قراءه لا تتوفر فيها هذه الشروط،

فاعتبرها العلماء شاذه لا تسمي قرانا،

و لاتجوز القراءه بها(1).
ومن مظاهر العنايه بالقران الكريم عند هذه الامه انه لابد فيه من التلقى مشافهه تلقاه النبى صلى الله عليه و سلم من جبريل عليه السلام شفاها،

و تلقاه الصحابه الاثبات العدول من النبى صلى الله عليه و سلم ثم تلقاه التابعون الاخيار من الصحابه كذلك،

ثم تلقاه اتباع التابعين من التابعين كذلك،

الي ان وصل الينا غضا طريا كما انزل،

فالقراءه سنه متبعه لا مدخل للقياس فيها،

و الاعتماد فيها على التلقى و التواتر.
وقد اعتني المسلمون بالقران عنايه فائقه حيث الفوا في كل جزء منه،

فرقوا بين مكيه،

و مدنيه.

و عرفوا مكيه بانه ما نزل قبل الهجره ،

كما عرفوا المدنى بانه ما نزل بعد الهجره هذا التعريف المختار،

و مع تعريف المكى و المدني،

فقد جمعوا المكي،

و ميزوه دون المدنى و كل ذلك عنايه بالقران الكريم.
كما اعتنوا بسور القران الكريم واياته،

و ذكروا ان ترتيب الايات توقيفي،

من النبى محمد صلى الله عليه و سلم كما هو الان،

و اما ترتيب السور ففيه خلاف بينهم(2)،

كما الفوا في اسماء السور،

و عدد الايات و من هذه العنايه الدقيقه اعتناؤهم برسمه الذى رسم به في زمن النبى صلى الله عليه و سلم و باقراره،

و اجمع عليه الصحابه بعد ذلك في زمن عثمان،

و ذهب الكثير من العلماء الى ان رسم القران توقيفى لا تجوز مخالفته،

حتي ان بعضهم كان يري ان تكتب الكتابات الاخري كما كتب القران على رسمه و على نمطه.

و خلاصه القول ان العلماء لم يتركوا شيئا يتعلق بالقران الكريم الا و كتبوا فيه مثل ناسخه و منسوخه،

و اقسامه،

و مطلقه و مجمله،

و لما كان هذا البحث الذى كلفنا بالكتابه فيه،

تحت عنوان نزول القران اخترنا الكتابه فيما له صله و ثيقه بالنزول.
التعريف بالقران الكريم و انه المعجزه العظمي للنبى صلى الله عليه و سلم

التعريف بالقران الكريم و انه المعجزه العظمي للنبى محمد صلى الله عليه و سلم و قد تحدي القران باساليب منوعه و كونه معجزا بالفاظه و معانيه،

و ان الناس لم يصرفوا عنه،

و الرد على من قال بالصرفة
.
اعلم ان تعريف القران الكريم: هو كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه و سلم المتعبد بتلاوته،

و قد عرفه صاحب المراقى في الفيته بقوله(3 لفظ منزل على محمد لاجل الاعجاز و للتعبد(4)

ويطلق بالاشتراك اللفظى على مجموع القران،

و على كل ايه من اياته
(5 فاذا سمعت من يتلو ايه من القران صح ان تقول انه يقرا القران “واذا قرىء القران فاستمعوا له و انصتوا لعلكم ترحمون”الاعراف 204
والقران الكريم هو المعجزه الخالده لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم الى يوم القيامه لان المعجزات على ضربين الاول ما اشتهر نقله و انقرض عصره بموت النبى صلى الله عليه و سلم.
والثاني: ما تواترت الاخبار بصحته و حصوله و استفاضت بثبوته و وجوده و وقع لسامعها العلم بذلك ضروره و من شرطه ان يكون الناقلون له خلقا كثيرا و جما غفيرا،

و ان يكونوا عالمين بما نقلوه علما ضروريا،

و ان يستوى في النقل اولهم و اخرهم و وسطهم في كثره العدد،

حتي يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب،

و هذه صفه نقل القران،

و نقل وجود النبى صلى الله عليه و سلم قال القرطبي(6): “لان الامه رضى الله عنها لم تزل تنقل القران خلفا عن سلف و السلف عن سلفه الى ان يتصل ذلك بالنبى عليه الصلاه و السلام،

المعلوم وجوده بالضروره و صدقه بالادله المعجزات،

و الرسول اخذه عن جبريل عليه السلام عن ربه عز و جل،

فنقل القران في الاصل رسولان معصومان من الزياده و النقصان،

و نقله الينا بعدهم اهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه و يسمعونه لكثره العدد،

و لذلك و قع لنا العلم الضرورى بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد صلى الله عليه و سلم ،



و من ظهور القران على يديه و تحديه به،

فالقران معجزه نبينا صلى الله عليه و سلم الباقيه بعده الى يوم القيامه مع ان معجزه كل نبى انقرضت بانقراضه او دخلها التبديل كالتوراه و الانجيل،

فلما عجزت قريش عن الاتيان بمثله و قالت: ان النبى صلى الله عليه و سلم تقوله انزل الله تحديا لهم قوله “ام يقولون تقوله بل لا يؤمنون فلياتوا بحديث مثله ان كانوا صادقين”الطور 33-34 ثم تحداهم و انزل تعجيزا ابلغ من ذلك فقال “ام يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات” هود: 13.

فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار الى مثل سوره من السور القصار فقال جل وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسوره من مثله”البقره 23.

فافحموا عن الجواب و تقطعت بهم الاسباب،

و عدلوا الى الحروب و العناد و اثروا سبى الحريم و الاولاد،

و لو قدروا على المعارضه لكان اهون كثيرا و ابلغ في الحجه و اشد تاثيرا مع كونهم ارباب البلاغه و عنهم تؤخذ الفصاحة.
واعلم ان القران نفسه هو المعجز بالفاظه و معانيه لان فصاحته و بلاغته امر خارق للعاده اذ لم يوجد كلام قط على هذا الوجه،

و ما قاله النظام و من على شاكلته من ان وجه الاعجاز في القران هو انهم منعوا منه و صرفوا عنه قول فاسد،

لان اجماع الامه قبل حدوث المخالف ان القران هو المعجز،

فلو قلنا ان المنع و الصرفه هو المعجز لخرج القران عن ان يكون معجزا،

و ذلك خلاف الاجماع.
هذا و قد ذكر العلماء اوجها كثيره للاعجاز نلخص منها ما ياتى بايجاز:-
20887.

النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب لان،

نظمه ليس من نظم الشعر في شيء و كذلك قال رب العزه الذى تولي نظمه “وما علمناه الشعر و ما ينبغى له”يس 69.

و في صحيح مسلم ان انيسا اخا ابى ذر قال لابى ذر: لقيت رجلا بمكه على دينك يزعم ان الله ارسله.

قلت: فما يقول الناس

قال: يقولون شاعر كاهن ساحر و كان انيس احد الشعراء قال انيس: لقد سمعت قول الكهنه فما هو بقولهم،

و لقد وضعت قوله على اقراء الشعر(7 فلم يلتئم على لسان احد بعدى انه شعر و الله انه لصادق و انهم لكاذبون(8).
الاسلوب المخالف لجميع اساليب العرب.
الجزاله التى لا تصح من مخلوق بحال،

قال القرطبي(9): و تامل ذلك في سوره ق و القران المجيد الى اخرها و قوله سبحانه “والارض جميعا قبضته يوم القيامه و السماوات مطويات بيمينه”الزمر:67 الى اخر السوره و كذا قوله “ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون” ابراهيم 42 الى اخر السوره قال ابن الحصار: فمن علم ان الله سبحانه و تعالى هو الحق علم ان مثل هذه الجزاله لا تصح في خطاب غيره،

و لا يصح من اعظم ملوك الدنيا ان يقول “لمن الملك اليوم”غافر 16 و لا ان يقول “ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء” الرعد 13
التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربى حتى يقع منهم الاتفاق من كلهم على اصابته في وضع كل كلمه و حرف موضعه.
20888.

الاخبار عن الامور التى تقدمت في اول الدنيا الى وقت نزوله،

من امى ما كان يتلو من قبله من كتاب و لا يخطه بيمينه،

مع انه اخذ بما كان من قصص الانبياء مع اممها،

و ذكر ما ساله اهل الكتاب عنه،

و تحدوه به من قصه اهل الكهف،

و شان موسي و الخضر عليهما السلام،

و حال ذى القرنين.
20889.

الوفاء بالوعد المدرك بالحس في العيان في كل ما و عد الله سبحانه،20890.

و ينقسم الى اخباره المطلقه كوعده بنصر رسوله عليه السلام،

و اخراج الذين اخرجوه من وطنه و الى و عد مقيد بشرط كقوله ” و من يتوكل على الله فهو حسبه”الطلاق 3 و قوله “ومن يؤمن بالله يهد قلبه”التغابن 11
الاخبار عن المغيبات في المستقبل التى لا يطلع عليها الا بالوحى فمن ذلك ما و عد الله نبيه عليه السلام انه سيظهر دينه على الاديان بقوله تعالى “هو الذى ارسل رسوله بالهدي و دين الحق ليظهره على الدين كله”التوبه 33 ايه ففعل ذلك،

و كان ابو بكر رضى الله عنه اذا اغزي جيوشه عرفهم ما و عدهم الله في اظهار دينه ليثقوا بالنصر،

و ليستيقنوا بالنجاح،

و كان عمر رضى الله عنه يفعل ذلك،

فلم يزل الفتح يتوالي شرقا و غربا،

برا و بحرا.
ما تضمنه القران الكريم من العلم الذى هو قوام كل الانام في الحلال و الحرام و سائر الاحكام.
التناسب في كل ما تضمنه ظاهرا و باطنا من غير اختلاف.

قال تعالى ” و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا”النساء:82 .


الحكم الكثيره التى لم تجر العاده بان تصدر في كثرتها و شرفها من ادمي.
التعريف بعلوم القران فنا مستقلا و متى ظهر هذا الاصطلاح
هو علم ذو مباحث تتعلق بالقران الكريم من حيث نزوله و ترتيبه و كتابته و جمعه و قراءاته و تفسيره و اعجازه و ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه الى غير ذلك من المباحث التى تذكر في هذا العلم(10)،

و قد يسمي هذا العلم باصول التفسير لانه يتناول العلوم التى لابد للمفسر منها(11).
واول ظهور هذا المصطلح لعلوم القران فنا مستقلا كان على يد الحوفى المتوفى 430ه في كتابه “البرهان في علوم القران”،

ثم تبعه ابن الجوزى المتوفي سنه 597ه في كتابه “فنون الافنان في عجائب القران” ثم جاء بدر الدين الزركشى المتوفي سنه 794ه بكتاب و اف سماه “البرهان في علوم القران” ثم جاء البلقينى المتوفي سنه 824ه فالف كتابه “مواقع العلوم من مواقع النجوم” ثم جاء خاتمه الحفاظ وفارس الميدان جلال الدين السيوطى المتوفي سنه 911ه بكتابه “الاتقان في علوم القران”،

و صار الناس بعده عيالا عليه،

كل ياخذ منه،

و البعض يلخص و البعض يختصر.
وقد نشط التاليف في علوم القران في العصر الحديث مثل كتاب مصطفي صادق الرافعى في اعجاز القران،

و النبا العظيم للدكتور محمد عبدالله دراز،

و كتاب الشيخ طاهر الجزائرى التبيان في علوم القران و كتاب مناهل العرفان في علوم القران للشيخ محمد عبدالعظيم الزرقانى و كتاب المدخل في علوم القران لشيخنا الشيخ الدكتور محمد محمد ابو شهبه رحمه الله و كتاب مباحث في علوم القران للشيخ مناع القطان رحمه الله الى غير ذلك من التاليف الكثيره في هذا العصر.
متي بدا النزول و كم كانت مده النزول
ان بحث نزول القران و تاريخ نزوله،

لمن اهم المباحث اذ به تعرف تنزلات القران الكريم،

و متى نزل،

و كيف نزل،

و على من نزل و كيف كان يتلقاه جبريل من الله تبارك و تعالى

و لاشك ان العلم بذلك يتوقف على كمال الايمان،

بان القران من عند الله،

و انه المعجزه العظمي للنبى صلى الله عليه و سلم ،



كما ان كثيرا من المباحث التى تذكر في هذا الفن يتوقف على العلم بنزوله،

فهو كالاصل بالنسبه لغيره.
انزل الله القران الكريم على رسولنا محمد صلى الله عليه و سلم لهدايه البشر و اخراجهم من الظلمات الى النور،

فكان نزوله حدثا جللا مؤذنا بمكانه النبى صلى الله عليه و سلم عند اهل السماء و الارض.
فانزاله الاول في ليله القدر نبه العالم العلوى على شرف هذه الامه و انها القائده التى جعلها الله خير امه اخرجت للناس.
قال تعالى “شهر رمضان الذى انزل فيه القران هدي للناس و بينات من الهدي و الفرقان” البقره الايه 185 ،



فقد مدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بانه اختاره من بينها لانزال القران العظيم فيه،

قال ابن كثير(12): “وكما اختصه بذلك فقد و رد الحديث بانه الشهر الذى كانت الكتب الالهيه تنزل فيه على الانبياء “.
قال الامام احمد بن حنبل(13 رحمه الله حدثنا ابو سعيد مولي بنى هاشم،

حدثنا عمران ابو العوام عن قتاده عن ابى المليح عن و اثله يعنى ابن الاسقع ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: انزلت صحف ابراهيم في اول ليله من رمضان،

و الانجيل لثلاث عشره خلت من رمضان و انزل الله القران لاربع و عشرين خلت من رمضان.
وقد روي من حديث جابر بن عبدالله و فيه ان الزبور انزل لثنتى عشره خلت من رمضان و الانجيل لثمانى عشره و الباقى كما تقدم رواه ابن مردويه(14).
اما الصحف و التوراه و الزبور و الانجيل فنزل كل منها على النبى الذى انزل عليه جمله واحده واما القران فكان نزوله الاول جمله واحده الى بيت العزه من سماء الدنيا،

كما تدل عليه الايات: “شهر رمضان …”البقرة: 185 “انا انزلناه في ليله مباركة”الدخان 3 .


اما تاريخ نزول القران منجما و هو النزول الثاني،

فقد كان بعد الاربعين من عمره صلى الله عليه و سلم حينما بعث في يوم الاثنين و كان اول ما نزل عليه صدر سوره اقرا كما ذكر ذلك محققو اهل العلم من اهل التفسير و الحديث و السير،

قال العلامه الفاسى في نظمه قره الابصار في سيره المشفع المختار(15):
صلي عليه اشرف العباد
من بعد اربعين عاما غبرا

صلي عليه الله فالق الفلق

توحيد رب العالمين مرسلا
احصاءه من معجزات كالمطر
نورا و رفعه مع ابتهاجى
كما اتت بذلك الاخبار
لو شاء لكن جاد بالتاخير
منهم و من اصلابهم ابناء
وايد الحق به و اظهره
بيان مبعث النبى الهاد
وجاءه جبريل في غار حرا
فى يوم الاثنين بسوره العلق
فقام يدعو الانس و الجن الى
مؤيدا منه برا اعيا البشر
نفعا و كثره و كالسراج
ومع ذا حاصره الفجار
وكان قادرا على التدمير
حتي هدي الله به من شاء
ثم اعز دينه و نصره
قال في الاتقان(16): “اما انزاله الثانى مفرقا على حسب الوقائع خلافا لما كان معهودا عندهم في الكتب السابقه فقد اثار الضجه عند القوم حتى حملهم على المحاده و المساءله حتى ظهر لهم الحق فيما بعد من اسرار الحكم الالهيه في انزاله منجما على حسب الوقائع حتى اكمل الله الدين”.
هذا و قد يظن البعض ان الايات من قوله “شهر رمضان الذى انزل فيه القران”البقرة:185 الخ و قوله “حم و الكتاب المبين انا انزلناه في ليله مباركه انا كنا منذرين” الدخان:1-3 و قوله “انا انزلناه في ليله القدر”القدر 1.

بينها تعارض و الواقع انه لا تعارض بينها،

فالليله المباركه هى ليله القدر من شهر رمضان،

و انما يتعارض ظاهرها مع الواقع العملى في حياه الرسول صلى الله عليه و سلم لان القران نزل عليه خلال ثلاث و عشرين سنة.
وقد روي من غير وجه عن ابن عباس كما قال اسرائيل عن السدى عن محمد بن ابى المجالد عن مقسم عن ابن عباس انه ساله عطيه بن الاسود فقال و قع في قلبى الشك من قول الله تعالى “شهر رمضان الذى انزل فيه القران”وقد انزل في شوال و ذى القعده و في ذى الحجه و محرم،

و صفر و شهر ربيع فقال ابن عباس و جمهور العلماء:ان المراد بنزول القران في تلك الايات الثلاث،

نزوله جمله واحده الى بيت العزه من السماء الدنيا تعظيما لشانه عند الملائكه ثم انزل بعد ذلك منجما على مواقع النجوم ترتيلا في الشهور و الايام في ثلاث و عشرين سنه حسب الوقائع و الاحداث منذ بعثه صلى الله عليه و سلم الى ان توفي حيث اقام بمكه بعد البعثه ثلاث عشره سنه و بالمدينه بعد الهجره عشر سنين و هذا المذهب هو الذى جاءت به الاخبار الصحيحه عن ابن عباس في عده روايات منها:
1 عن ابن عباس قال انزل القران جمله واحده الى السماء الدنيا(17 ليله القدر ثم انزل بعد ذلك في عشرين سنه ثم قرا “ولا ياتونك بمثل الا جئناك بالحق و احسن تفسيرا”الفرقان 33.

و قوله “وقرانا فرقناه لتقراه على الناس على مكث” الاسراء 106.
2 و عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: فصل القران من الذكر فوضع في بيت العزه من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبى صلى الله عليه و سلم.
3 و عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: انزل الله القران جمله واحده الى السماء الدنيا و كان بمواقع النجوم و كان الله ينزله على رسوله صلى الله عليه و سلم بعضه اثر بعض.

رواه الحاكم و البيهقي(18).
4 و عنه رضى الله عنه قال انزل القران في ليله القدر في شهر رمضان الى السماء الدنيا جمله واحده ثم انزل نجوما “رواه الطبراني”.
2 المذهب الثاني: هو المروى عن الشعبى ان المراد بنزول القران في الايات الثلاث ابتداء نزوله على رسول الله صلى الله عليه و سلم ،



فقد ابتدا نزوله في ليله القدر من شهر رمضان و هى الليله المباركه ثم تتابع نزوله بعد ذلك مندرجا مع الوقائع و الاحداث في قرابه ثلاث و عشرين سنة.
قال: فليس للقران الا نزول واحد هو نزوله منجما على رسول الله صلى الله عليه و سلم لان هذا هو الذى جاء به القران قال تعالى “وقرانا فرقناه لتقراه على الناس على مكث”الاسراء:106،

و لهذا جادل فيه المشركون لكون الكتب السماويه نقل اليهم نزولها جمله واحده قال تعالى “وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القران جمله واحده كذلك لنثبت به فؤادك و رتلناه ترتيلا و لا ياتونك بمثل الا جئناك بالحق و احسن تفسيرا”الفرقان:32-33.
قال: و لا يظهر للبشريه مزيه لشهر رمضان و ليله القدر التى هى الليله المباركه الا اذا كان المراد بالايات الثلاث نزول القران على رسول الله صلى الله عليه و سلم و هذا يوافق ما جاء في قوله تعالى في غزوه بدر “وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقي الجمعان و الله على كل شيء قدير” الانفال:41.

و قد كانت غزوه بدر في رمضان،

و يؤيد هذا ما عليه المحققون في حديث بدء الوحي.
عن عائشه قالت: “اول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحى الرؤيا الصادقه في النوم فكان لا يري رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح”(19 فالمحققون على ان رسول الله صلى الله عليه و سلم نبئ اولا بالرؤيا في الشهر الذى ولد فيه و هو شهر ربيع الاول،

و كانت المده بين الرؤيا و الوحى اليه يقظه سته اشهر ثم اوحى اليه يقظه ب “اقرا”
قال الشيخ مناع القطان رحمه الله(20 “وبهذا تتازر النصوص على معنى واحد”.
3-المذهب الثالث:يري ان القران انزل الى السماء الدنيا في ثلاث و عشرين ليله قدر في كل ليله منها ما يقدر الله انزاله في كل السنه و هذا القدر الذى ينزل في ليله القدر الى السماء الدنيا لسنه كامله ينزل بعد ذلك منجما على رسول صلى الله عليه و سلم في كل السنة.
ولاشك ان هذا المذهب اجتهاد من بعض المفسرين فليس هناك ما يدل عليه،

اما المذهب الثانى فانه لا تعارض بينه و بين المذهب الاول الذى هو مذهب ابن عباس و الجمهور.
فالراجح ان القران الكريم له تنزلان،

كما علمت:
الاول:نزوله الى بيت العزه من سماء الدنيا جملة.
وقد نقل القرطبي(21 الاجماع على هذا النزول عن مقاتل بن حيان و ممن قال بقوله الخليمى و الماوردي(22).

الثاني:نزوله من السماء الدنيا مفرقا على مدي ثلاث و عشرين سنة.
الحكمه في انزال القران جمله الى السماء
1-تفخيم امره و امر من نزل عليه،

و ذلك باعلام سكان السموات السبع ان هذا اخر الكتب المنزله على خاتم الرسل لاشرف الامم.

قال السيوطي: نقلا عن ابى شامه في المرشد الوجيز ” لولا ان الحكمه الالهيه اقتضت و صوله اليهم منجما بحسب الوقائع لهبط به الى الارض جمله كسائر الكتب المنزله قبله،

و لكن الله باين بينه و بينها فجعل له الامرين: انزاله جمله ثم انزاله مفرقا تشريفا للمنزل عليه”(23).
2 و قال السخاوى في جمال القراء:” نزوله الى السماء الدنيا جمله تكريم لبنى ادم و تعظيم لشانهم عند الملائكه و تعريفهم عنايه الله بهم و رحمته لهم “.
والقران بالاستقراء كان ينزل حسب الحاجه خمس ايات و عشر ايات و اكثر و اقل،

و صح نزول عشر ايات في قصه الافك جملة.
ونزول عشر ايات من اول سوره المؤمنون جمله كما صح نزول “غير اولى الضرر”وحدها و هى بعض ايه و كذا قوله “وان خفتم عيلة” الى اخر الايات.
ويوضح ذلك ما اخرجه البخاري(24 عن عائشه رضى الله عنها قالت: انما نزل اول ما نزل منه سوره من المفصل فيها ذكر الجنه و النار،

حتي اذا ثاب الناس الى الاسلام نزل الحلال و الحرام،

و لو نزل اول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر ابدا،

و لو نزل “لاتزنوا” لقالوا لا ندع الزني ابدا.
اعلم ان القران الكريم له وجودات ثلاثة:-
1 وجوده في اللوح المحفوظ.
2 وجوده في السماء الدنيا.
3 وجوده في الارض.
بنزوله على النبى صلى الله عليه و سلم ،



و لم يقترن النزول الا بالوجود الثانى و الثالث و قد دل القران الكريم انه كان قبل نزوله في اللوح المحفوظ حيث يقول الله تعالى “بل هو قران مجيد في لوح محفوظ”البروج 21-22.
وهذا اللوح المحفوظ هو الكتاب المكنون الذى قال الله عنه “انه لقران كريم في كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون تنزيل من رب العالمين”الواقعة: 77-80 و الذى عليه جمهور المفسرين ان الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ،

و اللوح المحفوظ هو السجل العام الذى كتب الله فيه في الازل كل ما كان و كل ما يكون،

و الواجب علينا ان نؤمن به و انه موجود ثابت،

اما البحث فيما و راء ذلك فلسنا مطالبين به.
اما كيف كان جبريل يتلقي الوحي،

فلا يركن الى شيء مما قيل في ذلك الا ما اوما له الدليل،

و اولي قول في هذا المجال هو ما ذكره البيهقى في تفسير قوله تعالى “انا انزلناه في ليله القدر” القدر 1 قال: يريد و الله اعلم ” انا اسمعنا الملك و افهمناه اياه و انزلناه بما سمع،

و هذا القول يشهد له ما رواه الطبرانى من حديث النواس بن سمعان” مرفوعا الى النبى صلى الله عليه و سلم قال: “اذا تكلم الله بالوحى اخذت السماء رجفه شديده من خوف الله فاذا سمع بذلك اهل السماء صعقوا و خروا سجدا،

فيكون اولهم يرفع راسه جبريل فيكلمه الله بوحيه بما اراد فينتهى به حيث امر” و الحديث وان لم يكن نصا في القران الا ان الوحى يشمل و حى القران و غيره(25).
اما قول من قال ان جبريل اخذ القران من الكتاب،

لم يسمعه من الله،

فهذا قول باطل كما ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية(26 و قد اخبر تعالى بانه منزل منه قال تعالى “والذين اتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق” الانعام 114 و قال تعالى “حم تنزيل من الرحمن الرحيم” فصلت 1-2.

و قال “حم
“تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم” الاحقاف: 1-2.

فجبريل رسول الله من الملائكه جاء به الى رسول الله صلى الله عليه و سلم من البشر و الله يصطفى من الملائكه رسلا و من الناس.

و كلاهما مبلغ له.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية(27): ” و هو مع هذا كلام الله ليس لجبريل و لا لمحمد فيه الا التبليغ و الاداء كما ان المعلمين له في هذا الزمان و التالين له في الصلاه او خارج الصلاه ليس لهم فيه الا ذلك لم يحدثوا شيئا من حروفه و لا معانيه “.
قال الامام السيوطي(28 قال الجويني: كلام الله المنزل قسمان:
ا – قسم قال الله لجبريل قل للنبى صلى الله عليه و سلم الذى انت مرسل اليه ان الله يقول افعل كذا و كذا،

ففهم جبريل ما قاله ربه،

ثم نزل على ذلك النبى صلى الله عليه و سلم و قال له ما قاله ربه و لم تكن العباره تلك العباره كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك اجتهد في الخدمه و اجمع جندك للقتال.

فان قال الرسول بقول الملك لا تتهاون في خدمته و لا تترك الجند تتفرق و حثهم على المقاتله لا ينسب الى كذب و لا تقصير في اداء الرسالة.
ب قسم اخر قال الله لجبريل اقرا على النبى هذا الكتاب فنزل جبريل بكلمه من الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا و يسلمه الى امين و يقول له اقراه على فلان فهو لا يغير منه كلمه و لا حرفا.
قال السيوطي: القران هو القسم الثاني،

و القسم الاول هو السنه و قد و رد ان جبريل كان ينزل بالسنه كما ينزل بالقران قال: و لهذا جازت روايه السنه بالمعني بخلاف القران الكريم فانه نزل جبريل بالفاظه و معانيه فلا تجوز روايته بالمعنى.

و السر في ذلك ان القران يقصد التعبد بالفاظه و هو كذلك معجز فلا يمكن لاحد مهما اوتى من البلاغه و الفصاحه ان ياتى بلفظ يقوم مقامه.
كما ان فيه تخفيفا على الامه حيث جعل المنزل اليهم على قسمين قسم يروونه بلفظه الموحى به و قسم يروونه بالمعنى،

و لو جعل كله مما يروى باللفظ،

لشق،

او بالمعني لم يؤمن التبديل.

قال صاحب المدخل(29 “وكذلك ليس للنبى صلى الله عليه و سلم في القران شيء الا مجرد التبليغ فقط و هذا هو الحق الذى يجب على كل مسلم ان يعتقده و يؤمن به “.
قال: و لا يلتفت الى ما زعمه بعض من يهرف بما لايعرف،

او من يفترى و يختلق من ان جبريل اوحى اليه المعنى،

و انه عبر بهذه الالفاظ الداله على المعانى بلغه العرب،

ثم نزل على النبى صلى الله عليه و سلم كذلك او ان جبريل اوحي الى النبى صلى الله عليه و سلم المعني ان النبى صلى الله عليه و سلم عبر عن هذه المعانى بلفظ من عنده فهذا القول زعم و خرص لم تقم عليه اثاره من علم.
وهو خلاف ما تواتر عليه القران و السنه و انعقد عليه اجماع الامه من ان القران لفظه و معناه كلام الله و من عند الله منه بدا و اليه يعود.
الي ان قال: و هذا الزعم لا يقول به الا جاهل استولي الجهل و الغفله عليه او زنديق قد يدس في الدين و العلم ما ليس منه.
ولا يغتر بوجوده في بعض الكتب الاسلاميه فاغلب الظن انه مدسوس على الاسلام و المسلمين هذا و قد بلغ النبى صلى الله عليه و سلم القران الكريم من غير تحريف و لا تبديل و لا تغيير لشيء منه و لا كتمان له،

و لو كان كاتما شيئا [حاشاه من ذلك] لكتم تبليغ الايات التى عوتب فيها و يكفى ان تقرا قول الحق تبارك و تعالى “ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته”المائده 67 و قوله “واذا تتلي عليهم اياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقران غير هذا او بدله قل ما يكون لى ان ابدله من تلقاء نفسى ان اتبع الا ما يوحي الى انى اخاف ان عصيت ربى عذاب يوم عظيم” يونس 15 و قوله “ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من احد عنه حاجزين” الحاقه 44-47

267 views

في اي سنة نزل القران