9:45 مساءً الأربعاء 13 ديسمبر، 2017

قصص الانبياء كاملة

صوره قصص الانبياء كاملة

قصص ألانبياءَ كامله مِن بِدايه ألخلق الي رسول ألله صلي ألله عَليه و سلام

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
ادم عَليه ألسلام

ابو ألبشر،
خلقه ألله بيده و أسجد لَه ألملائكه و علمه ألاسماءَ و خلق لَه زوجته و أسكنهما ألجنه و أنذرهما أن لا يقربا شجره معينه و لكن ألشيطان و سوس لهما فاكلا مِنها فانزلهما ألله الي ألارض و مكن لهما سبل ألعيش بها و طالبهما بعباده ألله و حده و حض ألناس علَي ذَلك،
وجعله خليفته فِى ألارض،
وهو رسول ألله الي أبنائه و هو اول ألانبياء.

خلق أدم عَليه ألسلام:

اخبر ألله سبحانه و تعالي ملائكه بانه سيخلق بشرا خليفه لَه فِى ألارض.
فقال ألملائكه : أتجعل فيها مِن يفسد فيها و يسفك ألدماءَ و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك).

ويوحى قول ألملائكه هَذا بانه كَان لديهم تجارب سابقه فِى ألارض , او ألهام و بصيره , يكشف لَهُم عَن شيء مِن فطره هَذا ألمخلوق , ما يجعلهم يتوقعون انه سيفسد فِى ألارض , و أنه سيسفك ألدماءَ .

.
ثم هُم – بفطره ألملائكه ألبريئه ألَّتِى لا تتصور ألا ألخير ألمطلق – يرون ألتسبيح بحمد ألله و ألتقديس لَه , هُو و حده ألغايه للوجود .

.
وهو متحقق بوجودهم هُم , يسبحون بحمد ألله و يقدسون له, و يعبدونه و لا يفترون عَن عبادته

هَذه ألحيره و ألدهشه ألَّتِى ثارت فِى نفوس ألملائكه بَعد معرفه خبر خلق أدم..
امر جائز علَي ألملائكه ،
ولا ينقص مِن أقدارهم شيئا،
لانهم،
رغم قربهم مِن ألله،
وعبادتهم له،
وتكريمه لهم،
لا يزيدون علَي كونهم عبيدا لله،
لا يشتركون معه فِى علمه،
ولا يعرفون حكمته ألخافيه ،
ولا يعلمون ألغيب .

لقد خفيت عَليهم حكمه ألله تعالي , فِى بناءَ هَذه ألارض و عمارتها , و في تنميه ألحيآه , و في تحقيق أراده ألخالق فِى تطويرها و ترقيتها و تعديلها , علَي يد خليفه ألله فِى أرضه .

هَذا ألَّذِى قَد يفسد أحيانا , و قد يسفك ألدماءَ أحيانا .

عندئذَ جاءهم ألقرار مِن ألعليم بِكُل شيء , و ألخبير بمصائر ألامور: أنى أعلم ما لا تعلمون).

وما ندرى نحن كَيف قال ألله او كَيف يقول للملائكه .

وما ندرى كذلِك كَيف يتلقي ألملائكه عَن ألله ،

فلا نعلم عنهم سوي ما بلغنا مِن صفاتهم فِى كتاب ألله .

ولا حاجه بنا الي ألخوض فِى شيء مِن هَذا ألَّذِى لا طائل و راءَ ألخوض فيه .

إنما نمضى الي مغزي ألقصه و دلالتها كَما يقصها ألقران .

ادركت ألملائكه أن ألله سيجعل فِى ألارض خليفه ..
واصدر ألله سبحانه و تعالي أمَره أليهم تفصيلا،
فقال انه سيخلق بشرا مِن طين،
فاذا سواه و نفخ فيه مِن روحه فيَجب علَي ألملائكه أن تسجد له،
والمفهوم أن هَذا سجود تكريم لا سجود عباده ،
لان سجود ألعباده لا يَكون ألا لله و حده.

جمع ألله سبحانه و تعالي قبضه مِن تراب ألارض،
فيها ألابيض و ألاسود و ألاصفر و ألاحمر – و لهَذا يجيء ألناس ألوانا مختلفه – و مزج ألله تعالي ألتراب بالماءَ فصار صلصالا مِن حما مسنون.
تعفن ألطين و أنبعثت لَه رائحه ..
وكان أبليس يمر عَليه فيعجب اى شيء يصير هَذا ألطين؟

سجود ألملائكه لادم:

من هَذا ألصلصال خلق ألله تعالي أدم .
.
سواه بيديه سبحانه ،

ونفخ فيه مِن روحه سبحانه .
.
فتحرك جسد أدم و دبت فيه ألحياه ..
فَتح أدم عينيه فراي ألملائكه كلهم ساجدين لَه .
.
ما عدا أبليس ألَّذِى كَان يقف مَع ألملائكه ،
ولكنه لَم يكن مِنهم،
لم يسجد .
.
فهل كَان أبليس مِن ألملائكه ألظاهر انه لا .

لانه لَو كَان مِن ألملائكه ما عصي .

فالملائكه لا يعصون ألله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون .

.
وسيجيء انه خلق مِن نار .

والماثور أن ألملائكه خلق مِن نور .

.
ولكنه كَان مَع ألملائكه و كان مامورا بالسجود .

اما كَيف كَان ألسجود و أين و متي كُل ذَلِك فِى علم ألغيب عِند ألله .

ومعرفته لا تزيد فِى مغزي ألقصه شيئا..

فوبخ ألله سبحانه و تعالي أبليس: قال يا أبليس ما مَنعك أن تسجد لما خلقت بيدى أستكبرت أم كنت مِن ألعالين .

فرد بمنطق يملاه ألحسد: قال انا خير مِنه خلقتنى مِن نار و خلقته مِن طين .

هنا صدر ألامر ألالهى ألعالى بطرد هَذا ألمخلوق ألمتمرد ألقبيح: قال فاخرج مِنها فانك رجيم و أنزال أللعنه عَليه الي يوم ألدين.
ولا نعلم ما ألمقصود بقوله سبحانه مِنها فهل هِى ألجنه أم هَل هِى رحمه ألله .

.
هَذا و ذَلِك جائز .

ولا محل للجدل ألكثير .

فإنما هُو ألطرد و أللعنه و ألغضب جزاءَ ألتمرد و ألتجرؤ علَي أمر ألله ألكريم .

قال فالحق و ألحق أقول 84 لاملان جهنم منك و ممن تبعك مِنهم أجمعين 85 ص)

هنا تحَول ألحسد الي حقد .

والي تصميم علَي ألانتقام فِى نفْس أبليس: قال رب فانظرنى الي يوم يبعثون .

واقتضت مشيئه ألله للحكمه ألمقدره فِى علمه أن يجيبه الي ما طلب , و أن يمنحه ألفرصه ألَّتِى أراد.
فكشف ألشيطان عَن هدفه ألَّذِى ينفق فيه حقده: قال فبعزتك لاغوينهم أجمعين و يستدرك فيقول: ألا عبادك مِنهم ألمخلصين فليس للشيطان اى سلطان علَي عباد ألله ألمؤمنين .

وبهَذا تحدد مِنهجه و تحدد طريقَه .

انه يقسم بعزه ألله ليغوين كُل ألادميين .

لا يستثنى ألا مِن ليس لَه عَليهم سلطان .

لا تطوعا مِنه و لكن عجزا عَن بلوغ غايته فيهم و بهَذا يكشف عَن ألحاجز بينه و بين ألناجين مِن غوايته و كيده ; و ألعاصم ألَّذِى يحَول بينهم و بينه .

انه عباده ألله ألَّتِى تخلصهم لله .

هَذا هُو طوق ألنجآه .

وحبل ألحيآه .

.
وكان هَذا و فق أراده ألله و تقديره فِى ألردي و ألنجآه .

فاعلن – سبحانه – أرادته .

وحدد ألمنهج و ألطريق: لاملان جهنم منك و ممن تبعك مِنهم أجمعين .

فَهى ألمعركه أذن بَين ألشيطان و أبناءَ أدم , يخوضونها علَي علم .

والعاقبه مكشوفه لَهُم فِى و عد ألله ألصادق ألواضح ألمبين .

وعليهم تبعه ما يختارون لانفسهم بَعد هَذا ألبيان .

وقد شاءت رحمه ألله ألا يدعهم جاهلين و لا غافلين .

فارسل أليهم ألمنذرين .

تعليم أدم ألاسماء:

ثم يروى ألقران ألكريم قصه ألسر ألالهى ألعظيم ألَّذِى أودعه ألله هَذا ألكائن ألبشرى , و هو يسلمه مقاليد ألخلافه : و علم أدم ألاسماءَ كلها .

سر ألقدره علَي ألرمز بالاسماءَ للمسميات .

سر ألقدره علَي تسميه ألاشخاص و ألاشياءَ باسماءَ يجعلها – و هى ألفاظ منطوقه – رموزا لتلك ألاشخاص و ألاشياءَ ألمحسوسه .

وهى قدره ذََات قيمه كبري فِى حيآه ألانسان علَي ألارض .

ندرك قيمتها حين نتصور ألصعوبه ألكبري , لَو لَم يوهب ألانسان ألقدره علَي ألرمز بالاسماءَ للمسميات , و ألمشقه فِى ألتفاهم و ألتعامل , حين يحتاج كُل فرد لكى يتفاهم مَع ألاخرين علَي شيء أن يستحضر هَذا ألشيء بذاته امامهم ليتفاهموا بشانه .

.
الشان شان نخله فلا سبيل الي ألتفاهم عَليه ألا باستحضار جسم ألنخله ألشان شان جبل .

فلا سبيل الي ألتفاهم عَليه ألا بالذهاب الي ألجبل ألشان شان فرد مِن ألناس فلا سبيل الي ألتفاهم عَليه ألا بتحضير هَذا ألفرد مِن ألناس .

.
.
أنها مشقه هائله لا تتصور معها حيآه و أن ألحيآه ما كَانت لتمضى فِى طريقها لَو لَم يودع ألله هَذا ألكائن ألقدره علَي ألرمز بالاسماءَ للمسميات .

اما ألملائكه فلا حاجه لَهُم بهَذه ألخاصيه , لأنها لا ضروره لَها فِى و ظيفتهم .

ومن ثُم لَم توهب لَهُم .

فلما علم ألله أدم هَذا ألسر , و عرض عَليهم ما عرض لَم يعرفوا ألاسماءَ .

لم يعرفوا كَيف يضعون ألرموز أللفظيه للاشياءَ و ألشخوص .

.
وجهروا امام هَذا ألعجز بتسبيح ربهم , و ألاعتراف بعجزهم , و ألاقرار بحدود علمهم , و هو ما علمهم .

.
ثم قام أدم باخبارهم باسماءَ ألاشياءَ .

ثم كَان هَذا ألتعقيب ألَّذِى يردهم الي أدراك حكمه ألعليم ألحكيم: قال ألم اقل لكُم أنى أعلم غيب ألسماوات و ألارض و أعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون .

اراد ألله تعالي أن يقول للملائكه انه علم ما أبدوه مِن ألدهشه حين أخبرهم انه سيخلق أدم،
كَما علم ما كتموه مِن ألحيره فِى فهم حكمه ألله،
كَما علم ما أخفاه أبليس مِن ألمعصيه و ألجحود..
ادرك ألملائكه أن أدم هُو ألمخلوق ألَّذِى يعرف..
وهَذا أشرف شيء فيه..
قدرته علَي ألتعلم و ألمعرفه ..
كَما فهموا ألسر فِى انه سيصبح خليفه فِى ألارض،
يتصرف فيها و يتحكم فيها..
بالعلم و ألمعرفه ..
معرفه بالخالق..
وهَذا ما يطلق عَليه أسم ألايمان او ألاسلام..
وعلم باسباب أستعمار ألارض و تغييرها و ألتحكم فيها و ألسياده عَليها..
ويدخل فِى هَذا ألنطاق كُل ألعلوم ألماديه علَي ألارض.

ان نجاح ألانسان فِى معرفه هذين ألامرين ألخالق و علوم ألارض يكفل لَه حيآه أرقى..
فكل مِن ألامرين مكمل للاخر.

سكن أدم و حواءَ فِى ألجنه :

اختلف ألمفسرون فِى كَيفيه خلق حواء.
ولا نعلم أن كَان ألله قَد خلق حواءَ فِى نفْس و قْت خلق أدم أم بَعده لكِننا نعلم أن ألله سبحانه و تعالي أسكنهما معا فِى ألجنه .
لا نعرف مكان هَذه ألجنه .
فقد سكت ألقران عَن مكأنها و أختلف ألمفسرون فيها علَي خمسه و جوه.
قال بَعضهم: انها جنه ألماوى،
وان مكأنها ألسماء.
ونفى بَعضهم ذَلِك لأنها لَو كَانت جنه ألماوي لحرم دخولها علَي أبليس و لما جاز فيها و قوع عصيان.
وقال أخرون: انها جنه ألماوي خلقها ألله لادم و حواء.
وقال غَيرهم: انها جنه مِن جنات ألارض تقع فِى مكان مرتفع.
وذهب فريق الي ألتسليم فِى أمرها و ألتوقف..
ونحن نختار هَذا ألراي.
ان ألعبره ألَّتِى نستخلصها مِن مكأنها لا تساوى شيئا بالقياس الي ألعبره ألَّتِى تستخلص مما حدث فيها.

لم يعد يحس أدم ألوحده .
كان يتحدث مَع حواءَ كثِيرا.
وكان ألله قَد سمح لهما بان يقتربا مِن كُل شيء و أن يستمتعا بِكُل شيء،
ما عدا شجره و أحده .
فاطاع أدم و حواءَ أمر ربهما بالابتعاد عَن ألشجره .
غير أن أدم أنسان،
والانسان ينسى،
وقلبه يتقلب،
وعزمه ضعيف.
واستغل أبليس أنسانيه أدم و جمع كُل حقده فِى صدره،
واستغل تكوين أدم ألنفسي..
وراح يثير فِى نفْسه يوما بَعد يوم.
راح يوسوس أليه يوما بَعد يوم: هَل أدلك علَي شجره ألخلد و ملك لا يبلي .

تسائل أدم بينه و بين نفْسه.
ماذَا يحدث لَو أكل مِن ألشجره .
. ربما تَكون شجره ألخلد حقا،
وكل أنسان يحب ألخلود.
ومرت ألايام و أدم و حواءَ مشغولان بالتفكير فِى هَذه ألشجره .
ثم قررا يوما أن ياكلا مِنها.
نسيا أن ألله حذرهما مِن ألاقتراب مِنها.
نسيا أن أبليس عودهما ألقديم.
ومد أدم يده الي ألشجره و قطف مِنها أحدي ألثمار و قدمها لحواء.
واكل ألاثنان مِن ألثمَره ألمحرمه .

ليس صحيحا ما تذكره صحف أليهود مِن أغواءَ حواءَ لادم و تحميلها مسئوليه ألاكل مِن ألشجره .
ان نص ألقران لا يذكر حواء.
إنما يذكر أدم كمسئول عما حدث عَليه ألصلآه و ألسلام.
وهكذا أخطا ألشيطان و أخطا أدم.
اخطا ألشيطان بسَبب ألكبرياء،
واخطا أدم بسَبب ألفضول.

لم يكد أدم ينتهى مِن ألاكل حتّي أكتشف انه أصبح عار،
وان زوجته عاريه .
وبدا هُو و زوجته يقطعان أوراق ألشجر لكى يغطى بهما كُل و أحد مِنهما جسده ألعاري.
واصدر ألله تبارك و تعالي أمَره بالهبوط مِن ألجنه .

هبوط أدم و حواءَ الي ألارض:

وهبط أدم و حواءَ الي ألارض.
واستغفرا ربهما و تاب أليه.
فادركته رحمه ربه ألَّتِى تدركه دائما عندما يثوب أليها و يلوذَ بها … و أخبرهما ألله أن ألارض هِى مكانهما ألاصلي..
يعيشان فيهما،
ويموتان عَليها،
ويخرجان مِنها يوم ألبعث.

يتصور بَعض ألناس أن خطيئه أدم بعصيانه هِى ألَّتِى أخرجتنا مِن ألجنه .
ولولا هَذه ألخطيئه لكِنا أليَوم هناك.
وهَذا ألتصور غَير منطقى لان ألله تعالي حين شاءَ أن يخلق أدم قال للملائكه : “انى جاعل فِى ألارض خليفه ” و لم يقل لهما أنى جاعل فِى ألجنه خليفه .
لم يكن هبوط أدم الي ألارض هبوط أهانه ،
وإنما كَان هبوط كرامه كَما يقول ألعارفون بالله.
كان ألله تعالي يعلم أن أدم و حواءَ سياكلان مِن ألشجره .
ويهبطان الي ألارض.
اما تجربه ألسكن فِى ألجنه فكَانت ركنا مِن أركان ألخلافه فِى ألارض.
ليعلم أدم و حواءَ و يعلم جنسهما مِن بَعدهما أن ألشيطان طرد ألابوين مِن ألجنه ،
وان ألطريق الي ألجنه يمر بطاعه ألله و عداءَ ألشيطان.

هابيل و قابيل:
يذكر لنا ألمولي عز و جل فِى كتابه ألكريم ألكثير عَن حيآه أدم عَليه ألسلام فِى ألارض.
لكن ألقران ألكريم يروى قصه أبنين مِن أبناءَ أدم هما هابيل و قابيل.
حين و قعت اول جريمه قتل فِى ألارض.
وكَانت قصتهما كالتالي.
كَانت حواءَ تلد فِى ألبطن ألواحد أبنا و بنتا.
وفي ألبطن ألتالى أبنا و بنتا.
فيحل زواج أبن ألبطن ألاول مِن ألبطن ألثاني..
ويقال أن قابيل كَان يُريد زوجه هابيل لنفسه..
فامرهما أدم أن يقدما قربانا،
فقدم كُل و أحد مِنهما قربانا،
فتقبل ألله مِن هابيل و لم يتقبل مِن قابيل.
قال تعالي فِى سوره ألمائده ):
واتل عَليهم نبا أبنى أدم بالحق أذَ قربا قربانا فتقبل مِن أحدهما و لم يتقبل مِن ألاخر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل ألله مِن ألمتقين 27 لئن بسطت الي يدك لتقتلنى ما انا بباسط يدياليك لاقتلك أنى أخاف ألله رب ألعالمين 28 ألمائده )
لاحظ كَيف ينقل ألينا ألله تعالي كلمات ألقتيل ألشهيد،
ويتجاهل تماما كلمات ألقاتل.
عاد ألقاتل يرفع يده مهددا..
قال ألقتيل فِى هدوء:
انى أريد أن تبوء باثمى و أثمك فتَكون مِن أصحاب ألنار و ذَلِك جزاءَ ألظالمين 29 ألمائده )
انتهي ألحوار بينهما و أنصرف ألشرير و ترك ألطيب مؤقتا.
بعد أيام..
كان ألاخ ألطيب نائما و سَط غابه مشجره ..
فقام أليه أخوه قابيل فقتله.
قال رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم: “لا تقتل نفْس ظلما ألا كَان علَي أبن أدم ألاول كفل مِن دمها لانه كَان اول مِن سن ألقتل”.
جلس ألقاتل امام شقيقه ألملقي علَي ألارض.
كان هَذا ألاخ ألقتيل اول أنسان يموت علَي ألارض..
ولم يكن دفن ألموتي شيئا قَد عرف بَعد.
وحمل ألاخ جثه شقيقه و راح يمشى بها..
ثم راي ألقاتل غرابا حيا بجانب جثه غراب ميت.
وضع ألغراب ألحى ألغراب ألميت علَي ألارض و ساوي أجنحته الي جواره و بدا يحفر ألارض بمنقاره و وضعه برفق فِى ألقبر و عاد يهيل عَليه ألتراب..
بعدها طار فِى ألجو و هو يصرخ.
اندلع حزن قابيل علَي أخيه هابيل كالنار فاحرقه ألندم.
اكتشف انه و هو ألاسوا و ألاضعف،
قد قتل ألافضل و ألاقوى.
نقص أبناءَ أدم و أحدا.
وكسب ألشيطان و أحدا مِن أبناءَ أدم.
واهتز جسد ألقاتل ببكاءَ عنيف ثُم أنشب أظافره فِى ألارض و راح يحفر قبر شقيقه.
قال أدم حين عرف ألقصه : هَذا مِن عمل ألشيطان انه عدو مضل مبين و حزن حزنا شديدا علَي خسارته فِى و لديه.
مات أحدهما،
وكسب ألشيطان ألثاني.
صلي أدم علَي أبنه،
وعاد الي حياته علَي ألارض: أنسانا يعمل و يشقي ليصنع خبزه.
ونبيا يعظ أبنائه و أحفاده و يحدثهم عَن ألله و يدعوهم أليه،
ويحكى لَهُم عَن أبليس و يحذرهم مِنه.
ويروى لَهُم قصته هُو نفْسه معه،
ويقص لَهُم قصته مَع أبنه ألَّذِى دفعه لقتل شقيقه.
موت أدم عَليه ألسلام:
وكبر أدم.
ومرت سنوات و سنوات..
وعن فراش موته،
يروى أبى بن كعب،
فقال: أن أدم لما حضره ألموت قال لبنيه: اى بني،
انى أشتهى مِن ثمار ألجنه .
قال: فذهبوا يطلبون له،
فاستقبلتهم ألملائكه و معهم أكفانه و حنوطه،
ومعهم ألفؤوس و ألمساحى و ألمكاتل،
فقالوا لهم: يا بنى أدم ما تُريدون و ما تطلبون او ما تُريدون و أين تطلبون قالوا: أبونا مريض و أشتهي مِن ثمار ألجنه ،
فقالوا لهم: أرجعوا فقد قضى أبوكم.
فجاءوا فلما راتهم حواءَ عرفتهم فلاذت بادم،
فقال: أليك عنى فانى إنما أتيت مِن قَبلك،
فخلى بينى و بين ملائكه ربى عز و جل.
فقبضوه و غسلوه و كفنوه و حنطوه،
وحفروا لَه و لحدوه و صلوا عَليه ثُم أدخلوه قبره فوضعوه فِى قبره،
ثم حثوا عَليه،
ثم قالوا: يا بنى أدم هَذه سنتكم.
وفي موته يروى ألترمذي: حدثنا عبد بن حميد،
حدثنا أبو نعيم،
حدثنا هشام بن سعد،
عن زيد بن أسلم،
عن أبى صالح،
عن أبى هريره قال: قال رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم “لما خلق ألله أدم مسح ظهره،
فسقط مِن ظهره كُل نسمه هُو خالقها مِن ذَريته الي يوم ألقيامه ،
وجعل بَين عينى كُل أنسان مِنهم و بيصا مِن نور،
ثم عرضهم علَي أدم فقال: اى رب مِن هؤلاءَ قال: هؤلاءَ ذَريتك،
فراي رجلا فاعجبه و بيص ما بَين عينيه،
فقال: اى رب مِن هَذا قال هَذا رجل مِن آخر ألامم مِن ذَريتك يقال لَه داود،
قال: رب و كم جعلت عمَره قال ستين سنه ،
قال: اى رب زده مِن عمرى أربعين سنه .
فلما أنقضي عمر أدم جاءه ملك ألموت،
قال: او لَم يبق مِن عمرى أربعون سنه قال: او لَم تعطها أبنك داود قال فجحد فجحدت ذَريته،
ونسى أدم فنسيت ذَريته،
وخطىء أدم فخطئت ذَريته”.

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
شيث بن أدم عَليه ألسلام
سيرته:

لما مات أدم عَليه ألسلام قام باعباءَ ألامر بَعده و لده شيث عَليه ألسلام و كان نبيا.
لما مات أدم عَليه ألسلام قام باعباءَ ألامر بَعده و لده شيث عَليه ألسلام و كان نبيا.
ومعني شيث: هبه ألله،
وسمياه بذلِك لانهما رزقاه بَعد أن قتل هابيل.
فلما حانت و فاته أوصي الي أبنه أنوش فقام بالامر بَعده،
ثم بَعده و لده قينن ثُم مِن بَعده أبنه مهلاييل – و هو ألَّذِى يزعم ألاعاجم مِن ألفرس انه ملك ألاقاليم ألسبعه ،
وانه اول مِن قطع ألاشجار،
وبني ألمدائن و ألحصون ألكبار،
وانه هُو ألَّذِى بني مدينه بابل و مدينه ألسوس ألاقصي و أنه قهر أبليس و جنوده و شردهم عَن ألارض الي أطرافها و شعاب جبالها و أنه قتل خلقا مِن مرده ألجن و ألغيلان،
وكان لَه تاج عظيم،
وكان يخطب ألناس و دامت دولته أربعين سنه .

فلما مات قام بالامر بَعده و لده يرد فلما حضرته ألوفآه أوصي الي و لده خنوخ،
وهو أدريس عَليه ألسلام علَي ألمشهور.

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
ادريس عَليه ألسلام

نبذه :

كان صديقا نبيا و من ألصابرين،
اول نبى بعث فِى ألارض بَعد أدم،
وهو أبو جد نوح،
انزلت عَليه ثلاثون صحيفه ،
ودعا الي و حدانيه ألله و أمن بِه ألف أنسان،
وهو اول مِن خط بالقلم و أول مِن خاط ألثياب و لبسها،
واول مِن نظر فِى علم ألنجوم و سيرها

سيرته:
ادريس عَليه ألسلام هُو احد ألرسل ألكرام ألَّذِين أخبر ألله تعالي عنهم فِى كتابه ألعزيز،
وذكره فِى بضعه مواطن مِن سور ألقران،
وهو ممن يَجب ألايمان بهم تفصيلا اى يَجب أعتقاد نبوته و رسالته علَي سبيل ألقطع و ألجزم لان ألقران قَد ذَكره باسمه و حدث عَن شخصه فوصفه بالنبوه و ألصديقيه .

نسبه:

هو أدريس بن يارد بن مهلائيل و ينتهى نسبه الي شيث بن أدم عَليه ألسلام و أسمه عِند ألعبرانيين خنوخ و في ألترجمه ألعربيه أخنوخ و هو مِن أجداد نوح عَليه ألسلام.
وهو اول بنى أدم أعطى ألنبوه بَعد أدم و شيث عَليهما ألسلام،
وذكر أبن أسحاق انه اول مِن خط بالقلم،
وقد أدرك مِن حيآه أدم عَليه ألسلام 308 سنوات لان أدم عمر طويلا زهاءَ 1000 ألف سنه .

حياته:
وقد أختلف ألعلماءَ فِى مولده و نشاته،
فقال بَعضهم أن أدريس و لد ببابل،
وقال أخرون انه و لد بمصر و ألصحيح ألاول،
وقد أخذَ فِى اول عمَره بعلم شيث بن أدم،
ولما كبر أتاه ألله ألنبوه فنهى ألمفسدين مِن بنى أدم عَن مخالفتهم شريعه أدم و شيث فاطاعه نفر قلِيل،
وخالفه جمع خفير،
فنوي ألرحله عنهم و أمر مِن أطاعه مِنهم بذلِك فثقل عَليهم ألرحيل عَن أوطانهم فقالوا له،
واين نجد إذا رحلنا مِثل بابل فقال إذا هاجرنا رزقنا ألله غَيره،
فخرج و خرجوا حتّي و صلوا الي أرض مصر فراوا ألنيل فَوقف علَي ألنيل و سبح ألله،
واقام أدريس و من معه بمصر يدعو ألناس الي ألله و ألي مكارم ألاخلاق.
وكَانت لَه مواعظ و أداب فقد دعا الي دين ألله،
والي عباده ألخالق جل و علا،
وتخليص ألنفوس مِن ألعذاب فِى ألاخره ،
بالعمل ألصالح فِى ألدنيا و حض علَي ألزهد فِى هَذه ألدنيا ألفانيه ألزائله ،
وامرهم بالصلآه و ألصيام و ألزكآه و غلظ عَليهم فِى ألطهاره مِن ألجنابه ،
وحرم ألمسكر مِن كُل شى مِن ألمشروبات و شدد فيه أعظم تشديد و قيل انه كَان فِى زمانه 72 لسانا يتكلم ألناس بها و قد علمه ألله تعالي منطقهم جميعا ليعلم كُل فرقه مِنهم بلسانهم.
وهو اول مِن علم ألسياسه ألمدنيه ،
ورسم لقومه قواعد تمدين ألمدن،
فبنت كُل فرقه مِن ألامم مدنا فِى أرضها و أنشئت فِى زمانه 188 مدينه و قد أشتهر بالحكمه فمن حكمه قوله خير ألدنيا حسره ،
وشرها ندم و قوله ألسعيد مِن نظر الي نفْسه و شفاعته عِند ربه أعماله ألصالحه و قوله ألصبر مَع ألايمان يورث ألظفر).

وفاته:
وقد أختلف فِى موته..
فعن أبن و هب،
عن جرير بن حازم،
عن ألاعمش،
عن شمر بن عطيه ،
عن هلال بن يساف قال: سال أبن عباس كعبا و أنا حاضر فقال له: ما قول ألله تعالي لادريس و رفعناه مكانا عليا فقال كعب: أما أدريس فإن ألله أوحي أليه: أنى أرفع لك كُل يوم مِثل كُل عمل بنى أدم – لعله مِن أهل زمانه – فاحب أن يزداد عملا،
فاتاه خليل لَه مِن ألملائكه ،
فقال “له”: أن ألله أوحي الي كذا و كذا فكلم ملك ألموت حتّي أزداد عملا،
فحمله بَين جناحيه ثُم صعد بِه الي ألسماء،
فلما كَان فِى ألسماءَ ألرابعه تلقاه ملك ألموت منحدرا،
فكلم ملك ألموت فِى ألَّذِى كلمه فيه أدريس،
فقال: و أين أدريس قال هُو ذَا علَي ظهري،
فقال ملك ألموت: يا للعجب بعثت و قيل لِى أقبض روح أدريس فِى ألسماءَ ألرابعه ،
فجعلت أقول: كَيف أقبض روحه فِى ألسماءَ ألرابعه و هو فِى ألارض فقبض روحه هناك.
فذلِك قول ألله عز و جل و رفعناه مكانا عليا}.
ورواه أبن أبى حاتم عِند تفسيرها.
وعنده فقال لذلِك ألملك سل لِى ملك ألموت كَم بقى مِن عمرى فساله و هو معه: كَم بقى مِن عمَره فقال: لا أدرى حتّي أنظر،
فنظر فقال أنك لتسالنى عَن رجل ما بقى مِن عمَره ألا طرفه عين،
فنظر ألملك الي تَحْت جناحه الي أدريس فاذا هُو قَد قبض و هو لا يشعر.
وهَذا مِن ألاسرائيليات،
وفي بَعضه نكاره .

وقول أبن أبى نجيح عَن مجاهد فِى قوله: و رفعناه مكانا عليا قال: أدريس رفع و لم يمت كَما رفع عيسى.
ان أراد انه لَم يمت الي ألآن ففي هَذا نظر،
وان أراد انه رفع حيا الي ألسماءَ ثُم قبض هناك.
فلا ينافي ما تقدم عَن كعب ألاحبار.
والله أعلم.

وقال ألعوفي عَن أبن عباس فِى قوله: و رفعناه مكانا عليا رفع الي ألسماءَ ألسادسه فمات بها،
وهكذا قال ألضحاك.
والحديث ألمتفق عَليه مِن انه فِى ألسماءَ ألرابعه أصح،
وهو قول مجاهد و غير و أحد.
وقال ألحسن ألبصري: و رفعناه مكانا عليا قال: الي ألجنه ،
وقال قائلون رفع فِى حيآه أبيه يرد بن مهلاييل و ألله أعلم.
وقد زعم بَعضهم أن أدريس لَم يكن قَبل نوح بل فِى زمان بنى أسرائيل.

قال ألبخاري: و يذكر عَن أبن مسعود و أبن عباس أن ألياس هُو أدريس،
واستانسوا فِى ذَلِك بما جاءَ فِى حديث ألزهرى عَن أنس فِى ألاسراء: انه لما مر بِه عَليه ألسلام قال لَه مرحبا بالاخ ألصالح و ألنبى ألصالح،
ولم يقل كَما قال أدم و أبراهيم: مرحبا بالنبى ألصالح و ألابن ألصالح،
قالوا: فلو كَان فِى عمود نسبه لقال لَه كَما قالا له.

وهَذا لا يدل و لابد،
قد لا يَكون ألراوى حفظه جيدا،
او لعله قاله علَي سبيل ألهضم و ألتواضع،
ولم ينتصب لَه فِى مقام ألابوه كَما أنتصب لادم أبى ألبشر،
وابراهيم ألَّذِى هُو خليل ألرحمن،
واكبر أولى ألعزم بَعد محمد صلوات ألله عَليهم أجمعين.
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
نوح عَليه ألسلام

نبذه :
كان نوح تقيا صادقا أرسله ألله ليهدى قومه و ينذرهم عذاب ألاخره و لكنهم عصوه و كذبوه،
ومع ذَلِك أستمر يدعوهم الي ألدين ألحنيف فاتبعه قلِيل مِن ألناس،
واستمر ألكفره فِى طغيانهم فمنع ألله عنهم ألمطر و دعاهم نوح أن يؤمنوا حتّي يرفع ألله عنهم ألعذاب فامنوا فرفع ألله عنهم ألعذاب و لكنهم رجعوا الي كفرهم،
واخذَ يدعوهم 950 سنه ثُم أمَره ألله ببناءَ ألسفينه و أن ياخذَ معه زوجا مِن كُل نوع ثُم جاءَ ألطوفان فاغرقهم أجمعين.
سيرته:

حال ألناس قَبل بعثه نوح:

قبل أن يولد قوم نوح عاش خمسه رجال صالحين مِن أجداد قوم نوح،
عاشوا زمنا ثُم ماتوا،
كَانت أسماءَ ألرجال ألخمسه هي: و د،
سواع،
يغوث،
يعوق،
نسرا).
بعد موتهم صنع ألناس لَهُم تماثيل فِى مجال ألذكري و ألتكريم،
ومضي ألوقت..
ومات ألَّذِين نحتوا ألتماثيل..
وجاءَ أبنائهم..
ومات ألابناءَ و جاءَ أبناءَ ألابناء..
ثم نسجت قصصا و حكايات حَول ألتماثيل تعزو لَها قوه خاصه ..
واستغل أبليس ألفرصه ،
واوهم ألناس أن هَذه تماثيل ألهه تملك ألنفع و تقدر علَي ألضرر..
وبدا ألناس يعبدون هَذه ألتماثيل.

ارسال نوح عَليه ألسلام:
كان نوح كَان علَي ألفطره مؤمنا بالله تعالي قَبل بعثته الي ألناس.
وكل ألانبياءَ مؤمنون بالله تعالي قَبل بعثتهم.
وكان كثِير ألشكر لله عز و جل.
فاختاره ألله لحمل ألرساله .
فخرج نوح علَي قومه و بدا دعوته:

يا قوم أعبدوا ألله ما لكُم مِن أله غَيره أنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم

بهَذه ألجمله ألموجزه و َضع نوح قومه امام حقيقه ألالوهيه ..
وحقيقه ألبعث.
هُناك أله خالق و هو و حده ألَّذِى يستحق ألعباده ..
وهُناك موت ثُم بعث ثُم يوم للقيامه .
يوم عظيم،
فيه عذاب يوم عظيم.شرح “نوح” لقومه انه يستحيل أن يَكون هُناك غَير أله و أحد هُو ألخالق.
افهمهم أن ألشيطان قَد خدعهم زمنا طويلا،
وان ألوقت قَد جاءَ ليتوقف هَذا ألخداع،
حدثهم نوح عَن تكريم ألله للانسان.
كيف خلقه،
ومنحه ألرزق و أعطاه نعمه ألعقل،
وليست عباده ألاصنام غَير ظلم خانق للعقل.

تحرك قوم نوح فِى أتجاهين بَعد دعوته.
لمست ألدعوه قلوب ألضعفاءَ و ألفقراءَ و ألبؤساء،
وانحنت علَي جراحهم و ألامهم بالرحمه ..
اما ألاغنياءَ و ألاقوياءَ و ألكبراء،
تاملوا ألدعوه بعين ألشك… و لما كَانوا يستفيدون مِن بقاءَ ألاوضاع علَي ما هِى عَليه..
فقد بدءوا حربهم ضد نوح.

في ألبِدايه أتهموا نوحا بانه بشر مِثلهم:

فقال ألملا ألَّذِين كفروا مِن قومه ما نراك ألا بشرا مِثلنا

قال تفسير ألقرطبي: ألملا ألَّذِين كفروا مِن قومه هُم ألرؤساءَ ألَّذِين كَانوا فِى قومه.
يسمون ألملا لانهم مليئون بما يقولون.

قال هؤلاءَ ألملا لنوح: انت بشر يا نوح.

رغم أن نوحا لَم يقل غَير ذَلك،
واكد انه مجرد بشر..
والله يرسل الي ألارض رسولا مِن ألبشر،
لان ألارض يسكنها ألبشر،
ولو كَانت ألارض تسكنها ألملائكه لارسل ألله رسولا مِن ألملائكه ..
استمرت ألحرب بَين ألكافرين و نوح.

في ألبدايه ،
تصور ألكفره يومها أن دعوه نوح لا تلبث أن تنطفئ و حدها،
فلما و جدوا ألدعوه تجتذب ألفقراءَ و ألضعفاءَ و أهل ألصناعات ألبسيطه بدءوا ألهجوم علَي نوح مِن هَذه ألناحيه .
هاجموه فِى أتباعه،
وقالوا له: لَم يتبعك غَير ألفقراءَ و ألضعفاءَ و ألاراذل.

هكذا أندلع ألصراع بَين نوح و رؤساءَ قومه.
ولجا ألَّذِين كفروا الي ألمساومه .
قالوا لنوح: أسمع يا نوح.
اذا أردت أن نؤمن لك فاطرد ألَّذِين أمنوا بك.
انهم ضعفاءَ و فقراء،
ونحن ساده ألقوم و أغنياؤهم..
ويستحيل أن تضمنا دعوه و أحده مَع هؤلاء.

واستمع نوح الي كفار قومه و أدرك انهم يعاندون،
ورغم ذَلِك كَان طيبا فِى رده.
افهم قومه انه لا يستطيع أن يطرد ألمؤمنين،
لانهم أولا ليسوا ضيوفه،
إنما هُم ضيوف ألله..
وليست ألرحمه بيته ألَّذِى يدخل فيه مِن يشاءَ او يطرد مِنه مِن يشاء،
إنما ألرحمه بيت ألله ألَّذِى يستقبل فيه مِن يشاء.

كان نوح يناقش كُل حجج ألكافرين بمنطق ألانبياءَ ألكريم ألوجيه.
وهو منطق ألفكر ألَّذِى يجرد نفْسه مِن ألكبرياءَ ألشخصى و هوي ألمصالح ألخاصه .

قال لَهُم أن ألله قَد أتاه ألرساله و ألنبوه و ألرحمه .
ولم يروا هُم ما أتاه ألله،
وهو بالتالى لا يجبرهم علَي ألايمان برسالته و هم كارهون.
ان كلمه لا أله ألا ألله لا تفرض علَي احد مِن ألبشر.
افهمهم انه لا يطلب مِنهم مقابلا لدعوته،
لا يطلب مِنهم مالا فيثقل عَليهم،
ان أجره علَي ألله،
هو ألَّذِى يعطيه ثوابه.
افهمهم انه لا يستطيع أن يطرد ألَّذِين أمنوا بالله،
وان لَه حدوده كنبي.
وحدوده لا تعطيه حق طرد ألمؤمنين لسببين: انهم سيلقون ألله مؤمنين بِه فكيف يطرد مؤمنا بالله ثُم انه لَو طردهم لخاصموه عِند ألله،
ويجازى مِن طردهم،
فمن ألَّذِى ينصر نوحا مِن ألله لَو طردهم و هكذا أنتهي نوح الي أن مطالبه قومه لَه بطرد ألمؤمنين جهل مِنهم.

وعاد نوح يقول لَهُم انه لا يدعي لنفسه اكثر مما لَه مِن حق،
واخبرهم بتذلله و تواضعه لله عز و جل،
فَهو لا يدعى لنفسه ما ليس لَه مِن خزائن ألله،
وهى أنعامه علَي مِن يشاءَ مِن عباده،
وهو لا يعلم ألغيب،
لان ألغيب علم أختص ألله تعالي و حده به.
اخبرهم ايضا انه ليس ملكا.
بمعني أن منزلته ليست كمنزله ألملائكه ..
قال لَهُم نوح: أن ألَّذِين تزدرى أعينكم و تحتقر و تستثقل..
ان هؤلاءَ ألمؤمنين ألَّذِى تَحْتقرونهم لَن تبطل أجورهم و تضيع لاحتقاركم لهم،
الله أعلم بما فِى أنفسهم.
هو ألَّذِى يجازيهم عَليه و يؤاخذهم به..
اظلم نفْسى لَو قلت أن ألله لَن يؤتيهم خيرا.

وسئم ألملا يومها مِن هَذا ألجدل ألَّذِى يجادله نوح..
حكي ألله موقفهم مِنه فِى سوره هود):

قالوا يا نوح قَد جادلتنا فاكثرت جدالنا فاتنا بما تعدنا أن كنت مِن ألصادقين 32 قال إنما ياتيكم بِه ألله أن شاءَ و ما أنتم بمعجزين 33 و لا ينفعكم نصحى أن أردت أن أنصح لكُم أن كَان ألله يُريد أن يغويكم هُو ربكم و أليه ترجعون 34 هود)

اضاف نوح أغواءهم الي ألله تعالى.
تسليما بان ألله هُو ألفاعل فِى كُل حال.
غير انهم أستحقوا ألضلال بموقفهم ألاختيارى و ملئ حريتهم و كامل أرادتهم..
فالانسان صانع لافعاله و لكنه محتاج فِى صدورها عنه الي ربه.
بهَذه ألنظره يستقيم معني مساءله ألانسان عَن أفعاله.
كل ما فِى ألامر أن ألله ييسر كُل مخلوق لما خلق له،
سواءَ أكان ألتيسير الي ألخير أم الي ألشر..
وهَذا مِن تمام ألحريه و كمالها.
يختار ألانسان بحريته فييسر لَه ألله تعالي طريق ما أختاره.
اختار كفار قوم نوح طريق ألغوايه فيسره ألله لهم.

وتستمر ألمعركه ،
وتطول ألمناقشه بَين ألكافرين مِن قوم نوح و بينه إذا انهارت كُل حجج ألكافرين و لم يعد لديهم ما يقال،
بدءوا يخرجون عَن حدود ألادب و يشتمون نبى ألله:

قال ألملا مِن قومه انا لنراك فِى ضلال مبين 60 ألاعراف)

ورد عَليهم نوح بادب ألانبياءَ ألعظيم:

قال يا قوم ليس بى ضلاله و لكنى رسول مِن رب ألعالمين 61 أبلغكم رسالات ربى و أنصح لكُم و أعلم مِن ألله ما لا تعلمون 62 ألاعراف)

ويستمر نوح فِى دعوه قومه الي ألله.
ساعه بَعد ساعه .
ويوما بَعد يوم.
وعاما بَعد عام.
ومرت ألاعوام و نوح يدعو قومه.
كان يدعوهم ليلا و نهارا،
وسرا و جهرا،
يضرب لَهُم ألامثال.
ويشرح لَهُم ألايات و يبين لَهُم قدره ألله فِى ألكائنات،
وكلما دعاهم الي ألله فروا مِنه،
وكلما دعاهم ليغفر ألله لَهُم جعلوا أصابعهم فِى أذانهم و أستكبروا عَن سماع ألحق.
واستمر نوح يدعو قومه الي ألله ألف سنه ألا خمسين عاما.

وكان يلاحظ أن عدَد ألمؤمنين لا يزيد،
بينما يزيد عدَد ألكافرين.
وحزن نوح غَير انه لَم يفقد ألامل،
وظل يدعو قومه و يجادلهم،
وظل قومه علَي ألكبرياءَ و ألكفر و ألتبجح.
وحزن نوح علَي قومه.
لكنه لَم يبلغ درجه ألياس.
ظل محتفظا بالامل طوال 950 سنه .
ويبدو أن أعمار ألناس قَبل ألطوفان كَانت طويله ،
وربما يَكون هَذا ألعمر ألطويل لنوح معجزه خاصه له.

وجاءَ يوم أوحي ألله أليه،
انه لَن يؤمن مِن قومك ألا مِن قَد أمن.
اوحي ألله أليه ألا يحزن عَليهم.
ساعتها دعا نوح علَي ألكافرين بالهلاك:

وقال نوح رب لا تذر علَي ألارض مِن ألكافرين ديارا 26 نوح)

برر نوح دعوته بقوله:

انك أن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا ألا فاجرا كفارا 26 نوح)

الطوفان:

ثم أصدر ألله تعالي حكمه علَي ألكافرين بالطوفان.
اخبر ألله تعالي عبده نوحا انه سيصنع سفينه باعيننا و وحينا اى بعلم ألله و تعليمه،
وعلي مراي مِنه و طبقا لتوجيهاته و مساعده ألملائكه .
اصدر ألله تعالي أمَره الي نوح: و لا تخاطبنى فِى ألَّذِين ظلموا انهم مغرقون يغرق ألله ألَّذِين ظلموا مُهما كَانت اهميتهم او قرابتهم للنبي،
وينهي ألله نبيه أن يخاطبه او يتوسط لهم.

وبدا نوح يغرس ألشجر و يزرعه ليصنع مِنه ألسفينه .
انتظر سنوات،
ثم قطع ما زرعه،
وبدا نجارته.
كَانت سفينه عظيمه ألطول و ألارتفاع و ألمتانه ،
وقد أختلف ألمفسرون فِى حجْمها،
وهيئتها،
وعدَد طبقاتها،
ومده عملها،
والمكان ألَّذِى عملت فيه،
ومقدار طولها،
وعرضها،
علي أقوال متعارضه لَم يصح مِنها شيء.
وقال ألفخر ألرازى فِى هَذا كله: أعلم أن هَذه ألمباحث لا تعجبني،
لأنها أمور لا حاجه الي معرفتها ألبته ،
ولا يتعلق بمعرفتها فائده أصلا.
نحن نتفق مَع ألرازى فِى مقولته هذه.
فنحن لا نعرف عَن حقيقه هَذه ألسفينه ألا ما حدثنا ألله به.
تجاوز ألله تعالي هَذه ألتفصيلات ألَّتِى لا اهميه لها،
الي مضمون ألقصه و مغزاها ألمهم.

بدا نوح يبنى ألسفينه ،
ويمر عَليه ألكفار فيرونه مِنهمكا فِى صنع ألسفينه ،
والجفاف سائد،
وليست هُناك انهار قريبه او بحار.
كيف ستجرى هَذه ألسفينه أذن يا نوح هَل ستجرى علَي ألارض اين ألماءَ ألَّذِى يُمكن أن تسبح فيه سفينتك لقد جن نوح،
وترتفع ضحكات ألكافرين و تزداد سخريتهم مِن نوح.
وكانوا يسخرون مِنه قائلين: صرت نجارا بَعد أن كنت نبيا!

ان قمه ألصراع فِى قصه نوح تتجلي فِى هَذه ألمساحه ألزمنيه ،
ان ألباطل يسخر مِن ألحق.
يضحك عَليه طويلا،
متصورا أن ألدنيا ملكه،
وان ألامن نصيبه،
وان ألعذاب غَير و أقع..
غير أن هَذا كله مؤقت بموعد حلول ألطوفان.
عندئذَ يسخر ألمؤمنون مِن ألكافرين،
وتَكون سخريتهم هِى ألحق.

انتهي صنع ألسفينه ،
وجلس نوح ينتظر أمر ألله.
اوحي ألله الي نوح انه إذا فار ألتنور هَذا علامه علَي بدء ألطوفان.
قيل فِى تفسير ألتنور انه بركان فِى ألمنطقه ،
وقيل أن ألفرن ألكائن فِى بيت نوح،
اذا خرج مِنه ألماءَ و فار كَان هَذا أمرا لنوح بالحركه .

وجاءَ أليَوم ألرهيب،
فار ألتنور.
واسرع نوح يفَتح سفينته و يدعو ألمؤمنين به،
وهبط جبريل عَليه ألسلام الي ألارض.
حمل نوح الي ألسفينه مِن كُل حيوان و طير و وحش زوجين أثنين،
بقرا و ثورا،
فيلا و فيله ،
عصفورا و عصفور،
نمرا و نمره ،
الي آخر ألمخلوقات.
كان نوح قَد صنع أقفاصا للوحوش و هو يصنع ألسفينه .
وساق جبريل عَليه ألسلام امامه مِن كُل زوجين أثنين،
لضمان بقاءَ نوع ألحيوان و ألطير علَي ألارض،
وهَذا معناه أن ألطوفان أغرق ألارض كلها،
فلولا ذَلِك ما كَان هُناك معني لحمل هَذه ألانواع مِن ألحيوان و ألطير.
وبدا صعود ألسفينه .
صعدت ألحيوانات و ألوحوش و ألطيور،
وصعد مِن أمن بنوح،
وكان عدَد ألمؤمنين قلِيلا.

لم تكُن زوجه نوح مؤمنه بِه فلم تصعد،
وكان احد أبنائه يخفي كفره و يبدى ألايمان امام نوح،
فلم يصعد هُو ألاخر.
وكَانت أغلبيه ألناس غَير مؤمنه هِى ألاخرى،
فلم تصعد.
وصعد ألمؤمنون.
قال أبن عباس،
رضى ألله عنهما: أمن مِن قوم نوح ثمانون أنسانا.

ارتفعت ألمياه مِن فَتحات ألارض.
انهمرت مِن ألسماءَ أمطارا غزيره بكميات لَم تر مِثلها ألارض.
فالتقت أمطار ألسماءَ بمياه ألارض،
وصارت ترتفع ساعه بَعد ساعه .
فقدت ألبحار هدوئها،
وانفجرت أمواجها تجور علَي أليابسه ،
وتكتسح ألارض.
وغرقت ألكره ألارضيه للمَره ألاولي فِى ألمياه.

ارتفعت ألمياه اعلي مِن ألناس.
تجاوزت قمم ألاشجار،
وقمم ألجبال،
وغطت سطح ألارض كله.
وفي بِدايه ألطوفان نادي نوح أبنه.
كان أبنه يقف بمعزل مِنه.
ويحكى لنا ألمولي عز و جل ألحوار ألقصير ألَّذِى دار بَين نوح عَليه ألسلام و أبنه قَبل أن يحَول بينهما ألموج فجاه .

نادي نوح أبنه قائلا: يا بنى أركب معنا و لا تكُن مَع ألكافرين
ورد ألابن عَليه: قال ساوى الي جبل يعصمنى مِن ألماء
عاد نوح يخاطبه: قال لا عاصم أليَوم مِن أمر ألله ألا مِن رحم

وانتهي ألحوار بَين نوح و أبنه:

وحال بينهما ألموج فكان مِن ألمغرقين
انظر الي تعبير ألقران ألكريم و حال بينهما ألموج انهي ألموج حوارهما فجاه .
نظر نوح فلم يجد أبنه.
لم يجد غَير جبال ألموج ألَّتِى ترتفع و ترفع معها ألسفينه ،
وتفقدها رؤيه كُل شيء غَير ألمياه.
وشاءت رحمه ألله أن يغرق ألابن بعيدا عَن عين ألاب،
رحمه مِنه بالاب،
واعتقد نوح أن أبنه ألمؤمن تصور أن ألجبل سيعصمه مِن ألماء،
فغرق.

واستمر ألطوفان.
استمر يحمل سفينه نوح.
بعد ساعات مِن بدايته،
كَانت كُل عين تطرف علَي ألارض قَد هلكت غرقا.
لم يعد باقيا مِن ألحيآه و ألاحياءَ غَير هَذا ألجُزء ألخشبى مِن سفينه نوح،
وهو ينطوى علَي ألخلاصه ألمؤمنه مِن أهل ألارض.
وانواع ألحيوانات و ألطيور ألَّتِى أختيرت بعنايه .
ومن ألصعب أليَوم تصور هول ألطوفان او عظمته.
كان شيئا مروعا يدل علَي قدره ألخالق.
كَانت ألسفينه تجرى بهم فِى موج كالجبال.
ويعتقد بَعض ألعلماءَ ألجيولوجيا أليَوم أن أنفصال ألقارات و تشَكل ألارض فِى صورتها ألحاليه ،
قد و قعا نتيجه طوفان قديم جبار،
ثارت فيه ألمياه ثوره غَير مفهومه .
حتي غطت سطح ألجُزء أليابس مِن ألارض،
وارتفعت فيه قيعان ألمحيطات و وقع فيه ما نستطيع تسميته بالثوره ألجغرافيه .

استمر طوفان نوح زمنا لا نعرف مقداره.
ثم صدر ألامر ألالهى الي ألسماءَ أن تكف عَن ألامطار،
والي ألارض أن تستقر و تبتلع ألماء،
والي أخشاب ألسفينه أن ترسو علَي ألجودي،
وهو أسم مكان قديم يقال انه جبل فِى ألعراق.
طهر ألطوفان ألارض و غسلها.
قال تعالي فِى سوره هود):

وقيل يا أرض أبلعى ماءك و يا سماءَ اقلعى و غيض ألماءَ و قضى ألامر و أستوت علَي ألجودى و قيل بَعدا للقوم ألظالمين 44 هود)

(وغيض ألماءَ بمعني نقص ألماءَ و أنصرف عائدا الي فَتحات ألارض.
(وقضى ألامر بمعني انه أحكم و فرغ مِنه،
يَعنى هلك ألكافرون مِن قوم نوح تماما.
ويقال أن ألله أعقم أرحامهم أربعين سنه قَبل ألطوفان،
فلم يكن فيمن هلك طفل او صغير.
(واستوت علَي ألجودى بمعني رست عَليه،
وقيل كَان ذَلِك يوم عاشوراء.
فصامه نوح،
وامر مِن معه بصيامه.
(وقيل بَعدا للقوم ألظالمين اى هلاكا لهم.
طهر ألطوفان ألارض مِنهم و غسلها.
ذهب ألهول بذهاب ألطوفان.
وانتقل ألصراع مِن ألموج الي نفْس نوح..
تذكر أبنه ألَّذِى غرق.

لم يكن نوح يعرف حتّي هَذه أللحظه أن أبنه كافر.
كان يتصور انه مؤمن عنيد،
اثر ألنجآه باللجوء الي جبل.
وكان ألموج قَد انهي حوارهما قَبل أن يتم..
فلم يعرف نوح حظ أبنه مِن ألايمان.
تحركت فِى قلب ألاب عواطف ألابوه .
قال تعالي فِى سوره هود):

ونادي نوح ربه فقال رب أن أبنى مِن أهلى و أن و عدك ألحق و أنت أحكم ألحاكمين 45 هود)

اراد نوح أن يقول لله أن أبنه مِن أهله ألمؤمنين.
وقد و عده ألله بنجآه أهله ألمؤمنين.
قال ألله سبحانه و تعالى،
مطلعا نوحا علَي حقيقه أبنه للمَره ألاولى:

يا نوح انه ليس مِن أهلك انه عمل غَير صالح فلا تسالن ما ليس لك بِه علم أنى أعظك أن تَكون مِن ألجاهلين 46 هود)

قال ألقرطبى نقلا عَن شيوخه مِن ألعلماءَ و هو ألراى ألَّذِى نؤثره: كَان أبنه عنده اى نوح مؤمنا فِى ظنه،
ولم يك نوح يقول لربه: أن أبنى مِن أهلى ألا و ذَلِك عنده كذلك،
اذَ محال أن يسال هلاك ألكفار،
ثم يسال فِى أنجاءَ بَعضهم.
وكان أبنه يسر ألكفر و يظهر ألايمان.
فاخبر ألله تعالي نوحا بما هُو منفرد بِه مِن علم ألغيوب.
اى علمت مِن حال أبنك ما لَم تعلمه أنت.
وكان ألله حين يعظه أن يَكون مِن ألجاهلين،
يريد أن يبرئه مِن تصور أن يَكون أبنه مؤمنا،
ثم يهلك مَع ألكافرين.

وثمه درس مُهم تنطوى عَليه ألايات ألكريمه ألَّتِى تحكى قصه نوح و أبنه.
اراد ألله سبحانه و تعالي أن يقول لنبيه ألكريم أن أبنه ليس مِن أهله،
لانه لَم يؤمن بالله،
وليس ألدم هُو ألصله ألحقيقيه بَين ألناس.
ابن ألنبى هُو أبنه فِى ألعقيده .
هو مِن يتبع ألله و ألنبي،
وليس أبنه مِن يكفر بِه و لو كَان مِن صلبه.
هنا ينبغى أن يتبرا ألمؤمن مِن غَير ألمؤمن.
وهنا ايضا ينبغى أن تتصل بَين ألمؤمنين صلات ألعقيده فحسب.
لا أعتبارات ألدم او ألجنس او أللون او ألارض.

واستغفر نوح ربه و تاب أليه و رحمه ألله و أمَره أن يهبط مِن ألسفينه محاطا ببركه ألله و رعايته.
وهبط نوح مِن سفينته.
اطلق سراح ألطيور و ألوحش فتفرقت فِى ألارض،
نزل ألمؤمنون بَعد ذَلك.
ولا يحكى لنا ألقران ألكريم قصه مِن أمن مَع نوح بَعد نجاتهم مِن ألطوفان.

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
هود عَليه ألسلام
نبذه :

ارسل الي قوم عاد ألَّذِين كَانوا بالاحقاف،
وكانوا أقوياءَ ألجسم و ألبنيان و أتاهم ألله ألكثير مِن رزقه و لكنهم لَم يشكروا ألله علَي ما أتاهم و عبدوا ألاصنام فارسل لَهُم ألله هودا نبيا مبشرا،
كان حكيما و لكنهم كذبوه و أذوه فجاءَ عقاب ألله و أهلكهم بريح صرصر عاتيه أستمرت سبع ليال و ثمانيه أيام.

سيرته:
عباده ألناس للاصنام:
بعد أن أبتلعت ألارض مياه ألطوفان ألَّذِى أغرق مِن كفر بنوح عَليه ألسلام،
قام مِن أمن معه و نجي بعماره ألارض.
فكان كُل مِن علَي ألارض فِى ذَلِك ألوقت مِن ألمؤمنين.
لم يكن بينهم كافر و أحد.
ومرت سنوات و سنوات.
مات ألاباءَ و ألابناءَ و جاءَ أبناءَ ألابناء.
نسي ألناس و صيه نوح،
وعادت عباده ألاصنام.
انحرف ألناس عَن عباده ألله و حده،
وتم ألامر بنفس ألخدعه ألقديمه .

قال أحفاد قوم نوح: لا نُريد أن ننسي أبائنا ألَّذِين نجاهم ألله مِن ألطوفان.
وصنعوا للناجين تماثيل ليذكروهم بها،
وتطور هَذا ألتعظيم جيلا بَعد جيل،
فاذا ألامر ينقلب الي ألعباده ،
واذا بالتماثيل تتحَول بمكر مِن ألشيطان الي ألهه مَع ألله.
وعادت ألارض تشكو مِن ألظلام مَره ثانيه .
وارسل ألله سيدنا هودا الي قومه.

ارسال هود عَليه ألسلام:
كان “هود” مِن قبيله أسمها “عاد” و كَانت هَذه ألقبيله تسكن مكانا يسمي ألاحقاف..
وهو صحراءَ تمتلئ بالرمال،
وتطل علَي ألبحر.
اما مساكنهم فكَانت خياما كبيره لَها أعمده شديده ألضخامه و ألارتفاع،
وكان قوم عاد أعظم أهل زمانهم فِى قوه ألاجسام،
والطول و ألشده ..
كانوا عمالقه و أقوياء،
فكانوا يتفاخرون بقوتهم.
فلم يكن فِى زمانهم احد فِى قوتهم.
ورغم ضخامه أجسامهم،
كَانت لَهُم عقول مظلمه .
كانوا يعبدون ألاصنام،
ويدافعون عنها،
ويحاربون مِن أجلها،
ويتهمون نبيهم و يسخرون مِنه.
وكان ألمفروض،
ما داموا قَد أعترفوا انهم أشد ألناس قوه ،
ان يروا أن ألله ألَّذِى خلقهم هُو أشد مِنهم قوه .

قال لَهُم هود نفْس ألكلمه ألَّتِى يقولها كُل رسول.
لا تتغير و لا تنقص و لا تتردد و لا تخاف و لا تتراجع.
كلمه و أحده هِى ألشجاعه كلها،
وهى ألحق و حده يا قوم أعبدوا ألله ما لكُم مِن أله غَيره أفلا تتقون).

وساله قومه: هَل تُريد أن تَكون سيدا علينا بدعوتك و أى أجر تُريده؟

ان هَذه ألظنون ألسئيه تتكرر علَي ألسنه ألكافرين عندما يدعوهم نبيهم للايمان بالله و حده.
فعقولهم ألصغيره لا تتجاوز ألحيآه ألدنيويه .
ولا يفكروا ألا بالمجد و ألسلطه و ألرياسه .

افهمهم هود أن أجره علَي ألله،
انه لا يُريد مِنهم شيئا غَير أن يغسلوا عقولهم فِى نور ألحقيقه .
حدثهم عَن نعمه ألله عَليهم،
كيف جعلهم خَلفاءَ لقوم نوح،
كيف أعطاهم بسطه فِى ألجسم،
وشده فِى ألباس،
كيف أسكنهم ألارض ألَّتِى تمنح ألخير و ألزرع.
كيف أرسل عَليهم ألمطر ألَّذِى يحيي بِه ألارض.
وتلفت قوم هود حولهم فوجدوا انهم أقوي مِن علَي ألارض،
واصابتهم ألكبرياءَ و زادوا فِى ألعناد.

قالوا لهود: كَيف تتهم ألهتنا ألَّتِى و جدنا أباءنا يعبدونها؟
قال هود: كَان أباؤكم مخطئين.
قال قوم هود: هَل تقول يا هود أننا بَعد أن نموت و نصبح ترابا يتطاير فِى ألهواء،
سنعود الي ألحياه ؟
قال هود: ستعودون يوم ألقيامه ،
ويسال ألله كُل و أحد فيكم عما فعل.

انفجرت ألضحكات بَعد هَذه ألجمله ألاخيره .
ما أغرب أدعاءَ هود.
هكذا تهامس ألكافرون مِن قومه.
ان ألانسان يموت،
فاذا مات تحلل جسده،
فاذا تحلل جسده تحَول الي تراب،
ثم يهب ألهواءَ و يتطاير ألتراب.
كيف يعود هَذا كله الي أصله ثُم ما معني و جود يوم للقيامه لماذَا يقُوم ألاموات مِن موتهم؟

استقبل هود كُل هَذه ألاسئله بصبر كريم..
ثم بدا يحدث قومه عَن يوم ألقيامه ..
افهمهم أن أيمان ألناس بالاخره ضروره تتصل بَعدل ألله،
مثلما هِى ضروره تتصل بحيآه ألناس.
قال لَهُم ما يقوله كُل نبى عَن يوم ألقيامه .
ان حكمه ألخالق ألمدبر لا تكتمل بمجرد بدء ألخلق،
ثم أنتهاءَ حيآه ألمخلوقين فِى هَذه ألارض.
ان هَذه ألحيآه أختبار،
يتِم ألحساب بَعدها.
فليست تصرفات ألناس فِى ألدنيا و أحده ،
هُناك مِن يظلم،
وهُناك مِن يقتل،
وهُناك مِن يعتدي..
وكثيرا ما نري ألظالمين يذهبون بغير عقاب،
كثيرا ما نري ألمعتدين يتمتعون فِى ألحيآه بالاحترام و ألسلطه .
اين تذهب شكآه ألمظلومين و أين يذهب ألم ألمضطهدين هَل يدفن معهم فِى ألتراب بَعد ألموت؟

ان ألعداله تقتضى و جود يوم للقيامه .
ان ألخير لا ينتصر دائما فِى ألحياه .
احيانا ينظم ألشر جيوشه و يقتل حمله ألخير.
هل تذهب هَذه ألجريمه بغير عقاب؟

ان ظلما عظيما يتاكد لَو أفترضنا أن يوم ألقيامه لَن يجئ.
ولقد حرم ألله تعالي ألظلم علَي نفْسه و جعله محرما بَين عباده.
ومن تمام ألعدل و جود يوم للقيامه و ألحساب و ألجزاء.
ذلِك أن يوم ألقيامه هُو أليَوم ألَّذِى تعاد فيه كُل ألقضايا مَره اُخري امام ألخالق،
ويعاد نظرها مَره أخرى.
ويحكم فيها رب ألعالمين سبحانه.
هَذه هِى ألضروره ألاولي ليوم ألقيامه ،
وهى تتصل بَعداله ألله ذَاته.

وثمه ضروره اُخري ليوم ألقيامه ،
وهى تتصل بسلوك ألانسان نفْسه.
ان ألاعتقاد بيوم ألدين،
والايمان ببعث ألاجساد،
والوقوف للحساب،
ثم تلقى ألثواب و ألعقاب،
ودخول ألجنه او ألنار،
هَذا شيء مِن شانه أن يعلق أنظار ألبشر و قلوبهم بعالم آخر بَعد عالم ألارض،
فلا تستبد بهم ضرورات ألحياه ،
ولا يستعبدهم ألطمع،
ولا تتملكهم ألانانيه ،
ولا يقلقهم انهم لَم يحققوا جزاءَ سعيهم فِى عمرهم ألقصير ألمحدود،
وبذلِك يسمو ألانسان علَي ألطين ألَّذِى خلق مِنه الي ألروح ألَّذِى نفخه ربه فيه.
ولعل مفترق ألطريق بَين ألخضوع لتصورات ألارض و قيمها و موازينها،
والتعلق بقيم ألله ألعليا،
والانطلاق أللائق بالانسان،
يكمن فِى ألايمان بيوم ألقيامه .

حدثهم هود بهَذا كله فاستمعوا أليه و كذبوه.
قالوا لَه هيهات هيهات..
واستغربوا أن يبعث ألله مِن فِى ألقبور،
استغربوا أن يعيد ألله خلق ألانسان بَعد تحوله الي ألتراب،
رغم انه خلقه مِن قَبل مِن ألتراب.
وطبقا للمقاييس ألبشريه ،
كان ينبغى أن يحس ألمكذبون للبعث أن أعاده خلق ألانسان مِن ألتراب و ألعظام أسَهل مِن خلقه ألاول.
لقد بدا ألله ألخلق فاى صعوبه فِى أعادته أن ألصعوبه طبقا للمقياس ألبشرى تكمن فِى ألخلق.
وليس ألمقياس ألبشرى غَير مقياس بشرى ينطبق علَي ألناس،
اما ألله،
فليست هُناك أمور صعبه او سهله بالنسبه أليه سبحانه،
تجرى ألامور بالنسبه أليه سبحانه بمجرد ألامر.
موقف ألملا مِن دعوه هود:

يروى ألمولي عزل و جل موقف ألملا و هم ألرؤساءَ مِن دعوه هود عَليه ألسلام.
سنري هؤلاءَ ألملا فِى كُل قصص ألانبياء.
سنري رؤساءَ ألقوم و أغنيائهم و مترفيهم يقفون ضد ألانبياء.
يصفهم ألله تعالي بقوله: و أترفناهم فِى ألحيآه ألدنيا مِن مواقع ألثراءَ و ألغني و ألترف،
يولد ألحرص علَي أستمرار ألمصالح ألخاصه .
ومن مواقع ألثراءَ و ألغني و ألترف و ألرياسه ،
يولد ألكبرياء.
ويلتفت ألرؤساءَ فِى ألقوم الي أنفسهم و يتساءلون: أليس هَذا ألنبى بشرا مِثلنا،
ياكل مما ناكل،
ويشرب مما نشرب بل لعله بفقره ياكل اقل مما ناكل،
ويشرب فِى أكواب صدئه ،
ونحن نشرب فِى أكواب ألذهب و ألفضه ..
كيف يدعى انه علَي ألحق و نحن علَي ألباطل هَذا بشر .
.
كيف نطيع بشرا مِثلنا ثم..
لماذَا أختار ألله بشرا مِن بيننا ليوحي أليه؟

قال رؤساءَ قوم هود: أليس غريبا أن يختار ألله مِن بيننا بشرا و يوحى أليه؟!
تسائل هو: ما هُو ألغريب فِى ذَلِك أن ألله ألرحيم بكم قَد أرسلنى أليكم لاحذركم.
ان سفينه نوح،
وقصه نوح ليست ببعيده عنكم،
لا تنسوا ما حدث،
لقد هلك ألَّذِين كفروا بالله،
وسيهلك ألَّذِين يكفرون بالله دائما،
مهما يكونوا أقوياء.
قال رؤساءَ قوم هود: مِن ألَّذِى سيهلكنا يا هود؟
قال هود: ألله .

قال ألكافرون مِن قوم هود: ستنجينا ألهتنا.

وافهمهم هود أن هَذه ألالهه ألَّتِى يعبدونها لتقربهم مِن ألله،
هى نفْسها ألَّتِى تبعدهم عَن ألله.
افهمهم أن ألله هُو و حده ألَّذِى ينجى ألناس،
وان اى قوه اُخري فِى ألارض لا تستطيع أن تضر او تنفع.

واستمر ألصراع بَين هود و قومه.
وكلما أستمر ألصراع و مرت ألايام،
زاد قوم هود أستكبارا و عنادا و طغيانا و تكذيبا لنبيهم.
وبدءوا يتهمون “هودا” عَليه ألسلام بانه سفيه مجنون.

قالوا لَه يوما: لقد فهمنا ألآن سر جنونك.
انك تسب ألهتنا و قد غضبت ألهتنا عليك،
وبسَبب غضبها صرت مجنونا.

انظروا للسذاجه ألَّتِى و صل أليها تفكيرهم.
انهم يظنون أن هَذه ألحجاره لَها قوي علَي مِن صنعها.
لها تاثير علَي ألانسان مَع انا لا تسمع و لا تري و لا تنطق.
لم يتوقف هود عِند هذيانهم،
ولم يغضبه أن يظنوا بِه ألجنون و ألهذيان،
ولكنه توقف عِند قولهم: و ما نحن بتاركى ألهتنا عَن قولك و ما نحن لك بمؤمنين).

بعد هَذا ألتحدى لَم يبق لهود ألا ألتحدي.
لم يبق لَه ألا ألتوجه الي ألله و حده.
لم يبق امامه ألا أنذار أخير ينطوى علَي و عيد للمكذبين و تهديدا لهم..
وتحدث هود:

ان نقول ألا أعتراك بَعض ألهتنا بسوء قال أنى أشهد ألله و أشهدوا أنى بريء مما تشركون 54 مِن دونه فكيدونى جميعا ثُم لا تنظرون 55 أنى توكلت علَي ألله ربى و ربكم ما مِن دابه ألا هُو أخذَ بناصيتها أن ربى علَي صراط مستقيم فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت بِه أليكم و يستخلف ربى قوما غَيركم و لا تضرونه شيئا أن ربى علَي كُل شيء حفيظ 57 هود)

ان ألانسان ليشعر بالدهشه لهَذه ألجرآه فِى ألحق.
رجل و أحد يواجه قوما غلاظا شدادا و حمقى.
يتصورون أن أصنام ألحجاره تستطيع ألايذاء.
انسان بمفرده يقف ضد جبارين فيسفه عقيدتهم،
ويتبرا مِنهم و من ألهتهم،
ويتحداهم أن يكيدوا لَه بغير أبطاءَ او اهمال،
فَهو علَي أستعداد لتلقى كيدهم،
وهو علَي أستعداد لحربهم فقد توكل علَي ألله.
والله هُو ألقوى بحق،
وهو ألاخذَ بناصيه كُل دابه فِى ألارض.
سواءَ ألدواب مِن ألناس او دواب ألوحوش او ألحيوان.
لا شيء يعجز ألله.

بهَذا ألايمان بالله،
والثقه بوعده،
والاطمئنان الي نصره..
يخاطب هود ألَّذِين كفروا مِن قومه.
وهو يفعل ذَلِك رغم و حدته و َضعفه،
لانه يقف مَع ألامن ألحقيقى و يبلغ عَن ألله.
وهو فِى حديثه يفهم قومه انه أدي ألامانه ،
وبلغ ألرساله .
فان كفروا فسوفَ يستخلف ألله قوما غَيرهم،
سوفَ يستبدل بهم قوما أخرين.
وهَذا معناه أن عَليهم أن ينتظروا ألعذاب.

هلاك عاد:

وهكذا أعلن هود لَهُم براءته مِنهم و من ألهتهم.
وتوكل علَي ألله ألَّذِى خلقه،
وادرك أن ألعذاب و أقع بمن كفر مِن قومه.
هَذا قانون مِن قوانين ألحياه .
يعذب ألله ألَّذِين كفروا،
مهما كَانوا أقوياءَ او أغنياءَ او جبابره او عمالقه .

انتظر هود و أنتظر قومه و عد ألله.
وبدا ألجفاف فِى ألارض.
لم تعد ألسماءَ تمطر.
وهرع قوم هود أليه.
ما هَذا ألجفاف يا هود قال هود: أن ألله غاضب عليكم،
ولو أمنتم فسوفَ يرضي ألله عنكم و يرسل ألمطر فيزيدكم قوه الي قوتكم.
ر قوم هود مِنه و زادوا فِى ألعناد و ألسخريه و ألكفر.
وزاد ألجفاف،
واصفرت ألاشجار ألخضراءَ و مات ألزرع.
وجاءَ يوم فاذا سحاب عظيم يملا ألسماء.
وفرح قوم هود و خرجوا مِن بيوتهم يقولون: هَذا عارض ممطرنا).

تغير ألجو فجاه .
من ألجفاف ألشديد و ألحر الي ألبرد ألشديد ألقارس.
بدات ألرياح تهب.
ارتعش كُل شيء،
ارتعشت ألاشجار و ألنباتات و ألرجال و ألنساءَ و ألخيام.
واستمرت ألريح.
ليله بَعد ليله ،
ويوما بَعد يوم.
كل ساعه كَانت برودتها تزداد.
وبدا قوم هود يفرون،
اسرعوا الي ألخيام و أختبئوا داخِلها،
اشتد هبوب ألرياح و أقتلعت ألخيام،
واختبئوا تَحْت ألاغطيه ،
فاشتد هبوب ألرياح و تطايرت ألاغطيه .
كَانت ألرياح تمزق ألملابس و تمزق ألجلد و تنفذَ مِن فَتحات ألجسم و تدمره.
لا تكاد ألريح تمس شيئا ألا قتلته و دمرته،
وجعلته كالرميم.

استمرت ألرياح مسلطه عَليهم سبع ليال و ثمانيه أيام لَم تر ألدنيا مِثلها قط.
ثم توقفت ألريح باذن ربها.
لم يعد باقيا ممن كفر مِن قوم هود ألا ما يبقي مِن ألنخل ألميت.
مجرد غلاف خارِجى لا تكاد تضع يدك عَليه حتّي يتطاير ذَرات فِى ألهواء.

نجا هود و من أمن معه..
وهلك ألجبابره ..
وهَذه نِهايه عادله لمن يتحدي ألله و يستكبر عَن عبادته.
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
صالح عَليه ألسلام

نبذه :

ارسله ألله الي قوم ثمود و كانوا قوما جاحدين أتاهم ألله رزقا كثِيرا و لكنهم عصوا ربهم و عبدوا ألاصنام و تفاخروا بينهم بقوتهم فبعث ألله أليهم صالحا مبشرا و منذرا و لكنهم كذبوه و عصوه و طالبوه بان ياتى بايه ليصدقوه فاتاهم بالناقه و أمرهم أن لا يؤذوها و لكنهم أصروا علَي كبرهم فعقروا ألناقه و عاقبهم ألله بالصاعقه فصعقوا جزاءَ لفعلتهم و نجي ألله صالحا و ألمؤمنين

سيرته:

ارسال صالح عَليه ألسلام لثمود:
جاءَ قوم ثمود بَعد قوم عاد،
وتكررت قصه ألعذاب بشَكل مختلف مَع ثمود.
كَانت ثمود قبيله تعبد ألاصنام هِى ألاخرى،
فارسل ألله سيدنا “صالحا” أليهم..
وقال صالح لقومه: يا قوم أعبدوا ألله ما لكُم مِن أله غَيره نفْس ألكلمه ألَّتِى يقولها كُل نبي..
لا تتبدل و لا تتغير،
كَما أن ألحق لا يتبدل و لا يتغير.
فوجئ ألكبار مِن قوم صالح بما يقوله..
انه يتهم ألهتهم بأنها بلا قيمه ،
وهو ينهاهم عَن عبادتها و يامرهم بعباده ألله و حده.
واحدثت دعوته هزه كبيره فِى ألمجتمع..
وكان صالح معروفا بالحكمه و ألنقاءَ و ألخير.
كان قومه يحترمونه قَبل أن يوحى ألله أليه و يرسله بالدعوه أليهم..
وقال قوم صالح له:
قالوا يا صالح قَد كنت فينا مرجوا قَبل هَذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد أباؤنا و أننا لفي شك مما تدعونا أليه مريب 62 هود)
تامل و جهه نظر ألكافرين مِن قوم صالح.
انهم يدلفون أليه مِن باب شخصى بحت.
لقد كَان لنا رجاءَ فيك.
كنت مرجوا فينا لعلمك و عقلك و صدقك و حسن تدبيرك،
ثم خاب رجاؤنا فيك..
اتنهانا أن نعبد ما يعبد أباؤنا يا للكارثه ..
كل شيء يا صالح ألا هذا.
ما كنا نتوقع منك أن تعيب ألهتنا ألَّتِى و جدنا أبائنا عاكفين عَليها..
وهكذا يعجب ألقوم مما يدعوهم أليه.
ويستنكرون ما هُو و أجب و حق،
ويدهشون أن يدعوهم أخوهم صالح الي عباده ألله و حده.
لماذَا ما كَان ذَلِك كله ألا لان أبائهم كَانوا يعبدون هَذه ألالهه .
معجزه صالح عَليه ألسلام:
ورغم نصاعه دعوه صالح عَليه ألصلآه و ألسلام،
فقد بدا و أضحا أن قومه لَن يصدقونه.
كانوا يشكون فِى دعوته،
واعتقدوا انه مسحور،
وطالبوه بمعجزه تثبت انه رسول مِن ألله أليهم.
وشاءت أراده ألله أن تستجيب لطلبهم.
وكان قوم ثمود ينحتون مِن ألجبال بيوتا عظيمه .
كانوا يستخدمون ألصخر فِى ألبناء،
وكانوا أقوياءَ قَد فَتح ألله عَليهم رزقهم مِن كُل شيء.
جاءوا بَعد قوم عاد فسكنوا ألارض ألَّتِى أستعمروها.
قال صالح لقومه حين طالبوه بمعجزه ليصدقوه:
ويا قوم هَذه ناقه ألله لكُم أيه فذروها تاكل فِى أرض ألله و لا تمسوها بسوء فياخذكم عذاب قريب 64 هود)
والايه هِى ألمعجزه ،
ويقال أن ألناقه كَانت معجزه لان صخره بالجبل أنشقت يوما و خرجت مِنها ألناقه ..
ولدت مِن غَير ألطريق ألمعروف للولاده .
ويقال انها كَانت معجزه لأنها كَانت تشرب ألمياه ألموجوده فِى ألابار فِى يوم فلا تقترب بقيه ألحيوانات مِن ألمياه فِى هَذا أليوم،
وقيل انها كَانت معجزه لأنها كَانت تدر لبنا يكفي لشرب ألناس جميعا فِى هَذا أليَوم ألَّذِى تشرب فيه ألماءَ فلا يبقي شيء للناس.
كَانت هَذه ألناقه معجزه ،
وصفها ألله سبحانه و تعالي بقوله: ناقه ألله أضافها لنفسه سبحانه بمعني انها ليست ناقه عاديه و إنما هِى معجزه مِن ألله.
واصدر ألله أمَره الي صالح أن يامر قومه بَعدَم ألمساس بالناقه او أيذائها او قتلها،
امرهم أن يتركوها تاكل فِى أرض ألله،
والا يمسوها بسوء،
وحذرهم انهم إذا مدوا أيديهم بالاذي للناقه فسوفَ ياخذهم عذاب قريب.
في ألبِدايه تعاظمت دهشه ثمود حين و لدت ألناقه مِن صخور ألجبل..
كَانت ناقه مباركه .
كان لبنها يكفي ألاف ألرجال و ألنساءَ و ألاطفال.
كان و أضحا انها ليست مجرد ناقه عاديه ،
وإنما هِى أيه مِن ألله.
وعاشت ألناقه بَين قوم صالح،
امن مِنهم مِن أمن و بقى أغلبهم علَي ألعناد و ألكفر.
وذلِك لان ألكفار عندما يطلبون مِن نبيهم أيه ،
ليس لانهم يُريدون ألتاكد مِن صدقه و ألايمان به،
وإنما لتحديه و أظهار عجزه امام ألبشر.
لكن ألله كَان يخذلهم بتاييد أنبياءه بمعجزات مِن عنده.
كان صالح عَليه ألصلآه و ألسلام يحدث قومه برفق و حب،
وهو يدعوهم الي عباده ألله و حده،
وينبههم الي أن ألله قَد أخرج لَهُم معجزه هِى ألناقه ،
دليلا علَي صدقه و بينه علَي دعوته.
وهو يرجو مِنهم أن يتركوا ألناقه تاكل فِى أرض ألله،
وكل ألارض أرض ألله.
وهو يحذرهم أن يمسوها بسوء خشيه و قوع عذاب ألله عَليهم.
كَما ذَكرهم بانعام ألله عَليهم: بانه جعلهم خَلفاءَ مِن بَعد قوم عاد..
وانعم عَليهم بالقصور و ألجبال ألمنحوته و ألنعيم و ألرزق و ألقوه .
لكن قومه تجاوزوا كلماته و تركوه،
واتجهوا الي ألَّذِين أمنوا بصالح.
يسالونهم سؤال أستخفاف و زرايه : أتعلمون أن صالحا مرسل مِن ربه !
قالت ألفئه ألضعيفه ألَّتِى أمنت بصالح: انا بما أرسل بِه مؤمنون
فاخذت ألَّذِين كفروا ألعزه بالاثم..
قال ألَّذِين أستكبروا انا بالذى أمنتم بِه كافرون .

هكذا باحتقار و أستعلاءَ و غضب

تامر ألملا علَي ألناقه :
وتحولت ألكراهيه عَن سيدنا صالح الي ألناقه ألمباركه .
تركزت عَليها ألكراهيه ،
وبدات ألمؤامَره تنسج خيوطها ضد ألناقه .
كره ألكافرون هَذه ألايه ألعظيمه ،
ودبروا فِى أنفسهم أمرا.
وفي أحدي ألليالي،
انعقدت جلسه لكبار ألقوم،
وقد أصبح مِن ألمالوف أن نري أن فِى قصص ألانبياءَ هَذه ألتدابير للقضاءَ علَي ألنبى او معجزاته او دعوته تاتى مِن رؤساءَ ألقوم،
فهم مِن يخافون علَي مصالحهم أن تحَول ألناس للتوحيد،
ومن خشيتهم الي خشيه ألله و حده.
اخذَ رؤساءَ ألقوم يتشاورون فيما يَجب ألقيام بِه لانهاءَ دعوه صالح.
فاشار عَليهم و أحد مِنهم بقتل ألناقه و من ثُم قتل صالح نفْسه.
وهَذا هُو سلاح ألظلمه و ألكفره فِى كُل زمان و مكان،
يعمدون الي ألقوه و ألسلاح بدل ألحوار و ألنقاش بالحجج و ألبراهين.
لانهم يعلمون أن ألحق يعلوا و لا يعلي عَليه،
ومهما أمتد بهم ألزمان سيظهر ألحق و يبطل كُل حججهم.
وهم لا يُريدون أن يصلوا لهَذه ألمرحله ،
وقرروا ألقضاءَ علَي ألحق قَبل أن تقوي شوكته.
لكن أحدهم قال: حذرنا صالح مِن ألمساس بالناقه ،
وهددنا بالعذاب ألقريب.
فقال أحدهم سريعا قَبل أن يؤثر كلام مِن سبقه علَي عقول ألقوم: أعرف مِن يجرا علَي قتل ألناقه .
ووقع ألاختيار علَي تسعه مِن جبابره ألقوم.
وكانوا رجالا يعيثون ألفساد فِى ألارض،
الويل لمن يعترضهم.
هؤلاءَ هُم أدآه ألجريمه .
اتفق علَي موعد ألجريمه و مكان ألتنفيذ.
وفي ألليله ألمحدده .
وبينما كَانت ألناقه ألمباركه تنام فِى سلام.
انتهي ألمجرمون ألتسعه مِن أعداد أسلحتهم و سيوفهم و سهامهم،
لارتكاب ألجريمه .
هجم ألرجال علَي ألناقه فنهضت ألناقه مفزوعه .
امتدت ألايدى ألاثمه ألقاتله أليها.
وسالت دمائها.
هلاك ثمود:
علم ألنبى صالح بما حدث فخرج غاضبا علَي قومه.
قال لهم: ألم أحذركم مِن أن تمسوا ألناقه ؟
قالوا: قتلناها فاتنا بالعذاب و أستعجله..
الم تقل أنك مِن ألمرسلين؟
قال صالح لقومه: تمتعوا فِى داركم ثلاثه أيام ذَلِك و عد غَير مكذوب
بعدها غادر صالح قومه.
تركهم و مضى.
انتهي ألامر و وعده ألله بهلاكهم بَعد ثلاثه أيام.
ومرت ثلاثه أيام علَي ألكافرين مِن قوم صالح و هم يهزءون مِن ألعذاب و ينتظرون،
وفي فجر أليَوم ألرابع: أنشقت ألسماءَ عَن صيحه جباره و أحده .
انقضت ألصيحه علَي ألجبال فهلك فيها كُل شيء حي.
هى صرخه و أحده ..
لم يكد أولها يبدا و أخرها يجيء حتّي كَان كفار قوم صالح قَد صعقوا جميعا صعقه و أحده .
هلكوا جميعا قَبل أن يدركوا ما حدث.
اما ألَّذِين أمنوا بسيدنا صالح،
فكانوا قَد غادروا ألمكان مَع نبيهم و نجوا.ش
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول

ابراهيم عَليه ألسلام

نبذه :

هو خليل ألله،
اصطفاه ألله برسالته و فضله علَي كثِير مِن خلقه،
كان أبراهيم يعيش فِى قوم يعبدون ألكواكب،
فلم يكن يرضيه ذَلك،
واحس بفطرته أن هُناك ألها أعظم حتّي هداه ألله و أصطفاه برسالته،
واخذَ أبراهيم يدعو قومه لوحدانيه ألله و عبادته و لكنهم كذبوه و حاولوا أحراقه فانجاه ألله مِن بَين أيديهم،
جعل ألله ألانبياءَ مِن نسل أبراهيم فولد لَه أسماعيل و أسحاق،
قام أبراهيم ببناءَ ألكعبه مَع أسماعيل.

سيرته:

منزله أبراهيم عَليه ألسلام:
هو احد أولى ألعزم ألخمسه ألكبار ألَّذِين أخذَ ألله مِنهم ميثاقا غليظا،
وهم: نوح و أبراهيم و موسي و عيسي و محمد..
بترتيب بعثهم.
وهو ألنبى ألَّذِى أبتلاه ألله ببلاءَ مبين.
بلاءَ فَوق قدره ألبشر و طاقه ألاعصاب.
ورغم حده ألشده ،
وعنت ألبلاء..
كان أبراهيم هُو ألعبد ألَّذِى و فى.
وزاد علَي ألوفاءَ بالاحسان.
وقد كرم ألله تبارك و تعالي أبراهيم تكريما خاصا،
فجعل ملته هِى ألتوحيد ألخالص ألنقى مِن ألشوائب.
وجعل ألعقل فِى جانب ألَّذِين يتبعون دينه.
وكان مِن فضل ألله علَي أبراهيم أن جعله ألله اماما للناس.
وجعل فِى ذَريته ألنبوه و ألكتاب.
فكل ألانبياءَ مِن بَعد أبراهيم هُم مِن نسله فهم أولاده و أحفاده.
حتي إذا جاءَ آخر ألانبياءَ محمد صلي ألله عَليه و سلم،
جاءَ تحقيقا و أستجابه لدعوه أبراهيم ألَّتِى دعا ألله فيها أن يبعث فِى ألاميين رسولا مِنهم.
ولو مضينا نبحث فِى فضل أبراهيم و تكريم ألله لَه فسوفَ نمتلئ بالدهشه .
نحن امام بشر جاءَ ربه بقلب سليم.
انسان لَم يكد ألله يقول لَه أسلم حتّي قال أسلمت لرب ألعالمين.
نبى هُو اول مِن سمانا ألمسلمين.
نبى كَان جداً و أبا لكُل أنبياءَ ألله ألَّذِين جاءوا بَعده.
نبى هادئ متسامح حليم أواه منيب.
يذكر لنا ربنا ذَُو ألجلال و ألاكرام أمرا آخر افضل مِن كُل ما سبق.
فيقول ألله عز و جل فِى محكم أياته: و أتخذَ ألله أبراهيم خليلا لَم يرد فِى كتاب ألله ذَكر لنبي،
اتخذه ألله خليلا غَير أبراهيم.
قال ألعلماء: ألخله هِى شده ألمحبه .
وبذلِك تعنى ألايه : و أتخذَ ألله أبراهيم حبيبا.
فوق هَذه ألقمه ألشامخه يجلس أبراهيم عَليه ألصلآه و ألسلام.
ان منتهي أمل ألسالكين،
وغايه هدف ألمحققين و ألعارفين بالله..
ان يحبوا ألله عز و جل.
اما أن يحلم أحدهم أن يحبه ألله،
ان يفرده بالحب،
ان يختصه بالخله و هى شده ألمحبه ..
فذلِك شيء و راءَ أفاق ألتصور.
كان أبراهيم هُو هَذا ألعبد ألربانى ألَّذِى أستحق أن يتخذه ألله خليلا.
حال ألمشركين قَبل بعثه أبراهيم:
يتحدث ألقران عَن ميلاده او طفولته،
ولا يتوقف عِند عصره صراحه ،
ولكنه يرسم صوره لجو ألحيآه فِى أيامه،
فتدب ألحيآه فِى عصره،
وتري ألناس قَد أنقسموا ثلاث فئات:
فئه تعبد ألاصنام و ألتماثيل ألخشبيه و ألحجريه .
وفئه تعبد ألكواكب و ألنجوم و ألشمس و ألقمر.
وفئه تعبد ألملوك و ألحكام.
نشآه أبراهيم عَليه ألسلام:
وفي هَذا ألجو و لد أبراهيم.
ولد فِى أسره مِن أسر ذَلِك ألزمان ألبعيد.
لم يكن رب ألاسره كافرا عاديا مِن عبده ألاصنام،
كان كافرا متميزا يصنع بيديه تماثيل ألالهه .
وقيل أن أباه مات قَبل و لادته فرباه عمه،
وكان لَه بمثابه ألاب،
وكان أبراهيم يدعوه بلفظ ألابوه ،
وقيل أن أباه لَم يمت و كان أزر هُو و ألده حقا،
وقيل أن أزر أسم صنم أشتهر أبوه بصناعته..
ومهما يكن مِن أمر فقد و لد أبراهيم فِى هَذه ألاسره .
رب ألاسره أعظم نحات يصنع تماثيل ألالهه .
ومهنه ألاب تضفي عَليه قداسه خاصه فِى قومه،
وتجعل لاسرته كلها مكانا ممتازا فِى ألمجتمع.
هى أسره مرموقه ،
اسره مِن ألصفوه ألحاكمه .
من هَذه ألاسره ألمقدسه ،
ولد طفل قدر لَه أن يقف ضد أسرته و ضد نظام مجتمعه و ضد أوهام قومه و ضد ظنون ألكهنه و ضد ألعروش ألقائمه و ضد عبده ألنجوم و ألكواكب و ضد كُل أنواع ألشرك باختصار.
مرت ألايام..
وكبر أبراهيم..
كان قلبه يمتلا مِن طفولته بكراهيه صادقه لهَذه ألتماثيل ألَّتِى يصنعها و ألده.
لم يكن يفهم كَيف يُمكن لانسان عاقل أن يصنع بيديه تمثالا،
ثم يسجد بَعد ذَلِك لما صنع بيديه.
لاحظ أبراهيم أن هَذه ألتماثيل لا تشرب و لا تاكل و لا تتكلم و لا تستطيع أن تعتدل لَو قلبها احد علَي جنبها.
كيف يتصور ألناس أن هَذه ألتماثيل تضر و تنفع؟!

مواجهه عبده ألكواكب و ألنجوم:
قرر أبراهيم عَليه ألسلام مواجهه عبده ألنجوم مِن قومه،
فاعلن عندما راي احد ألكواكب فِى ألليل،
ان هَذا ألكوكب ربه.
ويبدو أن قومه أطمانوا له،
وحسبوا انه يرفض عباده ألتماثيل و يهوي عباده ألكواكب.
وكَانت ألملاحه حره بَين ألوثنيات ألثلاث: عباده ألتماثيل و ألنجوم و ألملوك.
غير أن أبراهيم كَان يدخر لقومه مفاجآه مذهله فِى ألصباح.
لقد أفل ألكوكب ألَّذِى ألتحق بديانته بالامس.
وابراهيم لا يحب ألافلين.
فعاد أبراهيم فِى ألليله ألثانيه يعلن لقومه أن ألقمر ربه.
لم يكن قومه علَي درجه كافيه مِن ألذكاءَ ليدركوا انه يسخر مِنهم برفق و لطف و حب.
كيف يعبدون ربا يختفي ثُم يظهر.
يافل ثُم يشرق.
لم يفهم قومه هَذا فِى ألمَره ألاولي فكرره مَع ألقمر.
لكن ألقمر كالزهره كاى كوكب أخر..
يظهر و يختفي.
فقال أبراهيم عدما أفل ألقمر لئن لَم يهدنى ربى لاكونن مِن ألقوم ألضالين نلاحظ هُنا انه عندما يحدث قومه عَن رفضه لالوهيه ألقمر..
فانه يمزق ألعقيده ألقمريه بهدوء و لطف.
كيف يعبد ألناس ربا يختفي و يافل.
(لئن لَم يهدنى ربى يفهمهم أن لَه ربا غَير كُل ما يعبدون.
غير أن أللفته لا تصل أليهم.
ويعاود أبراهيم محاولته فِى أقامه ألحجه علَي ألفئه ألاولي مِن قومه..
عبده ألكواكب و ألنجوم.
فيعلن أن ألشمس ربه،
لأنها أكبر مِن ألقمر.
وما أن غابت ألشمس،
حتي أعلن براءته مِن عباده ألنجوم و ألكواكب.
فكلها مغلوقات تافل.
وانهي جولته ألاولي بتوجيهه و جهه للذى فطر ألسماوات و ألارض حنيفا..
ليس مشركا مِثلهم.
استطاعت حجه أبراهيم أن تظهر ألحق.
وبدا صراع قومه معه.
لم يسكت عنه عبده ألنجوم و ألكواكب.
بدءوا جدالهم و تخويفهم لَه و تهديده.
ورد أبراهيم عَليهم قال:
اتحاجونى فِى ألله و قد هدان و لا أخاف ما تشركون بِه ألا أن يشاءَ ربى شيئا و سع ربى كُل شيء علما أفلا تتذكرون 80 و كيف أخاف ما أشركتم و لا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لَم ينزل بِه عليكم سلطانا فاى ألفريقين أحق بالامن أن كنتم تعلمون 81 ألانعام)
لا نعرف رهبه ألهجوم عَليه.
ولا حده ألصراع ضده،
ولا أسلوب قومه ألَّذِى أتبعه معه لتخويفه.
تجاوز ألقران هَذا كله الي رده هو.
كان جدالهم باطلا فاسقطه ألقران مِن ألقصه ،
وذكر رد أبراهيم ألمنطقى ألعاقل.
كيف يخوفونه و لا يخافون هُم اى ألفريقين أحق بالامن؟
بعد أن بَين أبراهيم عَليه ألسلام حجته لفئه عبده ألنجوم و ألكواكب،
استعد لتبيين حجته لعبده ألاصنام.
اتاه ألله ألحجه فِى ألمَره ألاولي كَما سيؤتيه ألحجه فِى كُل مره .
سبحانه..
كان يؤيد أبراهيم و يريه ملكوت ألسماوات و ألارض.
لم يكن معه غَير أسلامه حين بدا صراعه مَع عبده ألاصنام.
هَذه ألمَره ياخذَ ألصراع شكلا أعظم حده .
ابوه فِى ألموضوع..
هَذه مهنه ألاب و سر مكانته و موضع تصديق ألقوم..
وهى ألعباده ألَّتِى تتبعها ألاغلبيه .
مواجهه عبده ألاصنام:
خرج أبراهيم علَي قومه بدعوته.
قال بحسم غاضب و غيره علَي ألحق:
اذَ قال لابيه و قومه ما هَذه ألتماثيل ألَّتِى أنتم لَها عاكفون 52 قالوا و جدنا أباءنا لَها عابدين 53 قال لقد كنتم أنتم و أباؤكم فِى ضلال مبين 54 قالوا أجئتنا بالحق أم انت مِن أللاعبين 55 قال بل ربكم رب ألسماوات و ألارض ألَّذِى فطرهن و أنا علَي ذَلكُم مِن ألشاهدين ألانبياء)
انتهي ألامر و بدا ألصراع بَين أبراهيم و قومه..
كان أشدهم ذَهولا و غضبا هُو أباه او عمه ألَّذِى رباه كاب..
واشتبك ألاب و ألابن فِى ألصراع.
فصلت بينهما ألمبادئ فاختلفا..
الابن يقف مَع ألله،
والاب يقف مَع ألباطل.
قال ألاب لابنه: مصيبتى فيك كبيره يا أبراهيم..
لقد خذلتنى و أسات ألي.
قال أبراهيم:
يا أبت لَم تعبد ما لا يسمع و لا يبصر و لا يغنى عنك شيئا 42 يا أبت أنى قَد جاءنى مِن ألعلم ما لَم ياتك فاتبعنى أهدك صراطا سويا 43 يا أبت لا تعبد ألشيطان أن ألشيطان كَان للرحمن عصيا 44 يا أبت أنى أخاف أن يمسك عذاب مِن ألرحمن فتَكون للشيطان و ليا 45 مريم)
انتفض ألاب و أقفا و هو يرتعش مِن ألغضب.
قال لابراهيم و هو ثائر إذا لَم تتوقف عَن دعوتك هَذه فسوفَ أرجمك،
ساقتلك ضربا بالحجاره .
هَذا جزاءَ مِن يقف ضد ألالهه ..
اخرج مِن بيتي..
لا أريد أن أراك..
اخرج.
انتهي ألامر و أسفر ألصراع عَن طرد أبراهيم مِن بيته.
كَما أسفر عَن تهديده بالقتل رميا بالحجاره .
رغم ذَلِك تصرف أبراهيم كابن بار و نبى كريم.
خاطب أباه بادب ألانبياء.
قال لابيه ردا علَي ألاهانات و ألتجريح و ألطرد و ألتهديد بالقتل:
قال سلام عليك ساستغفر لك ربى انه كَان بى حفيا 47 و أعتزلكُم و ما تدعون مِن دون ألله و أدعو ربى عسي ألا أكون بدعاءَ ربى شقيا 48 مريم)
وخرج أبراهيم مِن بيت أبيه.
هجر قومه و ما يعبدون مِن دون ألله.
وقرر فِى نفْسه أمرا.
كان يعرف أن هُناك أحتفالا عظيما يقام علَي ألضفه ألأُخري مِن ألنهر،
وينصرف ألناس جميعا أليه.
وانتظر حتّي جاءَ ألاحتفال و خلت ألمدينه ألَّتِى يعيش فيها مِن ألناس.
وخرج أبراهيم حذرا و هو يقصد بخطاه ألمعبد.
كَانت ألشوارع ألمؤديه الي ألمعبد خاليه .
وكان ألمعبد نفْسه مهجورا.
انتقل كُل ألناس الي ألاحتفال.
دخل أبراهيم ألمعبد و معه فاس حاده .
نظر الي تماثيل ألالهه ألمنحوته مِن ألصخر و ألخشب.
نظر الي ألطعام ألَّذِى و َضعه ألناس امامها كنذور و هدايا.
اقترب أبراهيم مِن ألتماثيل و سالهم: ألا تاكلون كَان يسخر مِنهم و يعرف انهم لا ياكلون.
وعاد يسال ألتماثيل: ما لكُم لا تنطقون ثُم هوي بفاسه علَي ألالهه .
وتحولت ألالهه ألمعبوده الي قطع صغيره مِن ألحجاره و ألاخشاب ألمهشمه ..
الا كبير ألاصنام فقد تركه أبراهيم لَهُم لعلهم أليه يرجعون فيسالونه كَيف و قعت ألواقعه و هو حاضر فلم يدفع عَن صغار ألالهه و لعلهم حينئذَ يراجعون ألقضيه كلها،
فيرجعون الي صوابهم.
الا أن قوم أبراهيم ألَّذِين عطلت ألخرافه عقولهم عَن ألتفكير،
وغل ألتقليد أفكارهم عَن ألتامل و ألتدبر.
لم يسالوا أنفسهم: أن كَانت هَذه ألهه فكيف و قع لَها ما و قع دون أن تدفع عَن أنفسها شيئا و هَذا كبيرها كَيف لَم يدفع عنها و بدلا مِن ذَلِك قالوا مِن فعل هَذا بالهتنا انه لمن ألظالمين).
عندئذَ تذكر ألَّذِين سمعوا أبراهيم ينكر علَي أبيه و من معه عباده ألتماثيل،
ويتوعدهم أن يكيد لالهتهم بَعد أنصرافهم عنها!
فاحضروا أبراهيم عَليه ألسلام،
وتجمع ألناس،
وسالوه أانت فعلت هَذا بالهتنا يا أبراهيم) فاجابهم أبراهيم بل فعله كبيرهم هَذا فاسالوهم أن كَانوا ينطقون و ألتهكم و أضح فِى هَذا ألجواب ألساخر.
فلا داعى لتسميه هَذه كذبه مِن أبراهيم عَليه ألسلام و ألبحث عَن تعليلها بشتي ألعلل ألَّتِى أختلف عَليها ألمفسرون.
فالامر أيسر مِن هَذا بكثير إنما أراد أن يقول لهم: أن هَذه ألتماثيل لا تدرى مِن حطمها أن كنت انا أم هَذا ألصنم ألكبير ألَّذِى لا يملك مِثلها حراكا.
فَهى جماد لا أدراك لَه أصلا.
وانتم كذلِك مِثلها مسلوبو ألادراك لا تميزون بَين ألجائز و ألمستحيل.
فلا تعرفون أن كنت انا ألَّذِى حطمتها أم أن هَذا ألتمثال هُو ألَّذِى حطمها!
ويبدو أن هَذا ألتهكم ألساخر قَد هزهم هزا،
وردهم الي شيء مِن ألتدبر ألتفكر:
فرجعوا الي أنفسهم فقالوا أنكم أنتم ألظالمون 64 ألانبياء)
وكَانت بادره خير أن يستشعروا ما فِى موقفهم مِن سخف،
وما فِى عبادتهم لهَذه ألتماثيل مِن ظلم.
وان تتفَتح بصيرتهم لاول مَره فيتدبروا ذَلِك ألسخف ألَّذِى ياخذون بِه أنفسهم،
وذلِك ألظلم ألَّذِى هُم فيه سادرون.
ولكنها لَم تكُن ألا و مضه و أحده أعقبها ألظلام،
والا خفقه و أحده عادت بَعدها قلوبهم الي ألخمود:
ثم نكسوا علَي رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاءَ ينطقون ألانبياء)
وحقا كَانت ألاولي رجعه الي ألنفوس،
وكَانت ألثانيه نكسه علَي ألرؤوس؛ كَما يقول ألتعبير ألقرانى ألمصور ألعجيب..
كَانت ألاولي حركه فِى ألنفس للنظر و ألتدبر.
اما ألثانيه فكَانت أنقلابا علَي ألراس فلا عقل و لا تفكير.
والا فإن قولهم هَذا ألاخير هُو ألحجه عَليهم.
وايه حجه لابراهيم أقوي مِن أن هؤلاءَ لا ينطقون؟
ومن ثُم يجيبهم بعنف و ضيق علَي غَير عادته و هو ألصبور ألحليم.
لان ألسخف هُنا يجاوز صبر ألحليم:
قال أفتعبدون مِن دون ألله ما لا ينفعكم شيئا و لا يضركم 66 أف لكُم و لما تعبدون مِن دون ألله أفلا تعقلون 67 ألانبياء)
وهى قوله يظهر فيها ضيق ألصدرن و غيظ ألنفس،
والعجب مِن ألسخف ألَّذِى يتجاوز كُل مالوف.
عِند ذَلِك أخذتهم ألعزه بالاثم كَما تاخذَ ألطغآه دائما حين يفقدون ألحجه و يعوزهم ألدليل،
فيلجاون الي ألقوه ألغاشمه و ألعذاب ألغليظ:
قالوا حرقوه و أنصروا ألهتكم أن كنتم فاعلين 68 ألانبياء)

نجآه أبراهيم عَليه ألسلام مِن ألنار:
وفعلا..
بدا ألاستعداد لاحراق أبراهيم.
انتشر ألنبا فِى ألمملكه كلها.
وجاءَ ألناس مِن ألقري و ألجبال و ألمدن ليشهدوا عقاب ألَّذِى تجرا علَي ألالهه و حطمها و أعترف بذلِك ر مِن ألكهنه .
وحفروا حفره عظيمه ملئوها بالحطب و ألخشب و ألاشجار.
واشعلوا فيها ألنار.
واحضروا ألمنجنيق و هو أله جباره ليقذفوا أبراهيم فيها فيسقط فِى حفره ألنار..
ووضعوا أبراهيم بَعد أن قيدوا يديه و قدميه فِى ألمنجنيق.
واشتعلت ألنار فِى ألحفره و تصاعد أللهب الي ألسماء.
وكان ألناس يقفون بعيدا عَن ألحفره مِن فرط ألحراره أللاهبه .
واصدر كبير ألكهنه أمَره باطلاق أبراهيم فِى ألنار.

جاءَ جبريل عَليه ألسلام و وقف عِند راس أبراهيم و ساله: يا أبراهيم..
الك حاجه ؟

قال أبراهيم: أما أليك فلا.

انطلق ألمنجنيق ملقيا أبراهيم فِى حفره ألنار.
كَانت ألنار موجوده فِى مكانها،
ولكنها لَم تكُن تمارس و ظيفتها فِى ألاحراق.
فقد أصدر ألله جل جلاله الي ألنار أمَره بان تَكون بردا و سلاما علَي أبراهيم).
احرقت ألنار قيوده فقط.
وجلس أبراهيم و سَطها كَانه يجلس و سَط حديقه .
كان يسبح بحمد ربه و يمجده.
لم يكن فِى قلبه مكان خال يُمكن أن يمتلئ بالخوف او ألرهبه او ألجزع.
كان ألقلب مليئا بالحب و حده.
ومات ألخوف.
وتلاشت ألرهبه .
واستحالت ألنار الي سلام بارد يلطف عنه حراره ألجو.

جلس ألكهنه و ألناس يرقبون ألنار مِن بعيد.
كَانت حرارتها تصل أليهم علَي ألرغم مِن بَعدهم عنها.
وظلت ألنار تشتعل فتره طويله حتّي ظن ألكافرون انها لَن تنطفئ أبدا.
فلما أنطفات فوجئوا بابراهيم يخرج مِن ألحفره سليما كَما دخل.
ووجهه يتلالا بالنور و ألجلال.
وثيابه كَما هِى لَم تَحْترق.
وليس عَليه اى أثر للدخان او ألحريق.

خرج أبراهيم مِن ألنار كَما لَو كَان يخرج مِن حديقه .
وتصاعدت صيحات ألدهشه ألكافره .
خسروا جولتهم خساره مريره و ساخره .

وارادوا بِه كيدا فجعلناهم ألاخسرين 70 ألانبياء)

لا يحدثنا ألقران ألكريم عَن عمر أبراهيم حين حطم أصنام قومه،
لا يحدثنا عَن ألسن ألَّتِى كلف فيها بالدعوه الي ألله.
ويبدو مِن أستقراءَ ألنصوص ألقديمه أن أبراهيم كَان شابا صغيرا حين فعل ذَلك،
بدليل قول قومه عنه: سمعنا فتي يذكرهم يقال لَه أبراهيم).
وكلمه ألفتي تطلق علَي ألسن ألَّتِى تسبق ألعشرين.
مواجهه عبده ألملوك:

ان زمن أصطفاءَ ألله تعالي لابراهيم غَير محدد فِى ألقران.
وبالتالى فنحن لا نستطيع أن نقطع فيه بجواب نهائي.
كل ما نستطيع أن نقطع فيه براي،
ان أبراهيم أقام ألحجه علَي عبده ألتماثيل بشَكل قاطع،
كَما أقامها علَي عبده ألنجوم و ألكواكب مِن قَبل بشَكل حاسم،
ولم يبق ألا أن تقام ألحجه علَي ألملوك ألمتالهين و عبادهم..
وبذلِك تَقوم ألحجه علَي كُل ألكافرين.

فذهب أبراهيم عَليه ألسلام لملك متاله كَان فِى زمانه.
وتجاوز ألقران أسم ألملك لانعدام اهميته،
لكن روى أن ألملك ألمعاصر لابراهيم كَان يلقب بالنمرود و هو ملك ألاراميين بالعراق.
كَما تجاوز حقيقه مشاعره،
كَما تجاوز ألحوار ألطويل ألَّذِى دار بَين أبراهيم و بينه.
لكن ألله تعالي فِى كتابه ألحكيم أخبرنا ألحجه ألاولي ألَّتِى أقامها أبراهيم عَليه ألسلام علَي ألملك ألطاغيه ،
فقال أبراهيم بهدوء: ربى ألَّذِى يحيى و يميت)

قال ألملك: انا أحيى و أميت أستطيع أن أحضر رجلا يسير فِى ألشارع و أقتله،
واستطيع أن أعفو عَن محكوم عَليه بالاعدام و أنجيه مِن ألموت..
وبذلِك أكون قادرا علَي ألحيآه و ألموت.

لم يجادل أبراهيم ألملك لسذاجه ما يقول.
غير انه أراد أن يثبت للملك انه يتوهم فِى نفْسه ألقدره و هو فِى ألحقيقه ليس قادرا.
فقال أبراهيم: فإن ألله ياتى بالشمس مِن ألمشرق فات بها مِن ألمغرب)

استمع ألملك الي تحدى أبراهيم صامتا..
فلما أنتهي كلام ألنبى بهت ألملك.
احس بالعجز و لم يستطع أن يجيب.
لقد أثبت لَه أبراهيم انه كاذب..
قال لَه أن ألله ياتى بالشمس مِن ألمشرق،
فهل يستطيع هُو أن ياتى بها مِن ألمغرب..
ان للكون نظما و قوانين يمشى طبقا لها..
قوانين خلقها ألله و لا يستطيع اى مخلوق أن يتحكم فيها.
ولو كَان ألملك صادقا فِى أدعائه ألالوهيه فليغير نظام ألكون و قوانينه..
ساعتها أحس ألملك بالعجز..
واخرسه ألتحدي.
ولم يعرف ماذَا يقول،
ولا كَيف يتصرف.
انصرف أبراهيم مِن قصر ألملك،
بعد أن بهت ألَّذِى كفر.

هجره أبراهيم عَليه ألسلام:

انطلقت شهره أبراهيم فِى ألمملكه كلها.
تحدث ألناس عَن معجزته و نجاته مِن ألنار،
وتحدث ألناس عَن موقفه مَع ألملك و كيف أخرس ألملك فلم يعرف ماذَا يقول.
واستمر أبراهيم فِى دعوته لله تعالى.
بذل جهده ليهدى قومه،
حاول أقناعهم بِكُل ألوسائل،
ورغم حبه لَهُم و حرصه عَليهم فقد غضب قومه و هجروه،
ولم يؤمن معه مِن قومه سوي أمرآه و رجل و أحد.
امرآه تسمي ساره ،
وقد صارت فيما بَعد زوجته،
ورجل هُو لوط،
وقد صار نبيا فيما بَعد.
وحين أدرك أبراهيم أن أحدا لَن يؤمن بدعوته.
قرر ألهجره .

قبل أن يهاجر،
دعا و ألده للايمان،
ثم تبين لابراهيم أن و ألده عدو لله،
وانه لا ينوى ألايمان،
فتبرا مِنه و قطع علاقته به.

للمَره ألثانيه فِى قصص ألانبياءَ نصادف هَذه ألمفاجاه .
في قصه نوح كَان ألاب نبيا و ألابن كافرا،
وفي قصه أبراهيم كَان ألاب كافرا و ألابن نبيا،
وفي ألقصتين نري ألمؤمن يعلن براءته مِن عدو ألله رغم كونه أبنه او و ألده،
وكان ألله يفهمنا مِن خِلال ألقصه أن ألعلاقه ألوحيده ألَّتِى ينبغى أن تَقوم عَليها ألروابط بَين ألناس،
هى علاقه ألايمان لا علاقه ألميلاد و ألدم.

خرج أبراهيم عَليه ألسلام مِن بلده و بدا هجرته.
سافر الي مدينه تدعي أور.
ومدينه تسمي حاران.
ثم رحل الي فلسطين و معه زوجته،
المرآه ألوحيده ألَّتِى أمنت به.
وصحب معه لوطا..
الرجل ألوحيد ألَّذِى أمن به.

بعد فلسطين ذَهب أبراهيم الي مصر.
وطوال هَذا ألوقت و خلال هَذه ألرحلات كلها،
كان يدعو ألناس الي عباده ألله،
ويحارب فِى سبيله،
ويخدم ألضعفاءَ و ألفقراء،
ويعدل بَين ألناس،
ويهديهم الي ألحقيقه و ألحق.

وتاتى بَعض ألروايات لتبين قصه أبراهيم عَليه ألسلام و زوجته ساره و موقفهما مَع ملك مصر.
فتقول:

وصلت ألاخبار لملك مصر بوصول رجل لمصر معه أمرآه هِى أجمل نساءَ ألارض.
فطمع بها.
وارسل جنوده لياتونه بهَذه ألمراه .
وامرهم بان يسالوا عَن ألرجل ألَّذِى معها،
فان كَان زوجها فليقتلوه.
فجاءَ ألوحى لابراهيم عَليه ألسلام بذلك.
فقال أبراهيم عَليه ألسلام لساره أن سالوك عنى فانت أختى اى أخته فِى ألله-،
وقال لَها ما علَي هَذه ألارض مؤمن غَيرى و غيرك فكل أهل مصر كفره ،
ليس فيها موحد لله عز و جل.
فجاءَ ألجنود و سالوا أبراهيم: ما تَكون هَذه منك قال: أختي.

لنقف هُنا قلِيلا..
قال أبراهيم حينما قال لقومه أنى سقيم و بل فعله كبيرهم هَذا فاسالوه و هِى أختي).
كلها كلمات تَحْتمل ألتاويل.
لكن مَع هَذا كَان أبراهيم عَليه ألسلام خائفا جداً مِن حسابه علَي هَذه ألكلمات يوم ألقايمه .
فعندما يذهب ألبشر لَه يوقم ألقيامه ليدعوا ألله أن يبدا ألحساب يقول لَهُم لا أنى كذب علَي ربى ثلاث مرات.

ونجد أن ألبشر ألآن يكذبون امام ألناس مِن غَير أستحياءَ و لا خوف مِن خالقهم.

لما عرفت ساره أن ملك مصر فاجر و يريدها لَه أخذت تدعوا ألله قائله : أللهم أن كنت تعلم أنى أمنت بك و برسولك و أحصنت فرجى ألا علَي زوجى فلا تسلط على ألكافر.

فلما أدخلوها عَليه.
مد يده أليها ليلمسها فشل و تجمدت يده فِى مكانها،
فبدا بالصراخ لانه لَم يعد يستطيع تحريكها،
وجاءَ أعوانه لمساعدته لكِنهم لَم يستطيعوا فعل شيء.
فخافت ساره علَي نفْسها أن يقتلوها بسَبب ما فعلته بالملك.
فقالت: يا رب أتركه لا يقتلونى به.
فاستجاب ألله لدعائها.

لكن ألملك لَم يتب و ظن أن ما حدث كَان أمرا عابرا و ذَهب.
فهجم عَليها مَره أخرى.
فشل مَره ثانيه .
فقال: فكيني.
فدعت ألله تعالي ففكه.
فمد يده ثالثه فشل.
فقال: فكينى و أطلقك و أكرمك.
فدعت ألله سبحانه و تعالي ففك.
فصرخ ألملك باعوانه: أبعدوها عنى فانكم لَم تاتونى بانسان بل أتيتمونى بشيطان.

فاطلقها و أعطاها شيئا مِن ألذهب،
كَما أعطاها أمه أسمها “هاجر”.

هَذه ألروايه مشهوره عَن دخول أبراهيم عَليه ألسلام لمصر.

وكَانت زوجته ساره لا تلد.
وكان ملك مصر قَد أهداها سيده مصريه لتَكون فِى خدمتها،
وكان أبراهيم قَد صار شيخا،
وابيض شعره مِن خِلال عمر أبيض أنفقه فِى ألدعوه الي ألله،
وفكرت ساره انها و أبراهيم و حيدان،
وهى لا تنجب أولادا،
ماذَا لَو قدمت لَه ألسيده ألمصريه لتَكون زوجه لزوجها و كان أسم ألمصريه “هاجر”.
وهكذا زوجت ساره سيدنا أبراهيم مِن هاجر،
وولدت هاجر أبنها ألاول فاطلق و ألده عَليه أسم “اسماعيل”.
كان أبراهيم شيخا حين و لدت لَه هاجر اول أبنائه أسماعيل.

ولسنا نعرف أبعاد ألمسافات ألَّتِى قطعها أبراهيم فِى رحلته الي ألله.
كان دائما هُو ألمسافر الي ألله.
سواءَ أستقر بِه ألمقام فِى بيته او حملته خطواته سائحا فِى ألارض.
مسافر الي ألله يعلم انها أيام علَي ألارض و بعدها يجيء ألموت ثُم ينفخ فِى ألصور و تَقوم قيامه ألاموات و يقع ألبعث

احياءَ ألموتى:

ملا أليَوم ألاخر قلب أبراهيم بالسلام و ألحب و أليقين.
واراد أن يري يوما كَيف يحيى ألله عز و جل ألموتى.
حكي ألله هَذا ألموقف فِى سوره ألبقره )..
قال تعالى:

واذَ قال أبراهيم رب أرنى كَيف تحيى ألموتي قال أولم تؤمن قال بلي و لكن ليطمئن قلبي

لا تَكون هَذه ألرغبه فِى طمانينه ألقلب مَع ألايمان ألا درجه مِن درجات ألحب لله.

قال فخذَ أربعه مِن ألطير فصرهن أليك ثُم أجعل علَي كُل جبل مِنهن جزءا ثُم أدعهن ياتينك سعيا و أعلم أن ألله عزيز حكيم

فعل أبراهيم ما أمَره بِه ألله.
ذبح أربعه مِن ألطير و فرق أجزاءها علَي ألجبال.
ودعاها باسم ألله فنهض ألريش يلحق بجناحه،
وبحثت ألصدور عَن رؤوسها،
وتطايرت أجزاءَ ألطير مندفعه نحو ألالتحام،
والتقت ألضلوع بالقلوب،
وسارعت ألاجزاءَ ألذبيحه للالتئام،
ودبت ألحيآه فِى ألطير،
وجاءت طائره مسرعه ترمى بنفسها فِى أحضان أبراهيم.
اعتقد بَعض ألمفسرين أن هَذه ألتجربه كَانت حب أستطلاع مِن أبراهيم.
واعتقد بَعضهم انه أراد أن يري يد ذَى ألجلال ألخالق و هى تعمل،
فلم ير ألاسلوب و أن راي ألنتيجه .
واعتقد بَعض ألمفسرين انه أكتفى بما قاله لَه ألله و لم يذبح ألطير.
ونعتقد أن هَذه ألتجربه كَانت درجه مِن درجات ألحب قطعها ألمسافر الي ألله.
ابراهيم

رحله أبراهيم مَع هاجر و أسماعيل لوادى مكه :

استيقظ أبراهيم يوما فامر زوجته هاجر أن تحمل أبنها و تستعد لرحله طويله .
وبعد أيام بدات رحله أبراهيم مَع زوجته هاجر و معهما أبنهما أسماعيل.
وكان ألطفل رضيعا لَم يفطم بَعد.
وظل أبراهيم يسير و سَط أرض مزروعه تاتى بَعدها صحراءَ تجيء بَعدها جبال.
حتي دخل الي صحراءَ ألجزيره ألعربيه ،
وقصد أبراهيم و أديا ليس فيه زرع و لا ثمر و لا شجر و لا طعام و لا مياه و لا شراب.
كان ألوادى يخلو تماما مِن علامات ألحياه .
وصل أبراهيم الي ألوادي،
وهبط مِن فَوق ظهر دابته.
وانزل زوجته و أبنه و تركهما هناك،
ترك معهما جرابا فيه بَعض ألطعام،
وقليلا مِن ألماء.
ثم أستدار و تركهما و سار.

اسرعت خَلفه زوجته و هى تقول له: يا أبراهيم اين تذهب و تتركنا بهَذا ألوادى ألَّذِى ليس فيه شيء؟

لم يرد عَليها سيدنا أبراهيم.
ظل يسير.
عادت تقول لَه ما قالته و هو صامت.
اخيرا فهمت انه لا يتصرف هكذا مِن نفْسه.
ادركت أن ألله أمَره بذلِك و سالته: هَل ألله أمرك بهَذا قال أبراهيم عَليه ألسلام: نعم.

قالت زوجته ألمؤمنه ألعظيمه : لَن نضيع ما دام ألله معنا و هو ألَّذِى أمرك بهذا.
وسار أبراهيم حتّي إذا أخفاه جبل عنهما و قف و رفع يديه ألكريمتين الي ألسماءَ و راح يدعو ألله: ربنا أنى أسكنت مِن ذَريتى بواد غَير ذَى زرع عِند بيتك ألمحرم).

لم يكن بيت ألله قَد أعيد بناؤه بَعد،
لم تكُن ألكعبه قَد بنيت،
وكَانت هُناك حكمه عليا فِى هَذه ألتصرفات ألغامضه ،
فقد كَان أسماعيل ألطفل ألَّذِى ترك مَع أمه فِى هَذا ألمكان،
كان هَذا ألطفل هُو ألَّذِى سيصير مسؤولا مَع و ألده عَن بناءَ ألكعبه فيما بَعد.
وكَانت حكمه ألله تقضى أن يمتد ألعمران الي هَذا ألوادي،
وان يقام فيه بيت ألله ألَّذِى نتجه جميعا أليه أثناءَ ألصلآه بوجوهنا.

ترك أبراهيم زوجته و أبنه ألرضيع فِى ألصحراءَ و عاد راجعا الي كفاحه فِى دعوه ألله.
ارضعت أم أسماعيل أبنها و أحست بالعطش.
كَانت ألشمس ملتهبه و ساخنه و تثير ألاحساس بالعطش.
بعد يومين أنتهي ألماءَ تماما،
وجف لبن ألام.
واحست هاجر و أسماعيل بالعطش..
كان ألطعام قَد أنتهي هُو ألاخر.
وبدا ألموقف صعبا و حرجا للغايه .
ماءَ زمزم:
بدا أسماعيل يبكى مِن ألعطش.
وتركته أمه و أنطلقت تبحث عَن ماء.
راحت تمشى مسرعه حتّي و صلت الي جبل أسمه “الصفا”.
فصعدت أليه و راحت تبحث بهما عَن بئر او أنسان او قافله .
لم يكن هُناك شيء.
ونزلت مسرعه مِن ألصفا حتّي إذا و صلت الي ألوادى راحت تسعي سعى ألانسان ألمجهد حتّي جاوزت ألوادى و وصلت الي جبل “المروه ”،
فصعدت أليه و نظرت لتري أحدا لكِنها لَم تر أحدا.
وعادت ألام الي طفلها فوجدته يبكى و قد أشتد عطشه.
واسرعت الي ألصفا فَوقفت عَليه،
وهرولت الي ألمروه فنظرت مِن فَوقه.
وراحت تذهب و تجيء سبع مرات بَين ألجبلين ألصغيرين.
سبع مرات و هى تذهب و تعود.
ولهَذا يذهب ألحجاج سبع مرات و يعودون بَين ألصفا و ألمروه أحياءَ لذكريات أمهم ألاولي و نبيهم ألعظيم أسماعيل.
عادت هاجر بَعد ألمَره ألسابعه و هى مجهده متعبه تلهث.
وجلست بجوار أبنها ألَّذِى كَان صوته قَد بح مِن ألبكاءَ و ألعطش.

وفي هَذه أللحظه أليائسه أدركتها رحمه ألله،
وضرب أسماعيل بقدمه ألارض و هو يبكى فانفجرت تَحْت قدمه بئر زمزم.
وفار ألماءَ مِن ألبئر.
انقذت حياتا ألطفل و ألام.
راحت ألام تغرف بيدها و هى تشكر ألله.
وشربت و سقت طفلها و بدات ألحيآه تدب فِى ألمنطقه .
صدق ظنها حين قالت: لَن نضيع ما دام ألله معنا.

وبدات بَعض ألقوافل تستقر فِى ألمنطقه .
وجذب ألماءَ ألَّذِى أنفجر مِن بئر زمزم عديدا مِن ألناس.
وبدا ألعمران يبسط أجنحته علَي ألمكان.

الامر بذبح أسماعيل عَليه ألسلام:

كبر أسماعيل..
وتعلق بِه قلب أبراهيم..
جاءه ألعقب علَي كبر فاحبه..
وابتلي ألله تعالي أبراهيم بلاءَ عظيما بسَبب هَذا ألحب.
فقد راي أبراهيم عَليه ألسلام فِى ألمنام انه يذبح أبنه ألوحيد أسماعيل.
وابراهيم يعمل أن رؤيا ألانبياءَ و حي.

انظر كَيف يختبر ألله عباده.
تامل اى نوع مِن أنواع ألاختبار.
نحن امام نبى قلبه أرحم قلب فِى ألارض.
اتسع قلبه لحب ألله و حب مِن خلق.
جاءه أبن علَي كبر..
وقد طعن هُو فِى ألسن و لا أمل هُناك فِى أن ينجب.
ثم ها هُو ذَا يستسلم للنوم فيري فِى ألمنام انه يذبح أبنه و بكره و وحيده ألَّذِى ليس لَه غَيره.

اى نوع مِن ألصراع نشب فِى نفْسه.
يخطئ مِن يظن أن صراعا لَم ينشا قط.
لا يَكون بلاءَ مبينا هَذا ألموقف ألَّذِى يخلو مِن ألصراع.
نشب ألصراع فِى نفْس أبراهيم..
صراع أثارته عاطفه ألابوه ألحانيه .
لكن أبراهيم لَم يسال عَن ألسَبب و راءَ ذَبح أبنه.
فليس أبراهيم مِن يسال ربه عَن أوامره.

فكر أبراهيم فِى و لده..
ماذَا يقول عنه إذا أرقده علَي ألارض ليذبحه..
الافضل أن يقول لولده ليَكون ذَلِك أطيب لقلبه و أهون عَليه مِن أن ياخذه قهرا و يذبحه قهرا.
هَذا افضل..
انتهي ألامر و ذَهب الي و لده قال يا بنى أنى أري فِى ألمنام أنى أذبحك فانظر ماذَا ترى).
انظر الي تلطفه فِى أبلاغ و لده،
وترك ألامر لينظر فيه ألابن بالطاعه ..
ان ألامر مقضى فِى نظر أبراهيم لانه و حى مِن ربه..
فماذَا يري ألابن ألكريم فِى ذَلِك أجاب أسماعيل: هَذا أمر يا أبى فبادر بتنفيذه يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدنى أن شاءَ ألله مِن ألصابرين).
تامل رد ألابن..
انسان يعرف انه سيذبح فيمتثل للامر ألالهى و يقدم ألمشيئه و يطمئن و ألده انه سيجده أن شاءَ ألله مِن ألصابرين).
هو ألصبر علَي اى حال و علي كُل حال..
وربما أستعذب ألابن أن يموت ذَبحا بامر مِن ألله..
ها هُو ذَا أبراهيم يكتشف أن أبنه ينافسه فِى حب ألله.
لا نعرف اى مشاعر جاشت فِى نفْس أبراهيم بَعد أستسلام أبنه ألصابر.

ينقلنا ألحق نقله خاطفه فاذا أسماعيل راقد علَي ألارض،
وجهه فِى ألارض رحمه بِه كيلا يري نفْسه و هو يذبح.
واذا أبراهيم يرفع يده بالسكين..
واذا أمر ألله مطاع.
(فلما أسلما أستخدم ألقران هَذا ألتعبير..
(فلما أسلما هَذا هُو ألاسلام ألحقيقي..
تعطى كُل شيء،
فلا يتبقي منك شيء.

عندئذَ فقط..
وفي أللحظه ألَّتِى كَان ألسكين فيها يتهيا لامضاءَ أمره..
نادي ألله أبراهيم..
انتهي أختباره،
وفدي ألله أسماعيل بذبح عظيم – و صار أليَوم عيدا لقوم لَم يولدوا بَعد،
هم ألمسلمون.
صارت هَذه أللحظات عيدا للمسلمين.
عيدا يذكرهم بمعني ألاسلام ألحقيقى ألَّذِى كَان عَليه أبراهيم و أسماعيل.

ومضت قصه أبراهيم.
ترك و لده أسماعيل و عاد يضرب فِى أرض ألله داعيا أليه،
خليلا لَه و حده.
ومرت ألايام.
كان أبراهيم قَد هاجر مِن أرض ألكلدانيين مسقط راسه فِى ألعراق و عَبر ألاردن و سكن فِى أرض كنعان فِى ألباديه .
ولم يكن أبراهيم ينسي خِلال دعوته الي ألله أن يسال عَن أخبار لوط مَع قومه،
وكان لوط اول مِن أمن به،
وقد أثابه ألله بان بعثه نبيا الي قوم مِن ألفاجرين ألعصاه .

البشري باسحاق:
كان أبراهيم جالس لوحده.
في هَذه أللحظه ،
هبطت علَي ألارض أقدام ثلاثه مِن ألملائكه : جبريل و أسرافيل و ميكائيل.
يتشكلون فِى صور بشريه مِن ألجمال ألخارق.
ساروا صامتين.
مهمتهم مزودجه .
المرور علَي أبراهيم و تبشيره.
ثم زياره قوم لوط و وضع حد لجرائمهم.

سار ألملائكه ألثلاثه قلِيلا.
القي أحدهم حصآه امام أبراهيم.
رفع أبراهيم راسه..
تامل و جوههم..
لا يعرف أحدا فيهم.
بادروه بالتحيه .
قالوا: سلاما.
قال: سلام.

نهض أبراهيم و رحب بهم.
ادخلهم بيته و هو يظن انهم ضيوف و غرباء.
اجلسهم و أطمان انهم قَد أطمانوا،
ثم أستاذن و خرج.
راغ الي أهله.

نهضت زوجته ساره حين دخل عَليها.
كَانت عجوزا قَد أبيض شعرها و لم يعد يتوهج بالشباب فيها غَير و ميض ألايمان ألَّذِى يطل مِن عينيها.

قال أبراهيم لزوجته: زارنا ثلاثه غرباء.

سالته: مِن يكونون؟

قال: لا أعرف أحدا فيهم.
وجوه غريبه علَي ألمكان.
لا ريب انهم مِن مكان بعيد،
غير أن ملابسهم لا تشى بالسفر ألطويل.
اى طعام جاهز لدينا؟

قالت: نصف شاه .

قال و هو يهم بالانصراف: نصف شاه ..
اذبحى لَهُم عجلا سمينا.
هم ضيوف و غرباء.
ليست معهم دواب او أحمال او طعام.
ربما كَانوا جوعي و ربما كَانوا فقراء.

اختار أبراهيم عجلا سمينا و أمر بذبحه،
فذكروا عَليه أسم ألله و ذَبحوه.
وبدا شواءَ ألعجل علَي ألحجاره ألساخنه .
واعدت ألمائده .
ودعا أبراهيم ضيوفه الي ألطعام.
اشار أبراهيم بيده أن يتفضلوا باسم ألله،
وبدا هُو ياكل ليشجعهم.
كان أبراهيم كريما يعرف أن ألله لا يتخلي عَن ألكرماءَ و ربما لَم يكن فِى بيته غَير هَذا ألعجل،
وضيوفه ثلاثه و نصف شآه يكفيهم و يزيد،
غير انه كَان سيدا عظيم ألكرم.
راح أبراهيم ياكل ثُم أسترق ألنظر الي ضيوفه ليطمئن انهم ياكلون.
لاحظ أن أحدا لا يمد يده الي ألطعام.
قرب أليهم ألطعام و قال: ألا تاكلون عاد الي طعامه ثُم أختلس أليهم نظره فوجدهم لا ياكلون..
راي أيديهم لا تصل الي ألطعام.
عندئذَ أوجس مِنهم خيفه ).
في تقاليد ألباديه ألَّتِى عاش فيها أبراهيم،
كان معني أمتناع ألضيوف عَن ألاكل انهم يقصدون شرا بصاحب ألبيت.

ولاحظ أبراهيم بينه و بين نفْسه اكثر مِن ملاحظه تؤيد غرابه ضيوفه.
لاحظ انهم دخلوا عَليه فجاه .
لم يرهم ألا و هم عِند راسه.
لم يكن معهم دواب تحملهم،
لم تكُن معهم أحمال.
وجوههم غريبه تماما عَليه.
كانوا مسافرين و ليس عَليهم أثر لتراب ألسفر.
ثم ها هُو ذَا يدعوهم الي طعامه فيجلسون الي ألمائده و لا ياكلون.
ازداد خوف أبراهيم.

كان ألملائكه يقرءون أفكاره ألَّتِى تدور فِى نفْسه،
دون أن يشى بها و جهه.
قال لَه احد ألملائكه : لا تخف).
رفع أبراهيم راسه و قال بصدق عظيم و براءه : أعترف أننى خائف.
لقد دعوتكم الي ألطعام و رحبت بكم،
ولكنكم لا تمدون أيديكم أليه..
هل تنوون بى شرا؟

ابتسم احد ألملائكه و قال: نحن لا ناكل يا أبراهيم..
نحن ملائكه ألله..
وقد أرسلنا الي قوم لوط)

ضحكت زوجه أبراهيم..
كَانت قائمه تتابع ألحوار بَين زوجها و بينهم،
فضحكت.

التفت أليها احد ألملائكه و بشرها باسحاق.

صكت ألعجوز و جهها تعجبا:

قالت يا و يلتي أالد و أنا عجوز و هَذا بعلى شيخا أن هَذا لشيء عجيب 72 هود)

عاد احد ألملائكه يقول لها:

ومن و راءَ أسحق يعقوب

جاشت ألمشاعر فِى قلب أبراهيم و زوجته.
شف جو ألحجره و أنسحب خوف أبراهيم و أحتل قلبه نوع مِن أنواع ألفرح ألغريب ألمختلط.
كَانت زوجته ألعاقر تقف هِى ألأُخري و هى ترتجف.
ان بشاره ألملائكه تهز روحها هزا عميقا.
أنها عجوز عقيم و زوجها شيخ كبير.
كيف كَيف يُمكن؟!

وسط هَذا ألجو ألندى ألمضطرب تساءل أبراهيم:

ابشرتمونى علَي أن مسنى ألكبر فبم تبشرون 54 ألحجر)

اكان يُريد أن يسمع ألبشاره مَره اُخري أكان يُريد أن يطمئن قلبه و يسمع للمَره ألثانيه منه ألله عَليه أكان ما بنفسه شعورا بشريا يُريد أن يستوثق و يهتز بالفرح مرتين بدلا مِن مَره و أحده أكد لَه ألملائكه انهم بشروه بالحق.

قالوا بشرناك بالحق فلا تكُن مِن ألقانطين 55 ألحجر)

قال و من يقنط مِن رحمه ربه ألا ألضالون ألحجر)

لم يفهم ألملائكه أحساسه ألبشري،
فنوه عَن أن يَكون مِن ألقانطين،
وافهمهم انه ليس قانطا..
إنما هُو ألفرح.

لم تكُن ألبشري شيئا بسيطا فِى حيآه أبراهيم و زوجته.
لم يكن لابراهيم غَير و لد و أحد هُو أسماعيل،
تركه هُناك بعيدا فِى ألجزيره ألعربيه .
ولم تكُن زوجته ساره قَد أنجبت خِلال عشرتها ألطويله لابراهيم،
وهى ألَّتِى زوجته مِن جاريتها هاجر.
ومن هاجر جاءَ أسماعيل.
اما ساره ،
فلم يكن لَها و لد.
وكان حنينها الي ألولد عظيما،
لم يطفئ مرور ألايام مِن توهجه.
ثم دخلت شيخوختها و أحتضر حلمها و مات.
كَانت تقول: انها مشيئه ألله عز و جل.

هكذا أراد ألله لها.
وهكذا أراد لزوجها.
ثم ها هِى ذَى فِى مغيب ألعمر تتلقي ألبشاره .
ستلد غلاما.
ليس هَذا فحسب،
بشرتها ألملائكه بان أبنها سيَكون لَه و لد تشهد مولده و تشهد حياته.
لقد صبرت طويلا ثُم يئست ثُم نسيت.
ثم يجيء جزاءَ ألله مفاجآه تمحو هَذا كله فِى لحظه .

فاضت دموعها و هى تقف.
واحس أبراهيم عَليه ألصلآه و ألسلام باحساس محير.
جاشت نفْسه بمشاعر ألرحمه و ألقرب،
وعاد يحس بانه أزاءَ نعمه لا يعرف كَيف يوفيها حقها مِن ألشكر.
وخر أبراهيم ساجداً علَي و جهه.

انتهي ألامر و أستقرت ألبشري فِى ذَهنيهما معا.
نهض أبراهيم مِن سجوده و قد ذَهب عنه خوفه،
واطمانت حيرته،
وغادره ألروع،
وسكنت قلبه ألبشري ألَّتِى حملوها أليه.
وتذكر انهم أرسلوا الي قوم لوط.
ولوط أبن أخيه ألنازح معه مِن مسقط راسه،
والساكن علَي مقربه مِنه.
وابراهيم يعرف معني أرسال ألملائكه الي لوط و قومه.
هَذا معناه و قوع عذاب مروع.
وطبيعه أبراهيم ألرحيمه ألودوده لا تجعله يطيق هلاك قوم فِى تسليم.
ربما رجع قوم لوط و أقلعوا و أسلموا أجابوا رسولهم.

وبدا أبراهيم يجادل ألملائكه فِى قوم لوط.
حدثهم عَن أحتمال أيمانهم و رجوعهم عَن طريق ألفجور،
وافهمه ألملائكه أن هؤلاءَ قوم مجرمون.
وان مُهمتهم هِى أرسال حجاره مِن طين مسومه مِن عِند ربك للمسرفين.
وعاد أبراهيم،
بعد أن سد ألملائكه باب هَذا ألحوار،
عاد يحدثهم عَن ألمؤمنين مِن قوم لوط.
فقالت ألملائكه : نحن أعلم بمن فيها.
ثم أفهموه أن ألامر قَد قضي.
وان مشيئه ألله تبارك و تعالي قَد أقتضت نفاذَ ألامر و هلاك قوم لوط.
افهموا أبراهيم أن عَليه أن يعرض عَن هَذا ألحوار.
ليوفر حلمه و رحمته.
لقد جاءَ أمر ربه.
وتقرر عَليهم عذاب غَير مردود عذاب لَن يرده جدال أبراهيم.
كَانت كلمه ألملائكه أيذانا بنِهايه ألجدال..
سكت أبراهيم.
وتوجهت ألملائكه لقوم لوط عَليه ألسلام.

سنورد قصه بناءَ بيت ألله تعالي فِى قصه أسماعيل عَليه ألسلام

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول

لوط عَليه ألسلام

نبذه :

ارسله ألله ليهدى قومه و يدعوهم الي عباده ألله،
وكانوا قوما ظالمين ياتون ألفواحش و يعتدون علَي ألغرباءَ و كانوا ياتون ألرجال شهوه مِن دون ألنساءَ فلما دعاهم لوط لترك ألمنكرات أرادوا أن يخرجوه هُو و قومه فلم يؤمن بِه غَير بَعض مِن أل بيته،
اما أمراته فلم تؤمن و لما يئس لوط دعا ألله أن ينجيهم و يهلك ألمفسدين فجاءت لَه ألملائكه و أخرجوا لوط و من أمن بِه و أهلكوا ألاخرين بحجاره مسومه .

سيرته:

حال قوم لوط:

دعي لوط قومه الي عباده ألله و حده لا شريك له،
ونهاهم عَن كسب ألسيئات و ألفواحش.
واصطدمت دعوته بقلوب قاسيه و أهواءَ مريضه و رفض متكبر.
وحكموا علَي لوط و أهله بالطرد مِن ألقريه .
فقد كَان ألقوم ألَّذِين بعث أليهم لوط يرتكبون عدَدا كبيرا مِن ألجرائم ألبشعه .
كانوا يقطعون ألطريق،
ويخونون ألرفيق،
ويتواصون بالاثم،
ولا يتناهون عَن منكر،
وقد زادوا فِى سجل جرائمهم جريمه لَم يسبقهم بها احد مِن ألعالمين.
كانوا ياتون ألرجال شهوه مِن دون ألنساء.

لقد أختلت ألمقاييس عِند قوم لوط..
فصار ألرجال أهدافا مرغوبه بدلا مِن ألنساء،
وصار ألنقاءَ و ألطهر جريمه تستوجب ألطرد..
كانوا مرضي يرفضون ألشفاءَ و يقاومونه..
ولقد كَانت تصرفات قوم لوط تحزن قلب لوط..
كانوا يرتكبون جريمتهم علانيه فِى ناديهم..
وكانوا إذا دخل ألمدينه غريب او مسافر او ضيف لَم ينقذه مِن أيديهم أحد..
وكانوا يقولون للوط: أستضف انت ألنساءَ و دع لنا ألرجال..
واستطارت شهرتهم ألوبيله ،
وجاهدهم لوط جهادا عظيما،
واقام عَليهم حجته،
ومرت ألايام و ألشهور و ألسنوات،
وهو ماض فِى دعوته بغير أن يؤمن لَه أحد..
لم يؤمن بِه غَير أهل بيته..
حتي أهل بيته لَم يؤمنوا بِه جميعا.
كَانت زوجته كافره .

وزاد ألامر بان قام ألكفره بالاستهزاءَ برساله لوط عَليه ألسلام،
فكانوا يقولون: أئتنا بعذاب ألله أن كنت مِن ألصادقين).
فيئس لوط مِنهم،
ودعا ألله أن ينصره و يهلك ألمفسدين

ذهاب ألملائكه لقوم لوط:

خرج ألملائكه مِن عِند أبراهيم قاصدين قريه لوط..
بلغوا أسوار سدوم..
وابنه لوط و أقفه تملا و عاءها مِن مياه ألنهر..
رفعت و جهها فشاهدتهم..
فسالها احد ألملائكه : يا جاريه ..
هل مِن منزل؟

قالت [وهى تذكر قومها]: مكانكم لا تدخلوا حتّي أخبر أبى و أتيكم..
اسرعت نحو أبيها فاخبرته.
فهرع لوط يجرى نحو ألغرباء.
فلم يكد يراهم حتّي سيء بهم و ضاق بهم ذَرعا و قال هَذا يوم عصيب سالهم: مِن اين جاءوا .
.
وما هِى و جهتهم؟..
فصمتوا عَن أجابته.
وسالوه أن يضيفهم..
استحي مِنهم و سار امامهم قلِيلا ثُم توقف و ألتفت أليهم يقول: لا أعلم علَي و جه ألارض أخبث مِن أهل هَذا ألبلد.

قال كلمته ليصرفهم عَن ألمبيت فِى ألقريه ،
غير انهم غضوا ألنظر عَن قوله و لم يعلقوا عَليه،
وعاد يسير معهم و يلوى عنق ألحديث و يقسره قسرا و يمضى بِه الي أهل ألقريه – حدثهم انهم خبثاء..
انهم يخزون ضيوفهم..
حدثهم انهم يفسدون فِى ألارض.
وكان ألصراع يجرى داخِله محاولا ألتوفيق بَين أمرين..
صرف ضيوفه عَن ألمبيت فِى ألقريه دون أحراجهم،
وبغير أخلال بكرم ألضيافه ..
عبثا حاول أفهامهم و ألتلميح لَهُم أن يستمروا فِى رحلتهم،
دون نزول بهَذه ألقريه .

سقط ألليل علَي ألمدينه ..
صحب لوط ضيوفه الي بيته..
لم يرهم مِن أهل ألمدينه أحد..
لم تكد زوجته تشهد ألضيوف حتّي تسللت خارِجه بغير أن تشعره.
اسرعت الي قومها و أخبرتهم ألخبر..
وانتشر ألخبر مِثل ألنار فِى ألهشيم.
وجاءَ قوم لوط لَه مسرعين..
تساءل لوط بينه و بين نفْسه: مِن ألَّذِى أخبرهم؟..
وقف ألقوم علَي باب ألبيت..
خرج أليهم لوط متعلقا بامل أخير،
وبدا بوعظهم:

(هؤلاءَ بناتى هن أطهر لكم)..
قال لهم: امامكم ألنساءَ زوجاتكم هن أطهر..
فهن يلبين ألفطره ألسويه ..
كَما أن ألخالق جل فِى علاه قَد هيئهن لهَذا ألامر.

(فاتقوا ألله)..
يلمس نفوسهم مِن جانب ألتقوي بَعد أن لمسها مِن جانب ألفطره ..
اتقوا ألله و تذكروا أن ألله يسمع و يرى..
ويغضب و يعاقب و أجدر بالعقلاءَ أتقاءَ غضبه.

(ولا تخزون فِى ضيفي)..
هى محاوله يائسه للمس نخوتهم و تقاليدهم.
و ينبغى عَليهم أكرام ألضيف لا فضحه.

(اليس منكم رجل رشيد)..
اليس فيكم رجل عاقل؟..
ان ما تُريدونه لَو تحقق هُو عين ألجنون.

الا أن كلمات لوط عَليه ألسلام لَم تلمس ألفطره ألمنحرفه ألمريضه ،
ولا ألقلب ألجامد ألميت،
ولا ألعقل ألمريض ألاحمق..
ظلت ألفوره ألشاذه علَي أندفاعها.

احس لوط بضعفه و هو غريب بَين ألقوم..
نازح أليهم مِن بعيد بغير عشيره تحميه،
ولا أولاد ذَكور يدافعون عنه..
دخل لوط غاضبا و أغلق باب بيته..
كان ألغرباءَ ألَّذِين أستضافهم يجلسون هادئين صامتين..
فدهش لوط مِن هدوئهم..
وازدادت ضربات ألقوم علَي ألباب..
وصرخ لوط فِى لحظه ياس خانق: قال لَو أن لِى بكم قوه او أوى الي ركن شديد تمني أن تَكون لَه قوه تصدهم عَن ضيفه..
وتمني لَو كَان لَه ركن شديد يحتمى فيه و ياوى أليه..
غاب عَن لوط فِى شدته و كربته انه ياوى الي ركن شديد..
ركن ألله ألَّذِى لا يتخلي عَن أنبيائه و أوليائه..
قال رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم،
وهو يقرا هَذه ألايه : “رحمه ألله علَي لوط..
كان ياوى الي ركن شديد”.
هلاك قوم لوط:
عندما بلغ ألضيق ذَروته..
وقال ألنبى كلمته..
تحرك ضيوفه و نهضوا فجاه ..
افهموه انه ياوى الي ركن شديد..
فقالوا لَه لا تجزع يا لوط و لا تخف..
نحن ملائكه ..
ولن يصل أليك هؤلاءَ ألقوم..
ثم نهض جبريل،
عليه ألسلام،
واشار بيده أشاره سريعه ،
ففقد ألقوم أبصارهم.

التفتت ألملائكه الي لوط و أصدروا أليه أمرهم أن يصحب أهله أثناءَ ألليل و يخرج..
سيسمعون أصواتا مروعه تزلزل ألجبال..
لا يلتفت مِنهم أحد..
كى لا يصيبه ما يصيب ألقوم..
اى عذاب هذا؟..
هو عذاب مِن نوع غريب،
يكفي لوقوعه بالمرء مجرد ألنظر أليه..
افهموه أن أمراته كَانت مِن ألغابرين..
امراته كافره مِثلهم و ستلتفت خَلفها فيصيبها ما أصابهم.

سال لوط ألملائكه : اينزل ألله ألعذاب بهم ألان..
انبئوه أن موعدهم مَع ألعذاب هُو ألصبح..
(اليس ألصبح بقريب)؟

خرج لوط مَع بناته و زوجته..
ساروا فِى ألليل و غذوا ألسير..
واقترب ألصبح..
كان لوط قَد أبتعد مَع أهله..
ثم جاءَ أمر ألله تعالى..
قال ألعلماء: أقتلع جبريل،
عليه ألسلام،
بطرف جناحه مدنهم ألسبع مِن قرارها ألبعيد..
رفعها جميعا الي عنان ألسماءَ حتّي سمعت ألملائكه أصوات ديكتهم و نباح كلابهم،
قلب ألمدن ألسبع و هوي بها فِى ألارض..
اثناءَ ألسقوط كَانت ألسماءَ تمطرهم بحجاره مِن ألجحيم..
حجاره صلبه قويه يتبع بَعضها بَعضا،
ومعلمه باسمائهم،
ومقدره عَليهم..
استمر ألجحيم يمطرهم..
وانتهي قوم لوط تماما..
لم يعد هُناك أحد..
نكست ألمدن علَي رؤوسها،
وغارت فِى ألارض،
حتي أنفجر ألماءَ مِن ألارض..
هلك قوم لوط و محيت مدنهم.

كان لوط يسمع أصوات مروعه ..
وكان يحاذر أن يلتفت خَلفه..
نظرت زوجته نحو مصدر ألصوت فانتهت..
تهرا جسدها و تفتت مِثل عمود ساقط مِن ألملح.

قال ألعلماء: أن مكان ألمدن ألسبع..
بحيره غريبه ..
ماؤها أجاج..
وكثافه ألماءَ أعظم مِن كثافه مياه ألبحر ألملحه ..
وفي هَذه ألبحيره صخور معدنيه ذَائبه ..
توحى بان هَذه ألحجاره ألَّتِى ضرب بها قوم لوط كَانت شهبا مشعله .
يقال أن ألبحيره ألحاليه ألَّتِى نعرفها باسم “البحر ألميت” فِى فلسطين..
هى مدن قوم لوط ألسابقه .

انطوت صفحه قوم لوط..
انمحت مدنهم و أسمائهم مِن ألارض..
سقطوا مِن ذَاكره ألحيآه و ألاحياء..
وطويت صفحه مِن صفحات ألفساد..
وتوجه لوط الي أبراهيم..
زار أبراهيم و قص عَليه نبا قومه..
وادهشه أن أبراهيم كَان يعلم..
ومضي لوط فِى دعوته الي ألله..
مثلما مضي ألحليم ألاواه ألمنيب أبراهيم فِى دعوته الي ألله..
مضي ألاثنان ينشران ألاسلام فِى ألارض.

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
اسماعيل عَليه ألسلام

نبذه :
هو أبن أبراهيم ألبكر و ولد ألسيده هاجر،
سار أبراهيم بهاجر – بامر مِن ألله – حتّي و َضعها و أبنها فِى موضع مكه و تركهما و معهما قلِيل مِن ألماءَ و ألتمر و لما نفد ألزاد جعلت ألسيده هاجر تطوف هُنا و هُناك حتّي هداها ألله الي ماءَ زمزم و وفد عَليها كثِير مِن ألناس حتّي جاءَ أمر ألله لسيدنا أبراهيم ببناءَ ألكعبه و رفع قواعد ألبيت،
فجعل أسماعيل ياتى بالحجر و أبراهيم يبنى حتّي أتما ألبناءَ ثُم جاءَ أمر ألله بذبح أسماعيل حيثُ راي أبراهيم فِى منامه انه يذبح أبنه فعرض عَليه ذَلِك فقال “يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدنى أن شاءَ ألله مِن ألصابرين” ففداه ألله بذبح عظيم،
كان أسماعيل فارسا فَهو اول مِن أستانس ألخيل و كان صبورا حليما،
يقال انه اول مِن تحدث بالعربيه ألبينه و كان صادق ألوعد،
وكان يامر أهله بالصلآه و ألزكاه ،
وكان ينادى بعباده ألله و وحدانيته.
سيرته:

الاختبار ألاول:

ذكر ألله فِى كتابه ألكريم،
ثلاث مشاهد مِن حيآه أسماعيل عَليه ألسلام.
كل مشهد عباره عَن محنه و أختبار لكُل مِن أبراهيم و أسماعيل عَليهما ألسلام.
اول هَذه ألمشاهد هُو أمر ألله سبحانه و تعالي لابراهيم بترك أسماعيل و أمه فِى و أد مقفر،
لا ماءَ فيه و لا طعام.
فما كَان مِن أبراهيم عَليه ألسلام ألا ألاستجابه لهَذا ألامر ألرباني.
وهَذا بخلاف ما و رد فِى ألاسرائيليات مِن أن أبراهيم حمل أبنه و زوجته لوادى مكه لان ساره زوجه أبراهيم ألاولي أضطرته لذلِك مِن شده غَيرتها مِن هاجر.
فالمتامل لسيره أبراهيم عَليه ألسلام،
سيجد انه لَم يكن ليتلقي أوامَره مِن احد غَير ألله.

انزل زوجته و أبنه و تركهما هناك،
ترك معهما جرابا فيه بَعض ألطعام،
وقليلا مِن ألماء.
ثم أستدار و تركهما و سار.

اسرعت خَلفه زوجته و هى تقول له: يا أبراهيم اين تذهب و تتركنا بهَذا ألوادى ألَّذِى ليس فيه شيء؟

لم يرد عَليها سيدنا أبراهيم و ظل يسير..
عادت تقول لَه ما قالته و هو صامت..
اخيرا فهمت انه لا يتصرف هكذا مِن نفْسه..
ادركت أن ألله أمَره بذلِك فسالته: هَل ألله أمرك بهذا؟

فقال أبراهيم عَليه ألسلام: نعم.

قالت زوجته ألمؤمنه ألعظيمه : لَن نضيع ما دام ألله معنا و هو ألَّذِى أمرك بهذا.

وسار أبراهيم حتّي إذا أخفاه جبل عنهما و قف و رفع يديه ألكريمتين الي ألسماءَ و راح يدعو ألله:

ربنا أنى أسكنت مِن ذَريتى بواد غَير ذَى زرع عِند بيتك ألمحرم ربنا ليقيموا ألصلآه فاجعل أفئده مِن ألناس تهوى أليهم و أرزقهم مِن ألثمرات لعلهم يشكرون 37 أبراهيم)

لم يكن بيت ألله قَد أعيد بناؤه بَعد،
لم تكُن ألكعبه قَد بنيت،
وكَانت هُناك حكمه عليا فِى أمر ألله سبحانه لابراهيم،
فقد كَان أسماعيل ألطفل ألَّذِى ترك مَع أمه فِى هَذا ألمكان و والده مِن سيكونان ألمسؤولان بناءَ ألكعبه فيما بَعد..
وكَانت حكمه ألله تقضى أن يسكن احد فِى هَذا ألوادي،
لميتد أليه ألعمران.

بعد أن ترك أبراهيم زوجته و أبنه ألرضيع فِى ألصحراءَ بايام نفد ألماءَ و أنتهي ألطعام،
وجف لبن ألام..
واحست هاجر و أسماعيل بالعطش.

بدا أسماعيل يبكى مِن ألعطش..
فتركته أمه و أنطلقت تبحث عَن ماء..
راحت تمشى مسرعه حتّي و صلت الي جبل أسمه “الصفا”..
فصعدت أليه و راحت تبحث بِه عَن بئر او أنسان او قافله ..
لم يكن هُناك شيء.
ونزلت مسرعه مِن ألصفا حتّي إذا و صلت الي ألوادى راحت تسعي سعى ألانسان ألمجهد حتّي جاوزت ألوادى و وصلت الي جبل “المروه ”،
فصعدت أليه و نظرت لتري أحدا لكِنها لَم تر أحدا.
وعادت ألام الي طفلها فوجدته يبكى و قد أشتد عطشه..
واسرعت الي ألصفا فَوقفت عَليه،
وهرولت الي ألمروه فنظرت مِن فَوقه..
وراحت تذهب و تجيء سبع مرات بَين ألجبلين ألصغيرين..
سبع مرات و هى تذهب و تعود – و لهَذا يذهب ألحجاج سبع مرات و يعودون بَين ألصفا و ألمروه أحياءَ لذكريات أمهم ألاولي و نبيهم ألعظيم أسماعيل.
عادت هاجر بَعد ألمَره ألسابعه و هى مجهده متعبه تلهث..
وجلست بجوار أبنها ألَّذِى كَان صوته قَد بح مِن ألبكاءَ و ألعطش.

وفي هَذه أللحظه أليائسه أدركتها رحمه ألله،
وضرب أسماعيل بقدمه ألارض و هو يبكى فانفجرت تَحْت قدمه بئر زمزم..
وفار ألماءَ مِن ألبئر..
انقذت حياتا ألطفل و ألام..
راحت ألام تغرف بيدها و هى تشكر ألله..
وشربت و سقت طفلها و بدات ألحيآه تدب فِى ألمنطقه ..
صدق ظنها حين قالت: لَن نضيع ما دام ألله معنا.

وبدات بَعض ألقوافل تستقر فِى ألمنطقه ..
وجذب ألماءَ ألَّذِى أنفجر مِن بئر زمزم عديدا مِن ألناس..
وبدا ألعمران يبسط أجنحته علَي ألمكان.

كَانت هَذه هِى ألمحنه ألاولى..
اما ألمحنه ألثانيه فَهى ألذبح.

الاختبار ألثاني:
كبر أسماعيل..
وتعلق بِه قلب أبراهيم..
جاءه ألعقب علَي كبر فاحبه..
وابتلي ألله تعالي أبراهيم بلاءَ عظيما بسَبب هَذا ألحب.
فقد راي أبراهيم عَليه ألسلام فِى ألمنام انه يذبح أبنه ألوحيد أسماعيل.
وابراهيم يعمل أن رؤيا ألانبياءَ و حي.
انظر كَيف يختبر ألله عباده.
تامل اى نوع مِن أنواع ألاختبار.
نحن امام نبى قلبه أرحم قلب فِى ألارض.
اتسع قلبه لحب ألله و حب مِن خلق.
جاءه أبن علَي كبر..
وقد طعن هُو فِى ألسن و لا أمل هُناك فِى أن ينجب.
ثم ها هُو ذَا يستسلم للنوم فيري فِى ألمنام انه يذبح أبنه و بكره و وحيده ألَّذِى ليس لَه غَيره.
اى نوع مِن ألصراع نشب فِى نفْسه.
يخطئ مِن يظن أن صراعا لَم ينشا قط.
لا يَكون بلاءَ مبينا هَذا ألموقف ألَّذِى يخلو مِن ألصراع.
نشب ألصراع فِى نفْس أبراهيم..
صراع أثارته عاطفه ألابوه ألحانيه .
لكن أبراهيم لَم يسال عَن ألسَبب و راءَ ذَبح أبنه.
فليس أبراهيم مِن يسال ربه عَن أوامره.
فكر أبراهيم فِى و لده..
ماذَا يقول عنه إذا أرقده علَي ألارض ليذبحه..
الافضل أن يقول لولده ليَكون ذَلِك أطيب لقلبه و أهون عَليه مِن أن ياخذه قهرا و يذبحه قهرا.
هَذا افضل..
انتهي ألامر و ذَهب الي و لده قال يا بنى أنى أري فِى ألمنام أنى أذبحك فانظر ماذَا ترى).
انظر الي تلطفه فِى أبلاغ و لده،
وترك ألامر لينظر فيه ألابن بالطاعه ..
ان ألامر مقضى فِى نظر أبراهيم لانه و حى مِن ربه..
فماذَا يري ألابن ألكريم فِى ذَلِك أجاب أسماعيل: هَذا أمر يا أبى فبادر بتنفيذه يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدنى أن شاءَ ألله مِن ألصابرين).
تامل رد ألابن..
انسان يعرف انه سيذبح فيمتثل للامر ألالهى و يقدم ألمشيئه و يطمئن و ألده انه سيجده أن شاءَ ألله مِن ألصابرين).
هو ألصبر علَي اى حال و علي كُل حال..
وربما أستعذب ألابن أن يموت ذَبحا بامر مِن ألله..
ها هُو ذَا أبراهيم يكتشف أن أبنه ينافسه فِى حب ألله.
لا نعرف اى مشاعر جاشت فِى نفْس أبراهيم بَعد أستسلام أبنه ألصابر.
ينقلنا ألحق نقله خاطفه فاذا أسماعيل راقد علَي ألارض،
وجهه فِى ألارض رحمه بِه كيلا يري نفْسه و هو يذبح.
واذا أبراهيم يرفع يده بالسكين..
واذا أمر ألله مطاع.
(فلما أسلما أستخدم ألقران هَذا ألتعبير..
(فلما أسلما هَذا هُو ألاسلام ألحقيقي..
تعطى كُل شيء،
فلا يتبقي منك شيء.
عندئذَ فقط..
وفي أللحظه ألَّتِى كَان ألسكين فيها يتهيا لامضاءَ أمره..
نادي ألله أبراهيم..
انتهي أختباره،
وفدي ألله أسماعيل بذبح عظيم – و صار أليَوم عيدا لقوم لَم يولدوا بَعد،
هم ألمسلمون.
صارت هَذه أللحظات عيدا للمسلمين.
عيدا يذكرهم بمعني ألاسلام ألحقيقى ألَّذِى كَان عَليه أبراهيم و أسماعيل.
خبر زوجه أسماعيل:
عاش أسماعيل فِى شبه ألجزيره ألعربيه ما شاءَ ألله لَه أن يعيش..
روض ألخيل و أستانسها و أستخدمها،
وساعدت مياه زمزم علَي سكني ألمنطقه و تعميرها.
استقرت بها بَعض ألقوافل..
وسكنتها ألقبائل..
وكبر أسماعيل و تزوج،
وزاره أبراهيم فلم يجده فِى بيته و وجد أمراته..
سالها عَن عيشهم و حالهم،
فشكت أليه مِن ألضيق و ألشده .
قال لَها أبراهيم: إذا جاءَ زوجك مريه أن يغير عتبه بابه..
فلما جاءَ أسماعيل،
ووصفت لَه زوجته ألرجل..
قال: هَذا أبى و هو يامرنى بفراقك..
الحقى باهلك.
وتزوج أسماعيل أمرآه ثانيه ..
زارها أبراهيم،
يسالها عَن حالها،
فحدثته انهم فِى نعمه و خير..
وطاب صدر أبراهيم بهَذه ألزوجه لابنه.
الاختبار ألثالث:
وها نحن ألآن امام ألاختبار ألثالث..
اختبار لا يمس أبراهيم و أسماعيل فقط.
بل يمس ملايين ألبشر مِن بَعدهم الي يوم ألقيامه ..
أنها مُهمه أوكلها ألله تعالي لهذين ألنبيين ألكريمين..
مهمه بناءَ بيت ألله تعالي فِى ألارض.
كبر أسماعيل..
وبلغ أشده..
وجاءه أبراهيم و قال له: يا أسماعيل..
ان ألله أمرنى بامر.
قال أسماعيل: فاصنع ما أمرك بِه ربك..
قال أبراهيم: و تعيننى قال: و أعينك.
فقال أبراهيم: فإن ألله أمرنى أن أبنى هُنا بيتا.
اشار بيده لصحن منخفض هناك.
صدر ألامر ببناءَ بيت ألله ألحرام..
هو اول بيت و َضع للناس فِى ألارض..
وهو اول بيت عبد فيه ألانسان ربه..
ولما كَان أدم هُو اول أنسان هبط الي ألارض..
فاليه يرجع فضل بنائه اول مره ..
قال ألعلماء: أن أدم بناه و راح يطوف حوله مِثلما يطوف ألملائكه حَول عرش ألله تعالى.
بني أدم خيمه يعبد فيها ألله..
شيء طبيعى أن يبنى أدم بوصفه نبيا بيتا لعباده ربه..
وحفت ألرحمه بهَذا ألمكان..
ثم مات أدم و مرت ألقرون،
وطال عَليه ألعهد فضاع أثر ألبيت و خفي مكانه..
وها هُو ذَا أبراهيم يتلقي ألامر ببنائه مَره ثانيه ..
ليظل فِى ألمَره ألثانيه قائما الي يوم ألقيامه أن شاءَ ألله.
وبدا بناءَ ألكعبه ..
هدمت ألكعبه فِى ألتاريخ اكثر مِن مره ،
وكان بناؤها يعاد فِى كُل مره ..
فَهى باقيه منذُ عهد أبراهيم الي أليوم..
وحين بعث رسول ألله،
صلي ألله عَليه و سلم،
تحقيقا لدعوه أبراهيم..
وجد ألرسول ألكعبه حيثُ بنيت آخر مره ،
وقد قصر ألجهد بمن بناها فلم يحفر أساسها كَما حفره أبراهيم.
نفهم مِن هَذا أن أبراهيم و أسماعيل بذلا فيها و حدهما جهدا أستحالت بَعد ذَلِك محاكاته علَي عدَد كبير مِن ألرجال..
ولقد صرح ألرسول بانه يحب هدمها و أعادتها الي أساس أبراهيم،
لولا قرب عهد ألقوم بالجاهليه ،
وخشيته أن يفتن ألناس هدمها و بناؤها مِن جديد..
بناؤها بحيثُ تصل الي قواعد أبراهيم و أسماعيل.
اى جهد شاق بذله ألنبيان ألكريمان و حدهما كَان عَليهما حفر ألاساس لعمق غائر فِى ألارض،
وكان عَليهما قطع ألحجاره مِن ألجبال ألبعيده و ألقريبه ،
ونقلها بَعد ذَلك،
وتسويتها،
وبناؤها و تعليتها..
وكان ألامر يستوجب جهد جيل مِن ألرجال،
ولكنهما بنياها معا.
لا نعرف كَم هُو ألوقت ألَّذِى أستغرقه بناءَ ألكعبه ،
كَما نجهل ألوقت ألَّذِى أستغرقه بناءَ سفينه نوح،
المهم أن سفينه نوح و ألكعبه كَانتا معا ملاذا للناس و مثوبه و أمنا..
والكعبه هِى سفينه نوح ألثابته علَي ألارض أبدا..
وهى تنتظر ألراغبين فِى ألنجآه مِن هول ألطوفان دائما.
لم يحدثنا ألله عَن زمن بناءَ ألكعبه ..
حدثنا عَن أمر أخطر و أجدى..
حدثنا عَن تجرد نفْسيه مِن كَان يبنيها..
ودعائه و هو يبنيها:
واذَ يرفع أبراهيم ألقواعد مِن ألبيت و أسماعيل ربنا تقبل منا أنك انت ألسميع ألعليم 127 ربنا و أجعلنا مسلمين لك و من ذَريتنا أمه مسلمه لك و أرنا مناسكنا و تب علينا أنك انت ألتواب ألرحيم 128 ربنا و أبعث فيهم رسولا مِنهم يتلو عَليهم أياتك و يعلمهم ألكتاب و ألحكمه و يزكيهم أنك انت ألعزيز ألحكيم 129 ألبقره )
ان أعظم مسلمين علَي و جه ألارض يومها يدعوان ألله أن يتقبل عملهما،
وان يجعلهما مسلمين له..
يعرفان أن ألقلوب بَين أصبعين مِن أصابع ألرحمن.
وتبلغ ألرحمه بهما أن يسالا ألله أن يخرج مِن ذَريتهما أمه مسلمه لَه سبحانه..
يريدان أن يزيد عدَد ألعابدين ألموجودين و ألطائفين و ألركع ألسجود.
ان دعوه أبراهيم و أسماعيل تكشف عَن أهتمامات ألقلب ألمؤمن..
انه يبنى لله بيته،
ومع هَذا يشغله أمر ألعقيده ..
ذلِك أيحاءَ بان ألبيت رمز ألعقيده .
ثم يدعوان ألله أن يريهم أسلوب ألعباده ألَّذِى يرضاه،
وان يتوب عَليهم فَهو ألتواب ألرحيم.
بعدها يتجاوز أهتمامها هَذا ألزمن ألَّذِى يعيشان فيه..
يجاوزانه و يدعوان ألله أن يبث رسولا لهؤلاءَ ألبشر.
وتحققت هَذه ألدعوه ألاخيره ..
حين بعث محمد بن عبد ألله،
صلي ألله عَليه و سلم..
تحققت بَعد أزمنه و أزمنه
انتهي بناءَ ألبيت،
واراد أبراهيم حجرا مميزا،
يَكون علامه خاصه يبدا مِنها ألطواف حَول ألكعبه ..
امر أبراهيم أسماعيل أن ياتيه بحجر مميز يختلف عَن لون حجاره ألكعبه .
سار أسماعيل ملبيا أمر و ألده..
حين عاد،
كان أبراهيم قَد و َضع ألحجر ألاسود فِى مكانه..
فساله أسماعيل: مِن ألَّذِى أحضره أليك يا أبت فاجاب أبراهيم: أحضره جبريل عَليه ألسلام.
انتهي بناءَ ألكعبه ..
وبدا طواف ألموحدين و ألمسلمين حولها..
ووقف أبراهيم يدعو ربه نفْس دعائه مِن قَبل..
ان يجعل أفئده مِن ألناس تهوى الي ألمكان..
انظر الي ألتعبير..
ان ألهوي يصور أنحدارا لا يقاوم نحو شيء..
وقمه ذَلِك هوي ألكعبه .
من هَذه ألدعوه و لد ألهوي ألعميق فِى نفوس ألمسلمين،
رغبه فِى زياره ألبيت ألحرام.
وصار كُل مِن يزور ألمسجد ألحرام و يعود الي بلده..
يحس انه يزداد عطشا كلما أزداد ريا مِنه،
ويعمق حنينه أليه كلما بَعد مِنه،
وتجيء أوقات ألحج فِى كُل عام..
فينشب ألهوي ألغامض أظافره فِى ألقلب نزوعا الي رؤيه ألبيت،
وعطشا الي بئر زمزم.
قال تعالي حين جادل ألمجادلون فِى أبراهيم و أسماعيل.
ما كَان أبراهيم يهوديا و لا نصرانيا و لكن كَان حنيفا مسلما و ما كَان مِن ألمشركين 67 أل عمران)
عليه ألصلآه و ألسلام..
استجاب ألله دعاءه..
وكان أبراهيم اول مِن سمانا ألمسلمين
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول

اسحاق عَليه ألسلام

نبذه :

هو و لد سيدنا أبراهيم مِن زوجته ساره ،
وقد كَانت ألبشاره بمولده مِن ألملائكه لابراهيم و ساره لما مروا بهم مجتازين ذَاهبين الي مدائن قوم لوط ليدمروها عَليهم لكفرهم و فجورهم،
ذكره ألله فِى ألقران بانه “غلام عليم” جعله ألله نبيا يهدى ألناس الي فعل ألخيرات،
جاءَ مِن نسله سيدنا يعقوب.

سيرته:

ذكر ألله تعالي عبد أسحاق بالصفات ألحميده و جعله نبيا و رسولا،
وبراه مِن كُل ما نسبه أليه ألجاهلون،
وامر ألله قومه بالايمان بِه كغيره مِن ألانبياءَ و ألرسل،
وقد مدح رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم نبى ألله أسحاق و أثني عَليه عندما قال أن ألكريم أبن ألكريم أبن ألكريم أبن ألكريم يوسف بن يعقوب بن أسحاق بن أبراهيم)).
فهؤلاءَ ألانبياءَ ألاربعه ألَّذِين مدحهم رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم هُم أنبياءَ متناسلون،
ولا يُوجد بَين ألناس أنبياءَ متناسلون غَيرهم و هم يوسف و يعقوب و أسحاق و أبراهيم عَليهم ألصلآه و ألسلام.

دعا أسحاق بن أبراهيم عَليهما ألسلام الي دين ألاسلام و ألي عباده ألله و حده،
واوحي أليه بشريعه مبنيه علَي ألاسلام ليبلغها و يعلمها ألناس،
وقد أرسله ألله تبارك و تعالي الي ألكنعانيين فِى بلاد ألشام و فلسطين ألَّذِين عاش بينهم،
وقد قيل: أن أبراهيم عَليه ألسلام أوصي أبنه أسحاق ألا يتزوج ألا أمرآه مِن أهل أبيه فتزوج أسحاق رفقه بنت أبن عمه،
وكَانت عاقرا لا تنجب فدعا ألله لَها فحملت فولدت غلامين توامين أحدهما أسمه ألعيص،
والثانى يعقوب و هو نبى ألله أسرائيل.

قيل أن ألله أسحاق عَليه ألسلام عاش مائه و ثمانين سنه و مات فِى حبرون و هى قريه فِى فلسطين و هى مدينه ألخليل أليَوم حيثُ كَان يسكن أبراهيم عَليه ألسلام،
ودفنه أبناه ألعيص و يعقوب عَليه ألسلام فِى ألمغاره ألَّتِى دفن فيها أبوه أبراهيم عَليهما ألصلآه و ألسلام.

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
يعقوب عَليه ألسلام
نبذه :

ابن أسحاق يقال لَه “اسرائيل” و تعنى عبد ألله،
كان نبيا لقومه،
وكان تقيا و بشرت بِه ألملائكه جده أبراهيم و زوجته ساره عَليهما ألسلام و هو و ألد يوسف.
هو يعقوب أبن نبى ألله أسحاق أبن نبى ألله أبراهيم،
وامه (رفقه ) بنت بتوئيل بن ناصور بن ءازر أي
بنت أبن عمه،
ويسمي يعقوب (اسرائيل) ألَّذِى ينتسب أليه بنو أسرائيل.

سيرته:

هو يعقوب بن أسحاق بن أبراهيم..
اسمه أسرائيل..
كان نبيا الي قومه..
ذكر ألله تعالي ثلاث أجزاءَ مِن قصته..
بشاره ميلاده..
وقد بشر ألملائكه بِه أبراهيم جده..
وساره جدته..
أيضا ذَكر ألله تعالي و صيته عِند و فاته..
وسيذكره ألله فيما بَعد بغير أشاره لاسمه فِى قصه يوسف.
نعرف مقدار تقواه مِن هَذه ألاشاره ألسريعه الي و فاته..
نعلم أن ألموت كارثه تدهم ألانسان،
فلا يذكر غَير همه و مصيبته..
غير أن يعقوب لا ينسي و هو يموت أن يدعو الي ربه..
قال تعالي فِى سوره ألبقره ):
ام كنتم شهداءَ أذَ حضر يعقوب ألموت أذَ قال لبنيه ما تعبدون مِن بَعدى قالوا نعبد ألهك و أله أبائك أبراهيم و أسماعيل و أسحاق ألها و أحدا و نحن لَه مسلمون 133 ألبقره )
ان هَذا ألمشهد بَين يعقوب و بنيه فِى ساعه ألموت و لحظات ألاحتضار،
مشهد عظيم ألدلاله ..
نحن امام ميت يحتضر..
ما ألقضيه ألَّتِى تشغل باله فِى ساعه ألاحتضار.. ما ألافكار ألَّتِى تعَبر ذَهنه ألَّذِى يتهيا للانزلاق مَع سكرات ألموت.. ما ألامر ألخطير ألَّذِى يُريد أن يطمئن عَليه قَبل موته.. ما ألتركه ألَّتِى يُريد أن يخلفها لابنائه و أحفاده.. ما ألشيء ألَّذِى يُريد أن يطمئن قَبل موته علَي سلامه و صوله للناس..
كل ألناس..؟
ستجد ألجواب عَن هَذه ألاسئله كلها فِى سؤاله ما تعبدون مِن بَعدي).
هَذا ما يشغله و يؤرقه و يحرص عَليه فِى سكرات ألموت..
قضيه ألايمان بالله.
هى ألقضيه ألاولي و ألوحيده ،
وهى ألميراث ألحقيقى ألَّذِى لا ينخره ألسوس و لا يفسده..
وهى ألذخر و ألملاذ.
قال أبناءَ أسرائيل: نعبد ألهك و أله أبائك أبراهيم و أسماعيل و أسحاق ألها و أحدا،
ونحن لَه مسلمون..
والنص قاطع فِى انهم بعثوا علَي ألاسلام..
ان خرجوا عنه،
خرجوا مِن رحمه ألله..
وان ظلوا فيه،
ادركتهم ألرحمه .
مات يعقوب و هو يسال أبناءه عَن ألاسلام،
ويطمئن علَي عقيدتهم..
وقبل موته،
ابتلى بلاءَ شديدا فِى أبنه
توفي يعقوب عَليه ألسلام و له مِن ألعمر ما يزيد علَي ألمائه ،
وكان ذَلِك بَعد سبعه عشر سنه مِن أجتماعه بيوسف،
وقد أوصي نبى ألله يعقوب أبنه يوسف عَليه ألسلام أن يدفنه مَع أبيه أسحاق و جده أبراهيم عَليهم ألصلآه و ألسلام ففعل ذَلك،
وسار بِه الي فلسطين و دفنه فِى ألمغاره بحبرون و هى مدينه ألخليل فِى فلسطين.
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
يوسف عَليه ألسلام
نبذه :

ولد سيدنا يوسف و كان لَه 11 أخا و كان أبوه يحبه كثِيرا و في ذََات ليله راي احد عشر كوكبا و ألشمس و ألقمر لَه ساجدين،
فقص علَي و ألده ما راي فقال لَه ألا يقصها علَي أخوته،
ولكن ألشيطان و سوس لاخوته فاتفقوا علَي أن يلقوه فِى غيابات ألجب و أدعوا أن ألذئب أكله،
ثم مر بِه ناس مِن ألبدو فاخذوه و باعوه بثمن بخس و أشتراه عزيز مصر و طلب مِن زوجته أن ترعاه،
ولكنها أخذت تراوده عَن نفْسه فابي فكادت لَه و دخل ألسجن،
ثم أظهر ألله براءته و خرج مِن ألسجن ،

واستعمله ألملك علَي شئون ألغذاءَ ألَّتِى أحسن أدارتها فِى سنوات ألقحط،
ثم أجتمع شمله مَع أخوته و والديه و خروا لَه سجداً و تحققت رؤياه.

سيرته:

قبل أن نبدا بقصه يوسف عَليه ألسلام،
نود ألاشاره لعده أمور.
اولها أختلاف طريقَه روايه قصه يوسف عَليه ألسلام فِى ألقران ألكريم عَن بقيه قصص ألانبياء،
فجاءت قصص ألانبياءَ فِى عده سور،
بينما جاءت قصه يوسف كامله فِى سوره و أحده .
قال تعالي فِى سوره يوسف):
نحن نقص عليك أحسن ألقصص بما أوحينا أليك هَذا ألقران و أن كنت مِن قَبله لمن ألغافلين يوسف)
واختلف ألعلماءَ لَم سميت هَذه ألقصه أحسن ألقصص قيل انها تنفرد مِن بَين قصص ألقران باحتوائها علَي عالم كامل مِن ألعَبر و ألحكم..
وقيل لان يوسف تجاوز عَن أخوته و صبر عَليهم و عفا عنهم..
وقيل لان فيها ذَكر ألانبياءَ و ألصالحين،
والعفه و ألغوايه ،
وسير ألملوك و ألممالك،
والرجال و ألنساء،
وحيل ألنساءَ و مكرهن،
وفيها ذَكر ألتوحيد و ألفقه،
وتعبير ألرؤيا و تفسيرها،
فَهى سوره غنيه بالمشاهد و ألانفعالات..
وقيل: انها سميت أحسن ألقصص لان مال مِن كَانوا فيها جميعا كَان الي ألسعاده .
ومع تقديرنا لهَذه ألاسباب كلها..
نعتقد أن ثمه سَببا مُهما يميز هَذه ألقصه ..
أنها تمضى فِى خط و أحد منذُ ألبِدايه الي ألنهايه ..
يلتحم مضمونها و شكلها،
ويفضى بك لاحساس عميق بقهر ألله و غلبته و نفاذَ أحكامه رغم و قوف ألبشر ضدها.
(والله غالب علَي أمَره هَذا ما تثبته قصه يوسف بشَكل حاسم،
لا ينفي حسمه انه تم بنعومه و أعجاز.
لنمضى ألآن بقصه يوسف عَليه ألسلام و لنقسمها لعدَد مِن ألفصول و ألمشاهد ليسَهل علينا تتبع ألاحداث.

المشهد ألاول مِن فصل طفوله يوسف:

ذهب يوسف ألصبى ألصغير لابيه،
وحكي لَه عَن رؤيا راها.
اخبره بانه راي فِى ألمنام احد عشر كوكبا و ألشمس و ألقمر ساجدين له.
استمع ألاب الي رؤيا أبنه و حذره أن يحكيها لاخوته.
فلقد أدرك يعقوب عَليه ألسلام بحدسه و بصيرته أن و راءَ هَذه ألرؤيه شانا عظيما لهَذا ألغلام.
لذلِك نصحه بان لا يقص رؤياه علَي أخوته خشيه أن يستشعورا ما و راءها لاخيهم ألصغير غَير ألشقيق،
حيثُ تزوج يعقوب مِن أمرآه ثانيه أنجبت لَه يوسف و شقيقه فيجد ألشيطان مِن هَذا ثغره فِى نفوسهم،
فتمتلئ نفوسهم بالحقد،
فيدبروا لَه أمرا يسوؤه.
استجاب يوسف لتحذير أبيه..
لم يحدث أخوته بما راى،
واغلب ألظن انهم كَانوا يكرهونه الي ألحد ألَّذِى يصعب فيه أن يطمئن أليهم و يحكى لَهُم دخائله ألخاصه و أحلامه.
المشهد ألثاني:
اجتمع أخوه يوسف يتحدثون فِى أمره.
(اذَ قالوا ليوسف و أخوه أحب الي أبينا منا و نحن عصبه أن أبانا لفي ضلال مبين اى نحن مجموعه قويه تدفع و تنفع،
فابونا مخطئ فِى تفضيل هذين ألصبيين علَي مجموعه مِن ألرجال ألنافعين فاقترح أحدهم حلا للموضوع: أقتلوا يوسف او أطرحوه أرضا).
انه ألحقد و تدخل ألشيطان ألَّذِى ضخم حب أبيهم ليوسف و أيثاره عَليهم حتّي جعله يوازى ألقتل.
اكبر جرائم ألارض قاطبه بَعد ألشرك بالله.
وطرحه فِى أرض بعيده نائيه مرادف للقتل،
لانه سيموت هُناك لا محاله.
ولماذَا هَذا كله حتّي لا يراه أبوه فينساه فيوجه حبه كله لهم.
ومن ثُم يتوبون عَن جريمتهم و تكونوا مِن بَعده قوما صالحين).
قال قائل مِنهم حرك ألله أعماقه بشفقه خفيه ،
او أثار ألله فِى أعماقه رعبا مِن ألقتل: ما ألداعى لقتله أن كنتم تُريدون ألخلاص مِنه،
فلنلقه فِى بئر تمر عَليها ألقوافل..
ستلتقطه قافله و ترحل بِه بعيدا..
سيختفي عَن و جه أبيه..
ويتحقق غرضنا مِن أبعاده.
انهزمت فكره ألقتل،
واختيرت فكره ألنفي و ألابعاد.
نفهم مِن هَذا أن ألاخوه ،
رغم شرهم و حسدهم،
كان فِى قلوبهم،
او فِى قلوب بَعضهم،
بعض خير لَم يمت بَعد.
المشهد ألثالث:
توجه ألابناءَ لابيهم يطلبون مِنه ألسماح ليوسف بمرافقتهم.
دار ألحوار بينهم و بين أبيهم بنعومه و عتاب خفي،
واثاره للمشاعر..
ما لك لا تامنا علَي يوسف .
. أيمكن أن يَكون يوسف أخانا،
وانت تخاف عَليه مِن بيننا و لا تستامننا عَليه،
ونحن نحبه و ننصح لَه و نرعاه لماذَا لا ترسله معنا يرتع و يلعب؟
وردا علَي ألعتاب ألاستنكارى ألاول جعل يعقوب عَليه ألسلام ينفي بطريقَه غَير مباشره انه لا يامنهم عَليه،
ويعلل أحتجازه معه بقله صبره علَي فراقه و خوفه عَليه مِن ألذئاب: قال أنى ليحزننى أن تذهبوا بِه و أخاف أن ياكله ألذئب و أنتم عنه غافلون .

ففندوا فكره ألذئب ألَّذِى يخاف أبوه أن ياكله..
نحن عشره مِن ألرجال..
فهل نغفل عنه و نحن كثره نكون خاسرين غَير أهل للرجوله لَو و قع ذَلك..
لن ياكله ألذئب و لا داعى للخوف عَليه.
وافق ألاب تَحْت ضغط أبنائه..
ليتحقق قدر ألله و تتم ألقصه كَما تقتضى مشيئته!
المشهد ألرابع:
خرج ألاخوه و معهم يوسف،
واخذوه للصحراء.
اختاروا بئرا لا ينقطع عنها مرور ألقوافل و حملوه و هموا بالقائه فِى ألبئر..
واوحي ألله الي يوسف انه ناج فلا يخاف..
وانه سيلقاهم بَعد يومهم هَذا و ينبئهم بما فعلوه.
المشهد ألخامس:
عِند ألعشاءَ جاءَ ألابناءَ باكين ليحكوا لابيهم قصه ألذئب ألمزعومه .
اخبروه بانهم ذَهبوا يستبقون،
فجاءَ ذَئب علَي غفله ،
واكل يوسف.
لقد ألهاهم ألحقد ألفائر عَن سبك ألكذبه ،
فلو كَانوا أهدا أعصابا ما فعلوها مِن ألمَره ألاولي ألَّتِى ياذن لَهُم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم و لكنهم كَانوا معجلين لا يصبرون،
يخشون ألا تواتيهم ألفرصه مَره أخرى.
كذلِك كَان ألتقاطهم لحكايه ألذئب دليلا علَي ألتسرع،
وقد كَان أبوهم يحذرهم مِنها أمس،
وهم ينفونها.
فلم يكن مِن ألمستساغ أن يذهبوا فِى ألصباح ليتركوا يوسف للذئب ألَّذِى حذرهم أبوهم مِنه أمس و بمثل هَذا ألتسرع جاءوا علَي قميصه بدم كذب لطخوه بِه فِى غَير أتقان و نسوا فِى أنفعالهم أن يمزقوا قميص يوسف..
جاءوا بالقميص كَما هُو سليما،
ولكن ملطخا بالدم..
وانتهي كلامهم بدليل قوى علَي كذبهم حين قالوا: و ما انت بمؤمن لنا و لو كنا صادقين اى و ما انت بمطمئن لما نقوله،
ولو كَان هُو ألصدق،
لانك تشك فينا و لا تطمئن لما نقوله.
ادرك يعقوب مِن دلائل ألحال و من نداءَ قلبه و من ألاكذوبه ألواضحه ،
ان يوسف لَم ياكله ألذئب،
وانهم دبروا لَه مكيده ما،
وانهم يلفقون لَه قصه لَم تقع،
فواجههم بان نفوسهم قَد حسنت لَهُم أمرا منكرا و ذَللته و يسرت لَهُم أرتكابه؛ و أنه سيصبر متحملا متجملا لا يجزع و لا يفزع و لا يشكو،
مستعينا بالله علَي ما يلفقونه مِن حيل و أكاذيب: قال بل سولت لكُم أنفسكم أمرا فصبر جميل و ألله ألمستعان علَي ما تصفون
المشهد ألاخير مِن ألفصل ألاول مِن حيآه سيدنا يوسف عَليه ألسلام:
اثناءَ و جود يوسف بالبئر،
مرت عَليه قافله ..
قافله فِى طريقها الي مصر..
قافله كبيره ..
سارت طويلا حتّي سميت سياره ..
توقفوا للتزود بالماء..
وارسلوا أحدهم للبئر فادلي ألدلو فيه..
تعلق يوسف به..
ظن مِن دلاه انه أمتلا بالماءَ فسحبه..
ففرح بما راى..
راي غلاما متعلقا بالدلو..
فسري علَي يوسف حكم ألاشياءَ ألمفقوده ألَّتِى يلتقطها أحد..
يصير عبدا لمن ألتقطه..
هكذا كَان قانون ذَلِك ألزمان ألبعيد.
فرح بِه مِن و جده فِى ألبدايه ،
ثم زهد فيه حين فكر فِى همه و مسئوليته،
وزهد فيه لانه و جده صبيا صغيرا..
وعزم علَي ألتخلص مِنه لدي و صوله الي مصر..
ولم يكد يصل الي مصر حتّي باعه فِى سوق ألرقيق بثمن زهيد،
دراهم معدوده .
ومن هُناك أشتراه رجل تبدو عَليه ألاهميه

انتهت ألمحنه ألاولي فِى حيآه هَذا ألنبى ألكريم،

لبتدا ألمحنه ألثانيه ،
والفصل ألثانى مِن حياته.
ثم يكشف ألله تعالي مضمون ألقصه ألبعيد فِى بدايتها و ألله غالب علَي أمَره و لكن اكثر ألناس لا يعلمون).
لقد أنطبقت جدران ألعبوديه علَي يوسف.
القى فِى ألبئر،
اهين،
حرم مِن أبيه،
التقط مِن ألبئر،
صار عبدا يباع فِى ألاسواق،
اشتراه رجل مِن مصر،
صار مملوكا لهَذا ألرجل..
انطبقت ألماساه ،
وصار يوسف بلا حَول و لا قوه ..
هكذا يظن اى أنسان..
غير أن ألحقيقه شيء يختلف عَن ألظن تماما.

ما نتصور نحن انه ماسآه و محنه و فتنه ..
كان هُو اول سلم يصعده يوسف فِى طريقَه الي مجده..
(والله غالب علَي أمَره .
.
ينفذَ تدبيره رغم تدبير ألاخرين.
ينفذَ مِن خِلاله تدبير ألاخرين فيفسده و يتحقق و عد ألله،
وقد و عد ألله يوسف بالنبوه .

وها هُو ذَا يلقى محبته علَي صاحبه ألَّذِى أشتراه..
وها هُو ذَا ألسيد يقول لزوجته أكرمى مثواه عسي أن ينفعنا او نتخذه و لدا.
وليس هَذا ألسيد رجلا هين ألشان..
إنما هُو رجل مُهم..
رجل مِن ألطبقه ألحاكمه فِى مصر..
سنعلم بَعد قلِيل انه و زير مِن و زراءَ ألملك.
وزير خطير سماه ألقران “العزيز”،
وكان قدماءَ ألمصريين يطلقون ألصفات كاسماءَ علَي ألوزراء.
فهَذا ألعزيز..
وهَذا ألعادل..
وهَذا ألقوي..
الي أخره..
وارجح ألاراءَ أن ألعزيز هُو رئيس و زراءَ مصر.

وهكذا مكن ألله ليوسف فِى ألارض..
سيتربي كصبى فِى بيت رجل يحكم.
وسيعلمه ألله مِن تاويل ألاحاديث و ألرؤى..
وسيحتاج أليه ألملك فِى مصر يوما.
(والله غالب علَي أمَره و لكن اكثر ألناس لا يعلمون).
تم هَذا كله مِن خِلال فتنه قاسيه تعرض لَها يوسف.

ثم يبين لنا ألمولي عز و جل كرمه علَي يوسف فيقول:

ولما بلغ أشده أتيناه حكَما و علما و كذلِك نجزى ألمحسنين 22 يوسف)

كان يوسف أجمل رجل فِى عصره..
وكان نقاءَ أعماقه و صفاءَ سريرته يضفيان علَي و جهه مزيدا مِن ألجمال.
واوتى صحه ألحكم علَي ألامور..
واوتى علما بالحيآه و أحوالها.
واوتى أسلوبا فِى ألحوار يخضع قلب مِن يستمع أليه..
واوتى نبلا و عفه ،
جعلاه شخصيه أنسانيه لا تقاوم.

وادرك سيده أن ألله قَد أكرمه بارسال يوسف أليه..
اكتشف أن يوسف اكثر مِن راي فِى حياته أمانه و أستقامه و شهامه و كرما..
وجعله سيده مسئولا عَن بيته و أكرمه و عامله كابنه.

ويبدا ألمشهد ألاول مِن ألفصل ألثانى فِى حياته:

في هَذا ألمشهد تبدا محنه يوسف ألثانيه ،
وهى أشد و أعمق مِن ألمحنه ألاولى.
جاءته و قد أوتى صحه ألحكم و أوتى ألعلم رحمه مِن ألله ليواجهها و ينجو مِنها جزاءَ أحسانه ألَّذِى سجله ألله لَه فِى قرانه.
يذكر ألله تعالي هَذه ألمحنه فِى كتابه ألكريم:

وراودته ألَّتِى هُو فِى بيتها عَن نفْسه و غلقت ألابواب و قالت هيت لك قال معاذَ ألله انه ربى أحسن مثواى انه لا يفلح ألظالمون 23 و لقد همت بِه و هم بها لولا أن راي برهان ربه كذلِك لنصرف عنه ألسوء و ألفحشاءَ انه مِن عبادنا ألمخلصين 24 يوسف)

لا يذكر ألسياق ألقرانى شيئا عَن سنها و سنه،
فلننظر فِى ذَلِك مِن باب ألتقدير.
لقد أحضر يوسف صبيا مِن ألبئر،
كَانت هِى زوجه فِى ألثلاثه و ألعشرين مِثلا،
وكان هُو فِى ألثانيه عشرا.
بعد ثلاثه عشر عاما صارت هِى فِى ألسادسه و ألثلاثين و وصل عمَره الي ألخامسه و ألعشرين.
اغلب ألظن أن ألامر كذلك.
ان تصرف ألمرآه فِى ألحادثه و ما بَعدها يشير الي انها مكتمله جريئه .

والان،
لنتدبر معنا فِى كلمات هَذه ألايات.

(وراودته صراحه عَن نفْسه ،
واغلقت ألابواب و قالت هيت لك).
لن تفر منى هَذه ألمره .
هَذا يَعنى انه كَانت هُناك مرات سابقه فر فيها مِنها.
مرات سابقه لَم تكُن ألدعوه فيها بهَذه ألصراحه و هَذا ألتعري.
فيبدوا أن أمرآه ألعزيز سئمت تجاهل يوسف لتلميحاتها ألمستمَره و أباءه..
فقررت أن تغير خطتها.
خرجت مِن ألتلميح الي ألتصريح..
اغلقت ألابواب و مزقت أقنعه ألحياءَ و صرحت بحبها و طالبته بنفسه.

ثم يتجاوزز ألسياق ألقرانى ألحوار ألَّذِى دار بَين أمرآه ألعزيز و يوسف عَليه ألسلام،
ولنا أن نتصور كَيف حاولت أغراءه أما بلباسها او كلماتها او حركاتها.
لكن ما يهمنا هُنا هُو موقف يوسف عَليه ألسلام مِن هَذا ألاغواء.

يقف هَذا ألنبى ألكريم فِى و جه سيدته قائلا قال معاذَ ألله انه ربى أحسن مثواى انه لا يفلح ألظالمون أعيذَ نفْسى بالله أن أفعل هَذا مَع زوجه مِن أكرمنى بان نجانى مِن ألجب و جعل فِى هَذه ألدار مثواى ألطيب ألامن.
ولا يفلح ألظالمون ألَّذِين يتجاوزون حدود ألله،
فيرتكبون ما تدعيننى أللحظه أليه.

ثم و لقد همت بِه و هم بها لولا أن راي برهان ربه أتفق ألمفسرون حَول همها بالمعصيه ،
واختلفوا حَول همه.
فمنهم مِن أخذَ بالاسرائيليات و ذَكر أن يعقوب ظهر له،
او جبريل نزل أليه،
لكن ألتلفيق و ألاختلاق ظاهر فِى هَذه ألزوايات ألاسرائيليه .
ومن قائل: انها همت بِه تقصد ألمعصيه و هم بها يقصد ألمعصيه و لم يفعل،
ومن قائل: انها همت بِه لتقبله و هم بها ليضربها،
ومن قائل: أن هَذا ألهم كَان بينهما قَبل ألحادث.
كان حركه نفْسيه داخِل نفْس يوسف فِى ألسن ألَّتِى أجتاز فيها فتره ألمراهقه .
ثم صرف ألله عنه.
وافضل تفسير تطمئن أليه نفْسى أن هُناك تقديما و تاخيرا فِى ألايه .

قال أبو حاتم: كنت أقرا غريب ألقران علَي أبى عبيده ،
فلما أتيت علَي قوله تعالى: و لقد همت بِه و هم بها).
قال أبو عبيده : هَذا علَي ألتقديم و ألتاخير.
بمعني و لقد همت به..
ولولا أن راي برهان ربه لَهُم بها.
يستقيم هَذا ألتفسير مَع عصمه ألانبياء..
كَما يستقيم مَع روح ألايات ألَّتِى تلحقه مباشره كذلِك لنصرف عنه ألسوء و ألفحشاءَ انه مِن عبادنا ألمخلصين و هَذه ألايه ألَّتِى تثبت أن يوسف مِن عباد ألله ألمخلصين،
تقطع فِى نفْس ألوقت بنجاته مِن سلطان ألشيطان.
قال تعالي لابليس يوم ألخلق أن عبادى ليس لك عَليهم سلطان و ما دام يوسف مِن عباده ألمخلصين،
فقد و ضح ألامر بالنسبه أليه.
لا يَعنى هَذا أن يوسف كَان يخلو مِن مشاعر ألرجوله ،
ولا يَعنى هَذا انه كَان فِى نقاءَ ألملائكه و عدَم أحتفالهم بالحس.
إنما يَعنى انه تعرض لاغراءَ طويل قاومه فلم تمل نفْسه يوما،
ثم أسكنها تقواها كونه مطلعا علَي برهان ربه،
عارفا انه يوسف بن يعقوب ألنبي،
ابن أسحق ألنبي،
ابن أبراهيم جد ألانبياءَ و خليل ألرحمن.

يبدو أن يوسف عَليه ألسلام أثر ألانصراف متجها الي ألباب حتّي لا يتطور ألامر اكثر.
لكن أمرآه ألعزيز لحقت بِه لتمسكه،
تدفهعا ألشهوه لذلك.
فامسكت قميصه مِن ألخلف،
فتمزق فِى يدها.
وهنا تقطع ألمفاجاه .
فَتح ألباب زوجها ألعزيز.
وهنا تتبدي ألمرآه ألمكتمله ،
فتجد ألجواب حاضرا علَي ألسؤال ألبديهى ألَّذِى يطرح ألموقف.
فتقول متهمه ألفتى: قالت ما جزاءَ مِن أراد باهلك سوءا ألا أن يسجن او عذاب أليم

واقترحت هَذه ألمرآه ألعاشقه سريعا ألعقاب ألمامون ألواجب تنفيذه علَي يوسف،
خشيه أن يفتك بِه ألعزيز مِن شده غضبه.
بينت للعزيز أن افضل عقاب لَه هُو ألسجن.
بعد هَذا ألاتهام ألباطل و ألحكم ألسريع جهر يوسف بالحقيقه ليدافع عَن نفْسه: قال هِى راودتنى عَن نفْسي

تجاوز ألسياق ألقرانى رد ألزوج،
لكنه بَين كَيفيه تبرآه يوسف عَليه ألسلام مِن هَذه ألتهمه ألباطله :

وشهد شاهد مِن أهلها أن كَان قميصه قَد مِن قَبل فصدقت و هو مِن ألكاذبين 26 و أن كَان قميصه قَد مِن دبر فكذبت و هو مِن ألصادقين 27 فلما راي قميصه قَد مِن دبر قال انه مِن كيدكن أن كيدكن عظيم 28 يوسف)

لا نعلم أن كَان ألشاهد مرافقا للزوج منذُ ألبدايه ،
ام أن ألعزيز أستدعاه بَعد ألحادثه لياخذَ برايه..
كَما أشارت بَعض ألروايات أن هَذا ألشاهد رجل كبير،
بينما أخبرت روايات اُخري انه طفل رضيع.
كل هَذا جائز.
وهو لا يغير مِن ألامر شيئا.
ما يذكره ألقران أن ألشاهد أمرهم بالنظر للقميص،
فان كَان ممزقا مِن ألامام فذلِك مِن أثر مدافعتها لَه و هو يُريد ألاعتداءَ عَليها فَهى صادقه و هو كاذب.
وان كَان قميصه ممزقا مِن ألخلف فَهو أذن مِن أثر تملصه مِنها و تعقبها هِى لَه حتّي ألباب،
فَهى كاذبه و هو صادق.

فلما راي قميصه قَد مِن دبر قال انه مِن كيدكن أن كيدكن عظيم 28 يوسف)

فتاكد ألزوج مِن خيانه زوجته عندما راي قميص يوسف ممزق مِن ألخلف.
لكن ألدم لَم يثر فِى عروقه و لم يصرخ و لم يغضب.
فرضت عَليه قيم ألطبقه ألراقيه ألَّتِى و قع فيها ألحادث أن يواجه ألموقف بلباقه و تلطف..
نسب ما فعلته الي كيد ألنساءَ عموما.
وصرح بان كيد ألنساءَ عموم عظيم.
وهكذا سيق ألامر كَما لَو كَان ثناءَ يساق.
ولا نحسب انه يسوء ألمرآه أن يقال لها: أن كيدكن عظيم).
فَهو دلاله علَي انها أنثي كامله مستوفيه لمقدره ألانثي علَي ألكيد.
بعدها ألتفت ألزوج الي يوسف قائلا له: يوسف أعرض عَن هَذا اهمل هَذا ألموضوع و لا تعره أهتماما و لا تتحدث به.
هَذا هُو ألمهم..
المحافظه علَي ألظواهر..
ثم يوجه عظه مختصره للمرآه ألَّتِى ضبطت متلبسه بمراوده فتاها عَن نفْسها و تمزيق قميصه: و أستغفرى لذنبك أنك كنت مِن ألخاطئين).

انتهي ألحادث ألاول..
لكن ألفتنه لَم تنته..
فلم يفصل سيد ألبيت بَين ألمرآه و فتاها..
كل ما طلبه هُو إغلاق ألحديث فِى هَذا ألموضوع.
غير أن هَذا ألموضوع بالذات.
وهَذا ألامر يصعب تحقيقه فِى قصر يمتلئ بالخدم و ألخادمات و ألمستشارين و ألوصيفات.

المشهد ألثاني:
بدا ألموضوع ينتشر..
خرج مِن ألقصر الي قصور ألطبقه ألراقيه يومها..
ووجدت فيه نساءَ هَذه ألطبقه ماده شهيه للحديث.
ان خلو حيآه هَذه ألطبقات مِن ألمعنى،
وانصرافها الي أللهو،
يخلعان اهميه قصوي علَي ألفضائح ألَّتِى ترتبط بشخصيات شهيره ..
وزاد حديث ألمدينه و قال نسوه فِى ألمدينه أمرآه ألعزيز تراود فتاها عَن نفْسه قَد شغفها حبا انا لنراها فِى ضلال مبين و أنتقل ألخبر مِن فم الي فم..
ومن بيت الي بيت..
حتي و صل لامرآه ألعزيز.
المشهد ألثالث:
فلما سمعت بمكرهن أرسلت أليهن و أعتدت لهن متكا و أتت كُل و أحده مِنهن سكينا و قالت أخرج عَليهن فلما راينه أكبرنه و قطعن أيديهن و قلن حاش لله ما هَذا بشرا أن هَذا ألا ملك كريم 31 قالت فذلكن ألَّذِى لمتننى فيه و لقد راودته عَن نفْسه فاستعصم و لئن لَم يفعل ما أمَره ليسجنن و ليكونا مِن ألصاغرين 32 يوسف)
عندما سمعت أمرآه ألعزيز بما تتناقله نساءَ ألطبقه ألعليا عنها،
قررت أن تعد مادبه كبيره فِى ألقصر.
واعدت ألوسائد حتّي يتكئ عَليها ألمدعوات.
واختارت ألوان ألطعام و ألشراب و أمرت أن توضع ألسكاكين ألحاده الي جوار ألطعام ألمقدم.
ووجهت ألدعوه لكُل مِن تحدثت عنها.
وبينما هن منشغلات بتقطيع أللحم او تقشير ألفاكهه ،
فاجاتهن بيوسف: و قالت أخرج عَليهن فلما
(فلما راينه أكبرنه بهتن لطلعته،
ودهشن.
(وقطعن أيديهن و جرحن أيديهن بالسكاكين للدهشه ألمفاجئه .
(وقلن حاش لله و هى كلمه تنزيه تقال فِى هَذا ألموضع تعبيرا عَن ألدهشه بصنع ألله..
(ما هَذا بشرا أن هَذا ألا ملك كريم يتضح مِن هَذه ألتعبيرات أن شيئا مِن ديانات ألتوحيد تسربت لاهل ذَلِك ألزمان.
ورات ألمرآه انها أنتصرت علَي نساءَ طبقتها،
وانهن لقين مِن طلعه يوسف ألدهش و ألاعجاب و ألذهول.
فقالت قوله ألمرآه ألمنتصره ،
الَّتِى لا تستحى امام ألنساءَ مِن بنات جنسها و طبقتها،
والَّتِى تفتخر عَليهن بان هَذا متناول يدها؛ و أن كَان قَد أستعصم فِى ألمَره ألاولي فَهى ستحاول ألمَره تلو ألأُخري الي أن يلين: أنظرن ماذَا لقيتن مِنه مِن ألبهر و ألدهش و ألاعجاب لقد بهرنى مِثلكن فراودته عَن نفْسه لكِنه أستعصم،
وان لَم يطعنى سامر بسجنه لاذله.
أنها لَم تري باسا مِن ألجهر بنزواتها ألانثويه أما نساءَ طبقتها.
فقالتها بِكُل أصرار و تبجح،
قالتها مبينه أن ألاغراءَ ألجديد تَحْت ألتهديد.
واندفع ألنسوه كلهم أليه يراودنه عَن نفْسه..
كل مِنهن أرادته لنفسها..
ويدلنا علَي ذَلِك أمران.
الدليل ألاول هُو قول يوسف عَليه ألسلام رب ألسجن أحب الي مما يدعوننى أليه فلم يقل ما تدعونى أليه)..
والامر ألاخر هُو سؤال ألملك لَهُم فيما بَعد قال ما خطبكن أذَ راودتن يوسف عَن نفْسه).
امام هَذه ألدعوات سواءَ كَانت بالقول أم بالحركات و أللفتات أستنجد يوسف بربه ليصرف عنه محاولاتهن لايقاعه فِى حبائلهن،
خيفه أن يضعف فِى لحظه امام ألاغراءَ ألدائم،
فيقع فيما يخشاه علَي نفْسه.
دعي يوسف ألله دعاءَ ألانسان ألعارف ببشريته،
الذى لا يغتر بعصمته؛ فيريد مزيدا مِن عنايه ألله و حياطته،
ويعاونه علَي ما يعترضه مِن فته و كيد و أغراء.
(قال رب ألسجن أحب الي مما يدعوننى أليه و ألا تصرف عنى كيدهن أصب أليهن و أكن مِن ألجاهلين و أستجاب لَه ألله..
وصرف عنه كيد ألنسوه .
وهَذا ألصرف قَد يَكون بادخال ألياس فِى نفوسهن مِن أستجابته لهن،
بعد هَذه ألتجربه ؛ او بزياده أنصرافه عَن ألاغراءَ حتّي ما يحس فِى نفْسه أثرا مِنه.
او بهما جميعا.
وهكذا أجتاز يوسف ألمحنه ألثانيه بلطف ألله و رعايته،
فَهو ألَّذِى سمع ألكيد و يسمع ألدعاء،
ويعلم ما و راءَ ألكيد و ما و راءَ ألدعاء.
ما أنتهت ألمحنه ألثانيه ألا لتبدا ألثالثه ..
لكن هَذه ألثالثه هِى آخر محن ألشده .

يسجن يوسف عَليه ألسلام و ألفصل ألثالث مِن حياته:
ربما كَان دخوله للسجن بسَبب أنتشار قصته مَع أمرآه ألعزيز و نساءَ طبقتها،
فلم يجد أصحاب هَذه ألبيوت طريقَه لاسكات هَذه ألالسنه سوي سجن هَذا ألفتي ألَّذِى دلت كُل ألايات علَي برائته،
لتنسي ألقصه .
قال تعالي فِى سوره يوسف):
ثم بدا لَهُم مِن بَعد ما راوا ألايات ليسجننه حتّي حين 35 يوسف)
وهكذا ترسم ألايه ألموجزه جو هَذا ألعصر باكمله..
جو ألفساد ألداخلى فِى ألقصور،
جو ألاوساط ألارستقراطيه ..
وجو ألحكم ألمطلق.
ان حلول ألمشكلات فِى ألحكم ألمطلق هِى ألسجن..
وليس هَذا بغريب علَي مِن يعبد ألهه متعدده .
كانوا علَي عباده غَير ألله..
ولقد راينا مِن قَبل كَيف تضيع حريات ألناس حين ينصرفون عَن عباده ألله الي عباده غَيره.
وها نحن أولاءَ نري فِى قصه يوسف شاهدا حيا يصيب حتّي ألانبياء.
صدر قرارا باعتقاله و أدخل ألسجن.
بلا قضيه و لا محاكمه ،
ببساطه و يسر..
لا يصعب فِى مجتمع تحكمه ألهه متعدده أن يسجن بريء.
بل لعل ألصعوبه تكمن فِى محاوله شيء غَير ذَلك.
دخل يوسف ألسجن ثابت ألقلب هادئ ألاعصاب أقرب الي ألفرح لانه نجا مِن ألحاح زوجه ألعزيز و رفيقاتها،
وثرثره و تطفلات ألخدم.
كان ألسجن بالنسبه أليه مكانا هادئا يخلو فيه و يفكر فِى ربه.
ويبين لنا ألقران ألكريم ألمشهد ألاول مِن هَذا ألفصل:
يختصر ألسياق ألقرانى ما كَان مِن أمر يوسف فِى ألسجن..
لكن ألواضح أن يوسف عَليه ألسلام أنتهز فرصه و جوده فِى ألسجن،
ليقُوم بالدعوه الي ألله.
مما جعل ألسجناءَ يتوسمون فيه ألطيبه و ألصلاح و أحسان ألعباده و ألذكر و ألسلوك.
انتهز يوسف عَليه ألسلام هَذه ألفرصه ليحدث ألناس عَن رحمه ألخالق و عظمته و حبه لمخلوقاته،
كان يسال ألناس: أيهما افضل..
ان ينهزم ألعقل و يعبد أربابا متفرقين..
ام ينتصر ألعقل و يعبد رب ألكون ألعظيم و كان يقيم عَليهم ألحجه بتساؤلاته ألهادئه و حواره ألذكى و صفاءَ ذَهنه،
ونقاءَ دعوته.
وفي احد ألايام،
قدم لَه سجينان يسالانه تفسير أحلامهما،
بعد أن توسما فِى و جهه ألخير.
ان اول ما قام بِه يوسف عَليه ألسلام هُو طمانتهما انه سيؤول لَهُم ألرؤى،
لان ربه علمه علما خاصا،
جزاءَ علَي تجرده هُو و أباؤه مِن قَبله لعبادته و حده،
وتخلصه مِن عباده ألشركاء..
وبذلِك يكسب ثقتهما منذُ أللحظه ألاولي بقدرته علَي تاويل رؤياهما،
كَما يكسب ثقتهما كذلِك لدينه.
ثم بدا بدعوتهما الي ألتوحيد،
وتبيان ما هُم عَليه مِن ألظلال.
قام بِكُل هَذا برفق و لطف ليدخل الي ألنفوس بلا مقاومه .
بعد ذَلِك فسر لهما ألرؤى.
بين لهما أن أحدها سيصلب،
والاخر سينجو،
وسيعمل فِى قصر ألملك.
لكنه لَم يحدد مِن هُو صاحب ألبشري و من هُو صاحب ألمصير ألسيئ تلطفا و تحرجا مِن ألمواجهه بالشر و ألسوء.
وتروى بَعض ألتفاسير أن هؤلاءَ ألرجلين كَانا يعملان فِى ألقصر،
احدهما طباخا،
والاخر يسقى ألناس،
وقد أتهما بمحاوله تسميم ألملك.
اوصي يوسف مِن سينجو مِنهما أن يذكر حاله عَن ألملك.
لكن ألرجل لَم ينفذَ ألوصيه .
فربما ألهته حيآه ألقصر ألمزدحمه يوسف و أمره.
فلبث فِى ألسجن بضع سنين.
اراد ألله بهَذا أن يعلم يوسف عَليه ألسلام درسا.
فقد و رد فِى أحدي ألرويات انه جاءه جبريل قال: يا يوسف مِن نجاك مِن أخوتك قال: ألله.
قال: مِن أنقذك مِن ألجب قال: ألله.
قال: مِن حررك بَعد أن صرت عبدا قال: ألله.
قال: مِن عصمك مِن ألنساءَ قال: ألله.
قال: فعلام تطلب ألنجآه مِن غَيره؟
وقد يَكون هَذا ألامر زياده فِى كرم ألله عَليه و أصطفاءه له،
فلم يجعل قضاءَ حاجته علَي يد عبد و لا سَبب يرتبط بعبد.
المشهد ألثاني:
في هَذا ألمشهد تبدا نقطه ألتحول..
التحَول مِن محن ألشده الي محن ألرخاء..
من محنه ألعبوديه و ألرق لمحنه ألسلطه و ألملك.
في قصر ألحكم..
وفي مجلس ألملك: يحكى ألملك لحاشيته رؤياه طالبا مِنهم تفسيرا لها.
(وقال ألملك أنى أري سبع بقرات سمان ياكلهن سبع عجاف و سبع سنبلات خضر و أخر يابسات يا أيها ألملا أفتونى فِى رؤياى أن كنتم للرؤيا تعبرون لكِن ألمستشارين و ألكهنه لَم يقوموا بالتفسير.
ربما لانهم لَم يعرفوا تفسيرها،
او انهم أحسوا انها رؤيا سوء فخشوا أن يفسروها للملك،
وارادوا أن ياتى ألتفسير مِن خارِج ألحاشيه ألَّتِى تعودت علَي قول كُل ما يسر ألملك فقط.
وعللوا عدَم ألتفسير بان قالوا للملك انها أجزاءَ مِن أحلام مختلطه ببعضها ألبعض،
ليست رؤيا كامله يُمكن تاويلها

المشهد ألثالث:
وصل ألخبر الي ألساقى ألَّذِى نجا مِن ألسجن..
تداعت أفكاره و ذَكره حلم ألملك بحلمه ألَّذِى راه فِى ألسجن،
وذكره ألسجن بتاويل يوسف لحلمه.
واسرع الي ألملك و حدثه عَن يوسف.
قال له: أن يوسف هُو ألوحيد ألَّذِى يستطيع تفسير رؤياك.

وارسل ألملك ساقيه الي ألسجن ليسال يوسف.
ويبين لنا ألحق سبحانه كَيف نقل ألساقى رؤيا ألملك ليوسف بتعبيرات ألملك نفْسها،
لانه هُنا بصدد تفسير حلم،
وهو يُريد أن يَكون ألتفسير مطابقا تماما لما رءاه ألملك.
وكان ألساقى يسمى يوسف بالصديق،
اى ألصادق ألكثير ألصدق..
وهَذا ما جربه مِن شانه مِن قَبل.

جاءَ ألوقت و أحتاج ألملك الي راى يوسف..
(والله غالب علَي أمَره و لكن اكثر ألناس لا يعلمون).
سئل يوسف عَن تفسير حلم ألملك..
فلم يشترط خروجه مِن ألسجن مقابل تفسيره.
لم يساوم و لم يتردد و لم يقل شيئا غَير تفسير ألرؤيا..
هكذا ببراءه ألنبى حين يلجا أليه ألناس فيغيثهم..
وان كَان هؤلاءَ أنفسهم سجانيه و جلاديه.

لم يقم يسوفَ عَليه ألسلام بالتفسير ألمباشر ألمجرد للرؤيا.
وإنما قدم مَع ألتفسير ألنصح و طريقَه مواجهه ألمصاعب ألَّتِى ستمر بها مصر.
افهم يوسف رسول ألملك أن مصر ستمر عَليها سبع سنوات مخصبه تجود فيها ألارض بالغلات.
وعلي ألمصريين ألا يسرفوا فِى هَذه ألسنوات ألسبع.
لان و راءها سبع سنوات مجدبه ستاكل ما يخزنه ألمصريون،
وافضل خزن للغلال أن تترك فِى سنابلها كى لا تفسد او يصيبها ألسوس او يؤثر عَليها ألجو.

بهَذا أنتهي حلم ألملك..
وزاد يوسف تاويله لحلم ألملك بالحديث عَن عام لَم يحلم بِه ألملك،
عام مِن ألرخاء.
عام يغاث فيه ألناس بالزرع و ألماء،
وتنمو كرومهم فيعصرون خمرا،
وينمو سمسمهم و زيتونهم فيعصرون زيتا.
كان هَذا ألعام ألَّذِى لا يقابله رمز فِى حلم ألملك.
علما خاصا أوتيه يوسف.
فبشر بِه ألساقى ليبشر بِه ألملك و ألناس.

المشهد ألرابع:
عاد ألساقى الي ألملك.
اخبره بما قال يوسف،
دهش ألملك دهشه شديده .
ما هَذا ألسجين.. انه يتنبا لَهُم بما سيقع،
ويوجههم لعلاجه..
دون أن ينتظر أجرا او جزاء.
او يشترط خروجا او مكافاه .
فاصدر ألملك أمَره باخراج يوسف مِن ألسجن و أحضاره فورا أليه.
ذهب رسول ألملك الي ألسجن.
ولا نعرف أن كَان هُو ألساقى ألَّذِى جاءه اول مره .
ام انه شخصيه رفيعه مكلفه بهَذه ألشؤون.
ذهب أليه فِى سجنه.
رجا مِنه أن يخرج للقاءَ ألملك..
فَهو يطلبه علَي عجل.
رفض يوسف أن يخرج مِن ألسجن ألا إذا ثبتت براءته.
لقد رباه ربه و أدبه.
ولقد سكبت هَذه ألتربيه و هَذا ألادب فِى قلبه ألسكينه و ألثقه و ألطمانينه .
ويظهر أثر ألتربيه و أضحا فِى ألفارق بَين ألموقفين: ألموقف ألَّذِى يقول يوسف فيه للفتى: أذكرنى عِند ربك،
والموقف ألَّذِى يقول فيه: أرجع الي ربك فاساله ما بال ألنسوه ألاتى قطعن أيدهن،
الفارق بَين ألموقفين كبير.

المشهد ألخامس:
تجاوز ألسياق ألقرانى عما حدث بَين ألملك و رسوله،
ورده فعل ألملك.
ليقف بنا امام ألمحاكه .
وسؤال ألملك لنساءَ ألطبقه ألعليا عما فعلنه مَع يوسف.
يبدوا أن ألملك سال عَن ألقصه ليَكون علَي بينه مِن ألظروف قَبل أن يبدا ألتحقيق،
لذلِك جاءَ سؤاله دقيقا للنساء.
فاعترف ألنساءَ بالحقيقه ألَّتِى يصعب أنكارها قلن حاش لله ما علمنا عَليه مِن سوء).

وهنا تتقدم ألمرآه ألمحبه ليوسف،
الَّتِى يئست مِنه،
ولكنها لا تستطيع أن تخلص مِن تعلقها به..
تتقدم لتقول كُل شيء بصراحه .
يصور ألسياق ألقرانى لنا أعتراف أمرآه ألعزيز،
بالفاظ موحيه ،
تشى بما و راءها مِن أنفعالات و مشاعر عميقه انا راودته عَن نفْسه و أنه لمن ألصادقين شهاده كامله باثمها هي،
وبراءته و نظافته و صدقه هو.
شهاده لا يدفع أليها خوف او خشيه او اى أعتبار أخر..
يشى ألسياق ألقرانى بحافز أعمق مِن هَذا كله.
حرصها علَي أن يحترمها ألرجل ألَّذِى أهان كبرياءها ألانثويه ،
ولم يعبا بفتنتها ألجسديه .
ومحاوله يائسه لتصحيح صورتها فِى ذَهنه.
لا تُريده أن يستمر علَي تعاليه و أحتقاره لَها كخاطئه .
تريد أن تصحح فكرته عنها: ذَلِك ليعلم أنى لَم أخنه بالغيب).
لست بهَذا ألسوء ألَّذِى يتصوره فيني.
ثم تمضى فِى هَذه ألمحاوله و ألعوده الي ألفضيله ألَّتِى يحبها يوسف و يقدرها و أن ألله لا يهدى كيد ألخائنين).
وتمضى خطوه اُخري فِى هَذه ألمشاعر ألطيبه و ما أبرىء نفْسى أن ألنفس لاماره بالسوء ألا ما رحم ربى أن ربى غفور رحيم).

ان تامل ألايات يوحى بان أمرآه ألعزيز قَد تحولت الي دين يوسف.
تحولت الي ألتوحيد.
ان سجن يوسف كَان نقله هائله فِى حياتها.
امنت بربه و أعتنقت ديانته.

ويصدر ألامر ألملكى بالافراج عنه و أحضاره.

يهمل ألسياق ألقرانى بَعد ذَلِك قصه أمرآه ألعزيز تماما،
يسقطها مِن ألمشاهد،
فلا نعرف ماذَا كَان مِن أمرها بَعد شهادتها ألجريئه ألَّتِى أعلنت فيها ضمنا أيمأنها بدين يوسف.

وقد لعبت ألاساطير دورها فِى قصه ألمراه ..
قيل: أن زوجها مات و تزوجت مِن يوسف،
فاكتشف انها عذراء،
واعترفت لَه أن زوجها كَان شيخا لا يقرب ألنساء..
وقيل: أن بصرها ضاع بسَبب أستمرارها فِى ألبكاءَ علَي يوسف،
خرجت مِن قصرها و تاهت فِى طرقات ألمدينه ،
فلما صار يوسف كبيرا للوزراء،
ومضي موكبه يوما هتفت بِه أمرآه ضريره تتكفف ألناس: سبحان مِن جعل ألملوك عبيدا بالمعصيه ،
وجعل ألعبيد ملوكا بالطاعه .

سال يوسف: صوت مِن هَذا قيل له: أمرآه ألعزيز.
انحدر حالها بَعد عز.
واستدعاها يوسف و سالها: هَل تجدين فِى نفْسك مِن حبك لِى شيئا؟

قالت: نظره الي و جهك أحب الي مِن ألدنيا يا يوسف..
ناولنى نِهايه سوطك.
فناولها.
فوضعته علَي صدرها،
فوجد ألسوط يهتز فِى يده أضطرابا و أرتعاشا مِن خفقان قلبها.

وقيلت أساطير أخرى،
يبدو فيها أثر ألمخيله ألشعبيه و هى تنسج قمه ألدراما بانهيار ألعاشقه الي ألحضيض..
غير أن ألسياق ألقرانى تجاوز تماما نِهايه ألمراه .

اغفلها مِن سياق ألقصه ،
بعد أن شهدت ليوسف..
وهَذا يخدم ألغرض ألدينى فِى ألقصه ،
فالقصه أساسا قصه يوسف و ليست قصه ألمراه ..
وهَذا ايضا يخدم ألغرض ألفني..
لقد ظهرت ألمرآه ثُم أختفت فِى ألوقت ألمناسب..
اختفت فِى قمه ماساتها..
وشاب أختفاءها غموض فنى معجز..
ولربما بقيت فِى ألذاكره باختفائها هَذا زمنا أطول مما كَانت تقضيه لَو عرفنا بقيه قصتها.

ويبدا فصل جديد مِن فصول حيآه يوسف عَليه ألسلام:
بعد ما راي ألملك مِن أمر يوسف.
براءته،
وعلمه،
وعدَم تهافته علَي ألملك.
عرف انه امام رجل كريم،
فلم يطلبه ليشكره او يثنى عَليه،
وإنما طلبه ليَكون مستشاره.
وعندما جلس معه و كلمه،
تحقق لَه صدق ما توسمه فيه.
فطمئنه علَي انه ذَُو مكانه و في أمان عنده.
فماذَا قال يوسف؟

لم يغرق ألملك شكرا،
ولم يقل له: عشت يا مولاى و أنا عبدك ألخاضع او خادمك ألامين،
كَما يفعل ألمتملقون للطواغيت؛ كلا إنما طالب بما يعتقد انه قادر علَي أن ينهض بِه مِن ألاعباءَ فِى ألازمه ألقادمه .

كَما و أورد ألقرطبى فِى تفسيره.
ان ألملك قال فيما قاله: لَو جمعت أهل مصر ما أطاقوا هَذا ألامر..
ولم يكونوا فيه أمناء.

كان ألملك يقصد ألطبقه ألحاكمه و ما حولها مِن طبقات..
ان ألعثور علَي ألامانه فِى ألطبقه ألمترفه شديد ألصعوبه .

اعتراف ألملك ليوسف بهَذه ألحقيقه زاد مِن عزمه علَي تولى هَذا ألامر،
لانقاذَ مصر و ما حولها مِن ألبلاد مِن هَذه ألمجاعه ..
قال يوسف: أجعلنى علَي خزائن ألارض أنى حفيظ عليم).
لم يكن يوسف فِى كلمته يقصد ألنفع او ألاستفاده .
علي ألعكْس مِن ذَلك.
كان يحتمل أمانه أطعام شعوب جائعه لمده سبع سنوات..
شعوب يُمكن أن تمزق حكامها لَو جاعت..
كان ألموضوع فِى حقيقته تضحيه مِن يوسف.

لا يثبت ألسياق ألقرانى أن ألملك و أفق..
فكإنما يقول ألقران ألكريم أن ألطلب تضمن ألموافقه ..
زياده فِى تكريم يوسف،
واظهار مكانته عِند ألملك..
يكفي أن يقول ليجاب..
بل ليَكون قوله هُو ألجواب،
ومن ثُم يحذف رد ألملك..
ويفهمنا شريط ألصور ألمعروضه أن يوسف قَد صار فِى ألمكان ألَّذِى أقترحه.

وهكذا مكن ألله ليوسف فِى ألارض..
صار مسؤولا عَن خزائن مصر و أقتصادها..
صار كبيرا للوزراء..
وجاءَ فِى روايه أن ألملك قال ليوسف: يا يوسف ليس لِى مِن ألحكم ألا ألكرسي..
ولا ينبئنا ألسياق ألقرانى كَيف تصرف يوسف فِى مصر..
نعرف انه حكيم عليم..
نعرف انه أمين و صادق..
لا خوف إذا علَي أقتصاد مصر.

المشهد ألثانى مِن هَذا ألفصل:
دارت عجله ألزمن..
طوي ألسياق دورتها،
ومر مرورا سريعا علَي سنوات ألرخاء،
وجاءت سنوات ألمجاعه ..
وهنا يغفل ألسياق ألقرانى بَعد ذَلِك ذَكر ألملك و ألوزراءَ فِى ألسوره كلها..
كان ألامر كله قَد صار ليوسف.
الذى أضطلع بالعبء فِى ألازمه ألخانقه ألرهيبه .
وابرز يوسف و حده علَي مسرح ألحوادث, و سلط عَليه كُل ألاضواء.

اما فعل ألجدب و ألمجاعه فقد أبرزه ألسياق فِى مشهد أخوه يوسف, يجيئون مِن ألبدو مِن أرض كنعان ألبعيده يبحثون عَن ألطعام فِى مصر.
ومن ذَلِك ندرك أتساع دائره ألمجاعه , كَما كَيف صارت مصر – بتدبير يوسف – محط أنظار جيرأنها و مخزن ألطعام فِى ألمنطقه كلها.

لقد أجتاح ألجدب و ألمجاعه أرض كنعان و ما حولها.
فاتجه أخوه يوسف – فيمن يتجهون – الي مصر.
وقد تسامع ألناس بما فيها مِن فائض ألغله منذُ ألسنوات ألسمان.
فدخلوا علَي عزيز مصر, و هم لا يعلمون أن أخاهم هُو ألعزيز.
انه يعرفهم فهم لَم يتغيروا كثِيرا.
اما يوسف فإن خيالهم لا يتصور قط انه ألعزيز و أين ألغلام ألعبرانى ألصغير ألَّذِى ألقوه فِى ألجب منذُ عشرين عاما او تزيد مِن عزيز مصر شبه ألمتوج فِى سنه و زيه و حرسه و مهابته و خدمه و حشمه و هيله و هيلمانه?

ولم يكشف لَهُم يوسف عَن نفْسه.
فلا بد مِن دروس يتلقونها: فدخلوا عَليه فعرفهم و هم لَه منكرون .
ولكنا ندرك مِن ألسياق انه أنزلهم منزلا طيبا, ثُم أخذَ فِى أعداد ألدرس ألاول: و لما جهزهم بجهازهم قال أئتونى باخ لكُم مِن أبيكم).
فنفهم مِن هَذا انه تركهم يانسون أليه, و أستدرجهم حتّي ذَكروا لَه مِن هُم علَي و جه ألتفصيل, و أن لَهُم أخا صغيرا مِن أبيهم لَم يحضر معهم لان أباه يحبه و لا يطيق فراقه.
فلما جهزهم بحاجات ألرحله قال لهم: انه يُريد أن يري أخاهم هذا.
(قال أئتونى باخ لكُم مِن أبيكم).
وقد رايتِم أننى أوفي ألكيل للمشترين.
فساوفيكم نصيبكم حين يجيء معكم; و رايتِم أننى أكرم ألنزلاءَ فلا خوف عَليه بل سيلقي منى ألاكرام ألمعهود: ألا ترون أنى أوفي ألكيل و أنا خير ألمنزلين .

ولما كَانوا يعلمون كَيف يضن أبوهم باخيهم ألاصغر – و بخاصه بَعد ذَهاب يوسف – فقد أظهروا أن ألامر ليس ميسورا, و إنما فِى طريقَه عقبات مِن ممانعه أبيهم, و أنهم سيحاولون أقناعه, مَع توكيد عزمهم – علَي ألرغم مِن هَذه ألعقبات – علَي أحضاره معهم حين يعودون: قالوا سنراود عنه أباه و أنا لفاعلون).
ولفظ نراود يصور ألجهد ألَّذِى يعلمون انهم باذلوه.

اما يوسف فقد أمر غلمانه أن يدسوا ألبضاعه ألَّتِى حضر بها أخوته ليستبدلوا بها ألقمح و ألعلف.
وقد تَكون خليطا مِن نقد و من غلات صحراويه اُخري مِن غلات ألشجر ألصحراوي, و من ألجلود و سواها مما كَان يستخدم فِى ألتبادل فِى ألاسواق.
امر غلمانه بدسها فِى رحالهم – و ألرحل ألمسافر – لعلهم يعرفون حين يرجعون انها بضاعتهم ألَّتِى جاءوا بها.

المشهد ألثالث:
ندع يوسف فِى مصر .

لنشهد يعقوب و بنيه فِى أرض كنعان.
رجع ألاخوه الي أبيهم..
وقبل أن ينزلوا أحمال ألجمال و يفكوا هم،
دخلوا علَي أبيهم.
قائلين لَه بعتاب: أن لَم ترسل معنا أخانا ألصغير فِى ألمَره ألقادمه فلن يعطينا عزيز مصر ألطعام.
وختموا كلامهم بوعد جديد ليعقوب عَليه ألسلام و أنا لَه لحافظون).

ويبدوا أن هَذا ألوعد قَد أثار كوامن يعقوب.
فَهو ذَاته و عدهم لَه فِى يوسف فاذا هُو يجهز بما أثاره ألوعد مِن شجونه:

قال هَل أمنكم عَليه ألا كَما أمنتكم علَي أخيه مِن قَبل فالله خير حافظا و هو أرحم ألراحمين 64 يوسف)

وفَتح ألابناءَ أوعيتهم ليخرجوا ما فيها مِن غلال..
فاذا هُم يجدون فيها بضاعتهم ألَّتِى ذَهبوا يشترون بها..
مردوده أليهم مَع ألغلال و ألطعام..
ورد ألثمن يشير الي عدَم ألرغبه فِى ألبيع،
او هُو أنذار بذلك..
وربما كَان أحراجا لَهُم ليعودوا لسداد ألثمن مَره أخرى.

واسرع ألابناءَ الي أبيهم قالوا يا أبانا ما نبغى .
.لم نكذب عليك..
لقد رد ألينا ألثمن ألَّذِى ذَهبنا نشترى به.
هَذا معناه انهم لَن يبيعوا لنا ألا إذا ذَهب أخونا معنا.

واستمر حوارهم مَع ألاب..
افهموه أن حبه لابنه و ألتصاقه بِه يفسدان مصالحهم،
ويؤثران علَي أقتصادهم،
وهم يُريدون أن يتزودوا اكثر،
وسوفَ يحفظون أخاهم أشد ألحفظ و أعظمه..
وانتهي ألحوار باستسلام ألاب لهم..
بشرط أن يعاهدوه علَي ألعوده بابنه،
الا إذا خرج ألامر مِن أيديهم و أحيط بهم..
نصحهم ألاب ألا يدخلوا و هم احد عشر رجلا مِن باب و أحد مِن أبواب بمصر..
كى لا يستلفتوا أنتباه أحد..
وربما خشى عَليهم أبوهم شيئا كالسرقه او ألحسد..
لا يقول لنا ألسياق ألقرانى ماذَا كَان ألاب يخشى،
ولو كَان ألكشف عَن ألسَبب مُهما لقيل

المشهد ألرابع:
عاد أخوه يوسف ألاحد عشر هَذه ألمره .
ولما دخلوا علَي يوسف أوي أليه أخاه قال أنى انا أخوك فلا تبتئس بما كَانوا يعملون 69 يوسف)
يقفز ألسياق قفزا الي مشهد يوسف و هو يحتضن أخاه و يكشف لَه و حده سر قرابته،
ولا ريب أن هَذا لَم يحدث فور دخول ألاخوه علَي يوسف،
والا لانكشفت لَهُم قرابه يوسف،
إنما و قع هَذا فِى خفاءَ و تلطف،
فلم يشعر أخوته،
غير أن ألسياق ألمعجز يقفز الي اول خاطر ساور يوسف عِند دخولهم عَليه و رؤيته لاخيه..
وهكذا يجعله ألقران اول عمل،
لانه اول خاطر،
وهَذه مِن دقائق ألتعبير فِى هَذا ألكتاب ألعظيم.
يطوى ألسياق كذلِك فتره ألضيافه ،
وما دار فيها بَين يوسف و أخوته،
ويعرض مشهد ألرحيل ألاخير..
ها هُو ذَا يوسف يدبر شيئا لاخوته..
يريد أن يحتفظ باخيه ألصغير معه.
يعلم أن أحتفاظه باخيه سيثير أحزان أبيه،
وربما حركت ألاحزان ألجديده أحزانه ألقديمه ،
وربما ذَكره هَذا ألحادث بفقد يوسف..
يعلم يوسف هَذا كله..
وها هُو ذَا يري أخاه..
وليس هُناك دافع قاهر لاحتفاظه به،
لماذَا يفعل ما فعل و يحتفظ باخيه هكذا!؟
يكشف ألسياق عَن ألسر فِى ذَلك..
ان يوسف يتصرف بوحى مِن ألله..
يريد ألله تعالي أن يصل بابتلائه ليعقوب الي ألذروه ..
حتي إذا جاوز بِه منطقه ألالم ألبشرى ألمحتمل و غير ألمحتمل،
وراه صابرا رد عَليه أبنيه معا،
ورد أليه بصره.
امر يوسف عَليه ألسلام رجاله أن يخفوا كاس ألملك ألذهبيه فِى أخيه خلسه ..
وكَانت ألكاس تستخدم كمكيال للغلال..
وكَانت لَها قيمتها كمعيار فِى ألوزن الي جوار قيمتها كذهب خالص.
اخفى ألكاس فِى أخيه..
وتهيا أخوه يوسف للرحيل،
ومعهم أخوهم..
ثم أغلقت أبواب ألعاصمه ..
(ثم أذن مؤذن أيتها ألعير أنكم لسارقون)..!!
كَانت صرخه ألجند تعنى و قوف ألقوافل جميعا..
وانطلق ألاتهام فَوق رؤوس ألكُل كقضاءَ خفي غامض..
اقبل ألناس،
واقبل معهم أخوه يوسف.. ماذَا تفقدون)؟
هكذا تسائل أخوه يوسف..
قال ألجنود: نفقد صواع ألملك)..
ضاعت كاسه ألذهبيه ..
ولمن يجيء بها مكافاه ..
سنعطيه حمل بعير مِن ألغلال.
قال أخوه يوسف ببراءه : لَم نات لنفسد فِى ألارض و نسرق قال ألحراس و كان يوسف قَد و جههم لما يقولونه): اى جزاءَ تحبون توقيعه علَي ألسارق؟
قال أخوه يوسف: فِى شريعتنا نعتبر مِن سرق عبدا لمن سرقه.
قال ألحارس: سنطبق عليكم قانونكم ألخاص..
لن نطبق عليكم ألقانون ألمصرى ألَّذِى يقضى بسجن ألسارق.
كَانت هَذه ألاجابه كيدا و تدبيرا مِن ألله تعالى،
الهم يوسف أن يحدث بها ضباطه..
ولولا هَذا ألتدبير ألالهى لامتنع علَي يوسف أن ياخذَ أخاه..
فقد كَان دين ألملك او قانونه لا يقضى باسترقاق مِن سرق.
وبدا ألتفتيش.
كان هَذا ألحوار علَي منظر و مسمع مِن يوسف،
فامر جنوده بالبدء بتفتيش رحال أخوته أولا قَبل تفتيش رحل أخيه ألصغير.
كى لا يثير شبهه فِى نتيجه ألتفتيش.
اطمان أخوه يوسف الي براءتهم مِن ألسرقه و تنفسوا ألصعداء،
فلم يبقي ألا أخوهم ألصغير.
وتم أستخراج ألكاس مِن رحله.
فامر يوسف باخذَ أخيه عبدا،
قانونهم ألَّذِى طبقه ألقضاءَ علَي ألحادث.
اعقب ذَلِك مشهد عنيف ألمشاعر..
ان أحساس ألاخوه براحه ألانقاذَ و ألنجآه مِن ألتهمه ،
جعلهم يستديرون باللوم علَي شقيق يوسف قالوا أن يسرق فقد سرق أخ لَه مِن قَبل انهم يتنصلون مِن تهمه ألسرقه ..
ويلقونها علَي هَذا ألفرع مِن أبناءَ يعقوب.
سمع يوسف باذنيه أتهامهم له،
واحس بحزن عميق..
كتم يوسف أحزانه فِى نفْسه و لم يظهر مشاعره..
قال بينه و بين نفْسه(انتم شر مكانا و ألله أعلم بما تصفون).
لم يكن هَذا سبابا لهم،
بقدر ما كَان تقريرا حكيما لقاعده مِن قواعد ألامانه .
اراد أن يقول بينه و بين نفْسه: أنكم بهَذا ألقذف شر مكانا عِند ألله مِن ألمقذوف،
لانكم تقذفون بريئين بتهمه ألسرقه ..
والله أعلم بحقيقه ما تقولون.
سقط ألصمت بَعد تعليق ألاخوه ألاخير..
ثم أنمحي أحساسهم بالنجاه ،
وتذكروا يعقوب..
لقد أخذَ عَليهم عهدا غليظا،
الا يفرطوا فِى أبنه.
وبدءوا أسترحام يوسف: يوسف أيها ألعزيز..
يوسف أيها ألملك..
ان لَه أبا شيخا كبيرا فخذَ أحدنا مكانه انا نراك مِن ألمحسنين
قال يوسف بهدوء: كَيف تُريدون أن نترك مِن و جدنا كاس ألملك عنده..
وناخذَ بدلا مِنه أنسانا أخر.. هَذا ظلم..
ونحن لا نظلم.
كَانت هِى ألكلمه ألاخيره فِى ألموقف.
وعرفوا أن لا جدوي بَعدها مِن ألرجاء،
فانسحبوا يفكرون فِى موقفهم ألمحرج امام أبيهم حين يرجعون.
المشهد ألخامس:
عقدوا مجلسا يتشاورون فيه.
لكن ألسياق ألقرانى لا يذكر أقوالهم جميعا.
إنما يثبت أخرها ألَّذِى يكشف عما أنتهوا أليه.
ذكر ألقران قول كبيرهم أذَ ذَكرهم بالموثق ألماخوذَ عَليهم،
كَما ذَكرهم بتفريطهم فِى يوسف مِن قَبل.
ثم يبين قراره ألجازم: ألا يبرح مصر،
والا يواجه أباه،
الا أن ياذن أبوه،
او يقضى ألله لَه بحكم،
فيخض لَه و ينصاع.
وطلب مِنهم أن يرجعوا الي أبيهم فيخبروه صراحه بان أبنه سرق،
فاخذَ بما سرق.
ذلِك ما علموه شهدوا به.
اما أن كَان بريئا،
وكا هُناك أمر و راءَ هَذا ألظاهر لا يعلمونه،
فهم غَير موكلين بالغيب.
وان كَان فِى شك مِن قولهم فليسال أهل ألقريه ألَّتِى كَانوا فيها اى أهل مصر و ليسال ألقافله ألَّتِى كَانوا فيها،
فهم لَم يكونوا و حدهم،
فالقوافل ألكثيره كَانت ترد مصر لتاخذَ ألطعام.
المشهد ألسادس:
فعل ألابناءَ ما أمرهم بِه أخوهم ألكبير،
وحكوا ليعقوب عَليه ألسلام ما حدث.
استمع يعقوب أليهم و قال بحزن صابر،
وعين دامعه : بل سولت لكُم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسي ألله أن ياتينى بهم جميعا انه هُو ألعليم ألحكيم).
(بل سولت لكُم أنفسكم أمرا فصبر جميل كلمته ذَاتها يوم فقد يوسف..
لكنه فِى هَذه ألمَره يضيف أليها ألامل أن يرد ألله عَليه يوسف و أخاه فيرد أبنه ألاخر ألمتخلف هناك.
هَذا ألشعاع مِن اين جاءَ الي قلب هَذا ألرجل ألشيخ انه ألرجاءَ فِى ألله،
والاتصال ألوثيق به،
والشعور بوجوده و رحمته.
وهو مؤمن بان ألله يعلم حاله،
ويعلم ما و راءَ هَذه ألاحداث و ألامتحانات.
وياتى بِكُل أمر فِى و قْته ألمناسب،
عندما تتحق حكمته فِى ترتيب ألاسباب و ألنتائج.
(وتولي عنهم و قال يا أسفى علَي يوسف و أبيضت عيناه مِن ألحزن فَهو كظيم و هى صوره مؤثره للوالد ألمفجوع.
يحس انه منفرد بهمه،
وحيد بمصابه،
لا تشاركه هَذه ألقلوب ألَّتِى حوله و لا تجاوبه،
فينفرد فِى معزل،
يندب فجيعته فِى و لده ألحبيب يوسف.
الذى لَم ينسه،
ولم تهون مِن مصيبته ألسنون،
والذى تذكره بِه نكبته ألجديده فِى أخيه ألاصغر فتغلبه علَي صبره ألجميل.
اسلمه ألبكاءَ ألطويل الي فقد بصره..
او ما يشبه فقد بصره.
فصارت امام عينيه غشاوه بسَبب ألبكاءَ لا يُمكن أن يري بسببها.
والكظيم هُو ألحزين ألَّذِى لا يظهر حزنه.
ولم يكن يعقوب عَليه ألسلام يبكى امام أحد..
كان بكاؤه شكوي الي ألله لا يعلمها ألا ألله.
ثم لاحظ أبناؤه انه لَم يعد يبصر و رجحوا انه يبكى علَي يوسف،
وهاجموه فِى مشاعره ألانسانيه كاب..
حذروه بانه سيهلك نفْسه:
قالوا تالله تفتا تذكر يوسف حتّي تَكون حرضا او تَكون مِن ألهالكين 85 قال إنما أشكو بثى و حزنى الي ألله و أعلم مِن ألله ما لا تعلمون 86 يوسف)
ردهم جواب يعقوب الي حقيقه بكائه..
انه يشكو همه الي ألله..
ويعلم مِن ألله ما لا يعلمون..
فليتركوه فِى بكائه و ليصرفوا همهم لشيء أجدي عَليهم يا بنى أذهبوا فَتحسسوا مِن يوسف و أخيه و لا تياسوا مِن روح ألله انه لا يياس مِن روح ألله ألا ألقوم ألكافرون انه يكشف لَهُم فِى عمق أحزانه عَن أمله فِى روح ألله..
انه يشعر بان يوسف لَم يمت كَما أنبئوه..
لم يزل حيا،
فليذهب ألاخوه بحثا عنه..
وليكن دليلهم فِى ألبحث،
هَذا ألامل ألعميق فِى ألله.

المشهد ألسابع:
تحركت ألقافله فِى طريقها الي مصر..
اخوه يوسف فِى طريقهم الي ألعزيز..
تدهور حالهم ألاقتصادى و حالهم ألنفسي..
ان فقرهم و حزن أبيهم و محاصره ألب لهم،
قد هدت قواهم تماما..
ها هُم أولاءَ يدخلون علَي يوسف..
معهم بضاعه رديئه ..
جاءوا بثمن لا يتيح لَهُم شراءَ شيء ذَى بال..
وعندما دخلوا علَي يوسف – عَليه ألسلام رجوه أن يتصدق عَليهم فلما دخلوا عَليه قالوا يا أيها ألعزيز مسنا و أهلنا ألضر و جئنا ببضاعه مزجآه فاوف لنا ألكيل و تصدق علينا أن ألله يجزى ألمتصدقين أنتهي ألامر بهم الي ألتسول..
انهم يسالونه أن يتصدق عَليهم..
ويستميلون قلبه،
بتذكيره أن ألله يجزى ألمتصدقين.

عندئذ..
وسط هوانهم و أنحدار حالهم..
حدثهم يوسف بلغتهم،
بغير و أسطه و لا مترجم:

قال هَل علمتم ما فعلتم بيوسف و أخيه أذَ أنتم جاهلون 89 قالوا أانك لانت يوسف قال انا يوسف و هَذا أخى قَد مِن ألله علينا انه مِن يتق و يصبر فإن ألله لا يضيع أجر ألمحسنين 90 قالوا تالله لقد أثرك ألله علينا و أن كنا لخاطئين 91 يوسف)

يكاد ألحوار يتحرك بادق تعبير عَن مشاعرهم ألداخليه ..
فاجاهم عزيز مصر بسؤالهم عما فعلوه بيوسف..
كان يتحدث بلغتهم فادركوا انه يوسف..
وراح ألحوار يمضى فيكشف لَهُم خطيئتهم معه..
لقد كادوا لَه و ألله غالب علَي أمره

مرت ألسنوات،
وذهب كيدهم له..
ونفذَ تدبير ألله ألمحكم ألَّذِى يقع باعجب ألاسباب..
كان ألقاؤه فِى ألبئر هُو بِدايه صعوده الي ألسلطه و ألحكم..
وكان أبعادهم لَه عَن أبيه سَببا فِى زياده حب يعقوب له.
وها هُو ذَا يملك رقابهم و حياتهم،
وهم يقفون فِى موقف أستجداءَ عطفه..
انهم يختمون حوارهم معه بقولهم قالوا تالله لقد أثرك ألله علينا و أن كنا لخاطئين أن روح ألكلمات و أعترافهم بالخطا يشيان بخوف مبهم غامض يجتاح نفوسهم..
ولعلهم فكروا فِى أنتقامه مِنهم و أرتعدت فرائصهم..
ولعل يوسف أحس ذَلِك مِنهم فطمانهم بقوله قال لا تثريب عليكم أليَوم يغفر ألله لكُم و هو أرحم ألراحمين لا مؤاخذه ،
ولا لوم،
انتهي ألامر مِن نفْسى و ذَابت جذوره..
لم يقل لَهُم أننى أسامحكم او أغفر لكم،
إنما دعا ألله أن يغفر لهم،
وهَذا يتضمن انه عفا عنهم و تجاوز عفوه،
ومضي بَعد ذَلِك خطوات..
دعا ألله أن يغفر لهم..
وهو نبى و دعوته مستجابه ..
وذلِك تسامح نراه أيه ألايات فِى ألتسامح.

ها هُو ذَا يوسف ينهى حواره معهم بنقله مفاجئه لابيه..
يعلم أن أباه قَد أبيضت عيناه مِن ألحزن عَليه..
يعلم انه لَم يعد يبصر..
لم يدر ألحوار حَول أبيه لكِنه يعلم..
يحس قلبه..
خلع يوسف قميصه و أعطاه لَهُم أذهبوا بقميصى هَذا فالقوه علَي و جه أبى يات بصيرا و أتونى باهلكُم أجمعين).
وعادت ألقافله الي فلسطين.

المشهد ألثامن:
ما انت خرجت ألقافله مِن مصر،
حتي قال يعقوب عَليه ألسلام لمن حوله فِى فلسطين: أنى أشم رائحه يوسف،
لولا أنكم تقولون فِى أنفسكم أننى شيخ خرف لصدقتم ما أقول.
فرد عَليه مِن حوله ).

لكن ألمفاجآه ألبعيده تقع.
وصلت ألقافله ،
والقي ألبشير قميض يوسف علَي و جه يعقوب عَليهما ألسلام فارتد بصره.
هنا يذكر يعقوب حقيقه ما يعلمه مِن ربه قال ألم اقل لكُم أنى أعلم مِن ألله ما لا تعلمون).

فاععترف ألاخوه بخطئهم،
وطلبوا مِن أباهم ألاستغفار لهم،
فَهو نبى و دعاءه مستجاب.
الا أن يعقوب عَليه ألسلام قال سوفَ أستغفر لكُم ربى انه هُو ألغفور ألرحيم و نلمح هُنا أن فِى قلب يعقوب شيئا مِن بنيه،
وانه لَم يصف لَهُم بَعد،
وان كَان يعدهم باستغفار ألله لَهُم بَعد أن يصفو و يسكن و يستريح.

ها هُو ألمشهد ألاخير فِى قصه يوسف:
بدات قصته برؤيا..
وها هُو ذَا ألختام،
تاويل رؤياه:

فلما دخلوا علَي يوسف أوي أليه أبويه و قال أدخلوا مصر أن شاءَ ألله أمنين 99 و رفع أبويه علَي ألعرش و خروا لَه سجداً و قال يا أبت هَذا تاويل رؤياى مِن قَبل قَد جعلها ربى حقا و قد أحسن بى أذَ أخرجنى مِن ألسجن و جاءَ بكم مِن ألبدو مِن بَعد أن نزغ ألشيطان بينى و بين أخوتى أن ربى لطيف لما يشاءَ انه هُو ألعليم ألحكيم 100 يوسف)

تامل ألآن مشاعره و رؤياه تتحقق..
انه يدعو ربه رب قَد أتيتنى مِن ألملك و علمتنى مِن تاويل ألاحاديث فاطر ألسماوات و ألارض انت و ليى فِى ألدنيا و ألاخره توفنى مسلما و ألحقنى بالصالحين)..
هى دعوه و أحده ..
توفنى مسلما
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول

ايوب عَليه ألسلام

نبذه :

من سلاله سيدنا أبراهيم كَان مِن ألنبيين ألموحي أليهم،
كان أيوب ذَا مال و أولاد كثِيرين و لكن ألله أبتلاه فِى هَذا كله فزال عنه،
وابتلى فِى جسده بانواع ألبلاءَ و أستمر مرضه 13 او 18 عاما أعتزله فيها ألناس ألا أمراته صبرت و عملت لكى توفر قوت يومهما حتّي عافاه ألله مِن مرضه و أخلفه فِى كُل ما أبتلى فيه،
ولذلِك يضرب ألمثل بايوب فِى صبره و في بلائه،
روى أن ألله يحتج يوم ألقيامه بايوب عَليه ألسلام علَي أهل ألبلاء.

سيرته:

ضربت ألامثال فِى صبر هَذا ألنبى ألعظيم.
فكلما أبتلى أنسانا أبتلاءَ عظيما أوصوه بان يصبر كصبر أيوب عَليه ألسلام..
وقد أثني ألله تبارك و تعالي علَي عبده أيوب فِى محكم كتابه انا و جدناه صابرا نعم ألعبد انه أواب و ألاوبه هِى ألعوده الي ألله تعالى..
وقد كَان أيوب دائم ألعوده الي ألله بالذكر و ألشكر و ألصبر.
وكان صبره سَبب نجاته و سر ثناءَ ألله عَليه.
والقران يسكت عَن نوع مرضه فلا يحدده..
وقد نسجت ألاساطير عديدا مِن ألحكايات حَول مرضه..
مرض أيوب
كثرت ألروايات و ألاساطير ألَّتِى نسجت حَول مرض أيوب،
ودخلت ألاسرائيليات فِى كثِير مِن هَذه ألروايات.
ونذكر هُنا أشهرها:
ان أيوب عَليه ألسلام كَان ذَا مال و ولد كثِير،
ففقد ماله و ولده،
وابتلى فِى جسده،
فلبث فِى بلائه ثلاث عشره سنه , فرفضه ألقريب و ألبعيد ألا زوجته و رجلين مِن أخوانه.
وكَانت زوجته تخدم ألناس بالاجر،
لتحضر لايوب ألطعام.
ثم أن ألناس توقفوا عَن أستخدامها،
لعلمهم انها أمرآه أيوب،
خوفا أن ينالهم مِن بلائه،
او تعديهم بمخالطته.
فلما لَم تجد أحدا يستخدمها باعت لبعض بنات ألاشراف أحدي ضفيرتيها بطعام طيب كثِير،
فاتت بِه أيوب،
فقال: مِن اين لك هَذا و أنكره،
فقالت: خدمت بِه أناسا،
فلما كَان ألغد لَم تجد أحدا،
فباعت ألضفيره ألأُخري بطعام فاتته بِه فانكره أيضا،
وحلف لا ياكله حتّي تخبره مِن اين لَها هَذا ألطعام فكشفت عَن راسها خمارها،
فلما راي راسها محلوقا،
قال فِى دعائه: رب أنى مسنى ألضر و أنت أرحم ألراحمين).
وحلف أن يضربها مئه سوط إذا شفى.
وقيل أن أمرآه أيوب أخبرته انها لقيت طبيبا فِى ألطريق عرض أن يداوى أيوب إذا رضى أن يقول انت شفيتى بَعد علاجه،
فعرف أيوب أن هَذا ألطبيب هُو أبليس،
فغضب و حلف أن يضربها مئه ضربه .
اما ما كَان مِن أمر صاحبى أيوب،
فقد كَانا يغدوان أليه و يروحان, فقال أحدهما للاخر: لقد أذنب أيوب ذَنبا عظيما و ألا لكشف عنه هَذا ألبلاء, فذكره ألاخر لايوب, فحزن و دعا ألله.
ثم خرج لحاجته و أمسكت أمراته بيده فلما فرغ أبطات عَليه, فاوحي ألله أليه أن أركض برجلك, فضرب برجله ألارض فنبعت عين فاغتسل مِنها فرجع صحيحا, فجاءت أمراته فلم تعرفه, فسالته عَن أيوب فقال: أنى انا هو, و كان لَه أندران: أحدهما: للقمح و ألاخر: للشعير, فبعث ألله لَه سحابه فافرغت فِى أندر ألقمح ألذهب حتّي فاض, و في أندر ألشعير ألفضه حتّي فاض.
وفي ألصحيح أن رسول ألله صلي ألله لعيه و سلم قال: “بينما ‏‏ايوب يغتسل عريانا خر عَليه رجل جراد مِن ذَهب فجعل يحثى فِى ثوبه فناداه ربه يا ‏‏ أيوب ‏ ‏الم أكن أغنيتك عما تري قال بلي يا رب و لكن لا غني لِى عَن بركتك” رجل جراد ‏اى جماعه جراد).
فلما عوفي أمَره ألله أن ياخذَ عرجونا فيه مائه شمراخ عود دقيق فيضربها ضربه و أحده لكى لا يحنث فِى قسمه و بذلِك يَكون قَد بر فِى قسمه.
ثم جزي ألله عز و جل أيوب عَليه ألسلام علَي صبره بان أتاه أهله فقيل: أحيي ألله أبناءه.
وقيل: أجره فيمن سلف و عوضه عنهم فِى ألدنيا بدلهم،
وجمع لَه شمله بِكُلهم فِى ألدار ألاخره و ذَكر بَعض ألعلماءَ أن ألله رد علَي أمراته شبابها حتّي و لدت لَه سته و عشرين و لدا ذَكرا.
هَذه أشهر روايه عَن فتنه أيوب و صبره..
ولم يذكر فيها اى شيء عَن تساقط لحمه،
وانه لَم يبقي مِنه ألا ألعظم و ألعصب.
فاننا نستبعد أن يَكون مرضه منفرا او مشوها كَما تقول أساطير ألقدماء..
نستبعد ذَلِك لتنافيه مَع منصب ألنبوه ..
ويجدر ألتنبيه بان دعاءَ أيوب ربه أنى مسنى ألشيطان بنصب و عذاب).
قد يَكون ألقصد مِنه شكوي أيوب عَليه ألسلام لربه جرآه ألشيطان عَليه و تصوره انه يستطيع أن يغويه.
ولا يعتقد أيوب أن ما بِه مِن مرض قَد جاءَ بسَبب ألشيطان.
هَذا هُو ألفهم ألَّذِى يليق بعصمه ألانبياءَ و كمالهم.
وروي ألطبرى أن مده عمَره كَانت ثلاثا و تسعين سنه فعلي هَذا فيَكون عاش بَعد أن عوفي عشر سنين , و ألله أعلم.
وانه أوصي الي و لده حومل،
وقام بالامر بَعده و لده بشر بن أيوب،
وهو ألَّذِى يزعم كثِير مِن ألناس انه ذَُو ألكفل فالله أعلم

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول

ذو ألكفل عَليه ألسلام
نبذه :

من ألانبياءَ ألصالحين،
وكان يصلى كُل يوم مائه صلاه ،
قيل انه تكفل لبنى قومه أن يقضى بينهم بالعدل و يكفيهم أمرهم ففعل فسمى بذى ألكفل.
سيرته:

قال أهل ألتاريخ ذَُو ألكفل هُو أبن أيوب عَليه ألسلام و أسمه فِى ألاصل بشر و قد بعثه ألله بَعد أيوب و سماه ذَا ألكفل لانه تكفل ببعض ألطاعات فَوقى بها،
وكان مقامه فِى ألشام و أهل دمشق يتناقلون أن لَه قبرا فِى جبل هُناك يشرف علَي دمشق يسمي قاسيون.
الا أن بَعض ألعلماءَ يرون انه ليس بنبى و إنما هُو رجل مِن ألصالحين مِن بنى أسرائيل.
وقد رجح أبن كثِير نبوته لان ألله تعالي قرنه مَع ألانبياءَ فقال عز و جل:

واسماعيل و أدريس و ذَا ألكفل كُل مِن ألصابرين 85 و أدخلناهم فِى رحمتنا انهم مِن ألصالحين 85 ألانبياء)

قال أبن كثِير فالظاهر مِن ذَكره فِى ألقران ألعظيم بالثناءَ عَليه مقرونا مَع هؤلاءَ ألساده ألانبياءَ انه نبى عَليه مِن ربه ألصلآه و ألسلام و هَذا هُو ألمشهور.

والقران ألكريم لَم يزد علَي ذَكر أسمه فِى عداد ألانبياءَ أما دعوته و رسالته و ألقوم ألَّذِين أرسل أليهم فلم يتعرض لشيء مِن ذَلِك لا بالاجمال و لا بالتفصيل لذلِك نمسك عَن ألخوض فِى موضوع دعوته حيثُ أن كثِيرا مِن ألمؤرخين لَم يوردوا عنه ألا ألشيء أليسير.
ومما ينبغى ألتنبه لَه أن ذَا ألكفل ألَّذِى ذَكره ألقران هُو غَير ألكفل ألَّذِى ذَكر فِى ألحديث ألشريف و نص ألحديث كَما رواه ألامام أحمد عَن أبن عمر رضى ألله عنهما قال: كَان ألكفل مِن بنى أسرائيل لا يتورع عَن ذَنب عمله فاتته أمرآه فاعطاها ستين دينار علَي أن يطاها فلما قعد مِنها مقعد ألرجل مِن أمراته أرعدت و بكت فقال لَها ما يبكيك أكرهتك قالت لا و لكن هَذا عمل لَم أعمله قط و إنما حملتنى عَليه ألحاجه .
.قال فتفعلين هَذا و لم تفعليه قط ثُم نزل فقال أذهبى بالدنانير لك ،

ثم قال و ألله لا يعصى ألله ألكفل أبدا فمات مِن ليلته فاصبح مكتوبا علَي بابه قَد غفر ألله للكفل).
رواه ألترمذى و قال: حديث حسن و روى موقوفا علَي أبن عمر و في أسناده نظر.
فان كَان محفوظا فليس هُو ذَا ألكفل و إنما لفظ ألحديث ألكفل مِن غَير أضافه فَهو إذا رجل آخر غَير ألمذكور فِى ألقران.

ويذكر بَعض ألمؤرخين أن ذَا ألكفل تكفل لبنى قومه أن يكفيهم أمرهم و يقضى بينهم بالعدل فسمى ذَا ألكفل و ذَكروا بَعض ألقصص فِى ذَلِك و لكنها قصص تَحْتاج الي تثبت و ألي تمحيص و تدقيق.
الرجل ألصالح:

اما مِن يقول أن ذَُو ألكفل لَم يكن نبيا و إنما كَان رجلا صالحا مِن بنى أسرائيل فيروى انه كَان فِى عهد نبى ألله أليسع عَليه ألسلام.
وقد روى انه لما كبر أليسع قال لَو أنى أستخلفت رجلا علَي ألناس يعمل عَليهم فِى حياتى حتّي أنظر كَيف يعمل فجمع ألناس فقال: مِن يتقبل لِى بثلاث أستخلفه: يصوم ألنهار،
ويقُوم ألليل،
ولا يغضب.
فقام رجل تزدريه ألعين،
فقال: أنا،
فقال: انت تصوم ألنهار،
وتَقوم ألليل،
ولا تغضب قال: نعم.
لكن أليسع عَليه ألسلام رد ألناس ذَلِك أليَوم دون أن يستخلف أحدا.
وفي أليَوم ألتالى خرج أليسع عَليه ألسلام علَي قومه و قال مِثل ما قال أليَوم ألاول،
فسكت ألناس و قام ذَلِك ألرجل فقال أنا.
فاستخلف أليسع ذَلِك ألرجل.

فجعل أبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان،
فاعياهم ذَلك.
فقال دعونى و أياه فاتاه فِى صوره شيخ كبير فقير،
واتاه حين أخذَ مضجعه للقائله ،
وكان لا ينام ألليل و ألنهار،
الا تلك ألنومه فدق ألباب.
فقال ذَُو ألكفل: مِن هَذا قال: شيخ كبير مظلوم.
فقام ذَُو ألكفل ففَتح ألباب.
فبدا ألشيخ يحدثه عَن خصومه بينه و بين قومه،
وما فعلوه به،
وكيف ظلموه،
واخذَ يطول فِى ألحديث حتّي حضر موعد مجلس ذَُو ألكفل بَين ألناس،
وذهبت ألقائله .
فقال ذَُو ألكفل: إذا رحت للمجلس فاننى أخذَ لك بحقك.

فخرج ألشيخ و خرج ذَُو ألكفل لمجلسه دون أن ينام.
لكن ألشيخ لَم يحضر للمجلس.
وانفض ألمجلس دون أن يحضر ألشيخ.
وعقد ألمجلس فِى أليَوم ألتالي،
لكن ألشيخ لَم يحضر أيضا.
ولما رجع ذَُو ألكفل لمنزله عِند ألقائله ليضطجع أتاه ألشيخ فدق ألباب،
فقال: مِن هَذا فقال ألشيخ ألكبير ألمظلوم.
ففَتح لَه فقال: ألم اقل لك إذا قعدت فاتنى فقال ألشيخ: انهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا لِى نحن نعطيك حقك،
واذا قمت جحدوني.
فقال ذَُو ألكفل: أنطلق ألآن فاذا رحت مجلسى فاتني.

ففاتته ألقائله ،
فراح مجلسه و أنتظر ألشيخ فلا يراه و شق عَليه ألنعاس،
فقال لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب هَذا ألباب حتّي أنام،
فانى قَد شق على ألنوم.
فقدم ألشيخ،
فمنعوه مِن ألدخول،
فقال: قَد أتيته أمس،
فذكرت لذى ألكفل أمري،
فقالوا: لا و ألله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه.
فقام ألشيخ و تسور ألحائط و دخل ألبيت و دق ألباب مِن ألداخل،
فاستيقظ ذَُو ألكفل،
وقال لاهله: ألم أمركم ألا يدخل على احد فقالوا: لَم ندع أحدا يقترب،
فانظر مِن اين دخل.
فقام ذَُو ألكفل الي ألباب فاذا هُو مغلق كَما أغلقه و أذا ألرجل معه فِى ألبيت،
فعرفه فقال: أعدو ألله قال: نعم أعييتنى فِى كُل شيء ففعلت كُل ما تري لاغضبك.

فسماه ألله ذَا ألكفل لانه تكفل بامر فوفى به!

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول

يونس عَليه ألسلام
نبذه :

ارسله ألله الي قوم نينوي فدعاهم الي عباده ألله و حده و لكنهم أبوا و أستكبروا فتركهم و توعدهم بالعذاب بَعد ثلاث ليال فخشوا علَي أنفسهم فامنوا فرفع ألله عنهم ألعذاب،
اما يونس فخرج فِى سفينه و كانوا علَي و شك ألغرق فاقترعوا لكى يحددوا مِن سيلقي مِن ألرجال فَوقع ثلاثا علَي يونس فرمي نفْسه فِى ألبحر فالتقمه ألحوت و أوحي ألله أليه أن لا ياكله فدعا يونس ربه أن يخرجه مِن ألظلمات فاستجاب ألله له
وبعثه الي مائه ألف او يزيدون

سيرته:

كان يونس بن متَي نبيا كريما أرسله ألله الي قومه فراح يعظهم،
وينصحهم،
ويرشدهم الي ألخير،
ويذكرهم بيوم ألقيامه ،
ويخوفهم مِن ألنار،
ويحببهم الي ألجنه ،
ويامرهم بالمعروف،
ويدعوهم الي عباده ألله و حده.
وظل ذَُو ألنون يونس عَليه ألسلام ينصح قومه فلم يؤمن مِنهم أحد.
وجاءَ يوم عَليه فاحس بالياس مِن قومه..
وامتلا قلبه بالغضب عَليهم لانهم لا يؤمنون،
وخرج غاضبا و قرر هجرهم و وعدهم بحلول ألعذاب بهم بَعد ثلاثه أيام.
ولا يذكر ألقران اين كَان قوم يونس.
ولكن ألمفهوم انهم كَانوا فِى بقعه قريبه مِن ألبحر.
وقال أهل ألتفسير: بعث ألله يونس عَليه ألسلام الي أهل نينوي مِن أرض ألموصل.
فقاده ألغضب الي شاطىء ألبحر حيثُ ركب سفينه مشحونه .
ولم يكن ألامر ألالهى قَد صدر لَه بان يترك قومه او يياس مِنهم.
فلما خرج مِن قريته،
وتاكد أهل ألقريه مِن نزول ألعذاب بهم قذف ألله فِى قلوبهم ألتوبه و ألانابه و ندموا علَي ما كَان مِنهم الي نبيهم و صرخوا و تضرعوا الي ألله عز و جل،
وبكي ألرجال و ألنساءَ و ألبنون و ألبنات و ألامهات.
وكانوا مائه ألف يزيدون و لا ينقصون.
وقد أمنوا أجمعين.
فكشف ألله ألعظيم بحوله و قوته و رافته و رحمته عنهم ألعذاب ألَّذِى أستحقوه بتكذيبهم.
امر ألسفينه :
اما ألسفينه ألَّتِى ركبها يونس،
فقد هاج بها ألبحر،
وارتفع مِن حولها ألموج.
وكان هَذا علامه عِند ألقوم بان مِن بَين ألركاب راكبا مغضوبا عَليه لانه أرتكب خطيئه .
وانه لا بد أن يلقي فِى ألماءَ لتنجو ألسفينه مِن ألغرق.
فاقترعوا علَي مِن يلقونه مِن ألسفينه .

فخرج سهم يونس و كان معروفا عندهم بالصلاح فاعادوا ألقرعه ،
فخرج سهمه ثانيه ،
فاعادواها ثالثه ،
ولكن سهمه خرج بشَكل أكيد فالقوه فِى ألبحر او ألقي هُو نفْسه.
فالتقمه ألحوت لانه تخلي عَن ألمهمه ألَّتِى أرسله ألله بها, و ترك قومه مغاضبا قَبل أن ياذن ألله له.
واحي ألله للحوت أن لا يخدش ليونس لحما و لا يكسر لَه عظما.
واختلف ألمفسرون فِى مده بقاءَ يونس فِى بطن ألحوت،
فمنهم مِن قال أن ألحوت ألتقمه عِند ألضحى،
واخرجه عِند ألعشاء.
ومنهم مِن قال انه لبث فِى بطنه ثلاثه أيام،
ومنهم مِن قال سبعه .
يونس فِى بطن ألحوت:
عندما أحس بالضيق فِى بطن ألحوت،
في ألظلمات ظلمه ألحوت،
وظلمه ألبحر،
وظلمه ألليل سبح ألله و أستغفره و ذَكر انه كَان مِن ألظالمين.
وقال: لا أله ألا انت سبحانك أنى كنت مِن ألظالمين).
فسمع ألله دعاءه و أستجاب له.
فلفظه ألحوت.
(فلولا انه كَان مِن ألمسبحين للبث فِى بطنه الي يوم يبعثون).
وقد خرج مِن بطن ألحوت سقيما عاريا علَي ألشاطىء.
وانبت ألله عَليه شجره ألقرع.
قال بَعض ألعلماءَ فِى أنبات ألقرع عَليه حكم جمه .
مِنها أن و رقه فِى غايه ألنعومه و كثير و ظليل و لا يقربه ذَباب،
ويؤكل ثمَره مِن اول طلوعه الي أخره نيا و مطبوخا،
وبقشره و ببزره أيضا.
وكان هَذا مِن تدبير ألله و لطفه.
وفيه نفع كثِير و تقويه للدماغ و غير ذَلك.
فلما أستكمل عافيته رده ألله الي قومه ألَّذِين تركهم مغاضبا.

لقد و ردت أحاديث كثِيره عَن فضل يونس عَليه ألسلام،
مِنها قول ألنبي‏ ‏صلي ألله عَليه و سلم: “‏لا ينبغى لعبد أن يقول انا خير مِن ‏‏ يونس بن متَى” و قوله عَليه ألصلآه و ألسلام: “من قال انا خير مِن ‏‏ يونس بن متَي ‏ ‏فقد كذب”.
ذنب يونس عَليه ألسلام:
نريد ألآن أن ننظر فيما يسميه ألعلماءَ ذَنب يونس.
هل أرتكب يونس ذَنبا بالمعني ألحقيقى للذنب و هل يذنب ألانبياء.
الجواب أن ألانبياءَ معصومون..
غير أن هَذه ألعصمه لا تعنى انهم لا يرتكبون أشياءَ هِى عِند ألله أمور تستوجب ألعتاب.
المساله نسبيه أذن.
يقول ألعارفون بالله: أن حسنات ألابرار سيئات ألمقربين..
وهَذا صحيح.
فلننظر الي فرار يونس مِن قريته ألجاحده ألمعانده .
لو صدر هَذا ألتصرف مِن اى أنسان صالح غَير يونس..
لكان ذَلِك مِنه حسنه يثاب عَليها.
فَهو قَد فر بدينه مِن قوم مجرمين.
ولكن يونس نبى أرسله ألله أليهم..
والمفروض أن يبلغ عَن ألله و لا يعبا بنِهايه ألتبليغ او ينتظر نتائج ألدعوه ..
ليس عَليه ألا ألبلاغ.
خروجه مِن ألقريه أذن..
في ميزان ألانبياء..
امر يستوجب تعليم ألله تعالي لَه و عقابه.
ان ألله يلقن يونس درسا فِى ألدعوه أليه،
ليدعو ألنبى الي ألله فقط.
هَذه حدود مُهمته و ليس عَليه أن يتجاوزها ببصره او قلبه ثُم يحزن لان قومه لا يؤمنون.
ولقد خرج يونس بغير أذن فانظر ماذَا و قع لقومه.
لقد أمنوا بِه بَعد خروجه..
ولو انه مكث فيهم لادرك ذَلِك و عرفه و أطمان قلبه و ذَهب غضبه..
غير انه كَان متسرعا..
وليس تسرعه هَذا سوي فيض فِى رغبته أن يؤمن ألناس،
وإنما أندفع الي ألخروج كراهيه لَهُم لعدَم أيمانهم..
فعاقبه ألله و علمه أن علَي ألنبى أن يدعو لله فحسب.
والله يهدى مِن يشاءَ ‏فضل يونس عَليه ألسلام:

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
شعيب عَليه ألسلام

نبذه :

ارسل شعيب الي قوم مدين و كانوا يعبدون ألايكه و كانوا ينقصون ألمكيال و ألميزان و لا يعطون ألناس حقهم فدعاهم الي عباده ألله و أن يتعاملوا بالعدل و لكنهم أبوا و أستكبروا و أستمروا فِى عنادهم و توعدوه
بالرجم و ألطرد و طالبوه بان ينزل عَليهم كسفا مِن ألسماءَ فجاءت ألصيحه و قضت عَليهم جميعا.

سيرته:

دعوه شعيب عَليه ألسلام:
لقد برز فِى قصه شعيب أن ألدين ليس قضيه توحيد و ألوهيه فقط،
بل انه كذلِك أسلوب لحيآه ألناس..
ارسل ألله تعالي شعيبا الي أهل مدين.
فقال شعيب يا قوم أعبدوا ألله ما لكُم مِن أله غَيره نفْس ألدعوه ألَّتِى يدعوها كُل نبي..
لا تختلف مِن نبى الي أخر..
لا تتبدل و لا تتردد.
هى أساس ألعقيده ..
وبغير هَذه ألاساس يستحيل أن ينهض بناء.
بعد تبيين هَذا ألاساس..
بدا شعيب فِى توضيح ألامور ألأُخري ألَّتِى جاءت بها دعوته و لا تنقصوا ألمكيال و ألميزان أنى أراكم بخير و أنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط بَعد قضيه ألتوحيد مباشره ..
ينتقل ألنبى الي قضيه ألمعاملات أليوميه ..
قضيه ألامانه و ألعداله ..
كان أهل مدين ينقصون ألمكيال و ألميزان،
ولا يعطون ألناس حقهم..
وهى رذيله تمس نظافه ألقلب و أليد..
كَما تمس كمال ألمروءه و ألشرف،
وكان أهل مدين يعتبرون بخس ألناس أشياءهم..
نوعا مِن أنواع ألمهاره فِى ألبيع و ألشراء..
ودهاءَ فِى ألاخذَ و ألعطاء..
ثم جاءَ نبيهم و أفهمهم أن هَذه دناءه و سرقه ..
افهمهم انه يخاف عَليهم بسببها مِن عذاب يوم محيط..
انظر الي تدخل ألاسلام ألَّذِى بعث بِه شعيب فِى حيآه ألناس،
الي ألحد ألَّذِى يرقب فيه عمليه ألبيع و ألشراء.
قال: و يا قوم أوفوا ألمكيال و ألميزان بالقسط و لا تبخسوا ألناس أشياءهم و لا تعثوا فِى ألارض مفسدين لَم يزل شعيب ماضيا فِى دعوته..
ها هُو ذَا يكرر نصحه لَهُم بصوره أيجابيه بَعد صوره ألنهى ألسلبيه ..انه يوصيهم أن يوفوا ألمكيال و ألميزان بالقسط..
بالعدل و ألحق..
وهو يحذرهم أن يبخسوا ألناس أشيائهم.
لنتدبر معا فِى ألتعبير ألقرانى ألقائل: و لا تبخسوا ألناس أشياءهم كلمه ألشيء تطلق علَي ألاشياءَ ألماديه و ألمعنويه ..
اى انها ليست مقصوره علَي ألبيع و ألشراءَ فقط،
بل تدخل فيها ألاعمال،
او ألتصرفات ألشخصيه .
ويَعنى ألنص تحريم ألظلم،
سواءَ كَان ظلما فِى و زن ألفاكهه او ألخضراوات،
او ظلما فِى تقييم مجهود ألناس و أعمالهم..
ذلِك أن ظلم ألناس يشيع فِى جو ألحيآه مشاعر مِن ألالم و ألياس و أللامبالاه ،
وتَكون ألنتيجه أن ينهزم ألناس مِن ألداخل،
وتنهار علاقات ألعمل،
وتلحقها ألقيم..
ويشيع ألاضطراب فِى ألحياه ..
ولذلِك يستكمل ألنص تحذيره مِن ألافساد فِى ألارض: و لا تعثوا فِى ألارض مفسدين ألعثو هُو تعمد ألافساد و ألقصد أليه فلا تفسدوا فِى ألارض متعمدين قاصدين بقيه ألله خير لكم)..
ما عِند ألله خير لكم..
(ان كنتم مؤمنين).
بعدها يخلى بينهم و بين ألله ألَّذِى دعاهم أليه..
ينحى نفْسه و يفهمهم انه لا يملك لَهُم شيئا..
ليس موكلا عَليهم و لا حفيظا عَليهم و لا حارسا لهم..
إنما هُو رسول يبلغهم رسالات ربه: و ما انا عليكم بحفيظ بهَذا ألاسلوب يشعر شعيب قومه بان ألامر جد،
وخطير،
وثقيل..
اذَ بَين لَهُم عاقبه أفسادهم و تركهم امام ألعاقبه و حدهم.
رد قوم شعيب:
كان هُو ألَّذِى يتكلم..
وكان قومه يستمعون..
توقف هُو عَن ألكلام و تحدث قومه: قالوا يا شعيب أصلاتك تامرك أن نترك ما يعبد أباؤنا او أن نفعل فِى أموالنا ما نشاءَ أنك لانت ألحليم ألرشيد كَان أهل مدين كفارا يقطعون ألسبيل،
ويخيفون ألماره ،
ويعبدون ألايكه ..
وهى شجره مِن ألايك حولها غيضه ملتفه بها..
وكانوا مِن أسوا ألناس معامله ،
يبخسون ألمكيال و ألميزان و يطففون فيهما،
وياخذون بالزائد و يدفعون بالناقص..
انظر بَعد هَذا كله الي حوارهم مَع شعيب: قالوا يا شعيب أصلاتك تامرك أن نترك ما يعبد أباؤنا)…
بهَذا ألتهكم ألخفيف و ألسخريه ألمندهشه ..
واستهوال ألامر..
لقد تجرات صلآه شعيب و جنت و أمرته أن يامرهم أن يتركوا ما كَان يعبد أباؤهم..
ولقد كَان أباؤهم يعبدون ألاشجار و ألنباتات..
وصلآه شعيب تامرهم أن يعبدوا ألله و حده..
اى جرآه مِن شعيب.. او فلنقل اى جرآه مِن صلآه شعيب.. بهَذا ألمنطق ألساخر ألهازئ و جه قوم شعيب خطابهم الي نبيهم..
ثم عادوا يتساءلون بدهشه ساخره : او أن نفعل فِى أموالنا ما نشاءَ تخيل يا شعيب أن صلاتك تتدخل فِى أرادتنا،
وطريقَه تصرفنا فِى أموالنا..
ما هِى علاقه ألايمان و ألصلآه بالمعاملات ألماديه ؟
بهَذا ألتساؤل ألَّذِى ظنه قوم شعيب قمه فِى ألذكاء..
طرحوا امامه قضيه ألايمان،
وانكروا أن تَكون لَها علاقه بسلوك ألناس و تعاملهم و أقتصادهم.
هَذه ألمحاوله للتفريق بَين ألحيآه ألاقتصاديه و ألاسلام،
وقد بعث بِه كُل ألانبياء،
وان أختلفت أسماؤه..
هَذه ألمحاوله قديمه مِن عمر قوم شعيب.
لقد أنكروا أن يتدخل ألدين فِى حياتهم أليوميه ،
وسلوكهم و أقتصادهم و طريقَه أنفاقهم لاموالهم بحريه ..
ان حريه أنفاق ألمال او أهلاكه او ألتصرف فيه شيء لا علاقه لَه بالدين..
هَذه حريه ألانسان ألشخصيه ..
وهَذا ماله ألخاص،
ما ألَّذِى أقحم ألدين علَي هَذا و ذَاك؟..
هَذا هُو فهم قوم شعيب للاسلام ألَّذِى جاءَ بِه شعيب،
وهو لا يختلف كثِيرا او قلِيلا عَن فهم عديد مِن ألاقوام فِى زماننا ألَّذِى نعيش فيه.
ما للاسلام و سلوك ألانسان ألشخصى و حياتهم ألاقتصاديه و أسلوب ألانتاج و طرق ألتوزيع و تصرف ألناس فِى أموالهم كَما يشاءون.. ما للاسلام و حياتنا أليوميه ..؟
ثم يعودون الي ألسخريه مِنه و ألاستهزاءَ بدعوته أنك لانت ألحليم ألرشيد اى لَو كنت حليما رشيدا لما قلت ما تقول.
ادرك شعيب أن قومه يسخرون مِنه لاستبعادهم تدخل ألدين فِى ألحيآه أليوميه ..
ولذلِك تلطف معهم تلطف صاحب ألدعوه ألواثق مِن ألحق ألَّذِى معه،
وتجاوز سخريتهم لا يباليها،
ولا يتوقف عندها،
ولا يناقشها..
تجاوز ألسخريه الي ألجد..
افهمهم انه علَي بينه مِن ربه..
انه نبى يعلم و هو لا يُريد أن يخالفهم الي ما ينهاهم عنه،
انه لا ينهاهم عَن شيء ليحقق لنفسه نفعا مِنه،
انه لا ينصحهم بالامانه ليخلوا لَه ألسوق فيستفيد مِن ألتلاعب..
انه لا يفعل شيئا مِن ذَلك..
إنما هُو نبي..
وها هُو ذَا يلخص لَهُم كُل دعوات ألانبياءَ هَذا ألتلخيص ألمعجز: أن أريد ألا ألاصلاح ما أستطعت أن ما يُريده هُو ألاصلاح..
هَذه هِى دعوات ألانبياءَ فِى مضمونها ألحقيقى و عمقها ألبعيد..
انهم مصلحون أساسا،
مصلحون للعقول،
والقلوب،
والحيآه ألعامه ،
والحيآه ألخاصه .
بعد أن بَين شعيب عَليه ألسلام لقومه أساس دعوته،
وما يَجب عَليهم ألالتزام به،
وراي مِنهم ألاستكبار،
حاول أيقاض مشاعرهم بتذكيرهم بمصير مِن قَبلهم مِن ألامم،
وكيف دمرهم ألله بامر مِنه.
فذكرهم قوم نوح،
وقوم هود،
وقوم صالح،
وقوم لوط.
واراهم أن سبيل ألنجآه هُو ألعوده لله تائبين مستغفرين،
فالمولي غفور رحيم

تحدى و تهديد ألقوم لشعيب:
لكن قوم شعيب أعرضوا عنه قائلين: قالوا يا شعيب ما نفقه كثِيرا مما تقول و أنا لنراك فينا ضعيفا انه ضعيف بمقياسهم.
ضعيف لان ألفقراءَ و ألمساكيهم فَقط أتبعوه،
اما عليه ألقوم فاستكبروا و أصروا علَي طغيانهم.
انه مقياس بشرى خاطئ،
فالقوه بيد ألله،
والله مَع أنبياءه.
ويستمر ألكفره فِى تهديهم قائلين: و لولا رهطك لرجمناك و ما انت علينا بعزيز لولا أهلك و قومك و من يتبعك لحفرنا لك حفره و قْتلناك ضربا بالحجاره .
نري انه عندما أقام شعيب عَليه ألسلام ألحجه علَي قومه،
غيروا أسلوبهم،
فتحولوا مِن ألسخريه الي ألتهديد.
واظهروا حقيقه كرههم له.
لكن شعيب تلطف معهم..
تجاوز عَن أساءتهم أليه و سالهم سؤالا كَان هدفه أيقاظ عقولهم: قال يا قوم أرهطى أعز عليكم مِن ألله يا لسذاجه هؤلاء.
انهم يسيئون تقدير حقيقه ألقوي ألَّتِى تتحكم فِى ألوجود..
ان ألله هُو و حده ألعزيز..
والمفروض أن يدركوا ذَلك..
المفروض ألا يقيم ألانسان و زنا فِى ألوجود لغير ألله..
ولا يخشي فِى ألوجود غَير ألله..
ولا يعمل حسابا فِى ألوجود لقوه غَير ألله .
.
ان ألله هُو ألقاهر فَوق عباده.
ويبدو أن قوم شعيب ضاقوا ذَرعا بشعيب.
فاجتمع رؤساءَ قومه.
ودخلوا مرحله جديده مِن ألتهديد..
هددوه أولا بالقتل،
وها هُم أولاءَ يهددونه بالطرد مِن قريتهم..
خيروه بَين ألتشريد،
والعوده الي ديانتهم و ملتهم ألَّتِى تعبد ألاشجار و ألجمادات..
وافهمهم شعيب أن مساله عودته فِى ملتهم مساله لا يُمكن حتّي ألتفكير بها فكيف بهم يسالونه تنفيذها.
لقد نجاه ألله مِن ملتهم،
فكيف يعود أليها انه هُو ألَّذِى يدعوهم الي مله ألتوحيد..
فكيف يدعونه الي ألشرك و ألكفر ثُم اين تكافؤ ألفرص انه يدعوهم برفق و لين و حب..
وهم يهددونه بالقوه .
واستمر ألصراع بَين قوم شعيب و نبيهم..
حمل ألدعوه ضده ألرؤساءَ و ألكبراءَ و ألحكام..
وبدا و أضحا أن لا أمل فيهم..
لقد أعرضوا عَن ألله..
اداروا ظهورهم لله.
فنفض شعيب يديه مِنهم.
لقد هجروا ألله،
وكذبوا نبيه،
واتهموه بانه مسحور و كاذب..
فليعمل كُل و أحد..
ولينتظروا جميعا أمر ألله.
هلاك قوم شعيب:
وانتقل ألصراع الي تحد مِن لون جديد.
راحوا يطالبونه بان يسقط عَليهم كسفا مِن ألسماءَ أن كَان مِن ألصادقين..
راحوا يسالونه عَن عذاب ألله..
اين هو.. و كيف هو.. و لماذَا تاخر.. سخروا مِنه..
وانتظر شعيب أمر ألله.
اوحي ألله أليه أن يخرج ألمؤمنين و يخرج معهم مِن ألقريه ..
وخرج شعيب..
وجاءَ أمَره تعالى:
ولما جاءَ أمرنا نجينا شعيبا و ألذين أمنوا معه برحمه منا و أخذت ألَّذِين ظلموا ألصيحه فاصبحوا فِى ديارهم جاثمين 94 كَان لَم يغنوا فيها ألا بَعدا لمدين كَما بَعدت ثمود 94 هود)
هى صيحه و أحده ..
صوت جاءهم مِن غمامه أظلتهم..
ولعلهم فرحوا بما تصوروا انها تحمله مِن ألمطر..
ثم فوجئوا انهم امام عذاب عظيم ليوم عظيم..
انتهي ألامر.
ادركتهم صيحه جباره جعلت كُل و أحد فيهم يجثم علَي و جهه فِى مكانه ألَّذِى كَان فيه فِى داره..
صعقت ألصيحه كُل مخلوق حي..
لم يستطع أن يتحرك او يجرى او يختبئ او ينقذَ نفْسه..
جثم فِى مكانه مصروعا بصيحه .
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
انبياءَ أهل ألقريه
نبذه :

ارسل ألله رسولين لاحدي ألقري لكِن أهلا كذبوهما،
فارسل ألله تعالي رسولا ثالثا يصدقهما.
ولا يذكر و يذكر لنا ألقران ألكريم قصه رجل أمن بهم و دعي قومه للايمان بما جاؤوا بهن لكِنهم قتلوه،
فادخله ألله ألجنه .

سيرتهم:

يحكى ألحق تبارك و تعالي قصه أنبياءَ ثلاثه بغير أن يذكر أسمائهم.
كل ما يذكره ألسياق أن ألقوم كذبوا رسولين فارسل ألله ثالثا يعزرهما.
ولم يذكر ألقران مِن هُم أصحاب ألقريه و لا ما هِى ألقريه .
وقد أختلفت فيها ألروايات.
وعدَم أفصاح ألقران عنها دليل علَي أن تحديد أسمها او موضعها لا يزيد شيئا فِى دلاله ألقصه و أيحائها.
لكن ألناس ظلوا علَي أنكارهم للرسل و تكذيبهم،
وقالوا قالوا ما أنتم ألا بشر مِثلنا و ما أنزل ألرحمن مِن شيء أن أنتم ألا تكذبون).
وهَذا ألاعتراض ألمتكرر علَي بشريه ألرسل تبدو فيه سذاجه ألتصور و ألادراك, كَما يبدو فيه ألجهل بوظيفه ألرسول.
قد كَانوا يتوقعون دائما أن يَكون هُناك سر غامض فِى شخصيه ألرسول و حياته تكمن و راءه ألاوهام و ألاساطير..
اليس رسول ألسماءَ الي ألارض فكيف يَكون شخصيه مكشوفه بسيطه لا أسرار فيها و لا ألغاز حولها شخصيه بشريه عاديه مِن ألشخصيات ألَّتِى تمتلىء بها ألاسواق و ألبيوت !
وهَذه هِى سذاجه ألتصور و ألتفكير.
فالاسرار و ألالغاز ليست صفه ملازمه للنبوه و ألرساله .
فالرساله مِنهج ألهى تعيشه ألبشريه .
وحيآه ألرسول هِى ألنموذج ألواقعى للحيآه و فق ذَلِك ألمنهج ألالهي.
النموذج ألَّذِى يدعو قومه الي ألاقتداءَ به.
وهم بشر.
فلا بد أن يَكون رسولهم مِن ألبشر ليحقق نموذجا مِن ألحيآه يملكون هُم أن يقلدوه.
وفي ثقه ألمطمئن الي صدقه, ألعارف بحدود و ظيفته أجابهم ألرسل: أن ألله يعلم،
وهَذا يكفي.
وان و ظيفه ألرسل ألبلاغ.
وقد أدوه.
والناس بَعد ذَلِك أحرار فيما يتخذون لانفسهم مِن تصرف.
وفيما يحملون فِى تصرفهم مِن أوزار.
والامر بَين ألرسل و بين ألناس هُو أمر ذَلِك ألتبليغ عَن ألله; فمتي تحقق ذَلِك فالامر كله بَعد ذَلِك الي ألله.
ولكن ألمكذبين ألضالين لا ياخذون ألامور هَذا ألماخذَ ألواضح ألسَهل أليسير; و لا يطيقون و جود ألدعآه الي ألهدي و يعمدون الي ألاسلوب ألغليظ ألعنيف فِى مقاومه ألحجه لان ألباطل ضيق ألصدر.
قالوا: أننا نتشاءم منكم; و نتوقع ألشر فِى دعوتكم; فإن لَم تنتهوا عنها فاننا لَن نسكت عليكم, و لن ندعكم فِى دعوتكم: لنرجمنكم و ليمسنكم منا عذاب أليم).
هكذا أسفر ألباطل عَن غشمه; و أطلق علَي ألهدآه تهديده; و بغي فِى و جه كلمه ألحق ألهادئه !
ولكن ألواجب ألملقي علَي عاتق ألرسل يقضى عَليهم بالمضى فِى ألطريق: قالوا طائركم معكم).
فالقول بالتشاؤم مِن دعوه او مِن و جه هُو خرافه مِن خرافات ألجاهليه .
والرسل يبينون لقومهم انها خرافه ; و أن حظهم و نصيبهم مِن خير و من شر لا ياتيهم مِن خارِج نفوسهم.
إنما هُو معهم.
مرتبط بنواياهم و أعمالهم, متوقف علَي كسبهم و عملهم.
وفي و سعهم أن يجعلوا حظهم و نصيبهم خيرا او أن يجعلوه شرا.
فان أراده ألله بالعبد تنفذَ مِن خِلال نفْسه, و من خِلال أتجاهه, و من خِلال عمله.
وهو يحمل طائره معه.
هَذه هِى ألحقيقه ألثابته ألقائمه علَي أساس صحيح.
اما ألتشاؤم بالامكنه او ألتشاؤم بالوجوه او ألتشاؤم بالكلمات،
فَهو خرافه لا تستقيم علَي أصل!
وقالوا لهم: أئن ذَكرتم أترجموننا و تعذبوننا لاننا نذكركم أفهَذا جزاءَ ألتذكير بل أنتم قوم مسرفون تتجاوزون ألحدود فِى ألتفكير و ألتقدير; و تجازون علَي ألموعظه بالتهديد و ألوعيد; و تردون علَي ألدعوه بالرجم و ألتعذيب!
ما كَان مِن ألرجل ألمؤمن:
لا يقول لنا ألسياق ماذَا كَان مِن أمر هؤلاءَ ألانبياء،
إنما يذكر ما كَان مِن أمر أنسان أمن بهم.
امن بهم و حده..
ووقف بايمانه اقليه ضعيفه ضد أغلبيه كافره .
انسان جاءَ مِن أقصي ألمدينه يسعى.
جاءَ و قد تفَتح قلبه لدعوه ألحق..
فهَذا رجل سمع ألدعوه فاستجاب لَها بَعد ما راي فيها مِن دلائل ألحق و ألمنطق.
وحينما أستشعر قلبه حقيقه ألايمان تحركت هَذه ألحقيقه فِى ضميره فلم يطق عَليها سكوتا; و لم يقبع فِى داره بعقيدته و هو يري ألضلال مِن حوله و ألجحود و ألفجور; و لكنه سعي بالحق ألَّذِى أمن به.
سعي بِه الي قومه و هم يكذبون و يجحدون و يتوعدون و يهددون.
وجاءَ مِن أقصي ألمدينه يسعي ليقُوم بواجبه فِى دعوه قومه الي ألحق, و في كفهم عَن ألبغي, و في مقاومه أعتدائهم ألاثيم ألَّذِى يوشكون أن يصبوه علَي ألمرسلين.
ويبدو أن ألرجل لَم يكن ذَا جاه و لا سلطان.
ولم تكُن لَه عشيره تدافع عنه أن و قع لَه أذى.
ولكنها ألعقيده ألحيه فِى ضميره تدفعه و تجيء بِه مِن أقصي ألمدينه الي أقصاها.
فقال لهم: أتبعوا هؤلاءَ ألرسل،
فان ألَّذِى يدعو مِثل هَذه ألدعوه , و هو لا يطلب أجرا, و لا يبتغى مغنما.
انه لصادق.
والا فما ألَّذِى يحمله علَي هَذا ألعناءَ أن لَم يكن يلبى تكليفا مِن ألله ما ألَّذِى يدفعه الي حمل هُم ألدعوه و مجابهه ألناس بغير ما ألفوا مِن ألعقيده و ألتعرض لاذاهم و شرهم و أستهزائهم و تنكيلهم, و هو لا يجنى مِن ذَلِك كسبا, و لا يطلب مِنهم أجرا و هداهم و أضح فِى طبيعه دعوتهم.
فهم يدعون الي أله و أحد.
ويدعون الي نهج و أضح.
ويدعون الي عقيده لا خرافه فيها و لا غموض.
فهم مهتدون الي نهج سليم, و ألي طريق مستقيم.
ثم عاد يتحدث أليهم عَن نفْسه هُو و عن أسباب أيمانه, و يناشد فيهم ألفطره ألَّتِى أستيقظت فيه فاقتنعت بالبرهان ألفطرى ألسليم.
فلقد تسائل مَع نفْسه قَبل أئمانه،
لماذَا لا أعبد ألَّذِى فطرنى و ألذى أليه ألمرجع و ألمصير و ما ألَّذِى يحيد بى عَن هَذا ألنهج ألطبيعى ألَّذِى يخطر علَي ألنفس اول ما يخطر أن ألفطر مجذوبه الي ألَّذِى فطرها, تتجه أليه اول ما تتجه, فلا تنحرف عنه ألا بدافع آخر خارِج علَي فطرتها.
والتوجه الي ألخالق هُو ألاولى.
ثم يبين ضلال ألمنهج ألمعاكس.
مهج مِن يعبد ألهه غَير ألرحمن لا تضر و لا تنفع.
وهل أضل ممن يدع منطق ألفطره ألَّذِى يدعو ألمخلوق الي عباده خالقه, و ينحرف الي عباده غَير ألخالق بِدون ضروره و لا دافع و هل أضل ممن ينحرف عَن ألخالق الي ألهه ضعاف لا يحمونه و لا يدفعون عنه ألضر حين يُريد بِه خالقه ألضر بسَبب أنحرافه و ضلاله?
والآن و قد تحدث ألرجل بلسان ألفطره ألصادقه ألعارفه ألواضحه يقرر قراره ألاخير فِى و جه قومه ألمكذبين ألمهددين ألمتوعدين.
لان صوت ألفطره فِى قلبه أقوي مِن كُل تهديد و من كُل تكذيب: أنى أمنت بربكم فاسمعون هكذا ألقي بِكُلمه ألايمان ألواثقه ألمطمئنه .
واشهدهم عَليها.
وهو يوحى أليهم أن يقولوها كَما قالها.
او انه لا يبالى بهم ماذَا يقولون!
استشهاد ألرجل و دخوله ألجنه :
ويوحى سياق ألقصه بَعد ذَلِك ألقوم ألكافرين قتلوا ألرجل ألمؤمن.
وان كَان لا يذكر شيئا مِن هَذا صراحه .
إنما يسدل ألستار علَي ألدنيا و ما فيها, و علي ألقوم و ما هُم فيه; و يرفعه لنري هَذا ألشهيد ألَّذِى جهر بِكُلمه ألحق, متبعا صوت ألفطره , و قذف بها فِى و جوه مِن يملكون ألتهديد و ألتنكيل.
نراه فِى ألعالم ألاخر.
ونطلع علَي ما أدخر ألله لَه مِن كرامه .
تليق بمقام ألمؤمن ألشجاع ألمخلص ألشهيد: قيل أدخل ألجنه قال يا ليت قومى يعلمون .
.
بما غفر لِى ربى و جعلنى مِن ألمكرمين).
وتتصل ألحيآه ألدنيا بالحيآه ألاخره .
ونري ألموت نقله مِن عالم ألفناءَ الي عالم ألبقاء.
وخطوه يخلص بها ألمؤمن مِن ضيق ألارض الي سعه ألجنه .
ومن تطاول ألباطل الي طمانينه ألحق.
ومن تهديد ألبغى الي سلام ألنعيم.
ومن ظلمات ألجاهليه الي نور أليقين.
ونري ألرجل ألمؤمن.
وقد أطلع علَي ما أتاه ألله فِى ألجنه مِن ألمغفره و ألكرامه , يذكر قومه طيب ألقلب رضى ألنفس, يتمني لَو يراه قومه و يرون ما أتاه ربه مِن ألرضي و ألكرامه , ليعرفوا ألحق, معرفه أليقين.
اهلاك أصحاب ألقريه بالصيحه :
هَذا كَان جزاءَ ألايمان.
فاما ألطغيان فكان أهون علَي ألله مِن أن يرسل عَليه ألملائكه لتدمره.
فَهو ضعيف ضعيف: و ما أنزلنا علَي قومه مِن بَعده مِن جند مِن ألسماءَ و ما كنا منزلين .
.
ان كَانت ألا صيحه و أحده فاذا هُم خامدون).
لا يطيل هُنا فِى و صف مصرع ألقوم, تهوينا لشانهم, و تصغيرا لقدرهم.
فما كَانت ألا صيحه و أحده أخمدت أنفاسهم.
ويسدل ألستار علَي مشهدهم ألبائس ألمهين ألذليل!
تجاوز ألسياق أسماءَ ألانبياءَ و قصصهم ليبرز قصه رجل أمن..
لم يذكر لنا ألسياق أسمه.
اسمه لا يهم..
المهم ما و قع له..
لقد أمن بانبياءَ ألله..
قيل لَه أدخل ألجنه .
ليكن ما كَان مِن أمر تعذيبه و قْتله.
ليس هَذا فِى ألحساب ألنهائى شيئا لَه قيمته.
تكمن ألقيمه فِى دخوله فور أعلانه انه أمن.
فور قتله
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول رد: قصص ألانبياءَ كامله
موسي عَليه ألسلام
نبذه :

ارسله ألله تعالي الي فرعون و قومه،
وايده بمعجزتين،
احداهما هِى ألعصا ألَّتِى تلقف ألثعابين،
اما ألأُخري فكَانت يده ألَّتِى يدخلها فِى جيبه فتخرج بيضاءَ مِن غَير سوء،
دعا موسي الي و حدانيه ألله فحاربه فرعون و جمع لَه ألسحره ليكيدوا لَه و لكنه هزمهم باذن ألله تعالى،
ثم أمَره ألله أن يخرج مِن مصر مَع مِن أتبعه،
فطارده فرعون بجيش عظيم،
ووقت أن ظن أتباعه انهم مدركون أمَره ألله أن يضرب ألبحر بعصاه لتَكون نجاته و ليَكون هلاك فرعون ألَّذِى جعله ألله عبره للاخرين.
ارسل موسي و هارون عَليهما ألسلام لاشد ألشعوب كرها للحق و أبتعادا عنه..
لذلِك كَانت حياتهما مليئه بالاحداث و ألمواقف.
ولكى نستطيع عرض هَذه ألقصه بالشَكل ألصحيح..
تم تقسيمها الي أربعه أجزاء،
كل جُزء يتناول مرحله مِن مراحل حيآه هذين ألنبيين ألكريمين.
اجزاءَ ألقصه :
الجُزء ألاول:
يتناول نشآه موسي عَليه ألسلام،
وخروجه مِن مصر الي مدين هاربا مِن فرعون و جنوده،
ولقاءه بربه فِى ألوادى ألمقدس.

سيرته:

اثناءَ حيآه يوسف على ألسلام بمصر،
تحولت مصر الي ألتوحيد.
توحيد ألله سبحانه،
وهى ألرساله ألَّتِى كَان يحملها كُل ألرسل الي أقواهم.
لكن بَعد و فاته،
عاد أهل مصر الي ضلالهم و شركهم.
اما أبناءَ يعقوب،
او أبناءَ أسرائيل،
فقد أختلطوا بالمجتمع ألمصري،
فضل مِنهم مِن ضل،
وبقى علَي ألتوحيد مِن بقي.
وتكاثر أبناءَ أسرائيل و تزايد عدَدهم،
واشتغلوا فِى ألعديد مِن ألحرف.
ثم حكم مصر ملك جبار كَان ألمصريون يعبدونه.
وراي هَذا ألملك بنى أسرائيل يتكاثرون و يزيدون و يملكون.
وسمعهم يتحدثون عَن نبوءه تقول أن و أحدا مِن أبناءَ أسرائيل سيسقط فرعون مصر عَن عرشه.
فاصدر ألفرعون أمَره ألا يلد احد مِن بنى أسرائيل،
اى أن يقتل اى و ليد ذَكر.
وبدا تطبيق ألنظام،
ثم قال مستشارون فرعون له،
ان ألكبار مِن بنى أسرائيل يموتون باجالهم،
والصغار يذبحون،
وهَذا سينتهى الي أفناءَ بنى أسرائيل،
فستضعف مصر لقله ألايدى ألعامله بها.
والافضل أن تنظم ألعمليه بان يذبحون ألذكور فِى عام و يتركونهم فِى ألعام ألَّذِى يليه.
ووجد ألفرعون أن هَذا ألحل أسلم.
وحملت أم موسي بهارون فِى ألعام ألَّذِى لا يقتل فيه ألغلمان،
فولدته علانيه أمنه .
فلما جاءَ ألعام ألَّذِى يقتل فيه ألغلمان و لد موسى.
حمل ميلاده خوفا عظيما لامه.
خافت عَليه مِن ألقتل.
راحت ترضعه فِى ألسر.
ثم جاءت عَليها ليله مباركه أوحي ألله أليها فيها للام بصنع صندوق صغير لموسى.
ثم أرضاعه و وضعه فِى ألصندوق.
والقاءه فِى ألنهر.
كان قلب ألام،
وهو أرحم ألقلوب فِى ألدنيا،
يمتلئ بالالم و هى ترمى أبنها فِى ألنيل،
لكنها كَانت تعلم أن ألله أرحم بموسي مِنها،
والله هُو ربه و رب ألنيل.
لم يكد ألصندوق يلمس مياه ألنيل حتّي أصدر ألخالق أمَره الي ألامواج أن تَكون هادئه حانيه و هى تحمل هَذا ألرضيع ألَّذِى سيَكون نبيا فيما بَعد،
ومثلما أصدر ألله تعالي أمَره للنار أن تَكون بردا و سلاما علَي أبراهيم،
كذلِك أصدر أمَره للنيل أن يحمل موسي بهدوء و رفق حتّي يسلمه الي قصر فرعون.
وحملت مياه ألنيل هَذا ألصندوق ألعزيز الي قصر فرعون.
وهُناك أسلمه ألموج للشاطئ.
رفض موسي للمراضع:
وفي ذَلِك ألصباح خرجت زوجه فرعون تتمشى فِى حديقه ألقصر.
وكَانت زوجه فرعون تختلف كثِيرا عنه.
فقد كَان هُو كافرا و كَانت هِى مؤمنه .
كان هُو قاسيا و كَانت هِى رحيمه .
كان جبارا و كَانت رقيقه و طيبه .
وأيضا كَانت حزينه ،
فلم تكُن تلد.
وكَانت تتمني أن يَكون عندها و لد.
وعندما ذَهبت ألجوارى ليملان ألجرار مِن ألنهر،
وجدن ألصندوق،
فحملنه كَما هُو الي زوجه فرعون.
فامرتهن أن يفتحنه ففتحنه.
فرات موسي بداخله فاحست بحبه فِى قلبها.
فلقد ألقي ألله فِى قلبها محبته فحملته مِن ألصندوق.
فاستيقظ موسي و بدا يبكي.
كان جائعا يحتاج الي رضعه ألصباح فبكى.
فجاءت زوجه فرعون أليه،
وهى تحمل بَين بيدها طفلا رضيعا.
فسال مِن اين جاءَ هَذا ألرضيع فحدثوه بامر ألصندوق.
فقال بقلب لا يعرف ألرحمه : لابد انه احد أطفال بنى أسرائيل.
اليس ألمفروض أن يقتل أطفال هَذه ألسنه ؟
فذكرت أسيا أمرآه فرعون زوجها بَعدَم قدرتهم علَي و طلبت مِنه أن يسمح لَها بتربيته.
سمح لَها بذلك.
عاد موسي للبكاءَ مِن ألجوع.
فامرت باحضار ألمراضع.
فحضرت مرضعه مِن ألقصر و أخذت موسي لترضعه فرفض أن يرضع مِنها.
فحضرت مرضعه ثانيه و ثالثه و عاشره و موسي يبكى و لا يُريد أن يرضع.
فاحتارت زوجه فرعون و لم تكُن تعرف ماذَا تفعل.
لم تكُن زوجه فرعون هِى و حدها ألحزينه ألباكيه بسَبب رفع موسي لجميع ألمراضع.
فلقد كَانت أم موسي هِى ألأُخري حزينه باكيه .
لم تكد ترمى موسي فِى ألنيل حتّي أحست انها ترمى قلبها فِى ألنيل.
غاب ألصندوق فِى مياه ألنيل و أختفت أخباره.
وجاءَ ألصباح علَي أم موسي فاذا قلبها فارغ يذوب حزنا علَي أبنها،
وكادت تذهب الي قصر فرعون لتبلغهم نبا أبنها و ليكن ما يكون.
لولا أن ألله تعالي ربط علَي قلبها و ملا بالسلام نفْسها فهدات و أستكَانت و تركت أمر أبنها لله.
كل ما فِى ألامر انها قالت لاخته: أذهبى بهدوء الي ألمدينه و حاولى أن تعرفي ماذَا حدث لموسى.
وذهبت أخت موسي بهدوء و رفق الي جوار قصر فرعون،
فاذا بها تسمع ألقصه ألكامله .
رات موسي مِن بعيد و سمعت بكاءه،
وراتهم حائرين لا يعرفون كَيف يرضعونه،
سمعت انه يرفض كُل ألمراضع.
وقالت أخت موسي لحرس فرعون: هَل أدلكُم علَي أهل بيت يرضعونه و يكفلونه و يهتمون بامَره و يخدمونه؟
ففرحت زوجه فرعون كثِيرا لهَذا ألامر،
وطلبت مِنها أن تحضر ألمرضعه .
وعادت أخت موسي و أحضرت أمه.
وارضعته أمه فرضع.
وتهللت زوجه فرعون و قالت: “خذيه حتّي تنتهى فتره رضاعته و أعيديه ألينا بَعدها،
وسنعطيك أجرا عظيما علَي تربيتك له”.
وهكذا رد ألله تعالي موسي لامه كى تقر عينها و يهدا قلبها و لا تحزن و لتعلم أن و عد ألله حق و أن كلماته سبحانه تنفذَ رغم اى شيء.
ورغم كُل شيء.

نشآه موسي فِى بيت فرعون:

اتمت أم موسي رضاعته و أسلمته لبيت فرعون.
كان موضع حب ألجميع.
كان لا يراه احد ألا أحبه.
وها هُو ذَا فِى أعظم قصور ألدنيا يتربي بحفظ ألله و عنايته.
بدات تربيه موسي فِى بيت فرعون.
وكان هَذا ألبيت يضم أعظم ألمربين و ألمدرسين فِى ذَلِك ألوقت.
كَانت مصر أيامها أعظم دوله فِى ألارض.
وكان فرعون أقوي ملك فِى ألارض،
ومن ألطبيعى أن يضم قصره أعظم ألمدربين و ألمثقفين و ألمربين فِى ألارض.
وهكذا شاءت حكمه ألله تعالي أن يتربي موسي أعظم تربيه و أن يتعهده أعظم ألمدرسين،
وان يتِم هَذا كله فِى بيت عدوه ألَّذِى سيصطدم بِه فيما بَعد تنفيذا لمشيئه ألخالق.
وكبر موسي فِى بيت فرعون.
كان موسي يعلم انه ليس أبنا لفرعون،
إنما هُو و أحد مِن بنى أسرائيل.
وكان يري كَيف يضطهد رجال فرعون و أتباعه بنى أسرائيل..
وكبر موسي و بلغ أشده..
(ودخل ألمدينه علَي حين غفله مِن أهلها و راح يتمشى فيها.
فوجد رجلا مِن أتباع فرعون و هو يقتتل مَع رجل مِن بنى أسرائيل،
واستغاث بِه ألرجل ألضعيف فتدخل موسي و أزاح بيده ألرجل ألظالم فقتله.
كان موسي قويا جدا،
ولم يكن يقصد قتل ألظالم،
إنما أراد أزاحته فقط،
لكن ضربته هَذه قتلته.
ففوجئ موسي بِه و قد مات و قال لنفسه: هَذا مِن عمل ألشيطان انه عدو مضل مبين).
ودعا موسي ربه: قال رب أنى ظلمت نفْسى فاغفر لي).
وغفر ألله تعالي له،
(انه هُو ألغفور ألرحيم).
اصبح موسي فِى ألمدينه خائفا يترقب).
كان هَذا حال موسى،
حال أنسان مطارد،
فَهو خائف،
يتوقع ألشر فِى كُل خطوه ،
وهو مترقب،
يلتفت لاوهي ألحركات و أخفاها.
ووعد موسي بان لا يَكون ظهيرا للمجرمين.
لن يتدخل فِى ألمشاجرات بَين ألمجرمين و ألمشاغبين ليدافع عَن احد مِن قومه.
وفوجئ موسي أثناءَ سيره بنفس ألرجل ألَّذِى أنقذه بالامس و هو يناديه و يستصرخه أليوم.
كان ألرجل مشتبكا فِى عراك مَع احد ألمصريين.
وادرك موسي بان هَذا ألاسرائيلى مشاغب.
ادرك انه مِن هوآه ألمشاجرات.
وصرخ موسي فِى ألاسرائيلى يعنفه قائلا: أنك لغوى مبين).
قال موسي كلمته و أندفع نحوهما يُريد ألبطش بالمصري.
واعتقد ألاسرائيلى أن موسي سيبطش بِه هو.
دفعه ألخوف مِن موسي الي أسترحامه صارخا،
وذكره بالمصرى ألَّذِى قتله بالامس.
فتوقف موسى،
سكت عنه ألغضب و تذكر ما فعله بالامس،
وكيف أستغفر و تاب و وعد ألا يَكون نصيرا للمجرمين.
استدار موسي عائدا و مضي و هو يستغفر ربه.
وادرك ألمصرى ألَّذِى كَان يتشاجر مَع ألاسرائيلى أن موسي هُو قاتل ألمصرى ألَّذِى عثروا علَي جثته أمس.
ولم يكن احد مِن ألمصررين يعلم مِن ألقاتل.
فنشر هَذا ألمصرى ألخبر فِى أرجاءَ ألمدينه .
وانكشف سر موسي و ظهر أمره.
وجاءَ رجل مصرى مؤمن مِن أقصي ألمدينه مسرعا.
ونصح موسي بالخروج مِن مصر،
لان ألمصريين ينوون قلته.
لم يذكر ألقران ألكريم أسم ألرجل ألَّذِى جاءَ يحذر موسى.
ونرجح انه كَان رجلا مصريا مِن ذَوى ألاهميه ،
فقد أطلع علَي مؤامَره تحاك لموسي مِن مستويات عليا،
ولو كَان شخصيه عاديه لما عرف.
يعرف ألرجل أن موسي لَم يكن يستحق ألقتل علَي ذَنبه بالامس..
لقد قتل ألرجل خطا.
فيَجب أن تَكون عقوبته ألسجن علَي أقصي تقدير.
لكن رؤساءَ ألقوم و عليتهم،
الذين يبدوا انهم كَانوا يكرهون موسي لانه مِن بنى أسرائيل،
ولانه نجي مِن ألعام ألَّذِى يقتل فيه كُل مولود ذَكر،
وجدوا هَذه ألفرصه مناسبه للتخلص مِن موسى،
فَهو قاتل ألمصري،
لذا فَهو يستحق ألقتل.
خرج موسي مِن مصر علَي ألفور.
خائفا يتلفت و يتسمع و يترقب.
في قلبه دعاءَ لله رب نجنى مِن ألقوم ألظالمين).
وكان ألقوم ظالمين حقا.
الا يُريدون تطبيق عقوبه ألقتل ألعمد عَليه،
وهو لَم يفعل شيئا اكثر مِن انه مد يده و أزاح رجلا فقتله خطا؟
خرج موسي مِن مصر علَي عجل.
لم يذهب الي قصر فرعون و لم يغير ملابسه و لم ياخذَ طعاما للطريق و لم يعد للسفر عدته.
لم يكن معه دابه تحمله علَي ظهرها و توصله.
ولم يكن فِى قافله .
إنما خرج بمجرد أن جاءه ألرجل ألمؤمن و حذره مِن فرعون و نصحه أن يخرج.
اختار طريقا غَير مطروق و سلكه.
دخل فِى ألصحراءَ مباشره و أتجه الي حيثُ قدرت لَه ألعنايه ألالهيه أن يتجه.
لم يكن موسي يسير قاصدا مكانا معينا.
هَذه اول مَره يخرج فيها و يعَبر ألصحراءَ و حده.

موسي فِى مدين:
ظل يسير بنفسيه ألمطارد حتّي و صل الي مكان.
كان هَذا ألمكان هُو مدين.
جلس يرتاح عِند بئر عظيمه يسقى ألناس مِنها دوابهم.
وكان خائفا طوال ألوقت أن يرسل فرعون مِن و راءه مِن يقبض عَليه.
لم يكد موسي يصل الي مدين حتّي ألقي بنفسه تَحْت شجره و أستراح.
نال مِنه ألجوع و ألتعب،
وسقطت نعله بَعد أن ذَابت مِن مشقه ألسير علَي ألرمال و ألصخور و ألتراب.
لم تكُن معه نقود لشراءَ نعل جديده .
ولم تكُن معه نقود لشراءَ طعام او شراب.
لاحظ موسي جماعه مِن ألرعآه يسقون غنمهم،
ووجد أمراتين تكفان غنمهما أن يختلطا بغنم ألقوم،
احس موسي بما يشبه ألالهام أن ألفتاتين فِى حاجه الي ألمساعده .
تقدم مِنهما و سال هَل يستطيع أن يساعدهما فِى شيء.
قالت أحداهما: نحن ننتظر أن ينتهى ألرعآه مِن سقى غنمهم لنسقي.
سال موسى: و لماذَا لا تسقيان؟
قالت ألاخرى: لا نستطيع أن نزاحم ألرجال.
اندهش موسي لانهما ترعيان ألغنم.
المفروض أن يرعي ألرجال ألاغنام.
هَذه مُهمه شاقه و متعبه و تحتاج الي أليقظه .
سال موسى: لماذَا ترعيان ألغنم؟
فقالت و أحده مِنهما: أبونا شيخ كبير لا تساعده صحته علَي ألخروج كُل يوم للرعي.
فقال موسى: ساسقى لكما.
سار موسي نحو ألماء.
وسقي لَهُم ألغنم مَع بقيه ألرعاه .
وفي روايه أن أن ألرعآه قَد و َضعوا علَي فم ألبئر بَعد أن أنتهوا مِنها صخره ضخمه لا يستطيع أن يحركها غَير عدَد مِن ألرجال.
فرفع موسي ألصخره و حده.
وسقي لهما ألغنم و أعاد ألصخره الي مكانها،
وتركهما و عاد يجلس تَحْت ظل ألشجره .
وتذكر لحظتها ألله و ناداه فِى قلبه: رب أنى لما أنزلت الي مِن خير فقير).
عادت ألفتاتان الي أبيهما ألشيخ.
سال ألاب: عدتما أليَوم سريعا علَي غَير ألعاده ؟!
قالت أحداهما: تقابلنا مَع رجل كريم سقي لنا ألغنم.
فقال ألاب لابنته: أذهبى أليه و قولى له: أن أبى يدعوك ليعطيك أجر ما سقيت لنا).
ذهبت و أحده مِن ألفتاتين الي موسى،
ووقفت امامه و أبلغته رساله أبيها.
فنهض موسي و بصره فِى ألارض.
انه لَم يسق لهما ألغنم لياخذَ مِنهن أجرا،
وإنما ساعدهما لوجه ألله،
غير انه أحس فِى داخِله أن ألله هُو ألَّذِى يوجه قدميه فنهض.
سارت ألبنت امامه.
هبت ألرياح فضربت ثوبها فخفض موسي بصره حياءَ و قال لها: ساسير انا امامك و نبهينى انت الي ألطريق.
وصلا الي ألشيخ.
قال بَعض ألمفسرين أن هَذا ألشيخ هُو ألنبى شعيب.
عمر طويلا بَعد موت قومه.
وقيل انه أبن أخى شعيب.
وقيل أبن عمه،
وقيل رجل مؤمن مِن قوم شعيب ألَّذِين أمنوا به.
لا نعرف اكثر مِن كونه شيخا صالحا.
قدم لَه ألشيخ ألطعام و ساله: مِن اين قدم و ألي اين سيذهب حدثه موسي عَن قصته.
قال ألشيخ: لا تخف نجوت مِن ألقوم ألظالمين).
هَذه ألبلاد لا تتبع مصر،
ولن يصلوا أليك هنا.
اطمان موسي و نهض لينصرف.
قالت أبنه ألشيخ لابيها همسا: يا أبت أستاجره أن خير مِن أستاجرت ألقوى ألامين).
سالها ألاب: كَيف عرفت انه قوي؟
قالت: رفع و حده صخره لا يرفعها غَير عدَد رجال.
سالها: و كيف عرفت انه أمين؟
قالت: رفض أن يسير خَلفي و سار امامى حتّي لا ينظر الي و أنا أمشي.
وطوال ألوقت ألَّذِى كنت أكلمه فيه كَان يضع عينيه فِى ألارض حياءَ و أدبا
وعاد ألشيخ لموسي و قال له: أريد يا موسي أن أزوجك أحدي أبنتى علَي أن تعمل فِى رعى ألغنم عندى ثمانى سنوات،
فان أتممت عشر سنوات،
فمن كرمك،
لا أريد أن أتعبك،
(ستجدنى أن شاءَ ألله مِن ألصالحين).
قال موسى: هَذا أتفاق بينى و بينك.
والله شاهد علَي أتفاقنا.
سواءَ قضيت ألسنوات ألثمانيه ،
او ألعشر سنوات فانا حر بَعدها فِى ألذهاب.
يخوض ألكثيرون فِى تيه مِن ألاقاصيص و ألروايات،
حَول اى أبنتى ألشيخ تزوج،
واى ألمدتين قضى.
والثابت أن موسي تزوج أحدي أبنتى ألشيخ.
لا نعرف مِن كَانت،
ولا ماذَا كَان أسمها.
وهَذه ألامور سكت عنها ألسياق ألقراني.
الا انه أستنادا الي طبيعه موسي و كرمه و نبوته و كونه مِن أولى ألعزم.
نري انه قضي ألاجل ألاكبر.
وهَذا ما يؤكده حديث أبن عباس رضى ألله عنهما.
وهكذا عاش موسي يخدم ألشيخ عشر سنوات كامله .

موسي و رعى ألغنم:
وكان عمل موسي ينحصر فِى ألخروج مَع ألفجر كُل يوم لرعى ألاغنام و ألسقايه لها.
ولنقف هُنا و قفه تدبر.
ان قدره ألالهيه نقلت خطي موسي عَليه ألسلام خطوه بخطوه .
منذُ أن كَان رضيعا فِى ألمهد حتّي هَذه أللحظه .
القت بِه فِى أليم ليلتقطه أل فرعون.
والقت عَليه محبه زوجه فرعون لينشا فِى كنف عدوه.
ودخلت بِه ألمدينه علَي حين غفله مِن أهلها ليقتل نفْسا.
وارسلت أليه بالرجل ألمؤمن مِن أل فرعون ليحذره و ينصحه بالخروج مِن مصر.
وصاحبته فِى ألطريق ألصحراوى مِن مصر الي مدين و هو و حيد مطارد مِن غَير زاد و لا أستعداد.
وجمعته بالشيخ ألكبير لياجره هَذه ألسنوات ألعشر.
ثم ليعود بَعدها فيتلقي ألتكليف.
هَذا خط طويل مِن ألرعايه و ألتوجيه،
قبل ألنداءَ و ألتكليف.
تجربه ألرعايه و ألحب و ألتدليل.
تجربه ألاندفاع تَحْت ضغط ألغيظ ألحبيس،
وتجربه ألندم و ألاستغفار.
وتجربه ألخوف و ألمطارده .
وتجربه ألغربه و ألوحده و ألجوع.
وتجربه ألخدمه و رغى ألغنم بَعد حيآه ألقصور.
وما يتخلل هَذه ألتجارب ألضخمه مِن تجارب صغيره ،
ومشاعر و خواطر،
وادراك و معرفه .
الي جانب ما أتاه ألله حين بلغ أشده مِن ألعلم و ألحكمه .
ان ألرساله تكليف ضخم شاق،
يحتاج صاحبه الي زاد ضخم مِن ألتجارب و ألادراك و ألمعرفه ،
الي جانب و حى ألله و توجيهه.
ورساله موسي تكليف عظيم،
فَهو مرسل الي فرعون ألطاغيه ألمتجبر،
اعتي ملوك ألارض فِى زمانه،
واشدهم أستعلاءَ فِى ألارض.
وهو مرسل لاستنقاذَ قوم قَد شربوا مِن كؤوس ألذل حتّي أستمراوا مذاقه.
فاستنقاذَ قوم كهؤلاءَ عمل شاق عسير.
فتجربه ألسنوات ألعشر جاءت لتفصل بَين حيآه ألقصور ألَّتِى نشا فيها موسي عَليه ألسلام و حيآه ألجهد ألشاق فِى ألدعوه و تكاليفها ألعسيره .
فلحيآه ألقصور جوا و تقاليد خاصه .
اما ألرساله فَهى معانآه لجماهير مِن ألناس فيهم ألغنى و ألفقير،
المهذب و ألخشن،
القوى و ألضعيف،
وفيهم و فيهم.
وللرساله تكاليفها مِن ألمشقه و من ألتجرد أحيانا،
وقلوب أهل ألقصور فِى ألغالب لا تصبر طويلا علَي ألخشونه و ألحرمان و ألمشقه .
فلما أستكملت نفْس موسي عَليه ألسلام تجاربها،
واكملت مرانها،
بهَذه ألتجربه ألاخيره فِى دار ألغره .
قادت ألقدره ألالهيه خطاه مَره اُخري عائده بِه الي مهبط راسه،
ومقر أهله و قومه،
ومجال عمله.
وهكذا نري كَيف صنع موسي علَي عين ألله،
وكيف تم أعداده لتلقى ألتكليف.

عوده موسي لمصر:

تري اى خاطر راود موسى،
فعاد بِه الي مصر،
بعد أنقضاءَ ألاجل،
وقد خرج مِنها خائفا يترقب و أنساه ألخطر ألَّذِى ينتظره بها،
وقد قتل فيها نفْسا و هُناك فرعون ألَّذِى كَان يتامر مَع ألملا مِن قومه ليقتلوه؟
أنها قدره ألله ألَّتِى تنقل خطاه كلها.
لعلها قادته هَذه ألمَره بالميل ألفطرى الي ألاهل و ألعشيره و ألوطن.
وانسته ألخطر ألَّذِى خرج هاربا مِنه و حيدا طريدا.
ليؤدى ألمهمه ألَّتِى خلق لها.
خرج موسي مَع أهله و سار.
اختفى ألقمر و راءَ أسراب مِن ألسحاب ألكثيف و ساد ألظلام.
اشتد ألبرق و ألرعد و أمطرت ألسماءَ و زادت حده ألبرد و ألظلام.
وتاه موسي أثناءَ سيره.
ووقف موسي حائرا يرتعش مِن ألبرد و سَط أهله..
ثم رفع راسه فشاهد نارا عظيمه تشتعل عَن بَعد.
امتلا قلبه بالفرح فجاه .
قال لاهله: أنى رايت نارا هناك.
امرهم أن يجلسوا مكانهم حتّي يذهب الي ألنار لعله ياتيهم مِنها بخبر،
او يجد أحدا يساله عَن ألطريق فيهتدى أليه،
او يحضر أليهم بَعض أخشابها ألمشتعله لتدفئتهم.
وتحرك موسي نحو ألنار.
سار موسي مسرعا ليدفئ نفْسه.
يده أليمني تمسك عصاه.
جسده مبلل مِن ألمطر.
ظل يسير حتّي و صل الي و أد يسمونه طوى.
لاحظ شيئا غريبا فِى هَذا ألوادي.
لم يكن هُناك برد و لا رياح.
ثمه صمت عظيم ساكن.
واقترب موسي مِن ألنار.
لم يكد يقترب مِنها حتّي نودي: أن بورك مِن فِى ألنار و من حولها و سبحان ألله رب ألعالمين).
نظر موسي فِى ألنار فوجد شجره خضراء.
كلما زاد تاجج ألنار زادت خضره ألشجره .
والمفروض أن تتحَول ألشجره الي أللون ألاسود و هى تَحْترق.
لكن ألنار تزيد و أللون ألاخضر يزيد.
كَانت ألشجره فِى جبل غربى عَن يمينه،
وكان ألوادى ألَّذِى يقف فيه هُو و أدى طوى.
ثم أرتجت ألارض بالخشوع و ألرهبه و ألله عز و جل ينادي: يا موسى
فاجاب موسى: نعم.
قال ألله عز و جل: أنى انا ربك
ازداد أرتعاش موسي و قال: نعم يا رب.
قال ألله عز و جل: فاخلع نعليك أنك بالواد ألمقدس طوى
انحني موسي راكعا و جسده كله ينتفض و خلع نعليه.
عاد ألحق سبحانه و تعالي يقول: و أنا أخترتك فاستمع لما يوحي 13 أننى انا ألله لا أله ألا انا فاعبدنى و أقم ألصلآه لذكرى 14 أن ألساعه أتيه أكاد أخفيها لتجزي كُل نفْس بما تسعي 15 فلا يصدنك عنها مِن لا يؤمن بها و أتبع هواه فتردي 16 طه)
زاد أنتفاض جسد موسي و هو يتلقي ألوحى ألالهى و يستمع الي ربه و هو يخاطبه.
قال ألرحمن ألرحيم: و ما تلك بيمينك يا موسى
ازدادت دهشه موسى.
ان ألله سبحانه و تعالي هُو ألَّذِى يخاطبه،
والله يعرف اكثر مِنه انه يمسك عصاه.
لماذَا يساله ألله أذن إذا كَان يعرف اكثر مِنه لا شك أن هُناك حكمه عليا لذلك.
اجاب موسى: قال هِى عصاى أتوكا عَليها و أهش بها علَي غنمى و لى فيها مارب أخرى
قال ألله عز و جل: ألقها يا موسى
رمي موسي ألعصا مِن يده و قد زادت دهشته.
وفوجئ بان ألعصا تتحَول فجآه الي ثعبان عظيم ألحجم هائل ألجسم.
وراح ألثعبان يتحرك بسرعه .
ولم يستطع موسي أن يقاوم خوفه.
احس أن بدنه يتزلزل مِن ألخوف.
فاستدار موسي فزعا و بدا يجري.
لم يكد يجرى خطوتين حتّي ناداه ألله: يا موسي لا تخف أنى لا يخاف لدى ألمرسلون.
عاد موسي يستدير و يقف.
لم تزل ألعصا تتحرك.
لم تزل ألحيه تتحرك.
قال ألله سبحانه و تعالي لموسى: خذها و لا تخف سنعيدها سيرتها ألاولى
مد موسي يده للحيه و هو يرتعش.
لم يكد يلمسها حتّي تحولت فِى يده الي عصا.
عاد ألامر ألالهى يصدر له: أسلك يدك فِى جيبك تخرج بيضاءَ مِن غَير سوء و أضمم أليك جناحك مِن ألرهب
وضع موسي يده فِى جيبه و أخرجها فاذا هِى تتلالا كالقمر.
زاد أنفعال موسي بما يحدث،
وضع يده علَي قلبه كَما أمَره ألله فذهب خوفه تماما..
اطمان موسي و سكت.
واصدر ألله أليه أمرا بَعد هاتين ألمعجزتين معجزه ألعصا و معجزه أليد أن يذهب الي فرعون ليدعوه الي ألله برفق و لين،
ويامَره أن يخرج بنى أسرائيل مِن مصر.
وابدي موسي خوفه مِن فرعون.
قال انه قتل مِنهم نفْسا و يخاف أن يقتلوه.
توسل الي ألله أن يرسل معه أخاه هارون.
طمان ألله موسي انه سيَكون معهما يسمع و يرى،
وان فرعون رغم قسوته و تجبره لَن يمسهما بسوء.
افهم ألله موسي انه هُو ألغالب.
ودعا موسي و أبتهل الي ألله أن يشرح لَه صدره و ييسر أمَره و يمنحه ألقدره علَي ألدعوه أليه.
ثم قفل موسي راجعا لاهله بَعد أصطفاءَ ألله و أختياره رسولا الي فرعون.
انحدر موسي باهله قاصدا مصر.
يعلم ألله و حده اى أفكار عبرت ذَهن موسي و هو يحث خطاه قاصدا مصر.
انتهي زمان ألتامل،
وانطوت أيام ألراحه ،
وجاءت ألاوقات ألصعبه أخيرا،
وها هُو ذَا موسي يحمل أمانه ألحق و يمضى ليواجه بها بطش أعظم جبابره عصره و أعتاهم.
يعلم موسي أن فرعون مصر طاغيه .
يعلم انه لَن يسلمه بنى أسرائيل بغير صراع.
يعلم انه سيقف مِن دعوته موقف ألانكار و ألكبرياءَ و ألتجاهل.
لقد أمَره ألله تعالي أن يذهب الي فرعون.
ان يدعوه بلين و رفق الي ألله.
اوحي ألله لموسي أن فرعون لَن يؤمن.
ليدعه موسي و شانه.
وليركز علَي أطلاق سراح بنى أسرائيل و ألكف عَن تعذيبهم.
قال تعالي لموسي و هارون: فاتياه فقولا انا رسولا ربك فارسل معنا بنى أسرائيل و لا تعذبهم).
هَذه هِى ألمهمه ألمحدده .
وهى مُهمه سوفَ تصطدم بالاف ألعقبات.
ان فرعون يعذب بنى أسرائيل و يستعبدهم و يكلفهم مِن ألاعمال ما لا طاقه لَهُم به،
ويستحيى نسائهم،
ويذبح أبنائهم،
ويتصرف فيهم كَما لَو كَانوا ملكا خاصا و رثه مَع ملك مصر.
يعلم موسي أن ألنظام ألمصرى يقُوم فِى بنيانه ألاساسى علَي أستعباد بنى أسرائيل و أستغلال عملهم و جهدهم و طاقاتهم فِى ألدوله ،
فهل يفرط ألفرعون فِى بناءَ ألدوله ألاساسى ببساطه و يسر ذَهبت ألافكار و جاءت،
فاختصرت مشقه ألطريق.
ورفع ألستار عَن مشهد ألمواجهه

الجُزء ألثاني:
يتناول عوده موسي عَليه ألسلام لمصر داعيا الي ألله و حده،
والصراع بَين موسي و فرعون فِى مصر،
وغرق فرعون و جنوده.

مواجهه فرعون:
واجه موسي فرعون بلين و رفق كَما أمَره ألله.
وحدثه عَن ألله.
عن رحمته و جنته.
عن و جوب توحيده و عبادته.
حاول أيقاظ جوانبه ألانسانيه فِى ألحديث.
المح أليه انه يملك مصر،
ويستطيع لَو أراد أن يملك ألجنه .
وكل ما عَليه هُو أن يتقى ألله.
استمع فرعون الي حديث موسي ضجرا شبه هازئ و قد تصوره مجنونا تجرا علَي مقامه ألسامي.
ثم سال فرعون موسي ماذَا يُريد.
فاجاب موسي انه يُريد أن يرسل معه بنى أسرائيل.

ويعجب فرعون و هو يري موسي يواجهه بهَذه ألدعوي ألعظيمه ،
ويطلب أليه ذَلِك ألطلب ألكبير.
فاخر عهد فرعون بموسي انهم ربوه فِى قصره بَعد أن ألتقطوا تابوته.
وانه هرب بَعد قتله للقبطى ألَّذِى و جده يتعارك مَع ألاسرائيلي.
فما أبعد ألمسافه بَين آخر عهد فرعون بموسي أذن و هَذه ألدعوي ألعظيمه ألَّتِى يواجهه بها بَعد عشر سنين و من ثُم بدا فرعون يذكره بماضيه.
يذكره بتربيته لَه فهل هَذا جزاءَ ألتربيه و ألكرامه ألَّتِى لقيتها عندنا و أنت و ليد لتاتى ألآن لتخالف دياا،
وتخرج علَي ألملك ألَّذِى تربيت فِى قصره،
وتدعوا الي أله غَيره؟!

ويذكره بحادث مقتل ألقبطى فِى تهويل و تجسيم.
فلا يتحدث عنها بصريح ألعباره و إنما يقول و فعلت فعلتك ألَّتِى فعلت فعلتك ألبشعه ألشنيعه و أنت مِن ألكافرين برب ألعالمين ألَّذِى تقول بِه أليوم،
فانت لَم تكُن و قْتها تتحدث عَن رب ألعالمين لَم تتحدث بشيء عَن هَذه ألدعوي ألَّتِى تدعيها أليوم؛ و لم تخطرنا بمقدمات هَذا ألامر ألعظيم؟!

وظن فرعون انه رد علَي موسي ردا لَن يملك معه جوابا.
الا أن ألله أستجاب لدعاءَ موسي مِن قَبل،
فانطلق لسانه: قال فعلتها إذا و أنا مِن ألضالين فعلت تلك ألفعله و أنا بَعد جاهل،
اندفع أندفاع ألعصبيه لقومي،
لا أندفاع ألعقيده ألَّتِى عرفتها أليَوم بما أعطانى ربى مِن ألحكه .
(ففررت منكم لما خفتكم علَي نفْسي.
فقسم ألله لِى ألخير فوهب لِى ألحكمه و جعلنى مِن ألمرسلين).

ويكمل موسي خطابه لفرعون بنفس ألقوه : و تلك نعمه تمِنها على أن عبدت بنى أسرائيل فما كَانت تربيتى فِى بيتك و ليدا ألا مِن جراءَ أستعبادك لبنى أسرائيل،
وقتل أبنائهم،
مما دفع أمى لوضعى فِى ألتابوت و ألقاءه فِى أليم،
فتلتقطه فاتربي فِى بيتك،
لا فِى بيت أبوي.
فهل هَذا هُو ما تمنه علي،
وهل هَذا هُو فضلك ألعظيم؟!

عِند هَذا ألحد تدخل ألفرعون فِى ألحديث..
قال فرعون و ما رب ألعالمين
قال موسى: رب ألسماوات و ألارض و ما بينهما أن كنتم موقنين
التفت فرعون لمن حوله و قال هازئا: ألا تستمعون
قال موسي متجاوزا سخريه ألفرعون: ربكم و رب أبائكم ألاولين
قال فرعون مخاطبا مِن جاءوا مَع موسي مِن بنى أسرائيل: أن رسولكُم ألَّذِى أرسل أليكم لمجنون
عاد موسي يتجاوز أتهام ألفرعون ريته و يكمل: رب ألمشرق و ألمغرب و ما بينهما أن كنتم تعقلون

نلاحظ أن فرعون لَم يكن يسال موسي عَن رب ألعالمين او رب موسي و هارون بقصد ألسؤال ألبريء و ألمعرفه .
إنما كَان يهزا.
ولقد أجابه موسي أجابه جامعه مانعه محكمه قال ربنا ألَّذِى أعطي كُل شيء خلقه ثُم هدى).
هو ألخالق.
خالق ألاجناس جميعا و ألذوات جميعا.
وهو هاديها بما ركب فِى فطرتها و جبلتها مِن خواص تهديها لاسباب عيشها.
وهو ألموجه لَها علَي اى حال.
وهو ألقابض علَي ناصيتها فِى كُل حال.
وهو ألعليم بها و ألشاهد عَليها فِى كُل ألاحوال.

لم تؤثر هَذه ألعباره ألرائعه و ألموجزه فِى فرعون.
وها هُو ذَا يسال: فما بال ألقرون ألاولي لَم تعبد ربك هذا؟

لم يزل فرعون ماضيا فِى أستكباره و أستهزائه.
ويرد موسي ردا يستلفته الي أن ألقرون ألاولي ألَّتِى لَم تعبد ألله،
والَّتِى عبدته معا،
لن تترك بغير مساءله و جزاء.
كل شيء معلوم عِند ألله تعالى.
هَذه ألقرون ألاولي علمها عِند ربى فِى كتاب).
احصي ألله ما عملوه فِى كتاب.
(لا يضل ربي).
اى لا يغيب عنه شيء.
(ولا ينسى).
اى لا يغيب عَن شيء.
ليطمئن ألفرعون بالا مِن ناحيه ألقرون ألاولي و ألاخيره و ما بينهما.
ان ألله يعرف كُل شيء و يسجل عَليها ما عملته و لا يضيع شيئا مِن أجورهم.

ثم أستلفت موسي نظر فرعون الي أيات ألله فِى ألكون.
ودار بِه مَع حركه ألرياح و ألمطر و ألنبات و أوصله مَره ثانيه الي ألارض،
وهُناك أفهمه أن ألله خلق ألانسان مِن ألارض،
وسيعيده أليها بالموت،
ويخرجه مِنها بالبعث،
ان هُناك بعثا أذن.
وسيقف كُل أنسان يوم ألقيامه امام ألله تعالى.
لا أستثناءَ لاحد.
سيقف كُل عباد ألله و خلقه امامه يوم ألقيامه .
بما فِى ذَلِك ألفرعون.
بهَذا جاءَ موسي مبشرا و منذرا.

لم يعجب فرعون هَذا ألنذير،
وتصاعد ألحوار بينه و بين موسى.
فالطغيان لا يخشي شيئا كخشيته يقظه ألشعوب،
وصحوه ألقلوب؛ و لا يكره أحدا كَما يكره ألداعين الي ألوعى و أليقظه ؛ و لا ينقم علَي احد كَما ينقم علَي مِن يهزون ألضمائر ألغافيه .
لذلِك هاج فرعون علَي موسي و ثار،
وانهي ألحوار معه بالتهديد ألصريح.
وهَذا هُو سلاح ألطغآه عندما يفتقرون للحج و ألبراهين و ألمنطق: قال لئن أتخذت ألها غَيرى لاجعلنك مِن ألمسجونين).

الا أن موسي عَليه ألسلام لَم يفقد رباطه جاشه.
كيف يفقدها و هو رسول ألله،
والله معه و مع أخيه و بدا ألاقناع باسلوب جديد،
وهو أظهار ألمعجزه قال أولو جئتك بشيء مبين فَهو يتحدي فرعون،
ويحرجه امام ملاه،
فلو رفض فرعون ألاصغاء،
سيظهر و أضحا انه خائف مِن حجه موسي قال فات بِه أن كنت مِن ألصادقين).

القي موسي عصاه فِى ردهه ألقصر ألعظيمه .
لم تكد ألعصا تلمس ألارض حتّي تحولت الي ثعبان هائل يتحرك بسرعه .
ثم أدخل يده فِى جيبه و أخرجها فاذا هِى بيضاءَ كالقمر.

تحدى ألسحره :

وتبدا ألجوله ألثانيه بَين ألحق و ألباطل.
حيثُ شاور فرعون ألملا مِن حوله فيما يَجب فعله.
والملا لَهُم مصلحه فِى أن تبقي ألامور علَي ما هِى عَليه،
فهم مقربون مِن فرعون،
ولهم نفوذَ و سلطان.
فاشاروا أن يرد علَي سحر موسي بسحر مِثله،
فيجمع ألسحره لتحدى موسي و أخاه.

حدد ألميقات،
وهو يوم ألزينه .
وبدات حركه أعداد ألجماهير و تحميسهم فدعوهم للتجمع و عدَم ألتخلف عَن ألموعد،
ليراقبوا فوز ألسحره و غلبتهم علَي موسي ألاسرائيلى و ألجماهير دائما تتجمع لمثل هَذه ألامور.

اما ألسحره ،
فقد ذَهبوا لفرعون ليطمئنون علَي ألاجر و ألمكافآه أن غلبوا موسى.
فهم جماعه ماجوره ،
تبذل مهارتها مقابل ألاجر ألَّذِى تنتظره؛ و لا علاقه لَها بعقيده و لا صله لَها بقضيه ،
ولا شيء سوي ألاجر و ألمصلحه .
وهم هُم ألاءَ يستوثقون مِن ألجزاءَ علَي تعبهم و لعبهم و براعتهم فِى ألخداع.
وها هُو ذَا فرعون يعدهم بما هُو اكثر مِن ألاجر.
يعدهم أن يكونوا مِن ألمقربين أليه.
وهو بزعمه ألملك و ألاله!

وفي ساحه ألمواجهه .
والناس مجتمعون،
وفرعون ينظر.
حضر موسي و أخاه هارون عَليهما ألسلام،
وحضر ألسحره و في أيديهم كُل ما أتقنوه مِن ألعاب و حيل،
وكلهم ثقه بفوزهم فِى هَذا ألتحدي.
لذا بدءوا بتخيير موسى: أما أن تلقى و أما أن نكون اول مِن ألقي و تتجلي ثقه موسي عَليه ألسلام فِى ألجانب ألاخر و أستهانته بالتحدى بل ألقوا فرمي ألسحره عصيهم و حبالهم بعزه فرعون فالقوا حبالهم و عصيهم و قالوا بعزه فرعون انا لنحن ألغالبون).

رمي ألسحره بعصيهم و حبالهم فاذا ألمكان يمتلئ بالثعابين فجآه سحروا أعين ألناس و أسترهبوهم و جاءوا بسحر عظيم).
وحسبنا أن يقرر ألقران ألكريم انه سحر عظيم و جاءوا بسحر عظيم)،
لندرك اى سحر كَان.
وحسبنا أن نعلم انهم سحروا أعين ألناس و أثاروا ألرهبه فِى قلوبهم و أسترهبوهم لنتصور اى سحر كَان.
فنظر موسي عَليه ألسلام الي حبال ألسحره و عصيهم و شعر بالخوف.

في هَذه أللحظه ،
يذكره ربه بان معه ألقوه ألكبرى.
فَهو ألاعلى.
ومعه ألحق،
اما هُم فمعهم ألباطل.
معه ألعقيده و معهم ألحرفه .
معه ألايمان بصدق ألَّذِى دفعه لما هُو فيه و معهم ألاجر علَي ألمبارآه و مغانم ألحياه .
موسي متصل بالقوه ألكبري و ألسحره يخدمون مخلوقا بشريا فانيا مُهما يكن طاغيه جبارا.

لا تخف و ألق ما فِى يمينك و ستهزمهم،
فَهو سحر مِن تدبير ساحر و عمله.
والساحر لا يفلح أني ذَهب و في اى طريق سار،
لانه يعتمد علَي ألخيال و ألايهام و ألخداع،
ولا يعتمد علَي حقيقه ثابته باقيه .

اطمان موسي و رفع عصاه و ألقاها.
لم تكد عصا موسي تلامس ألارض حتّي و قعت ألمعجزه ألكبرى.
وضخامه ألمعجزه حولت مشاعر و وجدان ألسحره ،
الذين جاءوا للمبارآه و هم أحرص ألناس علَي ألفوز لنيل ألاجر.
الذى بلغت براعتهم لحد أن يشعر موسي بالخوف مِن عملهم.
تحولت مشاعرهم بحيثُ لَم يسعفهم ألكلام للتعبير: فالقى ألسحره سجداً قالوا أمنا برب هارون و موسى).

انه فعل ألحق فِى ألضمائر.
ونور ألحق فِى ألمشاعر،
ولمسه ألحق فِى ألقلوب ألمهيآه لتلقى ألحق و ألنور و أليقين.
ان ألسحره هُم أعلم ألناس بحقيقه فنهم،
ومدي ما يُمكن أن يبلغ أليه.
وهم أعرف ألناس بالذى جاءَ بِه موسى.
فهم أعلم أن كَان هَذا مِن عمل بشر او ساحر،
او انه مِن ألقدره ألَّتِى تفوق قدره ألبشر و ألسحر.
والعالم فِى فنه هُو اكثر ألناس أستعدادا للتسليم بالحقيقه حين تتكشف له،
لانه أقرب أدراكا لهَذه ألحقيقه ،
ممن لا يعرفون فِى هَذا ألفن ألا ألقشور.
ومن هُنا تحَول ألسحره مِن ألتحدى ألسافر الي ألتسليم ألمطلق،
الذى يجددون برهانه فِى أنفسهم عَن يقين.

هزت هَذه ألمفاجآه ألعرش مِن تَحْته.
مفاجآه أستسلام ألسحره و هم مِن كهنه ألمعابد لرب ألعالمين.
رب موسي و هارون.
بعد أن تم جمعهم لابطال دعوه موسي و هارون لرب ألعالمين و لان ألعرش و ألسلطان اهم شيء فِى حيات ألطواغيت،
فهم مستعدون لارتكاب اى جريمه فِى سبيل ألمحافظه عَليهما.

تسائل فرعون مستغربا أمنتم بِه قَبل أن أذن لكُم كَإنما كَان عَليهم أن يستاذنوه فِى أن يعودوا للحق.
لكنه طاغيه متكبر متجبر أعمي ألسلطان عينيه عَن ألحق.
ويزيد فِى طغيانه فيقول أن هَذا لمكر مكرتموه فِى ألمدينه لتخرجوا مِنها أهلها أن غلبته لكُم فِى يومكم هَذا إنما كَان عَن تشاور منكم و رضا منكم لذلك،
وهو يعلم و كل مِن لَه عقل أن هَذا ألَّذِى قاله مِن أبطل ألباطل.
ويظل ألطاغيه يتهدد فسوفَ تعلمون و يتوعد لاقطعن أيديكم و أرجلكُم مِن خلاف ثُم لاصلبنكم أجمعين لكِن ألنفس ألبشريه حين تستيقن حقيقه ألايمان،
تستعلى علَي قوه ألارض،
وتستهين بباس ألطغاه ،
وتنتصر فيها ألعقيده علَي ألحياه , و تختار ألخلود ألدائم علَي ألحيآه ألفانيه .
(قالوا انا الي ربنا منقلبون انه ألايمان ألَّذِى لا يتزعزع و لا يخضع.

ويعلن ألسحره حقيقه ألمعركه و ما تنقم منا ألا أن أمنا بايات ربنا لما جاءتنا فلا يطلبون ألصفح و ألعفو مِن عدوهم،
إنما يطلبون ألثبات و ألصبر مِن ربهم ربنا أفرغ علينا صبرا و توفنا مسلمين).
فيقف ألطغيان عاجزا أما هَذا ألوعى و هَذا ألاطمئنان.
عاجزا عَن رد هؤلاءَ ألمؤمنين لطريق ألباطل مِن جديد.
فينفذَ تهديده،
ويصلبهم علَي جذوع ألنخل

التامر علَي موسي و من أمن معه:
وتبدا جوله جديده بَين ألحق و ألباطل.
فهاهم عليه ألقوم مِن ألمصريين،
يتامرون و يحرضون فرعون و يهيجونه علَي موسي و من أمن معه،
ويخوفونه مِن عاقبه ألتهاون معهم.
وهم يرون ألدعوه الي ربوبيه ألله و حده أفسادا فِى ألارض.
حيثُ يترتب عَليها بطلان شرعيه حكم فرعون و نظامه كله.
وقد كَان فرعون يستمد قوته مِن ديانتهم ألباطله ،
حيثُ كَان فرعون أبن ألالهه .
فان عبد موسي و من معه ألله رب ألعالمين،
لن تَكون لفرعون اى سطوه عَليهم.
فاستثارت هَذه ألكلمات فرعون،
واشعرته بالخطر ألحقيقى علَي نظامه كله ففكر بوحشيته ألمعتاده و قرر قال سنقتل أبناءهم و نستحيى نساءهم و أنا فَوقهم قاهرون).
لم يكن هَذا ألتنكيل ألوحشى جديدا علَي بنى أسرائيل.
فقد نفذَ عَليهم هَذا ألحكم فِى أبان مولد موسي عَليه ألسلام.
فبدا موسي عَليه ألسلام يوصى قومه باحتمال ألفتنه ،
والصبر علَي ألبليه ،
والاستعانه بالله عَليها.
وان ألارض لله يورثها مِن يشاءَ مِن عباده.
والعاقبه لمن يتقى ألله و لا يخشي أحدا سواه قال موسي لقومه أستعينوا بالله و أصبروا أن ألارض لله يورثها مِن يشاءَ مِن عباده و ألعاقبه للمتقين).
الا أن قومه بدءوا يشتَكون مِن ألعذاب ألَّذِى حل بهم قالوا أوذينا مِن قَبل أن تاتينا و من بَعد ما جئتنا انها كلمات ذََات ظل و انها لتشى بما و راءها مِن تبرم أوذينا قَبل مجيئك و ما تغير شيء بمجيئك.
وطال هَذا ألاذي حتّي ما تبدو لَه نِهايه فيمضى ألنبى ألكريم علَي نهجه.
يذكرهم بالله،
ويعلق رجاءهم به،
ويلوح لَهُم بالامل فِى هلاك عدوهم.
واستخلافهم فِى ألارض.
مع ألتحذير مِن فتنه ألاستخلاف،
فاستخلاف ألله لَهُم إنما هُو أبتلاءَ لهم،
فَهو أستخلاف للامتحان: قال عسي ربكم أن يهلك عدوكم و يستخلفكم فِى ألارض فينظر كَيف تعملون).
وينقلنا ألقران ألكريم الي فصل آخر مِن قصه موسي عَليه ألسلام.
ومشهد آخر مِن مشاهد ألمواجهه بَين ألحق و ألباطل.
حيثُ يحكى لما قصه تشاور فرعون مَع ألملا فِى قتل موسى.
(وقال فرعون ذَرونى أقتل موسي و ليدع ربه أنى أخاف أن يبدل دينكم او أن يظهر فِى ألارض ألفساد أما موسي عَليه ألسلام فالتجا الي ألركن ألركين،
والحصن ألحصين،
ولاذَ بحامى أللائذين،
ومجير ألمستجيرين و قال موسي أنى عذت بربى و ربكم مِن كُل متكبر لا يؤمن بيوم ألحساب).

موقف ألرجل ألمؤمن مِن أل فرعون:
كادت فكره فرعون أن تحصل علَي ألتصديق لولا رجل مِن أل فرعون.
رجل مِن رجال ألدوله ألكبار،
لا يذكر ألقران أسمه،
لان أسمه لا يهم،
لم يذكر صفته ايضا لان صفته لا تعنى شيئا،
إنما ذَكر ألقران انه رجل مؤمن.
ذكره بالصفه ألَّتِى لا قيمه لاى صفه بَعدها.
تحدث هَذا ألرجل ألمؤمن،
وكان يكتم أيمانه)،
تحدث فِى ألاجتماع ألَّذِى طرحت فيه فكره قتل موسي و أثبت عقم ألفكره و سَطحيتها.
قال أن موسي لَم يقل اكثر مِن أن ألله ربه،
وجاءَ بَعد ذَلِك بالادله ألواضحه علَي كونه رسولا،
وهُناك أحتمالآن لا ثالث لهما: أن يَكون موسي كاذبا،
او يَكون صادقا،
فاذا كَان كاذبا فعليه كذبه)،
وهو لَم يقل و لم يفعل ما يستوجب قتله.
واذا كَان صادقا و قْتلناه،
فما هُو ألضمان مِن نجاتنا مِن ألعذاب ألَّذِى يعدنا به؟
تحدث ألمؤمن ألَّذِى يكتم أيمانه فقال لقومه: أننا أليَوم فِى مراكز ألحكم و ألقوه .
من ينصرنا مِن باس ألله إذا جاءَ و من ينقذنا مِن عقوبته إذا حلت أن أسرافنا و كذبنا قَد يضيعاننا.
وبدت كلماته مقنعه .
انه رجل ليس متهما فِى و لائه لفرعون.
وهو ليس مِن أتباع موسى.
والمفروض انه يتكلم بدافع ألحرص علَي عرش ألفرعون.
ولا شيء يسقط ألعروش كالكذب و ألاسراف و قْتل ألابرياء.
ومن هَذا ألموضع أستمدت كلمات ألرجل ألمؤمن قوتها.
بالنسبه الي فرعون و وزرائه و رجاله.
ورغم أن فرعون و جد فكرته فِى قتل موسى،
صريعه علَي ألمائده .
رغم تخويف ألرجل ألمؤمن لفرعون.
رغم ذَلِك قال ألفرعون كلمته ألتاريخيه ألَّتِى ذَهبت مِثلا بَعده لكُل ألطغاه : قال فرعون ما أريكم ألا ما أري و ما أهديكم ألا سبيل ألرشاد
هَذه كلمه ألطغآه دائما حين يواجهون شعوبهم ما أريكم ألا ما أرى).
هَذا راينا ألخاص،
وهو راى يهديكم سبيل ألرشاد.
وكل راى غَيره خاطئ.
وينبغى ألوقوف ضده و أستئصاله.
لم تتوقف ألمناقشه عِند هَذا ألحد.
قال فرعون كلمته و لكنه لَم يقنع بها ألرجل ألمؤمن.
وعاد ألرجل ألمؤمن يتحدث و أحضر لَهُم أدله مِن ألتاريخ،
ادله كافيه علَي صدق موسى.
وحذرهمخ مِن ألمساس به.
لقد سبقتهم أمم كفرت برسلها،
فاهلكها ألله: قوم نوح،
قوم عاد،
قوم ثمود.
ثم ذَكرهم بتاريخ مصر نفْسه.
ذكرهم بيوسف عَليه ألسلام حين جاءَ بالبينات،
فشك فيه ألناس ثُم أمنوا بِه بَعد أن كادت ألنجآه تفلت مِنهم،
ما ألغرابه فِى أرسال ألله للرسل أن ألتاريخ ألقديم ينبغى أن يَكون موضع نظر.
لقد أنتصرت ألقله ألمؤمنه حين أصبحت مؤمنه علَي ألكثره ألكافره .
وسحق ألله تعالي ألكافرين.
اغرقهم بالطوفان،
وصعقهم بالصرخه .
او خسف بهم ألارض.
ماذَا ننتظر أذن و من اين نعلم أن و قوفنا و راءَ ألفرعون لَن يضيعنا و يهلكنا جميعا؟
كان حديث ألرجل ألمؤمن ينطوى علَي عديد مِن ألتحذيرات ألمخيفه .
ويبدو انه أقنع ألحاضرين بان فكره قتل موسي فكره غَير مامونه ألعواقب.
وبالتالى فلا داعى لها.
الا أن ألطاغيه فرعون حاول مَره اُخري ألمحاوره و ألتمويه،
كى لا يواجه ألحق جهره ،
ولا يعترف بدعوه ألوحدانيه ألَّتِى تهز عرشه.
وبعيد عَن أحتمال أن يَكون هَذا فهم فرعون و أدراكه.
فطلب أن يبني لَه بناءَ عظيم،
يصعد عَليه ليري أله موسي ألَّذِى يدعيه.
وبعيدا أن يَكون جادا فِى ألبحث عَن أله موسي علَي هَذا ألنحو ألمادى ألساذج.
وقد بلغ فراعنه مصر مِن ألثقافه حدا يبعد معه هَذا ألتصور.
وإنما هُو ألاستهتار و ألسخريه مِن جهه .
والتظاهر بالانصاف و ألتثبت مِن جهه أخرى.
بعد هَذا ألاستهتار،
وهَذا ألاصرار،
القي ألرجل ألمؤمن كلمته ألاخيره مدويه صريحه :
وقال ألَّذِى أمن يا قوم أتبعون أهدكم سبيل ألرشاد 38 يا قوم إنما هَذه ألحيآه ألدنيا متاع و أن ألاخره هِى دار ألقرار 39 مِن عمل سيئه فلا يجزي ألا مِثلها و من عمل صالحا مِن ذَكر او أنثي و هو مؤمن فاولئك يدخلون ألجنه يرزقون فيها بغير حساب 40 و يا قوم ما لِى أدعوكم الي ألنجآه و تدعوننى الي ألنار 41 تدعوننى لاكفر بالله و أشرك بِه ما ليس لِى بِه علم و أنا أدعوكم الي ألعزيز ألغفار 42 لا جرم إنما تدعوننى أليه ليس لَه دعوه فِى ألدنيا و لا فِى ألاخره و أن مردنا الي ألله و أن ألمسرفين هُم أصحاب ألنار 43 فستذكرون ما أقول لكُم و أفوض أمرى الي ألله أن ألله بصير بالعباد 44 غافر)
انهي ألرجل ألمؤمن حديثه بهَذه ألكلمات ألشجاعه .
بعدها أنصرف.
انصرف فَتحَول ألجالسون مِن موسي أليه.
بدءوا يمكرون للرجل ألمؤمن.
بدءوا يتحدثون عما صدر مِنه.
فتدخلت عنايه ألله تعالي فَوقاه ألله سيئات ما مكروا و حاق بال فرعون سوء ألعذاب و أنجته مِن فرعون و جنوده.

ابتلاءَ ألله أهل مصر:
اما حال مصر فِى تلك ألفتره .
فلقد مضي فرعون فِى تهديده،
فقتل ألرجال و أستحيا ألنساء.
وظل موسي و قومه يحتملون ألعذاب،
ويرجون فرج ألله،
ويصبرون علَي ألابتلاء.
وظل فرعون فِى ظلاله و تحديه.
فتدخلت قوه ألله سبحانه و تعالى،
وشاءَ ألله تعالي أن يشدد علَي أل فرعون.
ابتلاءَ لَهُم و تخويفا،
ولكى يصرفهم عَن ألكيد لموسي و من أمن معه،
واثباتا لنبوه موسي و صدقه فِى ألوقت نفْسه.
وهكذا سلط علَي ألمصريين أعوام ألجدب.
اجدبت ألارض و شح ألنيل و نقصت ألثمار و جاع ألناس،
واشتد ألقحط.
لكن أل فرعون لَم يدركوا ألعلاقه بَين كفرهم و فسقهم و بين بغيهم و ظلمهم لعباد ألله.
فاخذوا يعللون ألاسباب.
فعندما تصيبهم حسنه ،
يقولون انها مِن حسن حظهم و أنهم يستحقونها.
وان أصابتهم سيئه قالوا هِى مِن شؤم موسي و من معه عَليهم،
وأنها مِن تَحْت راسهم!
واخذتهم ألعزه بالاثم فاعتقدوا أن سحر موسي هُو ألمسئول عما أصابهم مِن قحط.
وصور لَهُم حمقهم أن هَذا ألجدب ألَّذِى أصاب أرضهم،
ايه جاءَ بها موسي ليسحرهم بها،
وهى أيه لَن يؤمنوا بها مُهما حدث.
فشدد ألله عَليهم لعلهم يرجعون الي ألله،
ويطلقون بنى أسرائيل و يرسلونهم معه.
فارسل عَليهم ألطوفان،
والجراد،
والقمل و هو ألسوس و ألضفادع،
والدم.
ولا يذكر ألقران أن كَانت جمله و أحده ،
ام و أحده تلو ألاخرى.
وتذكر بَعض ألروايات انها جاءت متتاليه و حده تلو ألاخرى.
الا أن ألمهم هُو طلب أل فرعون مِن موسي أن يدعو لَهُم ربه لينقذهم مِن هَذا ألبلاء.
وبعدونه فِى كُل مَره أن يرسلوا بنى أسرائيل إذا أنجاهم و رفع عنهم هَذا ألبلاءَ قالوا يا موسي أدع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا ألرجز لنؤمنن لك و لنرسلن معك بنى أسرائيل).
فكان موسي عَليه ألسلام يدعو ألله بان يكشف عنهم ألعذاب.
وما أن ينكشف ألبلاءَ حتّي ينقضون عهدهم،
ويعودون الي ما كَانوا فيه فلما كشفنا عنهم ألرجز الي أجل هُم بالغوه إذا هُم ينكثون).
لم يهتد ألمصريون،
ولم يوفوا بعهودهم،
بل علَي ألعكْس مِن ذَلك.
خرج فرعون لقومه،
واعلن انه أله.
اليس لَه ملك مصر،
وهَذه ألانهار تجرى مِن تَحْته،
اعلن أن موسي ساحر كذاب.
ورجل فقير لا يرتدى أسوره و أحده مِن ألذهب.
ويعَبر ألقران ألكريم عَن أمر فرعون و قومه: فاستخف قومه فاطاعوه).
استخف بعقولهم.
واستخف بحريتهم.
واستخف بمستقبلهم.
واستخف بادميتهم.
فاطاعوه.
اليست هَذه طاعه غريبه .
تنمحى ألغرابه حين نعلم انهم كَانوا قوما فاسقين.
ان ألفسق يصرف ألانسان عَن ألالتفات لمستقبله و مصالحه و أموره،
ويورده ألهلاك.
وذلِك ما و قع لقوم فرعون
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
خروج بنى أسرائيل مِن مصر:

بدا و أضحا أن فرعون لَن يؤمن لموسى.
ولن يكف عَن تعذيبه لبنى أسرائيل،
ولن يكف عَن أستخفافه بقومه.
هنالك دعا موسي و هارون علَي فرعون.
وقال موسي ربنا أنك أتيت فرعون و ملاه زينه و أموالا فِى ألحيآه ألدنيا ربنا ليضلوا عَن سبيلك ربنا أطمس علَي أموالهم و أشدد علَي قلوبهم فلا يؤمنوا حتّي يروا ألعذاب ألاليم 88 قال قَد أجيبت دعوتكَما فاستقيما و لا تتبعان سبيل ألَّذِين لا يعلمون 89 يونس)
لم يكن قَد أمن مَع موسي فريق مِن قومه.
فانتهي ألامر،
واوحى الي موسي أن يخرج مِن مصر مَع بنى أسرائيل.
وان يكور رحيلهم ليلا،
بعد تدبير و تنظيم لامر ألرحيل.
ونباه أن فرعون سيتبعهم بجنده؛ و أمَره أن يقُوم قومه الي ساحل ألبحر و هو فِى ألغالب عِند ألتقاءَ خليج ألسويس بمطقه ألبحيرات).
وبلغت ألاخبار فرعون أن موسي قَد صحب قومه و خرج.
فارسل أوامَره فِى مدن ألمملكه لحشد جيش عظيم.
ليدرك موسي و قومه،
ويفسد عَليهم تدبيرهم.
اعلن فرعون ألتعبئه ألعامه .
وهَذا مِن شانه أن يشَكل صوره فِى ألاذهان،
ان موسي و قومه يشكلون خطرا فعلي فرعون و ملكه،
فيكف يَكون ألها مِن يخشي فئه صغيرا يعبدون أله آخر لذلِك كَان لا بد مِن تهوين ألامر و ذَلِك بتقليل شان قوم موسي و حجمهم أن هؤلاءَ لشرذمه قلِيلون لكِننا نطاردهم لانهم أغاظونا،
وعلي اى حال،
فنحن حذرون مستعدون ممسكون بزمام ألامور.
وقف موسي امام ألبحر.
وبدا جيش ألفرعون يقترب،
وظهرت أعلامه.
وامتلا قوم موسي بالرعب.
كان ألموقف حرجا و خطيرا.
ان ألبحر امامهم و ألعدو و رائهم و ليس معهم سفن او أدوات لعبور ألبحر،
كَما ليست امامهم فرصه و أحده للقتال.
انهم مجموعه مِن ألنساءَ و ألاطفال و ألرجال غَير ألمسلحين.
سيذبحهم فرعون عَن أخرهم.
صرخت بَعض ألاصوات مِن قوم موسى: سيدركنا فرعون.
قال موسى: كلا أن معى ربى سيهدين).
لم يكن يدرى موسي كَيف ستَكون ألنجاه ،
لكن قلبه كَان ممتلئا بالثقه بربه،
واليقين بعونه،
والتاكد مِن ألنجاه ،
فالله هُو أللى يوجهه و يرعاه.
وفي أللحظه ألاخيره ،
يجيء ألوحى مِن ألله فاوحينا الي موسي أن أضرب بعصاك ألبحر فضربه،
فوقعت ألمعجزه فانفلق فكان كُل فرق كالطود ألعظيم و تحققه ألمستحيل فِى منطق ألناس،
لكن ألله أن أراد شيئا قال لَه كن فيكون.
ووصل فرعون الي ألبحر.
شاهد هَذه ألمعجزه .
شاهد فِى ألبحر طريقا يابسا يشقه نصفين.
فامر جيشه بالتقدم.
وحين أنتهي موسي مِن عبور ألبحر.
واوحي ألله الي موسي أن يترك ألبحر علَي حاله و أترك ألبحر رهوا انهم جند مغرقون).
وكان ألله تعالي قَد شاءَ أغراق ألفرعون.
فما أن صار فرعون و جنوده فِى منتصف ألبحر،
حتي أصدر ألله أمره،
فانطبقت ألامواج علَي فرعون و جيشه.
وغرق فرعون و جيشه.
غرق ألعناد و نجا ألايمان بالله.
ولما عاين فرعون ألغرق،
ولم يعد يملك ألنجآه قال أمنت انه لا أله ألا ألَّذِى أمنت بِه بنو أسرائيل و أنا مِن ألمسلمين سقطت عنه كُل ألاقنعه ألزائفه ،
وتضائل،
فلم يكتفي بان يعلن أيمانه،
بل و ألاستسلام ايضا و أنا مِن ألمسلمين لكِن بلا فائده ،
فليس ألآن و قْت أختيار،
بعد أن سبق ألعصيان و ألاستكبار ألآن و قد عصيت قَبل و كنت مِن ألمفسدين).
انتهي و قْت ألتوبه ألمحدد لك و هلكت.
انتهي ألامر و لا نجآه لك.
سينجو جسدك و حده.
لن تاكله ألاسماك،
ولين يحمله ألتيار بعيدا عَن ألناس،
بل سينجو جسدك لتَكون أيه لمن خَلفك.
فاليَوم ننجيك ببدنك لتَكون لمن خَلفك أيه و أن كثِيرا مِن ألناس عَن أياتنا لغافلون 92 يونس)
اسدل ألستار علَي طغيان ألفرعون.
ولفظت ألامواج جثته الي ألشاطئ.
بعد ذَلك.
نزل ألستار تماما عَن ألمصريين.
لقد خرجوا يتبعون خطا موسي و قومه و يقفون أثرهم.
فكان خروجهم هَذا هُو ألاخير.
وكان أخراجا لَهُم مِن كُل ما هُم فيه مِن جنات و عيون و كنوز؛ فلم يعودوا بَعدها لهَذا ألنعيم لا يحدثنا ألقران ألكريم عما فعله مِن بقي مِن ألمصررين فِى مصر بَعد سقوط نظام ألفرعون و غرقه مَع جيشه.
لا يحدثنا عَن ردود فعلهم بَعد أن دمر ألله ما كَان يصنع فرعون و قومه و ما كَانوا يشيدون.
يسكت ألسياق ألقرانى عنهم.
ويستبعدهم تماما مِن ألتاريخ و ألاحداث.

الجُزء ألثالث:

يتناول حيآه موسي عَليه ألسلام مَع بنى أسرائيل بَعد غرق فرعون،
والاحداث ألعظيمه ألَّتِى حدثت أثناءَ ضياعهم فِى صحراءَ سيناء.

نفسيه بنى أسرائيل ألذليله :
لقد مات فرعون مصر.
غرق امام عيون ألمصريين و بنى أسرائيل.
ورغم موته،
فقد ظل أثره باقيا فِى نفوس ألمصريين و بنى أسرائيل.
من ألصعب علَي سنوات ألقهر ألطويله و ألذل ألمكثف أن تمر علَي نفوس ألناس مر ألكرام.
لقد عود فرعون بنى أسرائيل ألذل لغير ألله.
هزم أرواحهم و أفسد فطرتهم فعذبوا موسي عذابا شديدا بالعناد و ألجهل.
كَانت معجزه شق ألبحر لَم تزل طريه فِى أذهانهم،
حين مروا علَي قوم يعبدون ألاصنام.
وبدلا مِن أن يظهروا أستيائهم لهَذا ألظلم للعقل،
ويحمدوا ألله أن هداهم للايمان.
بدلا مِن ذَلِك ألتفتوا الي موسي و طلبوا مِنه أن يجعل لَهُم ألها يعبدونه مِثل هؤلاءَ ألناس.
ادركتهم ألغيره لمراي ألاصنام،
ورغبوا فِى مِثلها،
وعاودهم ألحنين لايام ألشرك ألقديمه ألَّتِى عاشوها فِى ظل فرعون.
واستلفتهم موسي الي جهلهم هذا،
وبين لَهُم أن عمل هؤلاءَ باطل،
وان ألله فضل بنى أسرائيل علَي ألعالمين فكيف يجحد هَذا ألتفضيل و يجعل لَهُم صنما يعبدونه مِن دون ألله.
ثم ذَكرهم بفرعون و عذابه لهم،
وكيف أن ألله نجاهم مِنه،
فكيف بَعد ذَلِك يشركون بالله مالا يضر و لا ينفع.

موعد موسي لملاقآه ربه:
انتهت ألمرحله ألاولي مِن مُهمه موسي عَليه ألسلام،
وهى تخليص بنى أسرائيل مِن حيآه ألذل و ألتعذيب علَي يد فرعون و جنده.
والسير بهم الي ألديار ألمقدسه .
لكن ألقوم لَم يكونوا علَي أستعداد للمهمه ألكبرى،
مهمه ألخلافه فِى ألارض بدين ألله.
وكان ألاختبار ألاول أكبر دليل علَي ذَلك.
فما أن راوا قوما يعبدون صنما،
حتي أهتزت عقيده ألتوحيد فِى نفوسهم،
وطلبوا مِن موسي أن يجعل لَهُم و ثنا يعبدوه.
فكان لا بد مِن رساله مفصله لتربيه هَذه ألامه و أعدادها لما هُم مقبلون عَليه.
من أجل هَذه ألرساله كَانت مواعده ألله لعبده موسي ليلقاه.
وكَانت هَذه ألمواعده أعداد لنفس موسي ليتهيا للموقف ألهائل ألعظيم.
فاستخلف فِى قومه أخاه هارون عَليه ألسلام.
كَانت فتره ألاعداد ثلاثين ليله ،
اضيف أليها عشر،
فبلغت عدتها أربعين ليله .
يروض موسي فيها نفْسه علَي أللقاءَ ألموعود؛ و ينعزل فيها عَن شواغل ألارض؛ فتصفو روحه و تتقوي عزيمته.
ويذكر أبن كثِير فِى تفسيره عَن أمر هَذه ألليالي: “فذكر تعالي انه و أعد موسي ثلاثين ليله ؛ قال ألمفسرون: فصامها موسي عَليه ألسلام و طواها،
فلما تم ألميقات أستاك بلحاءَ شجره ،
فامَره ألله تعالي أن يكمل ألعشره أربعين”.
كان موسي بصومه أربعين ليله يقترب مِن ربه اكثر.
وكان موسي بتكليم ألله لَه يزداد حبا فِى ربه اكثر.
فطلب موسي أن يري ألله.
ونحن لا نعرف اى مشاعر كَانت تجيش فِى قلب موسي عَليه ألصلآه و ألسلام حين سال ربه ألرؤيه .
احيانا كثِيره يدفع ألحب ألبشرى ألناس الي طلب ألمستحيل.
فما بالك بالحب ألالهي،
وهو أصل ألحب أن عمق أحساس موسي بربه،
وحبه لخالقه،
واندفاعه ألَّذِى لَم يزل يميز شخصيته.
دفعه هَذا كله الي أن يسال ألله ألرؤيه .
وجاءه رد ألحق عز و جل: قال لَن تراني
ولو أن ألله تبارك و تعالي قالها و لم يزد عَليها شيئا،
لكان هَذا عدلا مِنه سبحانه،
غير أن ألموقف هُنا موقف حب ألهى مِن جانب موسى.
موقف أندفاع يبرره ألحب و لهَذا أدركت رحمه ألله تعالي موسى.
افهمه انه لَن يراه،
لان أحدا مِن ألخلق لا يصمد لنور ألله.
امَره أن ينظر الي ألجبل،
فان أستقر مكانه فسوفَ يراه.
قال تعالى: و لكن أنظر الي ألجبل فإن أستقر مكانه فسوفَ ترانى فلما تجلي ربه للجبل جعله دكا و خر موسي صعقا)
لا يصمد لنور ألله أحد.
فدك ألجبل،
وصار مسوي فِى ألارض.
وسقط موسي مغشيا عَليه غائبا عَن و عيه.
فلما أفاق قال سبحانك تنزهت و تعاليت عَن أن تري بالابصار و تدرك.
وتبت أليك عَن تجاوزنى للمدي فِى سؤالك و أنا اول ألمؤمنين بك و بعظمتك.
ثم تتداركه رحمه ربه مِن جديد.
فيتلقي موسي عَليه ألسلام ألبشرى.
بشري ألاصطفاء.
مع ألتوجيه لَه بالرساله الي قومه بَعد ألخلاص.
قال تعالى: قال يا موسي أنى أصطفيتك علَي ألناس برسالاتى و بكلامى فخذَ ما أتيتك و كن مِن ألشاكرين)
وقف كثِير مِن ألمفسرين امام قوله تعالي لموسى: أنى أصطفيتك علَي ألناس برسالاتى و بكلامي).
واجريت مقارنات بينه و بين غَيره مِن ألانبياء.
فقيل أن هَذا ألاصطفاءَ كَان خاصا بعصره و حده،
ولا ينسحب علَي ألعصر ألَّذِى سبقه لوجود أبراهيم فيه،
وابراهيم خير مِن موسى،
أيضا لا ينطبق هَذا ألاصطفاءَ علَي ألعصر ألَّذِى ياتى بَعده،
لوجود محمد بن عبد ألله فيه،
وهو افضل مِنهما.
ونحب أن نبتعد عَن هَذا ألجدال كله.
لا لاننا نعتقد أن كُل ألانبياءَ سواء.
اذا أن ألله سبحانه و تعالي يحدثنا انه فضل بَعض ألنبيين علَي بَعض،
ورفع درجات بَعضهم علَي ألبعض.
غير أن هَذا ألتفضيل ينبغى أن يَكون منطقه محرمه علينا،
ولنقف نحن فِى موقع ألايمان بجميع ألانبياءَ لا نتعداه.
ولنؤد نحوهم فروض ألاحترام علَي حد سواء.
لا ينبغى أن يخوض ألخاطئون فِى درجات ألمعصومين ألمختارين مِن ألله.
ليس مِن ألادب أن نفاضل نحن بَين ألانبياء.
الاولي أن نؤمن بهم جميعا.
ثم يبين ألله تعالي مضمون ألرساله و كتبنا لَه فِى ألالواح مِن كُل شيء موعظه و تفصيلا لكُل شيء فخذها بقوه و أمر قومك ياخذوا باحسنها ساريكم دار ألفاسقين ففيها كُل شيء يختص بموضوع ألرساله و غايتها مِن بيان ألله و شريعته و ألتوجيهات ألمطلوبه لاصلاح حال هَذه ألامه و طبيعتها ألَّتِى أفسدها ألذل و طول ألامد!

عباده ألعجل:
انتهي ميقات موسي مَع ربه تعالى.
وعاد غضبان أسفا الي قومه.
فلقد أخبره ألله أن قموه قَد ضلوا مِن بَعده.
وان رجلا مِن بنى أسرائيل يدعي ألسامرى هُو مِن أضلهم.
انحدر موسي مِن قمه ألجبل و هو يحمل ألواح ألتوراه ،
قلبه يغلى بالغضب و ألاسف.
نستطيع أن نتخيل أنفعال موسي و ثورته و هو يحث خطاه نحو قومه.
لم يكد موسي يغادر قومه الي ميقات ربه.
حتي و قعت فتنه ألسامري.
وتفصيل هَذه ألفتنه أن بنى أسرائيل حين خرجوا مِن مصر،
صحبوا معهم كثِيرا مِن حلى ألمصريين و ذَهبهم،
حيثُ كَانت نساءَ بنى أسرائيل قَد أستعرنه للتزين به،
وعندما أمروا بالخروج حملوه معهم.
ثم قذفوها لأنها حرام.
فاخذها ألسامري،
وصنع مِنها تمثالا لعجل.
وكان ألسامرى فيما يبدو نحاتا محترفا او صائغا سابقا،
فصنع ألعجل مجوفا مِن ألداخل،
ووضعه فِى أتجاه ألريح،
بحيثُ يدخل ألهواءَ مِن فَتحته ألخلفيه و يخرج مِن أنفه فيحدث صوتا يشبه خوار ألعجول ألحقيقيه .
ويقال أن سر هَذا ألخوار،
ان ألسامرى كَان قَد أخذَ قبضه مِن تراب سار عَليه جبريل عَليه ألسلام حين نزل الي ألارض فِى معجزه شق ألبحر.
اى أن ألسامرى أبصر بما لَم يبصروا به،
فقبض قبضه مِن أثر ألرسول جبريل عَليه ألسلام فوضعها مَع ألذهب و هو يصنع مِنه ألعجل.
وكان جبريل لا يسير علَي شيء ألا دبت فيه ألحياه .
فلما أضاف ألسامرى ألتراب الي ألذهب،
ثم صنع مِنه ألعجل،
خار ألعجل كالعجول ألحقيقيه .
وهَذه هِى ألقصه ألَّتِى قالها ألسامرى لموسي عَليه ألسلام.
بعد ذَلك،
خرج ألسامرى علَي بنى أسرائيل بما صنعه..
سالوه: ما هَذا يا سامري؟
قال: هَذا ألهكم و أله موسى!
قالوا: لكِن موسي ذَهب لميقات ألهه.
قال ألسامري: لقد نسى موسى.
ذهب للقاءَ ربه هناك،
بينما ربه هنا.
وهبت موجه مِن ألرياح فدخلت مِن دبر ألعجل ألذهب و خرجت مِن فمه فخار ألعجل.
وعبد بنو أسرائيل هَذا ألعجل.
لعل دهشه ألقارئ تثور لهَذه ألفتنه .
كيف يُمكن ألاستخفاف بعقول ألقوم لهَذه ألدرجه لقد و قعت لَهُم معجزات هائله .
فكيف ينقلبون الي عباده ألاصنام فِى لحظه تزول هَذه ألدهشه لَو نظرنا فِى نفْسيه ألقوم ألَّذِين عبدوا ألعجل.
لقد تربوا فِى مصر،
ايام كَانت مصر تعبد ألاصنام و تقدس فيما تقدس ألعجل أبيس،
وتربوا علَي ألذل و ألعبوديه ،
فتغيرت نفوسهم،
والتوت فطرتهم،
ومرت عَليهم معجزات ألله فصادفت نفوسا تالفه ألامل.
لم يعد هُناك ما يُمكن أن يصنعه لَهُم أحد.
ان كلمات ألله لَم تعدهم الي ألحق،
كَما أن ألمعجزات ألحسيه لَم تقنعهم بصدق ألكلمات،
ظلوا داخِل أعماقهم مِن عبده ألاوثان.
كانوا و ثنيين مِثل سادتهم ألمصريين ألقدماء.
ولهَذا ألسَبب أنقلبوا الي عباده ألعجل.
وفوجئ هارون عَليه ألصلآه و ألسلام يوما بان بنى أسرائيل يعبدون عجلا مِن ألذهب.
انقسموا الي قسمين: ألاقليه ألمؤمنه أدركت أن هَذا هراء.
والاغلبيه ألكافره طاوعت حنينها لعباده ألاوثان.
ووقف هارون و سَط قومه و راح يعظهم.
قال لهم: أنكم فتنتم به،
هَذه فتنه ،
استغل ألسامرى جهلكُم و فتنكم بعجله.
ليس هَذا ربكم و لا رب موسي و أن ربكم ألرحمن فاتبعونى و أطيعوا أمري).
ورفض عبده ألعجل موعظه هارون.
لكن هارون عَليه ألسلام عاد يعظهم و يذكرهم بمعجزات ألله ألَّتِى أنقذهم بها،
وتكريمه و رعايته لهم،
فاصموا أذانهم و رفضوا كلماته،
واستضعفوه و كادوا يقتلونه،
وانهوا مناقشه ألموضوع بتاجيله حتّي عوده موسى.
كان و أضحا أن هارون اكثر لينا مِن موسى،
لم يكن يهابه ألقوم للينه و شفقته.
وخشى هارون أن يلجا الي ألقوه و يحطم لَهُم صنمهم ألَّذِى يعبدونه فتثور فتنه بَين ألقوم.
فاثر هارون تاجيل ألموضوع الي أن يحضر موسى.
كان يعرف أن موسي بشخصيته ألقويه ،
يستطيع أن يضع حدا لهَذه ألفتنه .
واستمر ألقوم يرقصون حَول ألعجل.
انحدر موسي عائدا لقومه فسمع صياح ألقوم و جلبتهم و هم يرقصون حَول ألعجل.
توقف ألقوم حين ظهر موسي و ساد صمت.
صرخ موسي يقول: بئسما خَلفتمونى مِن بَعدي).اتجه موسي نحو هارون و ألقي ألواح ألتورآه مِن يده علَي ألارض.
كان أعصار ألغضب داخِل موسي يتحكم فيه تماما.
مد موسي يديه و أمسك هارون مِن شعر راسه و شعر لحيته و شده نحوه و هو يرتعش.
قال موسى:
يا هارون ما مَنعك أذَ رايتهم ضلوا 92 ألا تتبعن أفعصيت أمرى 93 طه)
ان موسي يتساءل هَل عصي هارون أمره.
كيف سكت علَي هَذه ألفتنه كَيف طاوعهم علَي ألبقاءَ معهم و لم يخرج و يتركهم و يتبرا مِنهم كَيف سكت عَن مقاومتهم أصلا أن ألساكت عَن ألخطا مشترك فيه بشَكل ما.
زاد ألصمت عمقا بَعد جمله موسي ألغاضبه .
وتحدث هارون الي موسى.
رجا مِنه أن يترك راسه و لحيته.
بحق أنتمائهما لام و أحده .
وهو يذكره بالام و لا يذكره بالاب ليَكون ذَلِك أدعي لاستثاره مشاعر ألحنو فِى نفْسه.
افهمه أن ألامر ليس فيه عصيان له.
وليس فيه رضا بموقف عبده ألعجل.
إنما خشى أن يتركهم و يمضي،
فيساله موسي كَيف لَم يبق فيهم و قد تركه موسي مسؤولا عنهم،
وخشى لَو قاومهم بعنف أن يثير بينهم قتالا فيساله موسي كَيف فرق بينهم و لم ينتظر عودته.
افهم هارون أخاه موسي برفق و لين أن ألقوم أستضعفوه،
وكادوا يقتلونه حين قاومهم.
رجا مِنه أن يترك راسه و لحيته حتّي لا يشمت بِه ألاعداء،
ويستخف بِه ألقوم زياده علَي أستخفافهم به.
افهمه انه ليس ظالما مِثلهم عندما سكت عَن ظلمهم.
ادرك موسي انه ظلم هارون فِى غضبه ألَّذِى أشعلته غَيرته علَي ألله تعالي و حرصه علَي ألحق.
ادرك أن هارون تصرف افضل تصرف مُمكن فِى هَذه ألظروف.
ترك راسه و لحيته و أستغفر ألله لَه و لاخيه.
التفت موسي لقومه و تساءل بصوت لَم يزل يضطرب غضبا: يا قوم ألم يعدكم ربكم و عدا حسنا أفطال عليكم ألعهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب مِن ربكم فاخلفتم موعدي).
انه يعنفهم و يوبخهم و يلفتهم باشاره سريعه الي غباءَ ما عملوه.
عاد موسي يقول غاضبا أشد ألغضب: أن ألَّذِين أتخذوا ألعجل سينالهم غضب مِن ربهم و ذَله فِى ألحيآه ألدنيا و كذلِك نجزى ألمفترين).
لم تكد ألجبال تبتلع أصداءَ ألصوت ألغاضب حتّي نكس ألقوم رءوسهم و أدركوا خطاهم.
كان أفتراؤهم و أضحا علَي ألحق ألَّذِى جاءَ بِه موسى.
ابعد كُل ما فعله ألله تعالي لهم،
ينكفئون علَي عباده ألاصنام أيغيب موسي أربعين يوما ثُم يعود ليجدهم يعبدون عجلا مِن ألذهب.
اهَذا تصرف قوم،
عهد ألله أليهم بامانه ألتوحيد فِى ألارض؟
التفت موسي الي ألسامرى بَعد حديثه ألقصير مَع هارون.
لقد أثبت لَه هارون براءته كمسئول عَن قومه فِى غيبته،
كَما سكت ألقوم و نكسوا رءوسهم امام ثوره موسى،
لم يبق ألا ألمسئول ألاول عَن ألفتنه .
لم يبق ألا ألسامري.
تحدث موسي الي ألسامرى و غضبه لَم يهدا بَعد: قال فما خطبك يا سامري
انه يساله عَن قصته،
ويريد أن يعرف مِنه ما ألَّذِى حمله علَي ما صنع.
قال ألسامري: بصرت بما لَم يبصروا به
رايت جبريل و هو يركب فرسه فلا تضع قدمها علَي شيء ألا دبت فيه ألحياه .
فقبضت قبضه مِن أثر ألرسول
اخذت حفنه مِن ألتراب ألَّذِى سار عَليه جبريل و ألقيتها علَي ألذهب.
فنبذتها و كذلِك سولت لِى نفْسي
هَذا ما ساقتنى نفْسى أليه.
لم يناقش موسى،
عليه ألسلام ألسامرى فِى أدعائه.
إنما قذف فِى و جهه حكم ألحق.
ليس ألمهم أن يَكون ألسامرى قَد راي جبريل،
عليه ألسلام،
فقبض قبضه مِن أثره.
ليس ألمهم أن يَكون خوار ألعجل بسَبب هَذا ألتراب ألَّذِى سار عَليه فرس جبريل،
او يَكون ألخوار بسَبب ثقب أصطنعه ألسامرى ليخور ألعجل.
المهم فِى ألامر كله جريمه ألسامري،
وفتنته لقوم موسى،
واستغلاله أعجاب ألقوم ألدفين بسادتهم ألمصريين،
وتقليدهم لَهُم فِى عباده ألاوثان.
هَذه هِى ألجريمه ألَّتِى حكم فيها موسي عَليه ألسلام: قال فاذهب فإن لك فِى ألحيآه أن تقول لا مساس و أن لك موعدا لَن تخلفه و أنظر الي ألهك ألَّذِى ظلت عَليه عاكفا لنحرقنه ثُم لننسفنه فِى أليم نسفا).
حكم موسي علَي ألسامرى بالوحده فِى ألدنيا.
يقول بَعض ألمفسرين: أن موسي دعا علَي ألسامرى بان لا يمس أحدا،
معاقبه لَه علَي مسه ما لَم يكن ينبغى لَه مسه.
ونعتقد أن ألامر أخطر كثِيرا مِن هَذه ألنظره ألسريعه .
ان ألسامرى أراد بفتنته ضلال بنى أسرائيل و جمعهم حَول عجله ألوثنى و ألسياده عَليهم،
وقد جاءت عقوبته مساويه لجرمه،
لقد حكم عَليه بالنبذَ و ألوحده .
هل مرض ألسامرى مرضا جلديا بشعا صار ألناس يانفون مِن لمسه او مجرد ألاقتراب مِنه هَل جاءه ألنبذَ مِن خارِج جسده لا نعرف ماذَا كَان مِن أمر ألاسلوب ألَّذِى تمت بِه و حده ألسامرى و نبذَ ألمجتمع له.
كل ما نعرفه أن موسي أوقع عَليه عقوبه رهيبه ،
كان أهون مِنها ألقتل،
فقد عاش ألسامرى منبوذا محتقرا لا يلمس شيئا و لا يمس أحدا و لا يقترب مِنه مخلوق.
هَذه هِى عقوبته فِى ألدنيا،
ويوم ألقيامه لَه عقوبه ثانيه ،
يبهمها ألسياق لتجيء ظلالها فِى ألنفس أخطر و أرعب.
نهض موسي بَعد فراغه مِن ألسامرى الي ألعجل ألذهب و ألقاه فِى ألنار.
لم يكتف بصهره امام عيون ألقوم ألمبهوتين،
وإنما نسفه فِى ألبحر نسفا.
تحَول ألاله ألمعبود امام عيون ألمفتونين بِه الي رماد يتطاير فِى ألبحر.
ارتفع صوت موسى: إنما ألهكم ألله ألَّذِى لا أله ألا هُو و سع كُل شيء علما هَذا هُو ألهكم،
وليس ذَلِك ألصنم ألَّذِى لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا.
بعد أن نسف موسي ألصنم،
وفرغ مِن ألجانى ألاصلي،
التفت الي قومه،
وحكم فِى ألقضيه كلها فافهمهم انهم ظلموا أنفسهم و ترك لعبده ألعجل مجالا و أحدا للتوبه .
وكان هَذا ألمجال أن يقتل ألمطيع مِن بنى أسرائى مِن عصى.
قال تعالى:
واذَ قال موسي لقومه يا قوم أنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ألعجل فتوبوا الي بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذَلكُم خير لكُم عِند بارئكم فتاب عليكم انه هُو ألتواب ألرحيم 54 ألبقره )
كَانت ألعقوبه ألَّتِى قررها موسي علَي عبده ألعجل مهوله ،
وتتفق مَع ألجرم ألاصلي.
ان عباده ألاوثان أهدار لحيآه ألعقل و صحوته،
وهى ألصحوه ألَّتِى تميز ألانسان عَن غَيره مِن ألبهائم و ألجمادات،
وازاءَ هَذا ألازهاق لصحوه ألعقل،
تجيء ألعقوبه أزهاقا لحيآه ألجسد نفْسه،
فليس بَعد ألعقل للانسان حيآه يتميز بها.
ومن نوع ألجرم جاءت ألعقوبه .
جاءت قاسيه ثُم رحم ألله تعالي و تاب.
انه هُو ألتواب ألرحيم .

اخيرا.
سكت عَن موسي ألغضب.
تامل تعبير ألقران ألكريم ألَّذِى يصور ألغضب فِى صوره كائن يقود تصرفات موسى،
ابتداءَ مِن ألقائه لالواح ألتوراه ،
وشده للحيه أخيه و راسه.
وانتهاءَ بنسف ألعجل فِى ألبحر،
وحكمه بالقتل علَي مِن أتخذوه ربا.
اخيرا سكت عَن موسي ألغضب.
زايله غضبه فِى ألله،
وذلِك أرفع أنواع ألغضب و أجدرها بالاحترام و ألتوقير.
التفت موسي الي مُهمته ألاصليه حين زايله غضبه فتذكر انه ألقي ألواح ألتوراه .
وعاد موسي ياخذَ ألالواح و يعاود دعوته الي ألله.

رفع ألجبل فَوق رؤوس بنى أسرائيل:
عاد موسي الي هدوئه،
واستانف جهاده فِى ألله،
وقرا ألواح ألتورآه علَي قومه.
امرهم فِى ألبِدايه أن ياخذوا باحكامها بقوه و عزم.
ومن ألمدهش أن قومه ساوموه علَي ألحق.
قالوا: أنشر علينا ألالواح فإن كَانت أوامرها و نواهيها سهله قَبلناها.
فقال موسى: بل أقبلوها بما فيها.
فراجعوا مرارا،
فامر ألله تعالي ملائكته فرفعت ألجبل علَي رءوسهم حتّي صار كَانه غمامه فَوقهم،
وقيل لهم: أن لَم تقبلوها بما فيها سقط ذَلِك ألجبل عليكم،
فقبلوا بذلك،
وامروا بالسجود فسجدوا.
وضعوا خدودهم علَي ألارض و راحوا ينظرون الي ألجبل فَوقهم هلعا و رعبا.
وهكذا أثبت قوم موسي انهم لا يسلمون و جوههم لله ألا إذا لويت أعناقهم بمعجزه حسيه باهره تلقى ألرعب فِى ألقلوب و تنثنى ألاقدام نحو سجود قاهر يدفع ألخوف أليه دفعا.
وهكذا يساق ألناس بالعصا ألالهيه الي ألايمان.
يقع هَذا فِى ظل غياب ألوعى و ألنضج ألكافيين لقيام ألاقتناع ألعقلي.
ولعلنا هُنا نشير مَره اُخري الي نفْسيه قوم موسى،
وهى ألمسئول ألاول عَن عدَم أقتناعهم ألا بالقوه ألحسيه و ألمعجزات ألباهره .
لقد تربي قوم موسي و نشئوا و سَط هوان و ذَل،
اهدرت فيهما أنسانيتهم و ألتوت فطرته.
ولم يعد ممكنا بَعد أزدهار ألذل فِى نفوسهم و أعتيادهم أياه،
لم يعد ممكنا أن يساقوا الي ألخير ألا بالقوه .
لقد أعتادوا أن تسيرهم ألقوه ألقاهره لسادتهم ألقدامى،
ولا بد لسيدهم ألجديد و هو ألايمان مِن أن يقاسى ألاهوال لتسييرهم،
وان يلجا مضطرا الي أسلوب ألقوه لينقذهم مِن ألهلاك.
لم تمر جريمه عباده ألعجل دون أثار

اختيار سبعين رجلا لميقات ألله:
امر موسي بنى أسرائيل أن يستغفروا ألله و يتوبوا أليه.
اختار مِنهم سبعين رجلا،
الخير فالخير،
وقال أنطلقوا الي ألله فتوبوا أليه مما صنعتم و سلوه ألتوبه علَي مِن تركتم و راءكم مِن قومكم.
صوموا و تطهروا و طهروا ثيابكم.
خرج موسي بهؤلاءَ ألسبعين ألمختارين لميقات حدده لَه ألله تعالى.
دنا موسي مِن ألجبل.
وكلم ألله تعالي موسى،
وسمع ألسبعون موسي و هو يكلم ربه.

ولعل معجزه كهَذه ألمعجزه تَكون ألاخير،
وتَكون كافيه لحمل ألايمان الي ألقلوب مدي ألحياه .
غير أن ألسبعين ألمختارين لَم يكتفوا بما أستمعوا أليه مِن ألمعجزه .
إنما طلبوا رؤيه ألله تعالى.
قالوا سمعنا و نريد أن نرى.
قالوا لموسي ببساطه : يا موسي لَن نؤمن لك حتّي نري ألله جهره ).

هى ماسآه تثير أشد ألدهشه .
وهى ماسآه تشير الي صلابه ألقلوب و أستمساكها بالحسيات و ألماديات.
كوفئ ألطلب ألمتعنت بعقوبه صاعقه .
اخذتهم رجفه مدمَره صعقت أرواحهم و أجسادهم علَي ألفور.
ماتوا.

ادرك موسي ما أحدثه ألسبعون ألمختارون فملاه ألاسي و قام يدعو ربه و يناشده أن يعفو عنهم و يرحمهم،
والا يؤاخذهم بما فعل ألسفهاءَ مِنهم،
وليس طلبهم رؤيه ألله تبارك و تعالي و هم علَي ما هُم فيه مِن ألبشريه ألناقصه و قسوه ألقلب غَير سفاهه كبرى.
سفاهه لا يكفر عنها ألا ألموت.

قد يطلب ألنبى رؤيه ربه،
كَما فعل موسى،
ورغم أنطلاق ألطلب مِن و أقع ألحب ألعظيم و ألهوي ألمسيطر،
الذى يبرر بما لَه مِن منطق خاص هَذا ألطلب،
رغم هَذا كله يعتبر طلب ألرؤيه تجاوزا للحدود،
يجازي عَليه ألنبى بالصعق،
فما بالنا بصدور هَذا ألطلب مِن بشر خاطئين،
بشر يحددون للرؤيه مكانا و زمانا،
بعد كُل ما لقوه مِن معجزات و أيات.. أليس هَذا سفاهه كبرى.. و هكذا صعق مِن طلب ألرؤيه ..
ووقف موسي يدعو ربه و يستعطفه و يترضاه..
يحكى ألمولي عز و جل دعاءَ موسي عَليه ألسلام بالتوبه علَي قومه فِى سوره ألاعراف:

واختار موسي قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم ألرجفه قال رب لَو شئت أهلكتهم مِن قَبل و أياى أتهلكنا بما فعل ألسفهاءَ منا أن هِى ألا فتنتك تضل بها مِن تشاءَ و تهدى مِن تشاءَ انت و لينا فاغفر لنا و أرحمنا و أنت خير ألغافرين 155 و أكتب لنا فِى هَذه ألدنيا حسنه و في ألاخره انا هدنا أليك قال عذابى أصيب بِه مِن أشاءَ و رحمتى و سعت كُل شيء فساكتبها للذين يتقون و يؤتون ألزكآه و ألذين هُم باياتنا يؤمنون 156 ألَّذِين يتبعون ألرسول ألنبى ألامى ألَّذِى يجدونه مكتوبا عندهم فِى ألتورآه و ألانجيل يامرهم بالمعروف و ينهاهم عَن ألمنكر و يحل لَهُم ألطيبات و يحرم عَليهم ألخبائث و يضع عنهم أصرهم و ألاغلال ألَّتِى كَانت عَليهم فالذين أمنوا بِه و عزروه و نصروه و أتبعوا ألنور ألَّذِى أنزل معه أولئك هُم ألمفلحون 157 ألاعراف)

هَذه كَانت كلمات موسي لربه و هو يدعوه و يترضاه.
ورضى ألله تعالي عنه و غفر لقومه فاحياهم بَعد موتهم،
واستمع ألمختارون فِى هَذه أللحظات ألباهره مِن تاريخ ألحيآه الي ألنبوءه بمجيء محمد بن عبد ألله صلي ألله عَليه و سلم.

سنلاحظ طريقَه ألربط بَين ألحاضر و ألماضى فِى ألايه ،
ان ألله تعالي يتجاوز زمن مخاطبه ألرسول فِى ألايات الي زمنين سابقين،
هما نزول ألتورآه و نزول ألانجيل،
ليقرر انه تعالي بشر بمحمد فِى هذين ألكتابين ألكريمين.
نعتقد أن أيراد هَذه ألبشري جاءَ يوم صحب موسي مِن قومه سبعين رجلا هُم شيوخ بنى أسرائيل و أفضل مِن فيهم،
لميقات ربه.
في هَذا أليَوم ألخطير بمعجزاته ألكبرى،
تم أيراد ألبشري باخر أنبياءَ ألله عز و جل.

يقول أبن كثِير فِى كتابه قصص ألانبياء،
نقلا عَن قتاده :
ان موسي قال لربه: يا رب أنى أجد فِى ألالواح أمه هِى خير أمه أخرجت للناس،
يامرون بالمعروف و ينهون عَن ألمنكر.
رب أجعلهم أمتي.
قال: تلك أمه أحمد.
قال: ربى أنى أجد فِى ألالواح أمه أناجيلهم فِى صدورهم يقرءونها.
وكان مِن قَبلهم يقرءون كتابهم نظرا،
حتي إذا رفعوها لَم يحفظوا شيئا و لم يعرفوه.
وان ألله أعطاهم مِن ألحفظ شيئا لَم يعطه أحدا مِن ألامم.
رب أجعلهم أمتي.
قال: تلك أمه أحمد.
قال: رب أنى أجد فِى ألالواح أمه يؤمنون بالكتاب ألاول و بالكتاب ألاخر،
ويقاتلون فضول ألضلاله .
فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمه أحمد.
قال: رب أنى أجد فِى ألالواح أمه صدقاتهم ياكلونها فِى بطونهم،
ويؤجرون عَليها،
وكان مِن قَبلهم مِن ألامم إذا تصدق أحدهم بصدقه فقبلت مِنه بعث ألله عَليها نارا فاكلتها،
وان ردت عَليه تركت فتاكلها ألسباع و ألطير.
وان ألله أخذَ صدقاتهم مِن غنيهم لفقيرهم.
رب فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمه أحمد.
قال: رب فانى أجد فِى ألالواح أمه إذا هُم أحدهم بحسنه ثُم عملها كتبت لَه عشره أمثالها الي سبعمائه ضعف.
رب أجعلهم أمتي.
قال: تلك أمه أحمد.
نزول ألمن و ألسلوى:
سار موسي بقومه فِى سيناء.
وهى صحراءَ ليس فيها شجر يقى مِن ألشمس،
وليس فيها طعام و لا ماء.
وادركتهم رحمه ألله فساق أليهم ألمن و ألسلوي و ظللهم ألغمام.
والمن ماده يميل طعمها الي ألحلاوه و تفرزها بَعض أشجار ألفاكهه .
وساق ألله أليهم ألسلوى،
وهو نوع مِن أنواع ألطيور يقال انه ألسمان).
وحين أشتد بهم ألظما الي ألماء،
وسيناءَ مكان يخلو مِن ألماء،
ضرب لَهُم موسي بعصاه ألحجر فانفجرت مِنه أثنتا عشره عينا مِن ألمياه.
وكان بنو أسرائيل ينقسمون الي 12 سبطا.
فارسل ألله ألمياه لكُل مجموعه .
ورغم هَذا ألاكرام و ألحفاوه ،
تحركت فِى ألنفوس ألتواءاتها ألمريضه .
واحتج قوم موسي بانهم سئموا مِن هَذا ألطعام،
واشتاقت نفوسهم الي ألبصل و ألثوم و ألفول و ألعدس،
وكَانت هَذه ألاطعمه أطعمه مصريه تقليديه .
وهكذا سال بنو أسرائيل نبيهم موسي أن يدعو ألله ليخرج لَهُم مِن ألارض هَذه ألاطعمه .

وعاد موسي يستلفتهم الي ظلمهم لانفسهم،
وحنينهم لايام هوانهم فِى مصر،
وكيف انهم يتبطرون علَي خير ألطعام و أكرمه،
ويريدون بدله أدني ألطعام و أسواه.

السير باتجاه بيت ألمقدس:
سار موسي بقومه فِى أتجاه ألبيت ألمقدس.
امر موسي قومه بدخولها و قْتال مِن فيها و ألاستيلاءَ عَليها.
وها قَد جاءَ أمتحانهم ألاخير.
بعد كُل ما و قع لَهُم مِن ألمعجزات و ألايات و ألخوارق.
جاءَ دورهم ليحاربوا بوصفهم مؤمنين قوما مِن عبده ألاصنام.

رفض قوم موسي دخول ألاراضى ألمقدسه .
وحدثهم موسي عَن نعمه ألله عَليهم.
كيف جعل فيهم أنبياء،
وجعلهم ملوكا يرثون ملك فرعون،
واتاهم ما لَم يؤت أحدا مِن ألعالمين.

وكان رد قومه عَليه انهم يخافون مِن ألقتال.
قالوا: أن فيها قوما جبارين،
ولن يدخلوا ألارض ألمقدسه حتّي يخرج مِنها هؤلاء.

وانضم لموسي و هارون أثنان مِن ألقوم.
تقول كتب ألقدماءَ انهم خرجوا فِى ستمائه ألف.
لم يجد موسي مِن بينهم غَير رجلين علَي أستعداد للقتال.
وراح هذان ألرجلان يحاولان أقناع ألقوم بدخول ألارض و ألقتال.
قالا: أن مجرد دخولهم مِن ألباب سيجعل لَهُم ألنصر.
ولكن بنى أسرائيل جميعا كَانوا يتدثرون بالجبن و يرتعشون فِى أعماقهم.

مَره اُخري تعاودهم طبيعتهم ألَّتِى عاودتهم قَبل ذَلِك حين راوا قوما يعكفون علَي أصنامهم.
فسدت فطرتهم،
وانهزموا مِن ألداخل،
واعتادوا ألذل،
فلم يعد فِى أستطاعتهم أن يحاربوا.
وان بقى فِى أستطاعتهم أن يتوقحوا علَي نبى ألله موسي و ربه.
وقال قوم موسي لَه كلمتهم ألشهيره : فاذهب انت و ربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون هكذا بصراحه و بلا ألتواء.

ادرك موسي أن قومه ما عادوا يصلحون لشيء.
مات ألفرعون و لكن أثاره فِى ألنفوس باقيه يحتاج شفاؤها لفتره طويله .
عاد موسي الي ربه يحدثه انه لا يملك ألا نفْسه و أخاه.
دعا موسي علَي قومه أن يفرق ألله بينه و بينهم.

واصدر ألله تعالي حكمه علَي هَذا ألجيل ألَّذِى فسدت فطرته مِن بنى أسرائيل.
كان ألحكم هُو ألتيه أربعين عاما.
حتي يموت هَذا ألجيل او يصل الي ألشيخوخه .
ويولد بدلا مِنه جيل أخر،
جيل لَم يهزمه احد مِن ألداخل،
ويستطيع ساعتها أن يقاتل و أن ينتصر.

قصه ألبقره :

بدات أيام ألتيه.
بدا ألسير فِى دائره مغلقه .
تنتهى مِن حيثُ تبدا،
وتبدا مِن حيثُ تنتهي،
بدا ألسير الي غَير مقصد.
ليلا و نهارا و صباحا و مساء.
دخلوا ألبريه عِند سيناء.

مكث موسي فِى قومه يدعوهم الي ألله.
ويبدو أن نفوسهم كَانت ملتويه بشَكل لا تخطئه عين ألملاحظه ،
وتبدو لجاجتهم و عنادهم فيما يعرف بقصه ألبقره .
فان ألموضوع لَم يكن يقتضى كُل هَذه ألمفاوضات بينهم و بين موسى،
كَما انه لَم يكن يستوجب كُل هَذا ألتعنت.
واصل قصه ألبقره أن قتيلا ثريا و جد يوما فِى بنى أسرائيل،
واختصم أهله و لم يعرفوا قاتله،
وحين أعياهم ألامر لجئوا لموسي ليلجا لربه.
ولجا موسي لربه فامَره أن يامر قومه أن يذبحوا بقره .
وكان ألمفروض هُنا أن يذبح ألقوم اول بقره تصادفهم.
غير انهم بدءوا مفاوضتهم باللجاجه .
اتهموا موسي بانه يسخر مِنهم و يتخذهم هزوا،
واستعاذَ موسي بالله أن يَكون مِن ألجاهلين و يسخر مِنهم.
افهمهم أن حل ألقضيه يكمن فِى ذَبح بقره .

ان ألامر هُنا أمر معجزه ،
لا علاقه لَها بالمالوف فِى ألحياه ،
او ألمعتاد بَين ألناس.
ليست هُناك علاقه بَين ذَبح ألبقره و معرفه ألقاتل فِى ألجريمه ألغامضه ألَّتِى و قعت،
لكن متَي كَانت ألاسباب ألمنطقيه هِى ألَّتِى تحكم حيآه بنى أسرائيل أن ألمعجزات ألخارقه هِى ألقانون ألسائد فِى حياتهم،
وليس أستمرارها فِى حادث ألبقره أمرا يوحى بالعجب او يثير ألدهشه .

لكن بنى أسرائيل هُم بنو أسرائيل.
مجرد ألتعامل معهم عنت.
تستوى فِى ذَلِك ألامور ألدنيويه ألمعتاده ،
وشؤون ألعقيده ألمهمه .
لا بد أن يعانى مِن يتصدي لامر مِن أمور بنى أسرائيل.
وهكذا يعانى موسي مِن أيذائهم لَه و أتهامه بالسخريه مِنهم،
ثم ينبئهم انه جاد فيما يحدثهم به،
ويعاود أمَره أن يذبحوا بقره ،
وتعود ألطبيعه ألمراوغه لبنى أسرائيل الي ألظهور،
تعود أللجاجه و ألالتواء،
فيتساءلون: أهى بقره عاديه كَما عهدنا مِن هَذا ألجنس مِن ألحيوان أم انها خلق تفرد بمزيه ،
فليدع موسي ربه ليبين ما هي.
ويدعو موسي ربه فيزداد ألتشديد عَليهم،
وتحدد ألبقره اكثر مِن ذَى قَبل،
بأنها بقره و سَط.
ليست بقره مسنه ،
وليست بقره فتيه .
بقره متوسطه .

الي هُنا كَان ينبغى أن ينتهى ألامر،
غير أن ألمفاوضات لَم تزل مستمره ،
ومراوغه بنى أسرائيل لَم تزل هِى ألَّتِى تحكم مائده ألمفاوضات.
ما هُو لون ألبقره لماذَا يدعو موسي ربه ليساله عَن لون هَذا ألبقره لا يراعون مقتضيات ألادب و ألوقار أللازمين فِى حق ألله تعالي و حق نبيه ألكريم،
وكيف انهم ينبغى أن يخجلوا مِن تكليف موسي بهَذا ألاتصال ألمتكرر حَول موضوع بسيط لا يستحق كُل هَذه أللجاجه و ألمراوغه .
ويسال موسي ربه ثُم يحدثهم عَن لون ألبقره ألمطلوبه .
فيقول انها بقره صفراء،
فاقع لونها تسر ألناظرين.

وهكذا حددت ألبقره بأنها صفراء،
ورغم و ضوح ألامر،
فقد عادوا الي أللجاجه و ألمراوغه .
فشدد ألله عَليهم كَما شددوا علَي نبيه و أذوه.
عادوا يسالون موسي أن يدعو ألله ليبين ما هي،
فان ألبقر تشابه عَليهم،
وحدثهم موسي عَن بقره ليست معده لحرث و لا لسقي،
سلمت مِن ألعيوب،
صفراءَ لا شيه فيها،
بمعني خالصه ألصفره .
انتهت بهم أللجاجه الي ألتشديد.
وبدءوا بحثهم عَن بقره بهَذه ألصفات ألخاصه .
اخيرا و جدوها عِند يتيم فاشتروها و ذَبحوها.

وامسك موسي جُزء مِن ألبقره و قيل لسأنها و ضرب بِه ألقتيل فنهض مِن موته.
ساله موسي عَن قاتله فحدثهم عنه و قيل أشار الي ألقاتل فَقط مِن غَير أن يتحدث ثُم عاد الي ألموت.
وشاهد بنو أسرائيل معجزه أحياءَ ألموتي امام أعينهم،
استمعوا باذانهم الي أسم ألقاتل.
انكشف غموض ألقضيه ألَّتِى حيرتهم زمنا طال بسَبب لجاجتهم و تعنتهم.

نود أن نستلفت أنتباه ألقارئ الي سوء أدب ألقوم مَع نبيهم و ربهم،
ولعل ألسياق ألقرانى يورد ذَلِك عَن طريق تكرارهم لكلمه “ربك” ألَّتِى يخاطبون بها موسى.
وكان ألاولي بهم أن يقولوا لموسى،
تادبا،
لو كَان لا بد أن يقولوا: أدع لنا ربك أدع لنا ربنا.
اما أن يقولوا له: فكانهم يقصرون ربوبيه ألله تعالي علَي موسى.
ويخرجون أنفسهم مِن شرف ألعبوديه لله.
انظر الي ألايات كَيف توحى بهَذا كله.
ثم تامل سخريه ألسياق مِنهم لمجرد أيراده لقولهم: ألآن جئت بالحق بَعد أن أرهقوا نبيهم ذَهابا و جيئه بينهم و بين ألله عز و جل،
بعد أن أرهقوا نبيهم بسؤاله عَن صفه ألبقره و لونها و سنها و علاماتها ألمميزه ،
بعد تعنتهم و تشديد ألله عَليهم،
يقولون لنبيهم حين جاءهم بما يندر و جوده و يندر ألعثور عَليه فِى ألبقر عاده .

ساعتها قالوا له: “الآن جئت بالحق”.
كانه كَان يلعب قَبلها معهم،
ولم يكن ما جاءَ هُو ألحق مِن اول كلمه لاخر كلمه .
ثم أنظر الي ظلال ألسياق و ما تشى بِه مِن ظلمهم: فذبحوها و ما كادوا يفعلون ألا توحى لك ظلال ألايات بتعنتهم و تسويفهم و مماراتهم و لجاجتهم فِى ألحق هَذه أللوحه ألرائعه تشى بموقف بنى أسرائيل علَي موائد ألمفاوضات.
هى صورتهم علَي مائده ألمفاوضات مَع نبيهم ألكريم موسى.

ايذاءَ بنى أسرائيل لموسى:

قاسى موسي مِن قومه أشد ألمقاساه ،
وعاني عناءَ عظيما،
واحتمل فِى تبليغهم رسالته ما أحتمل فِى سبيل ألله.
ولعل مشكله موسي ألاساسيه انه بعث الي قوم طال عَليهم ألعهد بالهوان و ألذل،
وطال بقاؤهم فِى جو يخلو مِن ألحريه ،
وطال مكثهم و سَط عباده ألاصنام،
ولقد نجحت ألمؤثرات ألعديده ألمختلفه فِى أن تخلق هَذه ألنفسيه ألملتويه ألخائره ألمهزومه ألَّتِى لا تصلح لشيء.
الا أن تعذب أنبيائها و مصلحيها.

وقد عذب بنو أسرائيل موسي عذابا نستطيع نحن أبناءَ هَذا ألزمان أن ندرك و قعه علَي نفْس موسي ألنقيه ألحساسه ألكريمه .
ولم يقتصر ألعذاب علَي ألعصيان و ألغباءَ و أللجاجه و ألجهل و عباده ألاوثان،
وإنما تعدي ألامر الي أيذاءَ موسي فِى شخصه.

قال تعالى:

يا أيها ألَّذِين أمنوا لا تكونوا كالذين أذوا موسي فبراه ألله مما قالوا و كان عِند ألله و جيها 69 ألاحزاب)

ونحن لا تعرف كنه هَذا ألايذاء،
ونستبعد روايه بَعض ألعلماءَ ألَّتِى يقولون فيها أن موسي كَان رجلا حييا يستتر دائما و لا يحب أن يري احد مِن ألناس جسده فاتهمه أليهود بانه مصاب بمرض جلدى او برص،
فاراد ألله أن يبرئه مما قالوا،
فذهب يستحم يوما و وضع ثيابه علَي حجر،
ثم خرج فاذا ألحجر يجرى بثيابه و موسي يجرى و راءَ ألحجر عاريا حتّي شاهده بنو أسرائيل عاريا و ليس بجلده عيب.
نستبعد هَذه ألقصه لتفاهتها،
فأنها الي جوار خرافه جرى ألحجر بملابسه،
لا تعطى موسي حقه مِن ألتوقير،
وهى تتنافى مَع عصمته كنبي.

ونعتقد أن أليهود أذوا موسي أيذاءَ نفْسيا،
هَذا هُو ألايذاءَ ألَّذِى يدمى ألنفوس ألكريمه و يجرحها حقا،
ولا نعرف كَيف كَان هَذا ألايذاء،
ولكننا نستطيع تخيل ألمدي ألعبقرى ألاثم ألَّذِى يستطيع بلوغه بنو أسرائيل فِى أيذائهم لموسى.
فتره ألتيه:

ولعل أعظم أيذاءَ لموسى،
كان رفض بنى أسرائيل ألقتال مِن أجل نشر عقيده ألتوحيد فِى ألارض،
او علَي اقل تقدير،
السماح لهَذه ألعقيده أن تستقر علَي ألارض فِى مكان،
وتامن علَي نفْسها،
وتمارس تعبدها فِى هدوء.
لقد رفض بنو أسرائيل ألقتال.
وقالوا لموسي كلمتهم ألشهيره : فاذهب انت و ربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون).

وبهَذه ألنفسيه حكم ألله عَليهم بالتيه.
وكان ألحكم يحدد أربعين عاما كامله ،
وقد مكث بنو أسرائيل فِى ألتيه أربعين سنه ،
حتي فنى جيل باكمله.
فني ألجيل ألخائر ألمهزوم مِن ألداخل،
وولد فِى ضياع ألشتات و قسوه ألتيه جيل جديد.
جيل لَم يتربي و سَط مناخ و ثني،
ولم يشل روحه أنعدام ألحريه .
جيل لَم ينهزم مِن ألداخل،
جيل لَم يعد يستطيع ألابناءَ فيه أن يفهموا لماذَا يطوف ألاباءَ هكذا بغير هدف فِى تيه لا يبدو لَه اول و لا تستبين لَه نهايه .
الا خشيه مِن لقاءَ ألعدو.
جيل صار مستعدا لدفع ثمن أدميته و كرامته مِن دمائه.
جيل لا يقول لموسي فاذهب انت و ربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون).

جيل آخر يتبني قيم ألشجاعه ألعسكريه ،
كجُزء مُهم مِن نسيج اى ديانه مِن ديانات ألتوحيد.
اخيرا و لد هَذا ألجيل و سَط تيه ألاربعين عاما.

ولقد قدر لموسى.
زياده فِى معاناته و رفعا لدرجته عِند ألله تعالى.
قدر لَه ألا تكتحل عيناه بمراي هَذا ألجيل.
فقد مات موسي عَليه ألصلآه و ألسلام قَبل أن يدخل بنو أسرائيل ألارض ألَّتِى كتب ألله عَليهم دخولها.

وقال رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم حين كَان قومه يؤذونه فِى ألله: قَد أوذى موسي بأكثر مِن ذَلِك فصبر.

مات هارون قَبل موسي بزمن قصير.
واقترب أجل موسى،
عليه ألصلآه و ألسلام.
وكان لَم يزل فِى ألتيه.
قال يدعو ربه: رب أدننى الي ألارض ألمقدسه رميه حجر.

احب أن يموت قريبا مِن ألارض ألَّتِى هاجر أليها.
وحث قومه عَليها.
ولكنه لَم يستطع،
ومات فِى ألتيه.
ودفن عِند كثيب أحمر حدث عنه آخر أنبياءَ ألله فِى ألارض حين أسري به.
قال محمد صلي ألله عَليه و سلم: لما أسرى بى مررت بموسي و هو قائم يصلى فِى قبره عِند ألكثيب ألاحمر.

تروى ألاساطير عديدا مِن ألحكايات حَول موت موسى،
وتحكى انه ضرب ملك ألموت حين جاءَ يستل روحه،
وامثال هَذه ألروايات كثِيره .
لكننا لا نحب أن نخوض فِى هَذه ألروايات حتّي لا ننجرف و راءَ ألاسرائيليات ألَّتِى دخلت بَعض كتب ألتفسير.

مات موسي عَليه ألصلآه و ألسلام فِى ألتيه،
وتولي يوشع بن نون أمر بنى أسرائيل.
اكمال ألقصه

ادرك موسي انه تسرع..
وعاد جبريل،
عليه ألسلام،
يقول له: أن لله عبدا بمجمع ألبحرين هُو أعلم منك.تاقت نفْس موسي ألكريمه الي زياده ألعلم،
وانعقدت نيته علَي ألرحيل لمصاحبه هَذا ألعبد ألعالم..
سال كَيف ألسبيل أليه..
فامر أن يرحل،
وان يحمل معه حوتا فِى مكتل،
اى سمكه فِى سله ..
وفي هَذا ألمكان ألَّذِى ترتد فيه ألحيآه لهَذا ألحوت و يتسرب فِى ألبحر،
سيجد ألعبد ألعالم..
انطلق موسي طالب ألعلم و معه فتاه..
وقد حمل ألفتي حوتا فِى سله ..
انطلقا بحثا عَن ألعبد ألصالح ألعالم..
وليست لديهم اى علامه علَي ألمكان ألَّذِى يُوجد فيه ألا معجزه أرتداد ألحيآه للسمكه ألقابعه فِى ألسله و تسربها الي ألبحر.ويظهر عزم موسي عَليه ألسلام علَي ألعثور علَي هَذا ألعبد ألعالم و لو أضطره ألامر الي أن يسير أحقابا و أحقابا.
قيل أن ألحقب عام،
وقيل ثمانون عاما.
علي أيه حال فَهو تعبير عَن ألتصميم،
لا عَن ألمده علَي و جه ألتحديد.وصل ألاثنان الي صخره جوار ألبحر..
رقد موسي و أستسلم للنعاس،
وبقى ألفتي ساهرا..
والقت ألرياح أحدي ألامواج علَي ألشاطئ فاصاب ألحوت رذاذَ فدبت فيه ألحيآه و قفز الي ألبحر..
(فاتخذَ سبيله فِى ألبحر سربا)..
وكان تسرب ألحوت الي ألبحر علامه أعلم ألله بها موسي لتحديد مكان لقائه بالرجل ألحكيم ألَّذِى جاءَ موسي يتعلم مِنه.نهض موسي مِن نومه فلم يلاحظ أن ألحوت تسرب الي ألبحر..
ونسى فتاه ألَّذِى يصحبه أن يحدثه عما و قع للحوت..
وسار موسي مَع فتاه بقيه يومهما و ليلتهما و قد نسيا حوتهما..
ثم تذكر موسي غداءه و حل عَليه ألتعب..
(قال لفتاه أتنا غداءنا لقد لقينا مِن سفرنا هَذا نصبا)..
ولمع فِى ذَهن ألفتي ما و قع.ساعتئذَ تذكر ألفتي كَيف تسرب ألحوت الي ألبحر هناك..
واخبر موسي بما و قع،
واعتذر أليه بان ألشيطان أنساه أن يذكر لَه ما و قع،
رغم غرابه ما و قع،
فقد أتخذَ ألحوت سبيله فِى ألبحر عجبا)..
كان أمرا عجيبا ما راه يوشع بن نون،
لقد راي ألحوت يشق ألماءَ فيترك علامه و كانه طير يتلوي علَي ألرمال.سعد موسي مِن مروق ألحوت الي ألبحر و (قال ذَلِك ما كنا نبغ)..
هَذا ما كنا نُريده..
ان تسرب ألحوت يحدد ألمكان ألَّذِى سنلتقى فيه بالرجل ألعالم..
ويرتد موسي و فتاه يقصان أثرهما عائدين..
انظر الي بِدايه ألقصه ،
وكيف تجيء غامضه أشد ألغموض،
مبهمه أعظم ألابهام.اخيرا و صل موسي الي ألمكان ألَّذِى تسرب مِنه ألحوت..
وصلا الي ألصخره ألَّتِى ناما عندها،
وتسرب عندها ألحوت مِن ألسله الي ألبحر..
وهُناك و جداً رجلا.يقول ألبخارى أن موسي و فتاه و جداً ألخضر مسجي بثوبه..
وقد جعل طرفه تَحْت رجليه و طرف تَحْت راسه.
فسلم عَليه موسى،
فكشف عَن و جهه و قال: هَل بارضك سلام.. مِن أنت؟
قال موسى: انا موسى.
قال ألخضر: موسي بنى أسرائيل..
عليك ألسلام يا نبى أسرائيل.
قال موسى: و ما أدراك بي..؟
قال ألخضر: ألَّذِى أدراك بى و دلك علي..
ماذَا تُريد يا موسى..؟
قال موسي ملاطفا مبالغا فِى ألتوقير: هَل أتبعك علَي أن تعلمن مما علمت رشدا).
قال ألخضر: أما يكفيك أن ألتورآه بيديك..
وان ألوحى ياتيك.. يا موسي أنك لَن تستطيع معى صبرا).
نريد أن نتوقف لحظه لنلاحظ ألفرق بَين سؤال موسي ألملاطف ألمغالى فِى ألادب..
ورد ألخضر ألحاسم،
الذى يفهم موسي أن علمه لا ينبغى لموسي أن يعرفه،
كَما أن علم موسي هُو علم لا يعرفه ألخضر..
يقول ألمفسرون أن ألخضر قال لموسى: أن علمى انت تجهله..
ولن تطيق عَليه صبرا،
لان ألظواهر ألَّتِى ستحكم بها علَي علمى لَن تشفي قلبك و لن تعطيك تفسيرا،
وربما رايت فِى تصرفاتى ما لا تفهم لَه سَببا او تدرى لَه عله ..
واذن لَن تصبر علَي علمى يا موسى.احتمل موسي كلمات ألصد ألقاسيه و عاد يرجوه أن يسمح لَه بمصاحبته و ألتعلم مِنه..
وقال لَه موسي فيما قال انه سيجده أن شاءَ ألله صابرا و لا يعصى لَه أمرا.تامل كَيف يتواضع كليم ألله و يؤكد للعبد ألمدثر بالخفاءَ انه لَن يعصى لَه أمرا.
قال ألخضر لموسي عَليهما ألسلام أن هُناك شرطا يشترطه لقبول أن يصاحبه موسي و يتعلم مِنه هُو ألا يساله عَن شيء حتّي يحدثه هُو عنه..
فوافق موسي علَي ألشرط و أنطلقا..انطلق موسي مَع ألخضر يمشيان علَي ساحل ألبحر..
مرت سفينه ،
فطلب ألخضر و موسي مِن أصحابها أن يحملوهما،
وعرف أصحاب ألسفينه ألخضر فحملوه و حملوا موسي بِدون أجر،
اكراما للخضر،
وفوجئ موسي حين رست ألسفينه و غادرها أصحابها و ركابها..
فوجئ بان ألخضر يتخلف فيها،
لم يكد أصحابها يبتعدون حتّي بدا ألخضر يخرق ألسفينه ..
اقتلع لوحا مِن ألواحها و ألقاه فِى ألبحر فحملته ألامواج بعيدا.فاستنكر موسي فعله ألخضر.
لقد حملنا أصحاب ألسفينه بغير أجر..
اكرمونا..
وها هُو ذَا يخرق سفينتهم و يفسدها..
كان ألتصرف مِن و جهه نظر موسي معيبا..
وغلبت طبيعه موسي ألمندفعه عَليه،
كَما حركته غَيرته علَي ألحق،
فاندفع يحدث أستاذه و معلمه و قد نسى شرطه ألَّذِى أشترطه عَليه: قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا).وهنا يلفت ألعبد ألربانى نظر موسي الي عبث محاوله ألتعليم مِنه،
لانه لَن يستطيع ألصبر عَليه قال ألم اقل أنك لَن تستطيع معى صبرا)،
ويعتذر موسي بالنسيان و يرجوه ألا يؤاخذه و ألا يرهقه قال لا تؤاخذنى بما نسيت و لا ترهقنى مِن أمرى عسرا).سارا معا..
فمرا علَي حديقه يلعب فيها ألصبيان..
حتي إذا تعبوا مِن أللعب أنتحي كُل و أحد مِنهم ناحيه و أستسلم للنعاس..
فوجئ موسي بان ألعبد ألربانى يقتل غلاما..
ويثور موسي سائلا عَن ألجريمه ألَّتِى أرتكبها هَذا ألصبى ليقتله هكذا..
يعاود ألعبد ألربانى تذكيره بانه أفهمه انه لَن يستطيع ألصبر عَليه قال ألم اقل لك أنك لَن تستطيع معى صبرا)..
ويعتذر موسي بانه نسى و لن يعاود ألاسئله و أذا ساله مَره اُخري سيَكون مِن حقه أن يفارقه قال أن سالتك عَن شيء بَعدها فلا تصاحبنى قَد بلغت مِن لدنى عذرا).ومضي موسي مَع ألخضر..
فدخلا قريه بخيله ..
لا يعرف موسي لماذَا ذَهبا الي ألقريه ،
ولا يعرف لماذَا يبيتان فيها،
نفذَ ما معهما مِن ألطعام،
فاستطعما أهل ألقريه فابوا أن يضيفوهما..
وجاءَ عَليهما ألمساء،
واوي ألاثنان الي خلاءَ فيه جدار يُريد أن ينقض..
جدار يتهاوي و يكاد يهم بالسقوط..
وفوجئ موسي بان ألرجل ألعابد ينهض ليقضى ألليل كله فِى أصلاح ألجدار و بنائه مِن جديد..
ويندهش موسي مِن تصرف رفيقه و معلمه،
ان ألقريه بخيله ،
لا يستحق مِن فيها هَذا ألعمل ألمجانى قال لَو شئت لاتخذت عَليه أجرا)..
انتهي ألامر بهَذه ألعباره ..
قال عبد ألله لموسى: هَذا فراق بينى و بينك).لقد حذر ألعبد ألربانى موسي مِن مغبه ألسؤال.
وجاءَ دور ألتفسير ألان..ان كُل تصرفات ألعبد ألربانى ألَّتِى أثارت موسي و حيرته لَم يكن حين فعلها تصدر عَن أمره..
كان ينفذَ أراده عليا..
وكَانت لهَذه ألاراده ألعليا حكمتها ألخافيه ،
وكَانت ألتصرفات تشى بالقسوه ألظاهره ،
بينما تخفي حقيقتها رحمه حانيه ..
وهكذا تخفي ألكوارث أحيانا فِى ألدنيا جوهر ألرحمه ،
وترتدى ألنعم ثياب ألمصائب و تجيد ألتنكر،
وهكذا يتناقض ظاهر ألامر و باطنه،
ولا يعلم موسى،
رغم علمه ألهائل غَير قطره مِن علم ألعبد ألرباني،
ولا يعلم ألعبد ألربانى مِن علم ألله ألا بمقدار ما ياخذَ ألعصفور ألَّذِى يبلل منقاره فِى ألبحر،
من ماءَ ألبحر..كشف ألعبد ألربانى لموسي شيئين فِى ألوقت نفْسه..
كشف لَه أن علمه اى علم موسي محدود..
كَما كشف لَه أن كثِيرا مِن ألمصائب ألَّتِى تقع علَي ألارض تخفي فِى ردائها ألاسود ألكئيب رحمه عظمى.ان أصحاب ألسفينه سيعتبرون خرق سفينتهم مصيبه جاءتهم،
بينما هِى نعمه تتخفى فِى زى ألمصيبه ..
نعمه لَن تكشف ألنقاب عَن و جهها ألا بَعد أن تنشب ألحرب و يصادر ألملك كُل ألسفن ألموجوده غصبا،
ثم يفلت هَذه ألسفينه ألتالفه ألمعيبه ..
وبذلِك يبقي مصدر رزق ألاسره عندهم كَما هو،
فلا يموتون جوعا.
أيضا سيعتبر و ألد ألطفل ألمقتول و أمه أن كارثه قَد دهمتهما لقتل و حيدهما ألصغير ألبريء..
غير أن موته يمثل بالنسبه لهما رحمه عظمى،
فان ألله سيعطيهما بدلا مِنه غلاما يرعاهما فِى شيخوختهما و لا يرهقهما طغيانا و كفرا كالغلام ألمقتول.
وهكذا تختفي ألنعمه فِى ثياب ألمحنه ،
وترتدى ألرحمه قناع ألكارثه ،
ويختلف ظاهر ألاشياءَ عَن باطنها حتّي ليحتج نبى ألله موسي الي تصرف يجرى امامه،
ثم يستلفته عبد مِن عباد ألله الي حكمه ألتصرف و مغزاه و رحمه ألله ألكليه ألَّتِى تخفي نفْسها و راءَ أقنعه عديده .اما ألجدار ألَّذِى أتعب نفْسه باقامته،
من غَير أن يطلب أجرا مِن أهل ألقريه ،
كان يخبئ تَحْته كنزا لغلامين يتيمين ضعيفين فِى ألمدينه .
ولو ترك ألجدار ينقض لظهر مِن تَحْته ألكنز فلم يستطع ألصغيران أن يدفعا عنه..
ولما كَان أبوهما صالحا فقد نفعهما ألله بصلاحه فِى طفولتهما و َضعفهما،
فاراد أن يكبرا و يشتد عودهما و يستخرجا كنزهما و هما قادران علَي حمايته.ثم ينفض ألرجل يده مِن ألامر.
فَهى رحمه ألله ألَّتِى أقتضت هَذا ألتصرف.
وهو أمر ألله لا أمره.
فقد أطلعه علَي ألغيب فِى هَذه ألمساله و فيما قَبلها،
ووجهه الي ألتصرف فيها و فق ما أطلعه عَليه مِن غيبه.
واختفى هَذا ألعبد ألصالح..
لقد مضي فِى ألمجهول كَما خرج مِن ألمجهول..

والآن مِن يَكون صاحب هَذا ألعلم أذن.. أهو و لى أم نبي..؟

يري كثِير مِن ألصوفيه أن هَذا ألعبد ألربانى و لى مِن أولياءَ ألله تعالى،
اطلعه ألله علَي جُزء مِن علمه أللدنى بغير أسباب أنتقال ألعلم ألمعروفه ..
ويري بَعض ألعلماءَ أن هَذا ألعبد ألصالح كَان نبيا..
ويحتج أصحاب هَذا ألراى بان سياق ألقصه يدل علَي نبوته مِن و جوه:

1.
احدها
قوله تعالى:

فوجداً عبدا مِن عبادنا أتيناه رحمه مِن عندنا و علمناه مِن لدنا علما ألكهف)

2.
والثاني
قول موسي له:

قال لَه موسي هَل أتبعك علَي أن تعلمن مما علمت رشدا 66 قال أنك لَن تستطيع معى صبرا 67 و كيف تصبر علَي ما لَم تحط بِه خبرا 68 قال ستجدنى أن شاءَ ألله صابرا و لا أعصى لك أمرا 69 قال فإن أتبعتنى فلا تسالنى عَن شيء حتّي أحدث لك مِنه ذَكرا 70 ألكهف)

فلو كَان و ليا و لم يكن نبي،
لم يخاطبه موسي بهَذه ألمخاطبه ،
ولم يرد علَي موسي هَذا ألرد.
ولو انه كَان غَير نبي،
لكان هَذا معناه انه ليس معصوما،
ولم يكن هُناك دافع لموسى،
وهو ألنبى ألعظيم،
وصاحب ألعصمه ،
ان يلتمس علما مِن و لى غَير و أجب ألعصمه .

3.
والثالث
ان ألخضر أقدم علَي قتل ذَلِك ألغلام بوحى مِن ألله و أمر مِنه..
وهَذا دليل مستقل علَي نبوته،
وبرهان ظاهر علَي عصمته،
لان ألولى لا يجوز لَه ألاقدام علَي قتل ألنفوس بمجرد ما يلقي فِى خلده،
لان خاطره ليس بواجب ألعصمه ..
اذَ يجوز عَليه ألخطا بالاتفاق..
واذن ففي أقدام ألخضر علَي قتل ألغلام دليل نبوته.

4.
والرابع
قول ألخضر لموسى
رحمه مِن ربك و ما فعلته عَن أمري

يَعنى أن ما فعلته لَم أفعله مِن تلقاءَ نفْسي،
بل أمر أمرت بِه مِن ألله و أوحى الي فيه.

فراي ألعلماءَ أن ألخضر نبيا،
اما ألعباد و ألصوفيه راوا انه و ليا مِن أولياءَ ألله.

ومن كلمات ألخضر ألَّتِى أوردها ألصوفيه عنه..
قول و هب بن منبه: قال ألخضر: يا موسي أن ألناس معذبون فِى ألدنيا علَي قدر همومهم بها.
وقول بشر بن ألحارث ألحافي..
قال موسي للخضر: أوصني..
قال ألخضر: يسر ألله عليك طاعته.

ونحن نميل الي أعتباره نبيا لعلمه أللدني،
غير أننا لا نجد نصا فِى سياق ألقران علَي نبوته،
ولا نجد نصا مانعا مِن أعتباره و ليا أتاه ألله بَعض علمه أللدني..
ولعل هَذا ألغموض حَول شخصه ألكريم جاءَ متعمدا،
ليخدم ألهدف ألاصلى للقصه ..
ولسوفَ نلزم مكاننا فلا نتعداه و نختصم حَول نبوته او و لايته..
وان أوردناه فِى سياق أنبياءَ ألله،
لكونه معلما لموسى..
واستاذا لَه فتره مِن ألزمن.
ادرك موسي انه تسرع..
وعاد جبريل،
عليه ألسلام،
يقول له: أن لله عبدا بمجمع ألبحرين هُو أعلم منك.تاقت نفْس موسي ألكريمه الي زياده ألعلم،
وانعقدت نيته علَي ألرحيل لمصاحبه هَذا ألعبد ألعالم..
سال كَيف ألسبيل أليه..
فامر أن يرحل،
وان يحمل معه حوتا فِى مكتل،
اى سمكه فِى سله ..
وفي هَذا ألمكان ألَّذِى ترتد فيه ألحيآه لهَذا ألحوت و يتسرب فِى ألبحر،
سيجد ألعبد ألعالم..
انطلق موسي طالب ألعلم و معه فتاه..
وقد حمل ألفتي حوتا فِى سله ..
انطلقا بحثا عَن ألعبد ألصالح ألعالم..
وليست لديهم اى علامه علَي ألمكان ألَّذِى يُوجد فيه ألا معجزه أرتداد ألحيآه للسمكه ألقابعه فِى ألسله و تسربها الي ألبحر.ويظهر عزم موسي عَليه ألسلام علَي ألعثور علَي هَذا ألعبد ألعالم و لو أضطره ألامر الي أن يسير أحقابا و أحقابا.
قيل أن ألحقب عام،
وقيل ثمانون عاما.
علي أيه حال فَهو تعبير عَن ألتصميم،
لا عَن ألمده علَي و جه ألتحديد.وصل ألاثنان الي صخره جوار ألبحر..
رقد موسي و أستسلم للنعاس،
وبقى ألفتي ساهرا..
والقت ألرياح أحدي ألامواج علَي ألشاطئ فاصاب ألحوت رذاذَ فدبت فيه ألحيآه و قفز الي ألبحر..
(فاتخذَ سبيله فِى ألبحر سربا)..
وكان تسرب ألحوت الي ألبحر علامه أعلم ألله بها موسي لتحديد مكان لقائه بالرجل ألحكيم ألَّذِى جاءَ موسي يتعلم مِنه.نهض موسي مِن نومه فلم يلاحظ أن ألحوت تسرب الي ألبحر..
ونسى فتاه ألَّذِى يصحبه أن يحدثه عما و قع للحوت..
وسار موسي مَع فتاه بقيه يومهما و ليلتهما و قد نسيا حوتهما..
ثم تذكر موسي غداءه و حل عَليه ألتعب..
(قال لفتاه أتنا غداءنا لقد لقينا مِن سفرنا هَذا نصبا)..
ولمع فِى ذَهن ألفتي ما و قع.ساعتئذَ تذكر ألفتي كَيف تسرب ألحوت الي ألبحر هناك..
واخبر موسي بما و قع،
واعتذر أليه بان ألشيطان أنساه أن يذكر لَه ما و قع،
رغم غرابه ما و قع،
فقد أتخذَ ألحوت سبيله فِى ألبحر عجبا)..
كان أمرا عجيبا ما راه يوشع بن نون،
لقد راي ألحوت يشق ألماءَ فيترك علامه و كانه طير يتلوي علَي ألرمال.سعد موسي مِن مروق ألحوت الي ألبحر و (قال ذَلِك ما كنا نبغ)..
هَذا ما كنا نُريده..
ان تسرب ألحوت يحدد ألمكان ألَّذِى سنلتقى فيه بالرجل ألعالم..
ويرتد موسي و فتاه يقصان أثرهما عائدين..
انظر الي بِدايه ألقصه ،
وكيف تجيء غامضه أشد ألغموض،
مبهمه أعظم ألابهام.اخيرا و صل موسي الي ألمكان ألَّذِى تسرب مِنه ألحوت..
وصلا الي ألصخره ألَّتِى ناما عندها،
وتسرب عندها ألحوت مِن ألسله الي ألبحر..
وهُناك و جداً رجلا.يقول ألبخارى أن موسي و فتاه و جداً ألخضر مسجي بثوبه..
وقد جعل طرفه تَحْت رجليه و طرف تَحْت راسه.
فسلم عَليه موسى،
فكشف عَن و جهه و قال: هَل بارضك سلام.. مِن أنت؟
قال موسى: انا موسى.
قال ألخضر: موسي بنى أسرائيل..
عليك ألسلام يا نبى أسرائيل.
قال موسى: و ما أدراك بي..؟
قال ألخضر: ألَّذِى أدراك بى و دلك علي..
ماذَا تُريد يا موسى..؟
قال موسي ملاطفا مبالغا فِى ألتوقير: هَل أتبعك علَي أن تعلمن مما علمت رشدا).
قال ألخضر: أما يكفيك أن ألتورآه بيديك..
وان ألوحى ياتيك.. يا موسي أنك لَن تستطيع معى صبرا).
نريد أن نتوقف لحظه لنلاحظ ألفرق بَين سؤال موسي ألملاطف ألمغالى فِى ألادب..
ورد ألخضر ألحاسم،
الذى يفهم موسي أن علمه لا ينبغى لموسي أن يعرفه،
كَما أن علم موسي هُو علم لا يعرفه ألخضر..
يقول ألمفسرون أن ألخضر قال لموسى: أن علمى انت تجهله..
ولن تطيق عَليه صبرا،
لان ألظواهر ألَّتِى ستحكم بها علَي علمى لَن تشفي قلبك و لن تعطيك تفسيرا،
وربما رايت فِى تصرفاتى ما لا تفهم لَه سَببا او تدرى لَه عله ..
واذن لَن تصبر علَي علمى يا موسى.احتمل موسي كلمات ألصد ألقاسيه و عاد يرجوه أن يسمح لَه بمصاحبته و ألتعلم مِنه..
وقال لَه موسي فيما قال انه سيجده أن شاءَ ألله صابرا و لا يعصى لَه أمرا.تامل كَيف يتواضع كليم ألله و يؤكد للعبد ألمدثر بالخفاءَ انه لَن يعصى لَه أمرا.
قال ألخضر لموسي عَليهما ألسلام أن هُناك شرطا يشترطه لقبول أن يصاحبه موسي و يتعلم مِنه هُو ألا يساله عَن شيء حتّي يحدثه هُو عنه..
فوافق موسي علَي ألشرط و أنطلقا..انطلق موسي مَع ألخضر يمشيان علَي ساحل ألبحر..
مرت سفينه ،
فطلب ألخضر و موسي مِن أصحابها أن يحملوهما،
وعرف أصحاب ألسفينه ألخضر فحملوه و حملوا موسي بِدون أجر،
اكراما للخضر،
وفوجئ موسي حين رست ألسفينه و غادرها أصحابها و ركابها..
فوجئ بان ألخضر يتخلف فيها،
لم يكد أصحابها يبتعدون حتّي بدا ألخضر يخرق ألسفينه ..
اقتلع لوحا مِن ألواحها و ألقاه فِى ألبحر فحملته ألامواج بعيدا.فاستنكر موسي فعله ألخضر.
لقد حملنا أصحاب ألسفينه بغير أجر..
اكرمونا..
وها هُو ذَا يخرق سفينتهم و يفسدها..
كان ألتصرف مِن و جهه نظر موسي معيبا..
وغلبت طبيعه موسي ألمندفعه عَليه،
كَما حركته غَيرته علَي ألحق،
فاندفع يحدث أستاذه و معلمه و قد نسى شرطه ألَّذِى أشترطه عَليه: قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا أمرا).وهنا يلفت ألعبد ألربانى نظر موسي الي عبث محاوله ألتعليم مِنه،
لانه لَن يستطيع ألصبر عَليه قال ألم اقل أنك لَن تستطيع معى صبرا)،
ويعتذر موسي بالنسيان و يرجوه ألا يؤاخذه و ألا يرهقه قال لا تؤاخذنى بما نسيت و لا ترهقنى مِن أمرى عسرا).سارا معا..
فمرا علَي حديقه يلعب فيها ألصبيان..
حتي إذا تعبوا مِن أللعب أنتحي كُل و أحد مِنهم ناحيه و أستسلم للنعاس..
فوجئ موسي بان ألعبد ألربانى يقتل غلاما..
ويثور موسي سائلا عَن ألجريمه ألَّتِى أرتكبها هَذا ألصبى ليقتله هكذا..
يعاود ألعبد ألربانى تذكيره بانه أفهمه انه لَن يستطيع ألصبر عَليه قال ألم اقل لك أنك لَن تستطيع معى صبرا)..
ويعتذر موسي بانه نسى و لن يعاود ألاسئله و أذا ساله مَره اُخري سيَكون مِن حقه أن يفارقه قال أن سالتك عَن شيء بَعدها فلا تصاحبنى قَد بلغت مِن لدنى عذرا).ومضي موسي مَع ألخضر..
فدخلا قريه بخيله ..
لا يعرف موسي لماذَا ذَهبا الي ألقريه ،
ولا يعرف لماذَا يبيتان فيها،
نفذَ ما معهما مِن ألطعام،
فاستطعما أهل ألقريه فابوا أن يضيفوهما..
وجاءَ عَليهما ألمساء،
واوي ألاثنان الي خلاءَ فيه جدار يُريد أن ينقض..
جدار يتهاوي و يكاد يهم بالسقوط..
وفوجئ موسي بان ألرجل ألعابد ينهض ليقضى ألليل كله فِى أصلاح ألجدار و بنائه مِن جديد..
ويندهش موسي مِن تصرف رفيقه و معلمه،
ان ألقريه بخيله ،
لا يستحق مِن فيها هَذا ألعمل ألمجانى قال لَو شئت لاتخذت عَليه أجرا)..
انتهي ألامر بهَذه ألعباره ..
قال عبد ألله لموسى: هَذا فراق بينى و بينك).لقد حذر ألعبد ألربانى موسي مِن مغبه ألسؤال.
وجاءَ دور ألتفسير ألان..ان كُل تصرفات ألعبد ألربانى ألَّتِى أثارت موسي و حيرته لَم يكن حين فعلها تصدر عَن أمره..
كان ينفذَ أراده عليا..
وكَانت لهَذه ألاراده ألعليا حكمتها ألخافيه ،
وكَانت ألتصرفات تشى بالقسوه ألظاهره ،
بينما تخفي حقيقتها رحمه حانيه ..
وهكذا تخفي ألكوارث أحيانا فِى ألدنيا جوهر ألرحمه ،
وترتدى ألنعم ثياب ألمصائب و تجيد ألتنكر،
وهكذا يتناقض ظاهر ألامر و باطنه،
ولا يعلم موسى،
رغم علمه ألهائل غَير قطره مِن علم ألعبد ألرباني،
ولا يعلم ألعبد ألربانى مِن علم ألله ألا بمقدار ما ياخذَ ألعصفور ألَّذِى يبلل منقاره فِى ألبحر،
من ماءَ ألبحر..كشف ألعبد ألربانى لموسي شيئين فِى ألوقت نفْسه..
كشف لَه أن علمه اى علم موسي محدود..
كَما كشف لَه أن كثِيرا مِن ألمصائب ألَّتِى تقع علَي ألارض تخفي فِى ردائها ألاسود ألكئيب رحمه عظمى.ان أصحاب ألسفينه سيعتبرون خرق سفينتهم مصيبه جاءتهم،
بينما هِى نعمه تتخفى فِى زى ألمصيبه ..
نعمه لَن تكشف ألنقاب عَن و جهها ألا بَعد أن تنشب ألحرب و يصادر ألملك كُل ألسفن ألموجوده غصبا،
ثم يفلت هَذه ألسفينه ألتالفه ألمعيبه ..
وبذلِك يبقي مصدر رزق ألاسره عندهم كَما هو،
فلا يموتون جوعا.
أيضا سيعتبر و ألد ألطفل ألمقتول و أمه أن كارثه قَد دهمتهما لقتل و حيدهما ألصغير ألبريء..
غير أن موته يمثل بالنسبه لهما رحمه عظمى،
فان ألله سيعطيهما بدلا مِنه غلاما يرعاهما فِى شيخوختهما و لا يرهقهما طغيانا و كفرا كالغلام ألمقتول.
وهكذا تختفي ألنعمه فِى ثياب ألمحنه ،
وترتدى ألرحمه قناع ألكارثه ،
ويختلف ظاهر ألاشياءَ عَن باطنها حتّي ليحتج نبى ألله موسي الي تصرف يجرى امامه،
ثم يستلفته عبد مِن عباد ألله الي حكمه ألتصرف و مغزاه و رحمه ألله ألكليه ألَّتِى تخفي نفْسها و راءَ أقنعه عديده .اما ألجدار ألَّذِى أتعب نفْسه باقامته،
من غَير أن يطلب أجرا مِن أهل ألقريه ،
كان يخبئ تَحْته كنزا لغلامين يتيمين ضعيفين فِى ألمدينه .
ولو ترك ألجدار ينقض لظهر مِن تَحْته ألكنز فلم يستطع ألصغيران أن يدفعا عنه..
ولما كَان أبوهما صالحا فقد نفعهما ألله بصلاحه فِى طفولتهما و َضعفهما،
فاراد أن يكبرا و يشتد عودهما و يستخرجا كنزهما و هما قادران علَي حمايته.ثم ينفض ألرجل يده مِن ألامر.
فَهى رحمه ألله ألَّتِى أقتضت هَذا ألتصرف.
وهو أمر ألله لا أمره.
فقد أطلعه علَي ألغيب فِى هَذه ألمساله و فيما قَبلها،
ووجهه الي ألتصرف فيها و فق ما أطلعه عَليه مِن غيبه.
واختفى هَذا ألعبد ألصالح..
لقد مضي فِى ألمجهول كَما خرج مِن ألمجهول..

والآن مِن يَكون صاحب هَذا ألعلم أذن.. أهو و لى أم نبي..؟

يري كثِير مِن ألصوفيه أن هَذا ألعبد ألربانى و لى مِن أولياءَ ألله تعالى،
اطلعه ألله علَي جُزء مِن علمه أللدنى بغير أسباب أنتقال ألعلم ألمعروفه ..
ويري بَعض ألعلماءَ أن هَذا ألعبد ألصالح كَان نبيا..
ويحتج أصحاب هَذا ألراى بان سياق ألقصه يدل علَي نبوته مِن و جوه:

1.
احدها
قوله تعالى:

فوجداً عبدا مِن عبادنا أتيناه رحمه مِن عندنا و علمناه مِن لدنا علما ألكهف)

2.
والثاني
قول موسي له:

قال لَه موسي هَل أتبعك علَي أن تعلمن مما علمت رشدا 66 قال أنك لَن تستطيع معى صبرا 67 و كيف تصبر علَي ما لَم تحط بِه خبرا 68 قال ستجدنى أن شاءَ ألله صابرا و لا أعصى لك أمرا 69 قال فإن أتبعتنى فلا تسالنى عَن شيء حتّي أحدث لك مِنه ذَكرا 70 ألكهف)

فلو كَان و ليا و لم يكن نبي،
لم يخاطبه موسي بهَذه ألمخاطبه ،
ولم يرد علَي موسي هَذا ألرد.
ولو انه كَان غَير نبي،
لكان هَذا معناه انه ليس معصوما،
ولم يكن هُناك دافع لموسى،
وهو ألنبى ألعظيم،
وصاحب ألعصمه ،
ان يلتمس علما مِن و لى غَير و أجب ألعصمه .

3.
والثالث
ان ألخضر أقدم علَي قتل ذَلِك ألغلام بوحى مِن ألله و أمر مِنه..
وهَذا دليل مستقل علَي نبوته،
وبرهان ظاهر علَي عصمته،
لان ألولى لا يجوز لَه ألاقدام علَي قتل ألنفوس بمجرد ما يلقي فِى خلده،
لان خاطره ليس بواجب ألعصمه ..
اذَ يجوز عَليه ألخطا بالاتفاق..
واذن ففي أقدام ألخضر علَي قتل ألغلام دليل نبوته.

4.
والرابع
قول ألخضر لموسى
رحمه مِن ربك و ما فعلته عَن أمري

يَعنى أن ما فعلته لَم أفعله مِن تلقاءَ نفْسي،
بل أمر أمرت بِه مِن ألله و أوحى الي فيه.

فراي ألعلماءَ أن ألخضر نبيا،
اما ألعباد و ألصوفيه راوا انه و ليا مِن أولياءَ ألله.

ومن كلمات ألخضر ألَّتِى أوردها ألصوفيه عنه..
قول و هب بن منبه: قال ألخضر: يا موسي أن ألناس معذبون فِى ألدنيا علَي قدر همومهم بها.
وقول بشر بن ألحارث ألحافي..
قال موسي للخضر: أوصني..
قال ألخضر: يسر ألله عليك طاعته.

ونحن نميل الي أعتباره نبيا لعلمه أللدني،
غير أننا لا نجد نصا فِى سياق ألقران علَي نبوته،
ولا نجد نصا مانعا مِن أعتباره و ليا أتاه ألله بَعض علمه أللدني..
ولعل هَذا ألغموض حَول شخصه ألكريم جاءَ متعمدا،
ليخدم ألهدف ألاصلى للقصه ..
ولسوفَ نلزم مكاننا فلا نتعداه و نختصم حَول نبوته او و لايته..
وان أوردناه فِى سياق أنبياءَ ألله،
لكونه معلما لموسى..
واستاذا لَه فتره مِن ألزمن.

قارون و قوم موسى:

يروى لنا ألقران قصه قارون،
وهو مِن قوم موسى.
لكن ألقران لا يحدد زمن ألقصه و لا مكانها.
فهل و قعت هَذه ألقصه و بنو أسرائيل و موسي فِى مصر قَبل ألخروج او و قعت بَعد ألخروج فِى حيآه موسي أم و قعت فِى بنى أسرائيل مِن بَعد موسي و بعيدا عَن ألروايات ألمختلفه ،
نورد ألقصه كَما ذَكرها ألقران ألكريم.

يحدثنا ألله عَن كنوز قارون فيقول سبحانه و تعالي أن مفاتيح ألحجرات ألَّتِى تضم ألكنوز،
كان يصعب حملها علَي مجموعه مِن ألرجال ألاشداء.
ولو عرفنا عَن مفاتيح ألكنوز هَذه ألحال،
فكيف كَانت ألكنوز ذَاتها لكِن قارون بغي علَي قومه بَعد أن أتاه ألله ألثراء.
ولا يذكر ألقران فيم كَان ألبغي،
ليدعه مجهلا يشمل شتي ألصور.
فربما بغي عَليهم بظلمهم و غصبهم أرضهم و أشياءهم.
وربما بغي عَليهم بحرمانهم حقهم فِى ذَلِك ألمال.
حق ألفقراءَ فِى أموال ألاغنياء.
وربما بغي عَليهم بغير هَذه ألاسباب.

ويبدو أن ألعقلاءَ مِن قومه نصحوه بالقصد و ألاعتدال،
وهو ألمنهج ألسليم.
فهم يحذروه مِن ألفرح ألَّذِى يؤدى بصاحبه الي نسيان مِن هُو ألمنعم بهَذا ألمال،
وينصحونه بالتمتع بالمال فِى ألدنيا،
من غَير أن ينسي ألاخره ،
فعليه أن يعمل لاخرته بهَذا ألمال.
ويذكرونه بان هَذا ألمال هبه مِن ألله و أحسان،
فعليه أن يحسن و يتصدق مِن هَذا ألمال،
حتي يرد ألاحسان بالاحسان.
ويحذرونه مِن ألفساد فِى ألارض،
بالبغي،
والظلم،
والحسد،
والبغضاء،
وانفاق ألمال فِى غَير و جهه،
او أمساكه عما يَجب أن يَكون فيه.
فالله لا يحب ألمفسدين.

فكان رد قارون جمله و أحد تحمل شتي معانى ألفساد قال إنما أوتيته علَي علم عندي).
لقد أنساه غروره مصدر هَذه ألنعمه و حكمتها،
وفتنه ألمال و أعماه ألثراء.
فلم يستمع قارون لنداءَ قومه،
ولم يشعر بنعمه ربه.

وخرج قارون ذََات يوم علَي قومه،
بكامل زينته،
فطارت قلوب بَعض ألقوم،
وتمنوا أن لديهم مِثل ما أوتى قارون،
واحسوا انه فِى نعمه كبيره .
فرد عَليهم مِن سمعهم مِن أهل ألعلم و ألايمان: و يلكُم أيها ألمخدوعون،
احذروا ألفتنه ،
واتقوا ألله،
واعلموا أن ثواب ألله خير مِن هَذه ألزينه ،
وما عِند ألله خير مما عِند قارون.

وعندما تبلغ فتنه ألزينه ذَروتها،
وتتهافت امامها ألنفوس و تتهاوى،
تتدخل ألقدره ألالهيه لتضع حدا للفتنه ،
وترحم ألناس ألضعاف مِن أغراءها،
وتحطم ألغرور و ألكبرياء،
فيجيء ألعقاب حاسما فخسفنا بِه و بداره ألارض هكذا فِى لمحه خاطفه أبتلعته ألارض و أبتلعت داره.
وذهب ضعيفا عاجزا،
لا ينصره أحد،
ولا ينتصر بجاه او مال.

وبدا ألناس يتحدثون الي بَعضهم ألبعض فِى دهشه و عجب و أعتبار.
فقال ألَّذِين كَانوا يتمنون أن عندهم مال قارون و سلطانه و زينته و حظه فِى ألدنيا: حقا أن ألله تعالي يبسط ألرزق لمن يشاءَ مِن عباده و يوسع عَليهم،
او يقبض ذَلك،
فالحمد لله أن مِن علينا فحفظنا مِن ألخسف و ألعذاب ألاليم.
انا تبنا أليك سبحانك،
فلك ألحمد فِى ألاولي و ألاخره .
هارون عَليه ألسلام

نبذه :

اخو موسي و رفيقه فِى دعوه فرعون الي ألايمان بالله لانه كَان فصيحا و متحدثا،
استخلفه موسي علَي قومه عندما ذَهب للقاءَ ألله فَوق جبل ألطور،
ولكن حدثت فتنه ألسامرى ألَّذِى حَول بنى أسرائيل الي عباده عجل مِن ألذهب لَه خوار ،

فدعاهم هارون الي ألرجوع لعباده ألله بدلا مِن ألعجل و لكنهم أستكبروا فلما رجع موسي و وجد ما أل أليه قومه عاتب هارون عتابا شديدا.

سيرته:

لا يذكر ألكثير عَن سيره هارون عَليه ألسلام.
الا أن ألمعلوم هُو أن ألله أيد موسي باخيه هارون فِى دعوته فلقد كَان هارون عَليه ألسلام أفصح لسانا.
وورد موقف موسي عَليه ألسلام مِن أخيه حين أستخلفه علَي بنى أسرائيل و ذَهب للقاءَ ربه،
فعبدت بنو أسرائيل ألعجل ألَّذِى صنعه ألسامري.
القصه مذكوره بتفاصيلها فِى قصه موسي عَليه ألسلام

داود عَليه ألسلام

نبذه :
‏‏اتاه ألله ألعلم و ألحكمه ر لَه ألجبال و ألطير يسبحن معه و ألآن لَه ألحديد،
كان عبدا خالصا لله شكورا يصوم يوما و يفطر يوما يقُوم نصف ألليل و ينام ثلثه و يقُوم سدسه و أنزل ألله عَليه ألزبور و قد أوتى ملكا عظيما و أمَره ألله أن يحكم بالعدل.
سيرته:
حال بنو أسرائيل قَبل داود:
قبل ألبدء بقصه داود عَليه ألسلام،
لنري ألاوضاع ألَّتِى عاشها بنو أسرائل فِى تلك ألفتره .

لقد أنفصل ألحكم عَن ألدين..فاخر نبى ملك كَان يوشع بن نون..
اما مِن بَعده فكَانت ألملوك تسوس بنى أسرائيل و كَانت ألانبياءَ تهديهم.
وزاد طغيان بنى أسرائيل،
فكانوا يقتلون ألانبياء،
نبيا تلو نبي،
فسلط ألله عَليهم ملوكا مِنهم ظلمه جبارين،
الوهم و طغوا عَليهم.

وتتالت ألهزائم علَي بنى أسرائيل،
حتي انهم أضاعوا ألتابوت.
وكان فِى ألتابوت بقيه مما ترك أل موسي و هارون،
فقيل أن فيها بقيه مِن ألالواح ألَّتِى أنزلها ألله علَي موسى،
وعصاه،
وامورا أخرى.
كان بنو أسرائيل ياخذون ألتابوت معهم فِى معاركهم لتحل عَليهم ألسكينه و يحققوا ألنصر.
فتشروا و ساءت حالهم.

في هَذه ألظروف ألصعبه ،
كَانت هنالك أمرآه حامل تدعو ألله كثِيرا أن يرزقها و لدا ذَكرا.
فولدت غلاما فسمته أشموئيل..
ومعناه بالعبرانيه أسماعيل..
اى سمع ألله دعائي..
فلما ترعرع بعثته الي ألمسجد و أسلمته لرجل صالح ليتعلم مِنه ألخير و ألعباده .
فكان عنده،
فلما بلغ أشده،
بينما هُو ذََات ليله نائم: إذا صوت ياتيه مِن ناحيه ألمسجد فانتبه مذعورا ظانا أن ألشيخ يدعوه.
فهرع أشموئيل الي يساله: أدعوتني.. فكره ألشيخ أن يفزعه فقال: نعم..
نم..
فنام..

ثم ناداه ألصوت مَره ثانيه ..
وثالثه .
وانتبه الي جبريل عَليه ألسلام يدعوه: أن ربك بعثك الي قومك.

اختيار طالوت ملكا:
ذهب بنو أسرائيل لنبيهم يوما..
سالوه: ألسنا مظلومين؟
قال: بلى..
قالوا: ألسنا مشردين؟
قال: بلى..
قالوا: أبعث لنا ملكا يجمعنا تَحْت رايته كى نقاتل فِى سبيل ألله و نستعيد أرضنا و مجدنا.
قال نبيهم و كان أعلم بهم: هَل أنتم و أثقون مِن ألقتال لَو كتب عليكم ألقتال؟
قالوا: و لماذَا لا نقاتل فِى سبيل ألله،
وقد طردنا مِن ديارنا،
وتشرد أبناؤنا،
وساءَ حالنا؟
قال نبيهم: أن ألله أختار لكُم طالوت ملكا عليكم.
قالوا: كَيف يَكون ملكا علينا و هو ليس مِن أبناءَ ألاسره ألَّتِى يخرج مِنها ألملوك أبناءَ يهوذا كَما انه ليس غنيا و فينا مِن هُو أغني مِنه؟
قال نبيهم: أن ألله أختاره،
وفضله عليكم بعلمه و قوه جسمه.
قالوا: ما هِى أيه ملكه؟
قال لَهُم نبيهم: يسرجع لكُم ألتابوت تجمله ألملائكه .

ووقعت هَذه ألمعجزه ..
وعادت أليهم ألتورآه يوما..
ثم تجهز جيش طالوت،
وسار ألجيش طويلا حتّي أحس ألجنود بالعطش..
قال ألملك طالوت لجنوده: سنصادف نهرا فِى ألطريق،
فمن شرب مِنه فليخرج مِن ألجيش،
ومن لَم يذقه و إنما بل ريقه فَقط فليبق معى فِى ألجيش..

وجاءَ ألنهر فشرب معظم ألجنود،
وخرجوا مِن ألجيش،
وكان طالوت قَد أعد هَذا ألامتحان ليعرف مِن يطيعه مِن ألجنود و من يعصاه،
وليعرف أيهم قوى ألاراده و يتحمل ألعطش،
وايهم ضعيف ألاراده و يستسلم بسرعه .
لم يبق ألا ثلاثمئه و ثلاثه عشر رجلا،
لكن كلهم مِن ألشجعان.

كان عدَد أفراد جيش طالوت قلِيلا،
وكان جيش ألعدو كبيرا و قويا..
فشعر بَعض هؤلاءَ ألصفوه انهم أضعف مِن جالوت و جيشه و قالوا: كَيف نهزم هَذا ألجيش ألجبار..؟*********!

قال ألمؤمنون مِن جيش طالوت: ألنصر ليس بالعده و ألعتاد،
إنما ألنصر مِن عِند ألله..
(كم مِن فئه قلِيله غلبت فئه كثِيره باذن ألله)..
فثبتوهم.

وبرز جالوت فِى دروعه ألحديديه و سلاحه،
وهو يطلب أحدا يبارزه..
وخاف مِنه جنود طالوت جميعا..
وهنا برز مِن جيش طالوت راعى غنم صغير هُو داود..
كان داود مؤمنا بالله،
وكان يعلم أن ألايمان بالله هُو ألقوه ألحقيقيه فِى هَذا ألكون،
وان ألعبره ليست بكثره ألسلاح،
ولا ضخامه ألجسم و مظهر ألباطل.

وكان ألملك،
قد قال: مِن يقتل جالوت يصير قائدا علَي ألجيش و يتزوج أبنتي..
ولم يكن داود يهتم كثِيرا لهَذا ألاغراء..
كان يُريد أن يقتل جالوت لان جالوت رجل جبار و ظالم و لا يؤمن بالله..
وسمح ألملك لداود أن يبارز جالوت..

وتقدم داود بعصاه و خمسه أحجار و مقلاعه و هو نبله يستخدمها ألرعاه )..
تقدم جالوت ألمدجج بالسلاح و ألدروع..
ر جالوت مِن داود و أهانه و ضحك مِنه،
ووضع داود حجرا قويا فِى مقلاعه و طوح بِه فِى ألهواءَ و أطلق ألحجر.
فاصاب جالوت فقتله.
وبدات ألمعركه و أنتصر جيش طالوت علَي جيش جالوت.

جمع ألله ألملك و ألنبوه لداود:
بعد فتره أصبح داود عَليه ألسلم ملكا لبنى أسرائيل،
فجمع ألله علَي يديه ألنبوه و ألملك مَره أخرى.

وتاتى بَعض ألروايات لتخبرنا بان طالوت بَعد أن أشتهر نجم داوود أكلت ألغيره قلبه،
وحاول قتله،
وتستمر ألروايات فِى نسج مِثل هَذه ألامور.
لكننا لا نود ألخوض فيها فليس لدينا دليل قوى عَليها.
ما يهمنا هُو أنتقال ألملك بَعد فتره مِن ألزمن الي داود.

لقد أكرم ألله نبيه ألكريم بَعده معجزات.
لقد أنزل عَليه ألزبور و أتينا داوود زبورا)،
واتاه جمال ألصوت،
فكان عندما يسبح،
تسبح ألجبال و ألطيور معه،
والناس ينظرون.
والآن ألله فِى يديه ألحديد،
حتي قيل انه كَان يتعامل مَع ألحديد كَما كَان ألناس يتعاملون مَع ألطين و ألشمع،
وقد تَكون هَذه ألالانه بمعني انه اول مِن عرف أن ألحديد ينصهر بالحراره .
فكان يصنع مِنه ألدروع.

كَانت ألدروع ألحديديه ألَّتِى يصنعها صناع ألدروع ثقيله و لا تجعل ألمحارب حرا يستطيع أن يتحرك كَما يشاءَ او يقاتل كَما يُريد.
فقام داوود بصناعه نوعيه جديده مِن ألدروع.
درع يتَكون مِن حلقات حديديه تسمح للمحارب بحريه ألحركه ،
وتحمى جسده مِن ألسيوف و ألفئوس و ألخناجر..
افضل مِن ألدروع ألموجوده أيامها..

وشد ألله ملك داود،
جعله ألله منصورا علَي أعدائه دائما..
وجعل ملكه قويا عظيما يخيف ألاعداءَ حتّي بغير حرب،
وزاد ألله مِن نعمه علَي داود فاعطاه ألحكمه و فصل ألخطاب،
اعطاه ألله مَع ألنبوه و ألملك حكمه و قدره علَي تمييز ألحق مِن ألباطل و معرفه ألحق و مساندته..
فاصبح نبيا ملكا قاضيا.

القضايا ألَّتِى عرضت علَي داود:
يروى لنا ألقران ألكريم بَعضا مِن ألقضايا ألَّتِى و ردت علَي داود عَليه ألسلام.

فلقد جلس داود كعادته يوما يحكم بَين ألناس فِى مشكلاتهم..
وجاءه رجل صاحب حقل و معه رجل أخر..

وقال لَه صاحب ألحقل: سيدى ألنبي..
ان غنم هَذا ألرجل نزلت حقلى أثناءَ ألليل،
واكلت كُل عناقيد ألعنب ألَّتِى كَانت فيه..
وقد جئت أليك لتحكم لِى بالتعويض..

قال داود لصاحب ألغنم: هَل صحيح أن غنمك أكلت حقل هَذا ألرجل؟

قال صاحب ألغنم: نعم يا سيدي..

قال داود: لقد حكمت بان تعطيه غنمك بدلا مِن ألحقل ألَّذِى أكلته.

قال سليمان..
وكان ألله قَد علمه حكمه تضاف الي ما و رث مِن و ألده: عندى حكم آخر يا أبي..

قال داود: قله يا سليمان..

قال سليمان: أحكم بان ياخذَ صاحب ألغنم حقل هَذا ألرجل ألَّذِى أكلته ألغنم..
ويصلحه لَه و يزرعه حتّي تنمو أشجار ألعنب،
واحكم لصاحب ألحقل أن ياخذَ ألغنم ليستفيد مِن صوفها و لبنها و ياكل مِنه،
فاذا كبرت عناقيد ألغنم و عاد ألحقل سليما كَما كَان أخذَ صاحب ألحقل حقله و أعطي صاحب ألغنم غنمه..

قال داود: هَذا حكم عظيم يا سليمان..
الحمد لله ألَّذِى و هبك ألحكمه ..

وقد و رد فِى ألصحيح قصه أخرى: حدثني زهير بن حرب حدثني شبابه حدثني و رقاءَ عَن أبي ألزناد عَن ألاعرج عَن أبي هريره عَن ألنبي صلي ألله عَليه و سلم قال « بينما أمراتان معهما أبناهما جاءَ ألذئب فذهب بابن أحداهما .

فقالت هَذه لصاحبتها إنما ذَهب بابنك انت .

وقالت ألأُخري إنما ذَهب بابنك .

فتحاكمتا الي داود فقضي بِه للكبري فخرجتا علَي سليمان بن داود عَليهما ألسلام فاخبرتاه فقال أئتوني بالسكين أشقه بينكَما .

فقالت ألصغري لا يرحمك ألله هُو أبنها .

فقضي بِه للصغري ».
قال قال أبو هريره و ألله أن سمعت بالسكين قط ألا يومئذَ ما كنا نقول ألا ألمديه .

فتنه داود:
وكان داود رغم قربه مِن ألله و حب ألله له،
يتعلم دائما مِن ألله،
وقد علمه ألله يوما ألا يحكم أبدا ألا إذا أستمع لاقوال ألطرفين ألمتخاصمين..
فيذكر لنا ألمولي فِى كتابه ألكريم قضيه اُخري عرضت علَي داود عَليه ألسلام.

جلس داود يوما فِى محرابه ألَّذِى يصلى لله و يتعبد فيه،
وكان إذا دخل حجرته أمر حراسه ألا يسمحوا لاحد بالدخول عَليه او أزعاجه و هو يصلي..
ثم فوجئ يوما فِى محرابه بانه امام أثنين مِن ألرجال..
وخاف مِنهما داود لانهما دخلا رغم انه أمر ألا يدخل عَليه أحد.
سالهما داود: مِن أنتما؟

قال احد ألرجلين: لا تخف يا سيدي..
بينى و بين هَذا ألرجل خصومه و قد جئناك لتحكم بيننا بالحق.

سال داود: ما هِى ألقضيه قال ألرجل ألاول: أن هَذا أخى لَه تسع و تسعون نعجه و لى نعجه و أحده ).
وقد أخذها مني.
قال أعطها لِى و أخذها مني..

وقال داود بغير أن يسمع راى ألطرف ألاخر و حجته: لقد ظلمك بسؤال نعجتك الي نعاجه)..
وان كثِيرا مِن ألشركاءَ يظلم بَعضهم بَعضا ألا ألَّذِين أمنوا..

وفوجئ داود باختفاءَ ألرجلين مِن امامه..
اختفى ألرجلان كَما لَو كَانا سحابه تبخرت فِى ألجو و أدرك داود أن ألرجلين ملكان أرسلهما ألله أليه ليعلماه درسا..
فلا يحكم بَين ألمتخاصمين مِن ألناس ألا إذا سمع أقوالهم جميعا،
فربما كَان صاحب ألتسع و ألتسعين نعجه معه ألحق..
وخر داود راكعا،
وسجد لله،
واستغفر ربه..

نسجت أساطير أليهود قصصا مريبه حَول فتنه داود عَليه ألسلام،
وقيل انه أشتهي أمرآه احد قواد جيشه فارسله فِى معركه يعرف مِن ألبِدايه نهايتها،
واستولي علَي أمراته..
وليس أبعد عَن تصرفات داود مِن هَذه ألقصه ألمختلقه ..
ان أنسانا يتصل قلبه بالله،
ويتصل تسبيحه بتسبيح ألكائنات و ألجمادات،
يستحيل عَليه أن يري او يلاحظ جمالا بشريا محصورا فِى و جه أمرآه او جسدها..

وفاته عَليه ألسلام:
عاد داود يعبد ألله و يسبحه حتّي مات… كَان داود يصوم يوما و يفطر يوما..
قال رسول ألله محمد بن عبد ألله صلي ألله عَليه و سلم عَن داود: “افضل ألصيام صيام داود.
كان يصوم يوما و يفطر يوما.
وكان يقرا ألزبور بسبعين صوتا،
وكَانت لَه ركعه مِن ألليل يبكى فيها نفْسه و يبكى ببكائه كُل شيء و يشفي بصوته ألمهموم و ألمحموم”..

جاءَ فِى ألحديث ألصحيح أن داود عَليه ألسلام كَان شديد ألغيره علَي نساءه،
فكَانت نساءه فِى قصر،
وحَول ألقصر أسوار،
حتي لا يقترب احد مِن نساءه.
وفي احد ألايام راي ألنسوه رجلا فِى صحن ألقصر،
فقالوا: مِن هَذا و ألله لَن راه داود ليبطشن به.
فبلغ ألخبر داود عَليه ألسلام فقال للرجل: مِن انت و كيف دخلت قال: انا مِن لا يقف امامه حاجز.
قال: انت ملك ألموت.
فاذن لَه فاخذَ ملك ألموت روحه.

مات داود عَليه ألسلام و عمَره مئه سنه .
وشيع جنازته عشرات ألالاف،
فكان محبوبا جداً بَين ألناس،
حتي قيل لَم يمت فِى بنى أسرائيل بَعد موسي و هارون احد كَان بنو أسرائيل أشد جزعا عَليه..
منهم علَي داود..
واذت ألشمس ألناس فدعا سليمان ألطير قال: أظلى علَي داود.
فاظلته حتّي أظلمت عَليه ألارض.
وسكنت ألريح.
وقال سليمان للطير: أظلى ألناس مِن ناحيه ألشمس و تنحى مِن ناحيه ألريح.
واطاعت ألطير.
فكان ذَلِك اول ما راه ألناس مِن ملك سليمان

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
سليمان عَليه ألسلام
نبذه :

اتاه ألله ألعلم و ألحكمه و علمه منطق ألطير و ألحيوانات ر لَه ألرياح و ألجن،
وكان لَه قصه مَع ألهدهد حيثُ أخبره أن هُناك مملكه باليمن يعبد أهلها ألشمس مِن دون ألله فبعث سليمان الي ملكه سبا يطلب مِنها ألايمان و لكنها أرسلت لَه ألهدايا فطلب مِن ألجن أن ياتوا بعرشها فلما جاءت و وجدت عرشها أمنت بالله.

سيرته:
(وورث سليمان داوود و رثه فِى ألنبوه و ألملك..
ليس ألمقصود و راثته فِى ألمال،
لان ألانبياءَ لا يورثون.
إنما تَكون أموالهم صدقه مِن بَعدهم للفقراءَ و ألمحتاجين،
لا يخصون بها أقربائهم.
قال محمد بن عبد ألله صلي ألله عَليه و سلم: “نحن معشر ألانبياءَ لا نورث”.

ملك سليمان:
لقد أتي ألله سليمان عَليه ألسلام ملكا عظيما،
لم يؤته أحدا مِن قَبله،
ولن يعطه لاحد مِن بَعده الي يوم ألقيامه .
فقد أستجاب ألله تعالي لدعوه سليمان رب أغفر لِى و هب لِى ملكا لا ينبغى لاحد مِن بَعدي).
لنتحدث ألآن عَن بَعض ألامور ألَّتِى سخرها ألله لنبيه سليمان عَليه ألسلام.
لقد سخر لَه أمرا لَم يسخره لاحد مِن قَبله و لا بَعده..
سخر ألله لَه “الجن”.
فكان لديه عَليه ألسلام ألقدره علَي حبس ألجن ألَّذِين لا يطيعون أمره،
وتقييدهم بالسلاسل و تعذيبهم.
ومن يعص سليمان يعذبه ألله تعالى.
لذلِك كَانوا يستجيبون لاوامره،
فيبنون لَه ألقصور،
والتماثيل ألَّتِى كَانت مباحه فِى شرعهم و ألاوانى و ألقدور ألضخمه جدا،
فلا يُمكن تحريكها مِن ضخامتها.
وكَانت تغوص لَه فِى أعماق ألبحار و تستخرج أللؤلؤ و ألمرجان و ألياقوت..
ر ألله لسليمان عَليه ألسلام ألريح فكَانت تجرى بامره.
لذلِك كَان يستخدمها سليمان فِى ألحرب.
فكان لديه بساطا خشبيا ضخم جدا،
وكان يامر ألجيش بان يركب علَي هَذا ألخشب،
ويامر ألريح بان ترفع ألبساط و تنقلهم للمكان ألمطلوب.
فكان يصل فِى سرعه خارقه .
ومن نعم ألله عَليه،
اساله ألنحاس له.
مثلما أنعم علَي و ألده داود بان ألآن لَه ألحديد و علمه كَيف يصهره..
وقد أستفاد سليمان مِن ألنحاس ألمذاب فائده عظيمه فِى ألحرب و ألسلم.
ونختم هَذه ألنعم بجيش سليمان عَليه ألسلام.
كان جيشه مكون من: ألبشر،
والجن،
والطيور.
فكان يعرف لغتها.

سليمان و ألخيل:
بعد عرض أنعم ألله عَليه،
لنبدا بقصته عَليه ألسلام.
وبعض أحداثها.
كان سليمان عَليه ألسلام يحب ألخيل كثِيرا،
خصوصا ما يسمي بالصافنات)،
وهى مِن أجود أنواع ألخيول و أسرعها.
وفي يوم مِن ألايام،
بدا أستعراض هَذه ألخيول امام سليمان عصرا،
وتذكر بَعد ألروايات أن عدَدها كَان اكثر مِن عشرين ألف جواد،
فاخذَ ينظر أليها و يتامل فيها،
فطال ألاستعراض،
فشغله عَن و رده أليومى فِى ذَكر ألله تعالى،
حتي غابت ألشمس،
فانتبه،
وانب نفْسه لان حبه لهَذه ألخيول شغله عَن ذَكر ربه حتّي غابت ألشمس،
فامر بارجاع ألخيول لَه فطفق مسحا بالسوق و ألاعناق).
وجاءت هُنا روايتان كلاهما قوي.
روايه تقول انه أخذَ ألسيف و بدا بضربها علَي رقابها و أرجلها،
حتي لا ينشغل بها عَن ذَكر ألله.
وروايه اُخري تقول انه كَان يمسح عَليها و يستغفر ألله عز و جل،
فكان يمسحها ليري ألسقيم مِنها مِن ألصحيح لانه كَان يعدها للجهاد فِى سبيل ألله.

ابتلاءَ سليمان:
ورغم كُل هَذه ألنعم ألعظيمه و ألمنح ألخاصه ،
فقد فتن ألله تعالي سليمان..
اختبره و أمتحنه،
والفتنه أمتحان دائم،
وكلما كَان ألعبد عظيما كَان أمتحانه عظيما.
اختلف ألمفسرون فِى فتنه سليمان عَليه ألسلام.
ولعل أشهر روايه عَن هَذه ألفتنه هِى نفْسها أكذب روايه ..
قيل أن سليمان عزم علَي ألطواف علَي نسائه ألسبعمائه فِى ليله و أحده ،
وممارسه ألحب معهن حتّي تلد كُل أمرآه مِنهن و لدا يجاهد فِى سبيل ألله،
ولم يقل سليمان أن شاءَ ألله،
فطاف علَي نسائه فلم تلد مِنهن غَير أمرآه و أحده ..
ولدت طفلا مشوها ألقوه علَي كرسيه..
والقصه مختلقه مِن بدايتها لنهايتها،
وهى مِن ألاسرائيليات ألخرافيه .
وحقيقه هَذه ألفتنه ما ذَكره ألفخر ألرازي.
قال: أن سليمان أبتلى بمرض شديد حار فيه ألطب.
مرض سليمان مرضا شديدا حار فيه أطباءَ ألانس و ألجن..
واحضرت لَه ألطيور أعشابا طبيه مِن أطراف ألارض فلم يشف،
وكل يوم كَان ألمرض يزيد عَليه حتّي أصبح سليمان إذا جلس علَي كرسيه كَانه جسد بلا روح..
كانه ميت مِن كثره ألاعياءَ و ألمرض..
واستمر هَذا ألمرض فتره كَان سليمان فيها لا يتوقف عَن ذَكر ألله و طلب ألشفاءَ مِنه و أستغفاره و حبه..
وانتهي أمتحان ألله تعالي لعبده سليمان،
وشفي سليمان..
عادت أليه صحته بَعد أن عرف أن كُل مجده و كل ملكه و كل عظمته لا تستطيع أن تحمل أليه ألشفاءَ ألا إذا أراد ألله سبحانه..
هَذا هُو ألراى ألَّذِى نرتاح أليه،
ونراه لائقا بعصمه نبى حكيم و كريم كسليمان..
ويذكر لنا ألقران ألكريم مواقف عده ،
تتجلي لنا فيها حكمه سليمان عَليه ألسلام و مقدرته ألفائقه علَي أستنتاج ألحكم ألصحيح فِى ألقضايا ألمعروضه عَليه.
ومن هَذه ألقصص ما حدث فِى زمن داود عَليه ألسلام قال تعالى:
وداوود و سليمان أذَ يحكمان فِى ألحرث أذَ نفشت فيه غنم ألقوم و كنا لحكمهم شاهدين 78 ففهمناها سليمان و كلا أتينا حكَما و علما
جلس داود كعادته يوما يحكم بَين ألناس فِى مشكلاتهم..
وجاءه رجل صاحب حقل و معه رجل أخر..
وقال لَه صاحب ألحقل: سيدى ألنبي..
ان غنم هَذا ألرجل نزلت حقلى أثناءَ ألليل،
واكلت كُل عناقيد ألعنب ألَّتِى كَانت فيه..
وقد جئت أليك لتحكم لِى بالتعويض..
قال داود لصاحب ألغنم: هَل صحيح أن غنمك أكلت حقل هَذا ألرجل؟
قال صاحب ألغنم: نعم يا سيدي..
قال داود: لقد حكمت بان تعطيه غنمك بدلا مِن ألحقل ألَّذِى أكلته.
قال سليمان..
وكان ألله قَد علمه حكمه تضاف الي ما و رث مِن و ألده: عندى حكم آخر يا أبي..
قال داود: قله يا سليمان..
قال سليمان: أحكم بان ياخذَ صاحب ألغنم حقل هَذا ألرجل ألَّذِى أكلته ألغنم..
ويصلحه لَه و يزرعه حتّي تنمو أشجار ألعنب،
واحكم لصاحب ألحقل أن ياخذَ ألغنم ليستفيد مِن صوفها و لبنها و ياكل مِنه،
فاذا كبرت عناقيد ألغنم و عاد ألحقل سليما كَما كَان أخذَ صاحب ألحقل حقله و أعطي صاحب ألغنم غنمه..
قال داود: هَذا حكم عظيم يا سليمان..
الحمد لله ألَّذِى و هبك ألحكمه .
ومِنها ما جاءَ فِى ألحديث ألصحيح: حدثني زهير بن حرب حدثني شبابه حدثني و رقاءَ عَن أبي ألزناد عَن ألاعرج عَن أبي هريره عَن ألنبي صلي ألله عَليه و سلم قال « بينما أمراتان معهما أبناهما جاءَ ألذئب فذهب بابن أحداهما .

فقالت هَذه لصاحبتها إنما ذَهب بابنك انت .

وقالت ألأُخري إنما ذَهب بابنك .

فتحاكمتا الي داود فقضي بِه للكبري فخرجتا علَي سليمان بن داود عَليهما ألسلام فاخبرتاه فقال أئتوني بالسكين أشقه بينكَما .

فقالت ألصغري لا يرحمك ألله هُو أبنها .

فقضي بِه للصغري ».
قال قال أبو هريره و ألله أن سمعت بالسكين قط ألا يومئذَ ما كنا نقول ألا ألمديه

سليمان و ألنمله :
ويذكر لنا ألقران ألكريم قصه عجيبه :
وحشر لسليمان جنوده مِن ألجن و ألانس و ألطير فهم يوزعون 17 حتّي إذا أتوا علَي و أد ألنمل قالت نمله يا أيها ألنمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان و جنوده و هم لا يشعرون 18 فتبسم ضاحكا مِن قولها و قال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك ألَّتِى أنعمت على و علي و ألدى و أن أعمل صالحا ترضاه و أدخلنى برحمتك فِى عبادك ألصالحين 19 ألنمل)
يقول ألعلماءَ “ما أعقلها مِن نمله و ما أفصحها”.
(يا نادت،
(ايها نبهت،
(ادخلوا أمرت،
(لا يحطمنكم نهت،
(سليمان خصت،
(وجنوده عمت،
(وهم لا يشعرون أعتذرت.
سمع سليمان كلام ألنمله فتبسم ضاحكا مِن قولها..
ما ألَّذِى تتصوره هَذه ألنمله رغم كُل عظمته و جيشه فانه رحيم بالنمل..
يسمع همسه و ينظر دائما امامه و لا يُمكن أبدا أن يدوسه..
وكان سليمان يشكر ألله أن منحه هَذه ألنعمه ..
نعمه ألرحمه و نعمه ألحنو و ألشفقه و ألرفق

سليمان عَليه ألسلام و بلقيس ملكه سبا:
جاءَ يوم..
واصدر سليمان أمَره لجيشه أن يستعد..
بعدها،
خرج سليمان يتفقد ألجيش،
ويستعرضه و يفتش عَليه..
فاكتشف غياب ألهدهد و تخلفه عَن ألوقوف مَع ألجيش،
فغضب و قرر تعذيبه او قتله،
الا أن كَان لديه عذر قوى مَنعه مِن ألقدوم.
فجاءَ ألهدهد و وقف علَي مسافه غَير بعيده عَن سليمان عَليه ألسلام فمكث غَير بعيد فقال أحطت بما لَم تحط بِه و جئتك مِن سبا بنبا يقين و أنظروا كَيف يخاطب هَذا ألهدهد أعظم ملك فِى ألارض،
بلا أحساس بالذل او ألمهانه ،
ليس كَما يفعل ملوك أليَوم لا يتكلم معهم احد ألا و يَجب أن تَكون علامات ألذل ظاهره عَليه.
فقال ألهدهد أن أعلم منك بقضيه معينه ،
فجئت باخبار أكيده مِن مدينه سبا باليمن.
(انى و جدت أمرآه بلقيس تملكهم تحكمهم و أوتيت مِن كُل شيء أعطاها ألله قوه و ملكا عظيمين ر لَها أشياءَ كثِيره و لها عرش عظيم و كرسى ألحكم ضخم جداً و مرصع بالجواهر و جدتها و قومها يسجدون للشمس مِن دون ألله و هم يعبدون ألشمس و زين لَهُم ألشيطان أعمالهم أضلهم ألشيطان فصدهم عَن ألسبيل فهم لا يهتدون 24 ألا يسجدوا لله ألَّذِى يخرج ألخبء فِى ألسماوات و ألارض و يعلم ما تخفون و ما تعلنون يسجدون للشمس و يتركون ألله سبحانه و تعالي ألله لا أله ألا هُو رب ألعرش ألعظيم و ذَكر ألعرش هُنا لانه ذَكر عرش بلقيس مِن قَبل،
فحتي لا يغتر أنسان بعرشها ذَكر عرش ألله سبحانه و تعالى.
فتعجب سليمان مِن كلام ألهدهد،
فلم يكن شائعا أن تحكم ألمرآه ألبلاد،
وتعجب مِن أن قوما لديهم كُل شيء و يسجدون للشمس،
وتعجب مِن عرشها ألعظيم،
فلم يصدق ألهدهد و لم يكذبه إنما قال سننظر أصدقت أم كنت مِن ألكاذبين و هَذا منتهي ألعدل و ألحكمه .
ثم كتب كتابا و أعطاه للهدهد و قال له: أذهب بكتابى هَذا فالقه أليهم ثُم تول عنهم فانظر ماذَا يرجعون ألق ألكتاب عَليهم و قف فِى مكان بعيد يحث تستطيع سماع ردهم علَي ألكتاب.
يختصر ألسياق ألقرانى فِى سوره ألنمل ما كَان مِن أمر ذَهاب ألهدهد و تسليمه ألرساله ،
وينتقل مباشره الي ألملكه ،
وسط مجلس ألمستشارين،
وهى تقرا علَي رؤساءَ قومها و وزرائها رساله سليمان..
قالت يا أيها ألملا أنى ألقى الي كتاب كريم 29 انه مِن سليمان و أنه بسم ألله ألرحمن ألرحيم 30 ألا تعلوا على و أتونى مسلمين 31 ألنمل)
هَذا هُو نص خطاب ألملك سليمان لملكه سبا..
انه يامر فِى خطابه أن ياتوه مسلمين..
هكذا مباشره ..
انه يتجاوز أمر عبادتهم للشمس..
ولا يناقشهم فِى فساد عقيدتهم..
ولا يحاول أقناعهم بشيء..
إنما يامر فحسب..
اليس مؤيدا بقوه تسند ألحق ألَّذِى يؤمن به.. لا عَليه أذن أن يامرهم بالتسليم..
كان هَذا كله و أضحا مِن لهجه ألخطاب ألقصيره ألمتعاليه ألمهذبه فِى نفْس ألوقت..
طرحت ألملكه علَي رؤساءَ قومها ألرساله ..
وكَانت عاقله تشاورهم فِى كُل ألامور: قالت يا أيها ألملا أفتونى فِى أمرى ما كنت قاطعه أمرا حتّي تشهدون).
كان رد فعل ألملا و هم رؤساءَ قومها ألتحدي..
اثارت ألرساله بلهجتها ألمتعاليه ألمهذبه غرور ألقوم،
واحساسهم بالقوه .
ادركوا أن هُناك مِن يتحداهم و يلوح لَهُم بالحرب و ألهزيمه و يطالبهم بقبول شروطه قَبل و قوع ألحرب و ألهزيمه قالوا نحن أولوا قوه و أولوا باس شديد و ألامر أليك فانظرى ماذَا تامرين).
اراد رؤساءَ قومها أن يقولوا: نحن علَي أستعداد للحرب..
ويبدو أن ألملكه كَانت اكثر حكمه مِن رؤساءَ قومها..
فان رساله سليمان أثارت تفكيرها اكثر مما أستنفرتها للحرب..
فكرت ألملكه طويلا فِى رساله سليمان..
كان أسمه مجهولا لديها،
لم تسمع بِه مِن قَبل،
وبالتالى كَانت تجهل كُل شيء عَن قوته،
ربما يَكون قويا الي ألحد ألَّذِى يستطيع فيه غزو مملكتها و هزيمتها.
ونظرت ألملكه حولها فرات تقدم شعبها و ثراءه،
وخشيت علَي هَذا ألثراءَ و ألتقدم مِن ألغزو..
ورجحت ألحكمه فِى نفْسها علَي ألتهور،
وقررت أن تلجا الي أللين،
وترسل أليه بهديه ..
وقدرت فِى نفْسها انه ربما يَكون طامعا قَد سمع عَن ثراءَ ألمملكه ،
فحدثت نفْسها بان تهادنه و تشترى ألسلام مِنه بهديه ..
قدرت فِى نفْسها ايضا أن أرسالها بهديه أليه،
سيمكن رسلها ألَّذِين يحملون ألهديه مِن دخول مملكته،
واذا سيَكون رسلها عيونا فِى مملكته..
يرجعون باخبار قومه و جيشه،
وفي ضوء هَذه ألمعلومات،
سيَكون تقدير موقفها ألحقيقى مِنه ممكنا..
اخفت ألملكه ما يدور فِى نفْسها،
وحدثت رؤساءَ قومها بأنها تري أستكشاف نيات ألملك سليمان،
عن طريق أرسال هديه أليه،
انتصرت ألملكه للراى ألَّذِى يقضى بالانتظار و ألترقب..
واقنعت رؤساءَ قومها بنبذَ فكره ألحرب مؤقتا،
لان ألملوك إذا دخلوا قريه أنقلبت أوضاعها و صار رؤساءها هُم اكثر مِن فيها تعرضا للهوان و ألذل..
واقتنع رؤساءَ قومها حين لوحت ألملكه بما يتهددهم مِن أخطار..
وصلت هديه ألملكه بلقيس الي ألملك ألنبى سليمان..
جاءت ألاخبار لسليمان بوصول رسل بلقيس و هم يحملون ألهديه ..
وادرك سليمان علَي ألفور أن ألملكه أرسلت رجالها ليعرفوا معلومات عَن قوته لتقرر موقفها بشانه..
ونادي سليمان فِى ألمملكه كلها أن يحتشد ألجيش..
ودخل رسل بلقيس و سَط غابه كثيفه مدججه بالسلاح..
فوجئ رسل بلقيس بان كُل غناهم و ثرائهم يبدو و سَط بهاءَ مملكه سليمان..
وصغرت هديتهم فِى أعينهم.
وفوجئوا بان فِى ألجيش أسودا و نمورا و طيورا..
وادركوا انهم امام جيش لا يقاوم..
ثم قدموا لسليمان هديه ألملكه بلقيس علَي أستحياءَ شديد.
وقالوا لَه نحن نرفض ألخضوع لك،
لكننا لا نُريد ألقتال،
وهَذه ألهديه علامه صلح بيننا و نتمني أن تقبلها.
نظر سليمان الي هديه ألملكه و أشاح ببصره فلما جاءَ سليمان قال أتمدونن بمال فما أتانى ألله خير مما أتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون كشف ألملك سليمان بِكُلماته ألقصيره عَن رفضه لهديتهم،
وافهمهم انه لا يقبل شراءَ رضاه بالمال.
يستطيعون شراءَ رضاه بشيء آخر ألا تعلوا على و أتونى مسلمين ثُم هددهم أرجع أليهم فلناتينهم بجنود لا قَبل لَهُم بها و لنخرجنهم مِنها أذله و هم صاغرون).
وصل رسل بلقيس الي سبا..
وهُناك هرعوا الي ألملكه و حدثوها أن بلادهم فِى خطر..
حدثوها عَن قوه سليمان و أستحاله صد جيشه..
افهموها انها ينبغى أن تزوره و تترضاه..
وجهزت ألملكه نفْسها و بدات رحلتها نحو مملكه سليمان..
جلس سليمان فِى مجلس ألملك و سَط رؤساءَ قومه و وزرائه و قاده جنده و علمائه..
كان يفكر فِى بلقيس..
يعرف انها فِى ألطريق أليه..
تسوقها ألرهبه لا ألرغبه ..
ويدفعها ألخوف لا ألاقتناع..
ويقرر سليمان بينه و بين نفْسه أن يبهرها بقوته،
فيدفعها ذَلِك للدخول فِى ألاسلام.
فسال مِن حوله،
ان كَان بامكان أحدهم أن يحضر لَه عرش بلقيس قَبل أن تصل ألملكه لسليمان.
فعرش ألملكه بلقيس هُو أعجب ما فِى مملكتها..
كان مصنوعا مِن ألذهب و ألجواهر ألكريمه ،
وكَانت حجره ألعرش و كرسى ألعرش أيتين فِى ألصناعه و ألسبك..
وكَانت ألحراسه لا تغفل عَن ألعرش لحظه ..
فقال احد ألجن انا أستطيع أحضار ألعرش قَبل أن ينتهى ألمجلس و كان عَليه ألسلام يجلس مِن ألفجر الي ألظهر و أنا قادر علَي حمله و أمين علَي جواهره.
لكن شخص آخر يطلق عَليه ألقران ألكريم “الذى عنده علم ألكتاب” قال لسليمان انا أستطيع أحضار ألعرش فِى ألوقت ألَّذِى تستغرقه ألعين فِى ألرمشه ألواحده .
واختلف ألعلماءَ فِى “الذى عنده علم ألكتاب” فمنهم مِن قال انه و زيره او احد علماءَ بنى أسرائيل و كان يعرف أسم ألله ألاعظم ألَّذِى إذا دعى بِه أجاب.
ومنهم مِن قال انه جبريل عَليه ألسلام.
لكن ألسياق ألقرانى ترك ألاسم و حقيقه ألكتاب غارقين فِى غموض كثيف مقصود..
نحن امام سر معجزه كبري و قعت مِن و أحد كَان يجلس فِى مجلس سليمان..
والاصل أن ألله يظهر معجزاته فحسب،
اما سر و قوع هَذه ألمعجزات فلا يديره ألا ألله..
وهكذا يورد ألسياق ألقرانى ألقصه لايضاح قدره سليمان ألخارقه ،
وهى قدره يؤكدها و جود هَذا ألعالم فِى مجلسه.
هَذا هُو ألعرش ماثل امام سليمان..
تامل تصرف سليمان بَعد هَذه ألمعجزه ..
لم يستخفه ألفرح بقدرته،
ولم يزهه ألشعور بقوته،
وإنما أرجع ألفضل لمالك ألملك..
وشكر ألله ألَّذِى يمتحنه بهَذه ألقدره ،
ليري أيشكر أم يكفر.
تامل سليمان عرش ألملكه طويلا ثُم أمر بتغييره،
امر باجراءَ بَعض ألتعديلات عَليه،
ليمتحن بلقيس حين تاتي،
ويري هَل تهتدى الي عرشها أم تَكون مِن ألَّذِين لا يهتدون.
كَما أمر سليمان ببناءَ قصر يستقبل فيه بلقيس.
واختار مكانا رائعا علَي ألبحر و أمر ببناءَ ألقصر بحيثُ يقع معظمه علَي مياه ألبحر،
وامر أن تصنع أرضيه ألقصر مِن زجاج شديد ألصلابه ،
وعظيم ألشفافيه فِى نفْس ألوقت،
لكى يسير ألسائر فِى أرض ألقصر و يتامل تَحْته ألاسماك ألملونه و هى تسبح،
ويري أعشاب ألبحر و هى تتحرك.
تم بناءَ ألقصر،
ومن فرط نقاءَ ألزجاج ألَّذِى صنعت مِنه أرض حجراته،
لم يكن يبدو أن هُناك زجاجا.
تلاشت أرضيه ألقصر فِى ألبحر و صارت ستارا زجاجيا خفيا فَوقه.
يتجاوز ألسياق ألقرانى أستقبال سليمان لَها الي موقفين و قعا لَها بتدبيره: ألاول موقفها امام عرشها ألَّذِى سبقها بالمجيء،
وقد تركته و راءها و عليه ألحراس.
والثانى موقفها امام أرضيه ألقصر ألبلوريه ألشفافه ألَّتِى تسبح تَحْتها ألاسماك.
لما أصطحب سليمان عَليه ألسلام بلقيس الي ألعرش،
نظرت أليه فراته كعرشها تماما..
وليس كعرشها تماما..
اذا كَان عرشها فكيف سبقها فِى ألمجيء.. و أذا لَم يكن عرشها فكيف أمكن تقليده بهَذه ألدقه .

قال سليمان و هو يراها تتامل ألعرش: أهكذا عرشك؟)
قالت بلقيس بَعد حيره قصيره : كَانه هو!)
قال سليمان: و أوتينا ألعلم مِن قَبلها و كنا مسلمين).
توحى عبارته ألاخيره الي ألملكه بلقيس أن تقارن بَين عقيدتها و علمها،
وعقيده سليمان ألمسلمه و حكمته.
ان عبادتها للشمس،
ومبلغ ألعلم ألَّذِى هُم عَليه،
يصابان بالخسوفَ ألكلى امام علم سليمان و أسلامه.
لقد سبقها سليمان الي ألعلم بالاسلام،
بعدها سار مِن ألسَهل عَليه أن يسبقها فِى ألعلوم ألاخرى،
هَذا ما توحى بِه كلمه سليمان لبلقيس..
ادركت بلقيس أن هَذا هُو عرشها،
لقد سبقها الي ألمجيء،
وانكرت فيه أجزاءَ و هى لَم تزل تقطع ألطريق لسليمان..
اى قدره يملكها هَذا ألنبى ألملك سليمان؟!
انبهرت بلقيس بما شاهدته مِن أيمان سليمان و صلاته لله،
مثلما أنبهرت بما راته مِن تقدمه فِى ألصناعات و ألفنون و ألعلوم..
وادهشها اكثر هَذا ألاتصال ألعميق بَين أسلام سليمان و علمه و حكمته.
انتهي ألامر و أهتزت داخِل عقلها ألاف ألاشياء..
رات عقيده قومها تتهاوي هُنا امام سليمان،
وادركت أن ألشمس ألَّتِى يعبدها قومها ليست غَير مخلوق خلقه ألله تعالي ره لعباده،
وانكسفت ألشمس للمَره ألاولي فِى قلبها،
اضاءَ ألقلب نور جديد لا يغرب مِثلما تغرب ألشمس.
ثم قيل لبلقيس أدخلى ألقصر..
فلما نظرت لَم تر ألزجاج،
ورات ألمياه،
وحسبت انها ستخوض ألبحر،
(وكشفت عَن ساقيها حتّي لا يبتل رداؤها.
نبهها سليمان دون أن ينظر ألا تخاف علَي ثيابها مِن ألبلل.
ليست هُناك مياه.
(انه صرح ممرد مِن قوارير)..
انه زجاج ناعم لا يظهر مِن فرط نعومته..
اختارت بلقيس هَذه أللحظه لاعلان أسلامها..
اعترفت بظلمها لنفسها و أسلمت مَع سليمان لله رب ألعالمين).
وتبعها قومها علَي ألاسلام.
ادركت انها تواجه أعظم ملوك ألارض،
واحد أنبياءَ ألله ألكرام.
يسكت ألسياق ألقرانى عَن قصه بلقيس بَعد أسلامها..
ويقول ألمفسرون انها تزوجت سليمان بَعد ذَلك..
ويقال انها تزوجت احد رجاله..
احبته و تزوجته،
وثبت أن بَعض ملوك ألحبشه مِن نسل هَذا ألزواج..
ونحن لا ندرى حقيقه هَذا كله..
لقد سكت ألقران ألكريم عَن ذَكر هَذه ألتفاصيل ألَّتِى لا تخدم قصه سليمان..
ولا نري نحن داعيا للخوض فيما لا يعرف أحد

هيكل سليمان:
من ألاعمال ألَّتِى قام بها سليمان عَليه ألسلام أعاده بناءَ ألمسجد ألاقصي ألَّذِى بناه يعقوب مِن قَبل.
وبني بجانب ألمسجد ألاقصي هيكلا عظيما كَان مقدسا عِند أليهود و لا زالوا يبحثون عنه الي أليوم.
وقد و رد فِى ألهدى ألنبوى ألكريم أن سليمان لما بني بيت ألمقدس سال ربه عز و جل ثلاثا،
فاعطاه ألله أثنتين و نحن نرجو أن تَكون لنا ألثالثه : ساله حكَما يصادف حكمه اى أحكاما عادله كاحكام ألله تعالي فاعطاه أياه،
وساله ملكا لا ينبغى لاحد مِن بَعده فاعطاه أياه،
وساله أيما رجل خرج مِن بيته لا يُريد ألا ألصلآه فِى هَذا ألمسجد خرج مِن خطيئته مِثل يوم و لدته أمه،
واسال ألله أن تَكون لنا.
وقد تفننت ألتورآه فِى و صف ألهيكل..
وهَذا بَعض ما و رد فِى ألتورآه عنه:
كان هيكل سليمان فِى أورشليم هُو مركز ألعباده أليهوديه ،
ورمز تاريخ أليهود،
وموضع فخارهم و زهوهم..
وقد شيده ألملك سليمان و أنفق ببذخ عظيم علَي بنائه و زخرفته..
حتي لقد أحتاج فِى ذَلِك الي اكثر مِن 180 ألف عامل سفر ألملوك ألاول)..
وقد أتي لَه سليمان بالذهب مِن ترشيش،
وبالخشب مِن لبنان،
وبالاحجار ألكريمه مِن أليمن،
ثم بَعد سبع سنوات مِن ألعمل ألمتواصل تكامل بناءَ ألهيكل،
فكان أيه مِن أيات ألدنيا فِى ذَلِك ألزمان.
وامتدت يد ألخراب الي ألهيكل مرات عديده ،
اذَ كَان هدفا دائما للغزآه و ألطامعين ينهبون ما بِه مِن كنوز،
ثم يشيعون فيه ألدمار،
(سفر ألملوك ألثاني)..
ثم قام احد ألملوك بتجديد بنائه تحببا فِى أليهود..
فاستغرق بناءَ ألهيكل هَذه ألمَره 46 سنه ،
اصبح بَعدها صرحا ضخما تحيط بِه ثلاثه أسوار هائله ..
وكان مكونا مِن ساحتين كبيرتين: أحداهما خارِجيه و ألأُخري داخِليه ،
وكَانت تحيط بالساحه ألداخليه أروقه شامخه تَقوم علَي أعمده مزدوجه مِن ألرخام،
وتغطيها سقوف مِن خشب ألارز ألثمين.
وكَانت ألاروقه ألقائمه فِى ألجهه ألجنوبيه مِن ألهيكل ترتكز علَي 162 عمودا،
كل مِنها مِن ألضخامه بحيثُ لا يُمكن لاقل مِن ثلاثه رجال متشابكى ألاذرع أن يحيطوا بدائرته..
وكان للساحه ألخارجيه مِن ألهيكل تسع بوابات ضخمه مغطآه بالذهب..
وبوابه عاشره مصبوبه كلها علَي ألرغم مِن حجْمها ألهائل مِن نحاس كونثوس.
وقد تدلت فَوق تلك ألبوابات كلها زخارف علَي شَكل عناقيد ألعنب ألكبيره ألمصنوعه مِن ألذهب ألخالص،
وقد أستمرت هدايا ألملوك للهيكل حتّي آخر زمانه سفر ألملوك ألاول)،
فكان يزخر بالكنوز ألَّتِى لا تقدر بثمن..
وفاته عَليه ألسلام:
عاش سليمان و سَط مجد دانت لَه فيه ألارض..
ثم قدر ألله تعالي عَليه ألموت فمات..
ومثلما كَانت حيآه سليمان قمه فِى ألمجد ألَّذِى يمتلئ بالعجائب و ألخوارق..
كان موته أيه مِن أيات ألله تمتلئ بالعجائب و ألخوارق..
وهكذا جاءَ موته منسجما مَع حياته،
متسقا مَع مجده،
جاءَ نِهايه فريده لحيآه فريده و حافله .
لقد قدر ألله تعالي أن يَكون موت سليمان عَليه ألصلآه و ألسلام بشَكل ينسف فكره معرفه ألجن للغيب..
تلك ألفكره ألَّتِى فتن ألناس بها فاستقرت فِى أذهان بَعض ألبشر و ألجن..
كان ألجن يعملون لسليمان طالما هُو حي..
فلما مات أنكسر تسخيرهم له،
واعفوا مِن تبعه ألعمل معه..
وقد مات سليمان دون أن يعلم ألجن،
فظلوا يعملون له،
وظلوا مسخرين لخدمته،
ولو انهم كَانوا يعلمون ألغيب ما لبثوا فِى ألعذاب ألمهين.
كان سليمان متكئا علَي عصاه يراقب ألجن و هم يعملون.
فمات و هو علَي و َضعه متكئا علَي ألعصا..
وراه ألجن فظنوا انه يصلى و أستمروا فِى عملهم.
ومرت أيام طويله ..
ثم جاءت دابه ألارض،
وهى نمله تاكل ألخشب..
وبدات تاكل عصا سليمان..
كَانت جائعه فاكلت جُزء مِن ألعصا..
استمرت ألنمله تاكل ألعصا أياما..
كَانت تاكل ألجُزء ألملامس للارض،
فلما أزداد ما أكلته مِنها أختلت ألعصا و سقطت مِن يد سليمان..
اختل بَعدها توازن ألجسد ألعظيم فهوي الي ألارض..
ارتطم ألجسد ألعظيم بالارض فهرع ألناس أليه..
ادركوا انه مات مِن زمن..
تبين ألجن انهم لا يعلمون ألغيب..
وعرف ألناس هَذه ألحقيقه أيضا..
لو كَان ألجن يعلمون ألغيب ما لبثوا فِى ألعذاب ألمهين،
ما لبثوا يعملون و هم يظنون أن سليمان حي،
بينما هُو ميت منذُ فتره ..
بهَذه ألنِهايه ألعجيبه ختم ألله حيآه هَذا ألنبى ألملك.

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
الياس عَليه ألسلام

نبذه :
ارسل الي أهل بعلبك غربى دمشق فدعاهم الي عباده ألله و أن يتركوا عباده صنم كَانوا يسمونه بعلا فاذوه،
وقال أبن عباس هُو عم أليسع.

سيرته:
قال تعالى:

وان ألياس لمن ألمرسلين 123 أذَ قال لقومه ألا تتقون 124 أتدعون بعلا و تذرون أحسن ألخالقين 125 ألله ربكم و رب أبائكم ألاولين 126 فكذبوه فانهم لمحضرون 127 ألا عباد ألله ألمخلصين 128 و تركنا عَليه فِى ألاخرين 129 سلام علَي أل ياسين 130 انا كذلِك نجزى ألمحسنين 131 انه مِن عبادنا ألمؤمنين 131 ألصافات)

هَذه ألايات ألقصار هِى كُل ما يذكره ألله تعالي مِن قصه ألياس..
لذلِك أختلف ألمؤرخون فِى نسبه و في ألقوم ألَّذِين أرسل أليهم..
فقال ألطبرى انه ألياس بن ياسين بن فنحاص بن ألعيزار بن هارون..
اما أبن كثِير فيقول أن ألياس و ألياسين أسمين لرجل و أحد فالعرب تلحق ألنون فِى أسماءَ كثِيره و تبدلها مِن غَيرها.

الروايات ألمختلفه حَول دعوته:

جاءَ فِى تاريخ ألطبرى عَن أبن أسحق ما ملخصه:

ان ألياس عَليه ألسلام لما دعا بنى أسرائيل الي نبذَ عباده ألاصنام،
والاستمساك بعباده ألله و حده رفضوه و لم يستجيبوا له،
فدعا ربه فقال: أللهم أن بنى أسرائيل قَد أبو ألا ألكفر بك و ألعباده لغيرك،
فغير ما بهم مِن نعمتك فاوحى ألله أليه انا جعلنا أمر أرزاقهم بيدك فانت ألَّذِى تامر فِى ذَلك،
فقال ألياس: أللهم فامسك عَليهم ألمطر فحبس عنهم ثلاث سنين،
حتي هلكت ألماشيه و ألشجر،
وجهد ألناس جهدا شديدا،
وما دعا عَليهم أستخفي عَن أعينهم و كان ياتيه رزقه حيثُ كَان فكان بنو أسرائيل كلما و جدوا ربح ألخبز فِى دار قالوا هُنا ألياس فيطلبونه،
وينال أهل ألمنزل مِنهم شر و قد أوى ذََات مَره الي بيت أمرآه مِن بني أسرائيل لَها أبن يقال لَه أليسع بن خطوب بِه ضر فاوته و أخفت أمره.
فدعا ربه لابنها فعافاه مِن ألضر ألَّذِى كَان بِه و أتبع ألياس و أمن بِه و صدقه و لزمه فكان يذهب معه حيثما ذَهب و كان ألياس قَد أسن و كبر،
وكان أليسع غلاما شابا ثُم أن ألياس قال لبنى أسرائيل إذا تركتم عباده ألاصنام دعوات ألله أن يفرج عنكم فاخرجوا أصنامهم و محدثاتهم فدعا ألله لَهُم ففرج عنهم و أغاثهم،
فحييت بلادهم و لكنهم لَم يرجعوا عما كَانوا عَليه و لم يستقيموا فلما راى ألياس مِنهم دعا ربه أن يقبضه أليه فقبضه و رفعه.

ويذكر أبن كثِير أن رسالته كَانت لاهل بعلبك غربى دمشق و أنه كَان لَهُم صنم يعبدونه يسمى بعلا و قد ذَكره ألقران ألكريم علَي لسان ألياس حين قال لقومه أتدعون بعلا و تذرون أحسن ألخالقين 125 و ألله ربكم و رب أبائكم ألاولين).

ويذكر بَعض ألمؤرخين انه عقب أنتهاءَ ملك سليمان بن داود عَليه ألسلام و ذَلِك فِى سنه 933 قَبل ألميلاد أنقسمت مملكه بن أسرائيل الي قسمين،
الاول ،

يخضع لملك سلاله سليمان و أول ملوكهم رحبعام بن سليمان و ألثانى يخضع لاحد أسباط أفرايم بن يوسف ألصديق و أسم ملكهم جر بعام.
وقد تشتت دوله بني أسرائيل بَعد سليمان عَليه ألسلام بسَبب أختلاف ملوكهم و عظمائهم علَي ألسلطه ،
وبسَبب ألكفر و ألضلال ألَّذِى أنتشر بَين صفوفهم و قد سمح احد ملوكهم و هو أخاب لزوجته بنشر عباده قومها فِى بنى أسرائيل،
وكان قومها عبادا للاوثان فشاعت ألعباده ألوثنيه ،
وعبدوا ألصنم ألَّذِى ذَكره ألقران ألكريم و أسمه بعل فارسل أليهم ألياس عَليه ألسلام ألَّذِى تحدثنا عَن دعوته فما توفي ألياس عَليه ألسلام أوحى ألله تعالي الي احد ألانبياءَ و أسمه أليسع عَليه ألسلام ليقُوم فِى نبى أسرائيل،
فيدعوهم الي عباده ألله ألواحد ألقهار.

وارجح ألاراءَ أن ألياس هُو ألنبى ألمسمي أيليا فِى ألتوراه .
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول رد: قصص ألانبياءَ كامله

اليسع عَليه ألسلام

نبذه :
من ألعبده ألاخيار و رد ذَكره فِى ألتورآه كَما ذَكر فِى ألقران مرتين ،

ويذكر انه أقام مِن ألموت أنسانا كمعجزه .
سيرته:

من أنبياءَ ألله تعالى،
الذين يذكر ألحق أسمائهم و يثنى عَليهم،
ولا يحكى قصصهم..
نبى ألله تعالي أليسع.

قال تعالي فِى سوره ص): و أذكر أسماعيل و أليسع و ذَا ألكفل و كل مِن ألاخيار

وقال جل جلاله فِى سوره ألانعام و أسماعيل و أليسع و يونس و لوطا و كلا فضلنا علَي ألعالمين

جاءَ فِى تاريخ ألطبرى حَول ذَكر نسبه انه أليسع بن أخطوب و يقال انه أبن عم ألياس ألنبى عَليهما ألسلام ،

وذكر ألحافظ أبن عساكر نسبه علَي ألوجه ألاتي: أسمه أسباط بن عدى بن شوتلم بن أفرائيم بن يوسف ألصديق عَليه ألسلام و هو مِن أنبياءَ بنى أسرائيل،
وقد أوجز ألقران ألكريم عَن حياته فلم يذكر عنها شيئا و إنما أكتفى بَعده فِى مجموعه ألرسل ألكرام ألَّذِى يَجب ألايمان بهم تفصيلا.

قام بتبليغ ألدعوه بَعد أنتقال ألياس الي جوار ألله فقام يدعو الي ألله مستمسكا بمنهاج نبى ألله ألياس و شريعته و قد كثرت فِى زمانه ألاحداث و ألخطايا و كثر ألملوك ألجبابره فقتلوا ألانبياءَ و شردوا ألمؤمنين فوعظهم أليسع و خوفهم مِن عذاب ألله و لكنهم لَم يابهوا بدعوته ثُم توفاه ألله و سلط علَي بنى أسرائيل مِن يسومهم سوء ألعذاب كَما قص علينا ألقران ألكريم.
ويذكر بَعض ألمؤرخين أن دعوته فِى مدينه تسعي بانياس أحدي مدن ألشام،
ولا تزال حتّي ألآن موجوده و هى قريبه مِن بلده أللاذقيه و ألله أعلم.

وارجح ألاقوال أن أليسع هُو أليشع ألَّذِى تتحدث عنه ألتوراه ..
ويذكر ألقديس برنابا انه أقام مِن ألموت أنسانا كمعجزه .

اليسع و ذَو ألكفل:
ويروى بَعض ألعلماءَ قصه حدثت فِى زمن أليسع عَليه ألسلام.

فيروي انه لما كبر أليسع قال لَو أنى أستخلفت رجلا علَي ألناس يعمل عَليهم فِى حياتى حتّي أنظر كَيف يعمل فجمع ألناس فقال: مِن يتقبل لِى بثلاث أستخلفه: يصوم ألنهار،
ويقُوم ألليل،
ولا يغضب.
فقام رجل تزدريه ألعين،
فقال: أنا،
فقال: انت تصوم ألنهار،
وتَقوم ألليل،
ولا تغضب قال: نعم.
لكن أليسع عَليه ألسلام رد ألناس ذَلِك أليَوم دون أن يستخلف أحدا.
وفي أليَوم ألتالى خرج أليسع عَليه ألسلام علَي قومه و قال مِثل ما قال أليَوم ألاول،
فسكت ألناس و قام ذَلِك ألرجل فقال أنا.
فاستخلف أليسع ذَلِك ألرجل.

فجعل أبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان،
فاعياهم ذَلك.
فقال دعونى و أياه فاتاه فِى صوره شيخ كبير فقير،
واتاه حين أخذَ مضجعه للقائله ،
وكان لا ينام ألليل و ألنهار،
الا تلك ألنومه فدق ألباب.
فقال ذَُو ألكفل: مِن هَذا قال: شيخ كبير مظلوم.
فقام ذَُو ألكفل ففَتح ألباب.
فبدا ألشيخ يحدثه عَن خصومه بينه و بين قومه،
وما فعلوه به،
وكيف ظلموه،
واخذَ يطول فِى ألحديث حتّي حضر موعد مجلس ذَُو ألكفل بَين ألناس،
وذهبت ألقائله .
فقال ذَُو ألكفل: إذا رحت للمجلس فاننى أخذَ لك بحقك.

فخرج ألشيخ و خرج ذَُو ألكفل لمجلسه دون أن ينام.
لكن ألشيخ لَم يحضر للمجلس.
وانفض ألمجلس دون أن يحضر ألشيخ.
وعقد ألمجلس فِى أليَوم ألتالي،
لكن ألشيخ لَم يحضر أيضا.
ولما رجع ذَُو ألكفل لمنزله عِند ألقائله ليضطجع أتاه ألشيخ فدق ألباب،
فقال: مِن هَذا فقال ألشيخ ألكبير ألمظلوم.
ففَتح لَه فقال: ألم اقل لك إذا قعدت فاتنى فقال ألشيخ: انهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا لِى نحن نعطيك حقك،
واذا قمت جحدوني.
فقال ذَُو ألكفل: أنطلق ألآن فاذا رحت مجلسى فاتني.

ففاتته ألقائله ،
فراح مجلسه و أنتظر ألشيخ فلا يراه و شق عَليه ألنعاس،
فقال لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب هَذا ألباب حتّي أنام،
فانى قَد شق على ألنوم.
فقدم ألشيخ،
فمنعوه مِن ألدخول،
فقال: قَد أتيته أمس،
فذكرت لذى ألكفل أمري،
فقالوا: لا و ألله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه.
فقام ألشيخ و تسور ألحائط و دخل ألبيت و دق ألباب مِن ألداخل،
فاستيقظ ذَُو ألكفل،
وقال لاهله: ألم أمركم ألا يدخل على احد فقالوا: لَم ندع أحدا يقترب،
فانظر مِن اين دخل.
فقام ذَُو ألكفل الي ألباب فاذا هُو مغلق كَما أغلقه و أذا ألرجل معه فِى ألبيت،
فعرفه فقال: أعدو ألله قال: نعم أعييتنى فِى كُل شيء ففعلت كُل ما تري لاغضبك.

فسماه ألله ذَا ألكفل لانه تكفل بامر فوفى به!

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول

عزير عَليه ألسلام

نبذه :
من أنبياءَ بنى أسرائيل،
اماته ألله مئه عام ثُم بعثه،
جدد ألدين لبنى أسرائيل و علمهم ألتورآه بَعد أن نسوها.
سيرته:
مرت ألايام علَي بنى أسرائيل فِى فلسطين،
وانحرفوا كثِير عَن مِنهج ألله عز و جل.
فاراد ألله أن يجدد دينهم،
بعد أن فقدوا ألتورآه و نسوا كثِيرا مِن أياتها،
فبعث ألله تعالي أليهم عزيرا.

امر ألله سبحانه و تعالي عزيرا أن يذهب الي قريه .
فذهب أليها فوجدها خرابا،
ليس فيها بشر.
فوقف متعجبا،
كيف يرسله ألله الي قريه خاويه ليس فيها بشر.
وقف مستغربا،
ينتظر أن يحييها ألله و هو و أقف لانه مبعوث أليها.
فاماته ألله مئه عام.
قبض ألله روحه و هو نائم،
ثم بعثه.
فاستيقظ عزير مِن نومه.

فارسل ألله لَه ملكا فِى صوره بشر: قال كَم لبثت).

فاجاب عزير: قال لبثت يوما او بَعض يوم).
نمت يوما او عده أيام علَي اكثر تقدير.

فرد ألملك: قال بل لبثت مئه عام).
ويعقب ألملك مشيرا الي أعجاز ألله عز و جل فانظر الي طعامك و شرابك لَم يتسنه و أنظر الي حمارك أمَره بان ينظر لطعامه ألَّذِى ظل بجانبه مئه سنه ،
فراه سليما كَما تركه،
لم ى و لم يتغير طعمه او ريحه.
ثم أشار لَه الي حماره،
فراه قَد مات و تحَول الي جلد و عظم.
ثم بَين لَه ألملك ألسر فِى ذَلِك و لنجعلك أيه للناس).
ويختتم كلامه بامر عجيب و أنظر الي ألعظام كَيف ننشزها ثُم نكسوها لحما نظر عزير للحمار فراي عظامه تتحرك فتتجمع فتتشَكل بشَكل ألحمار،
ثم بدا أللحم يكسوها،
ثم ألجلد ثُم ألشعر،
فاكتمل ألحمار امام عينيه.

يخبرنا ألمولي بما قاله عزير فِى هَذا ألموقف: فلما تبين لَه قال أعلم أن ألله علَي كُل شيء قدير).

سبحان ألله اى أعجاز هذا..
ثم خرج الي ألقريه ،
فراها قَد عمرت و أمتلات بالناس.
فسالهم: هَل تعرفون عزيرا قالوا: نعم نعرفه،
وقد مات منذُ مئه سنه .
فقال لهم: انا عزير.
فانكروا عَليه ذَلك.
ثم جاءوا بعجوز معمره ،
وسالوها عَن أوصافه،
فوصفته لهم،
فتاكدوا انه عزير.

فاخذَ يعلمهم ألتورآه و يجددها لهم،
فبدا ألناس يقبلون عَليه و علي هَذا ألدين مِن جديد،
واحبوه حبا شديدا و قدسوه للاعجاز ألَّذِى ظهر فيه،
حتي و صل تقديسهم لَه أن قالوا عنه انه أبن ألله و قالت أليهود عزير أبن ألله).

واستمر أنحراف أليهود بتقديس عزير و أعتباره أبنا لله تعالي و لا زالوا يعتقدون بهَذا الي أليَوم و هَذا مِن شركهم لعنهم ألله.

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
زكريا عَليه ألسلام

نبذه :

عبد صالح تقى أخذَ يدعو للدين ألحنيف،
كفل مريم ألعذراء،
دعا ألله أن يرزقه ذَريه صالحه فوهب لَه يحيي ألَّذِى خَلفه فِى ألدعوه لعباده ألله ألواحد ألقهار.

سيرته:

امرآه عمران:
في ذَلِك ألعصر ألقديم..
كان هُناك نبي..
وعالم عظيم يصلى بالناس..
كان أسم ألنبى زكريا عَليه ألسلام..
اما ألعالم ألعظيم ألَّذِى أختاره ألله للصلآه بالناس،
فكان أسمه عمران عَليه ألسلام.

وكان لعمران زوجته لا تلد..
وذَات يوم رات طائرا يطعم أبنه ألطفل فِى فمه و يسقيه..
وياخذه تَحْت جناحه خوفا عَليه مِن ألبرد..
وذكرها هَذا ألمشهد بنفسها فتمنت علَي ألله أن تلد..
ورفعت يديها و راحت تدعو خالقها أن يرزقها بطفل..

واستجابت لَها رحمه ألله فاحست ذََات يوم انها حامل..
وملاها ألفرح و ألشكر لله فنذرت ما فِى بطنها محررا لله..
كان معني هَذا انها نذرت لله أن يَكون أبنها خادما للمسجد طوال حياته..
يتفرغ لعباده ألله و خدمه بيته.

ولاده مريم:
وجاءَ يوم ألوضع و وضعت زوجه عمران بنتا،
وفوجئت ألام كَانت تُريد و لدا ليَكون فِى خدمه ألمسجد و ألعباده ،
فلما جاءَ ألمولود أنثي قررت ألام أن تفي بنذرها لله برغم أن ألذكر ليس كالانثى.

سمع ألله سبحانه و تعالي دعاءَ زوجه عمران،
والله يسمع ما نقوله،
وما نهمس بِه لانفسنا،
وما نتمني أن نقوله و لا نفعله..
يسمع ألله هَذا كله و يعرفه..
سمع ألله زوجه عمران و هى تخبره انها قَد و َضعت بنتا،
والله أعلم بما و َضعت،
الله..
هو و حده ألَّذِى يختار نوع ألمولود فيخلقه ذَكرا او يخلقه أنثى..
سمع ألله زوجه عمران تساله أن يحفظ هَذه ألفتآه ألَّتِى سمتها مريم،
وان يحفظ ذَريتها مِن ألشيطان ألرجيم.

ويروى ألامام مسلم فِى صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبه حدثنا عبد ألأعلي عَن معمر عَن ألزهري عَن سعيد عَن أبي هريره أن رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم قال « ما مِن مولود يولد ألا نخسه ألشيطان فيستهل صارخا مِن نخسه ألشيطان ألا أبن مريم و أمه ».
ثم قال أبو هريره أقرءوا أن شئتم و أني أعيذها بك و ذَريتها مِن ألشيطان ألرجيم).

كفاله زكريا لمريم:
اثار ميلاد مريم بنت عمران مشكله صغيره فِى بِدايه ألامر..
كان عمران قَد مات قَبل و لاده مريم..
واراد علماءَ ذَلِك ألزمان و شيوخه أن يربوا مريم..
كل و أحد يتسابق لنيل هَذا ألشرف..
ان يربى أبنه شيخهم ألجليل ألعالم و صاحب صلاتهم و أمامهم فيها.

قال زكريا: أكفلها أنا..
هى قريبتي..
زوجتى هِى خالتها..
وانا نبى هَذه ألامه و أولاكم بها.

وقال ألعلماءَ و ألشيوخ: و لماذَا لا يكفلها أحدنا.. لا نستطيع أن نتركك تحصل علَي هَذا ألفضل بغير أشتراكنا فيه.

ثم أتفقوا علَي أجراءَ قرعه .
اى و أحد يكسب ألقرعه هُو ألَّذِى يكفل مريم،
ويربيها،
ويَكون لَه شرف خدمتها،
حتي تكبر هِى و هى تخدم ألمسجد و تتفرغ لعباده ألله،
واجريت ألقرعه ..
وضعت مريم و هى مولوده علَي ألارض،
ووضعت الي جوارها اقلام ألَّذِين يرغبون فِى كفالتها،
واحضروا طفلا صغيرا،
فاخرج قلم زكريا..

قال زكريا: حكم ألله لِى بان أكفلها.

قال ألعلماءَ و ألشيوخ: لا..
القرعه ثلاث مرات.

وراحوا يفكرون فِى ألقرعه ألثانيه ..
حفر كُل و أحد أسمه علَي قلم خشبي،
وقالوا: نلقى باقلامنا فِى ألنهر..
من سار قلمه ضد ألتيار و حده فَهو ألغالب.

والقوا اقلامهم فِى ألنهر،
فسارت اقلامهم جميعا مَع ألتيار ما عدا قلم زكريا..
سار و حده ضد ألتيار..
وظن زكريا انهم سيقتنعون،
لكنهم أصروا علَي أن تَكون ألقرعه ثلاث مرات.
قالوا: نلقى اقلامنا فِى ألنهر..
القلم ألَّذِى يسير مَع ألتيار و حده ياخذَ مريم.
والقوا اقلامهم فسارت جميعا ضد ألتيار ما عدا قلم زكريا.
وسلموا لزكريا،
واعطوه مريم ليكفلها..
وبدا زكريا يخدم مريم،
ويربيها و يكرمها حتّي كبرت..

كان لَها مكان خاص تعيش فيه فِى ألمسجد..
كان لَها محراب تتعبد فيه..
وكَانت لا تغادر مكأنها ألا قلِيلا..
يذهب و قْتها كله فِى ألصلآه و ألعباده ..
والذكر و ألشكر و ألحب لله..

وكان زكريا يزورها أحيانا فِى ألمحراب..
وكان يفاجاه كلما دخل عَليها انه امام شيء مدهش..
يَكون ألوقت صيفا فيجد عندها فاكهه ألشتاء..
ويَكون ألوقت شتاءَ فيجد عندها فاكهه ألصيف.

ويسالها زكريا مِن اين جاءها هَذا ألرزق..؟

فتجيب مريم: انه مِن عِند ألله..

وتكرر هَذا ألمشهد اكثر مِن مره .

دعاءَ زكريا ربه:

كان زكريا شيخا عجوزا ضعف عظمه،
واشتعل راسه بالشعر ألابيض،
واحس انه لَن يعيش طويلا..
وكَانت زوجته و هى خاله مريم عجوزا مِثله و لم تلد مِن قَبل فِى حياتها لأنها عاقر..
وكان زكريا يتمني أن يَكون لَه و لد يرث علمه و يصير نبيا و يستطيع أن يهدى قومه و يدعوهم الي كتاب ألله و مغفرته..
وكان زكريا لا يقول أفكاره هَذه لاحد..
حتي لزوجته..
ولكن ألله تعالي كَان يعرفها قَبل أن تقال..
ودخل زكريا ذَلِك ألصباح علَي مريم فِى ألمحراب..
فوجد عندها فاكهه ليس هَذا أوانها.

سالها زكريا: قال يا مريم أني لك هذا)؟!

مريم: قالت هُو مِن عِند ألله أن ألله يرزق مِن يشاءَ بغير حساب).

قال زكريا فِى نفْسه: سبحان ألله..
قادر علَي كُل شيء..
وغرس ألحنين أعلامه فِى قلبه و تمني ألذريه ..
فدعا ربه.

سال زكريا خالقه بغير أن يرفع صوته أن يرزقه طفلا يرث ألنبوه و ألحكمه و ألفضل و ألعلم..
وكان زكريا خائفا أن يضل ألقوم مِن بَعده و لم يبعث فيهم نبي..
فرحم ألله تعالي زكريا و أستجاب له.
فلم يكد زكريا يهمس فِى قلبه بدعائه لله حتّي نادته ألملائكه و هو قائم يصلى فِى ألمحراب: يا زكريا انا نبشرك بغلام أسمه يحيي لَم نجعل لَه مِن قَبل سميا).

فوجئ زكريا بهَذه ألبشرى..
ان يَكون لَه و لد لا شبيه لَه او مثيل مِن قَبل..
احس زكريا مِن فرط ألفرح باضطراب..
تسائل مِن موضع ألدهشه : قال رب أني يَكون لِى غلام و كَانت أمراتى عاقرا و قد بلغت مِن ألكبر عتيا أدهشه أن ينجب و هو عجوز و أمراته لا تلد..

(قال كذلِك قال ربك هُو على هين و قد خلقتك مِن قَبل و لم تك شيئا أفهمته ألملائكه أن هَذه مشيئه ألله و ليس امام مشيئه ألله ألا ألنفاذ..
وليس هُناك شيء يصعب علَي ألله سبحانه و تعالى..
كل شيء يُريده يامَره بالوجود فيوجد..
وقد خلق ألله زكريا نفْسه مِن قَبل و لم يكن لَه و جود..
وكل شيء يخلقه ألله تعالي بمجرد ألمشيئه إنما أمَره إذا أراد شيئا أن يقول لَه كن فيكون).

امتلا قلب زكريا بالشكر لله و حمده و تمجيده..
وسال ربه أن يجعل لَه أيه او علامه .
فاخبره ألله انه ستجيء عَليه ثلاثه أيام لا يستطيع فيها ألنطق..
سيجد نفْسه غَير قادر علَي ألكلام..
سيَكون صحيح ألمزاج غَير معتل..
اذا حدث لَه هَذا أيقن أن أمراته حامل،
وان معجزه ألله قَد تحققت..
وعليه ساعتها أن يتحدث الي ألناس عَن طريق ألاشاره ..
وان يسبح ألله كثِيرا فِى ألصباح و ألمساء..

وخرج زكريا يوما علَي ألناس و قلبه مليء بالشكر..
واراد أن يكلمهم فاكتشف أن لسانه لا ينطق..
وعرف أن معجزه ألله قَد تحققت..
فاوما الي قومه أن يسبحوا ألله فِى ألفجر و ألعشاء..
وراح هُو يسبح ألله فِى قلبه..
صلي لله شكرا علَي أستجابته لدعوته و منحه يحيي..

ظل زكريا عَليه ألسلام يدعوا الي ربه حتّي جاءت و فاته.

ولم ترد روايات صحيحه عَن و فاته عَليه ألسلام.
لكن و رايات كثِير ضعيفه أوردت قتله علَي يد جنود ألملك ألَّذِى قتل يحيي مِن قَبل

الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول

عيسي عَليه ألسلام

نبذه :

مثل عيسي مِثل أدم خلقه ألله مِن تراب و قال لَه كن فيكون،
هو عيسي بن مريم رسول ألله و كلمته ألقاها الي مريم،
وهو ألَّذِى بشر بالنبى محمد،
اتاه ألله ألبينات و أيده بروح ألقدس و كان و جيها فِى ألدنيا و ألاخره و من ألمقربين،
كلم ألناس فِى ألمهد و كهلا و كان يخلق مِن ألطين كهيئه ألطير فينفخ فيها فتَكون طيرا،
ويبرئ ألاكمه و ألابرص و يخرج ألموتي كُل باذن ألله،
دعا ألمسيح قومه لعباده ألله ألواحد ألاحد و لكنهم أبوا و أستكبروا و عارضوه،
ولم يؤمن بِه سوي بسطاءَ قومه،
رفعه ألله الي ألسماءَ و سيهبط حينما يشاءَ ألله الي ألارض ليَكون شهيدا علَي ألناس.

سيرته:

الحديث عَن نبى ألله عيسي عَليه ألسلام،
يستدعى ألحديث عَن أمه مريم،
بل و عن ذَريه أل عمران هَذه ألذريه ألَّتِى أصطفاها ألله تعالي و أختارها،
كَما أختار أدم و نوحا و أل أبراهيم علَي ألعالمين.

ال عمران أسره كريمه مكونه مِن عمران و ألد مريم،
وامرآه عمران أم مريم،
ومريم،
وعيسي عَليه ألسلام؛ فعمران جد عيسي لامه،
وامرآه عمران جدته لامه،
وكان عمران صاحب صلآه بنى أسرائيل فِى زمانه،
وكَانت زوجته أمرآه عمران أمرآه صالحه كذلك،
وكَانت لا تلد،
فدعت ألله تعالي أن يرزقها و لدا،
ونذرت أن تجعله مفرغا للعباده و لخدمه بيت ألمقدس،
فاستجاب ألله دعاءها،
ولكن شاءَ ألله أن تلد أنثي هِى مريم،
وجعل ألله تعالي كفالتها و رعايتها الي زكريا عَليه ألسلام،
وهو زوج خالتها،
وإنما قدر ألله ذَلِك لتقتبس مِنه علما نافعا،
وعملا صالحا.

كَانت مريم مثالا للعباده و ألتقوى،
واسبغ ألله تعالي عَليها فضله و نعمه مما لفت أنظار ألاخرين،
فكان زكريا عَليه ألسلام كلما دخل عَليها ألمحراب و جد عندها رزقا،
فيسالها مِن اين لك هذا،
فتجيب: قالت هُو مِن عِند ألله أن ألله يرزق مِن يشاءَ بغير حساب).

كل ذَلِك إنما كَان تمهيدا للمعجزه ألعظمى؛ حيثُ و لد عيسي عَليه ألسلام مِن هَذه ألمرآه ألطاهره ألنقيه ،
دون أن يَكون لَه أب كسائر ألخلق،
واستمع الي بِدايه ألقصه كَما أوردها ألقران ألكريم،
قال تعالى:

واذَ قالت ألملائكه يا مريم أن ألله أصطفاك و طهرك و أصطفاك علَي نساءَ ألعالمين 42 أل عمران)

بهَذه ألكلمات ألبسيطه فهمت مريم أن ألله يختارها،
ويطهرها و يختارها و يجعلها علَي راس نساءَ ألوجود..
هَذا ألوجود،
والوجود ألَّذِى لَم يخلق بَعد..
هى أعظم فتآه فِى ألدنيا و بعد قيامه ألاموات و خلق ألاخره ..
وعادت ألملائكه تتحدث:

يا مريم أقنتى لربك و أسجدى و أركعى مَع ألراكعين 43 أل عمران)

ولاده عيسي عَليه ألسلام:
كان ألامر ألصادر بَعد ألبشاره أن تزيد مِن خشوعها،
وسجودها و ركوعها لله..
وملا قلب مريم أحساس مفاجئ بان شيئا عظيما يوشك أن يقع..
ويروى ألله تعالي فِى ألقران ألكريم قصه و لاده عيسي عَليه ألسلام فيقول:

واذكر فى ألكتاب مريم أذَ أنتبذت مِن أهلها مكانا شرقيا 16 فاتخذت مِن دونهم حجابا فارسلنا أليها روحنا فتمثل لَها بشرا سويا 17 قالت أنى أعوذَ بالرحمن منك أن كنت تقيا 18 قال إنما انا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا 19 قالت أني يَكون لي غلام و لم يمسسني بشر و لم أك بغيا 20 قال كذلِك قال ربك هُو علَي هين و لنجعله ءايه للناس و رحمه منا و كان أمرا مقضيا 21 مريم)

جاءَ جبريل عَليه ألسلام لمريم و هى فِى ألمحراب علَي صوره بشر فِى غايه ألجمال.
فخافت مريم و قالت: أنى أعوذَ بالرحمن منك أن كنت تقيا أرادت أن تَحْتمى فِى ألله..
وسالته هَل هُو أنسان طيب يعرف ألله و يتقيه.

فجاءَ جوابه ليطمئنها بانه يخاف ألله و يتقيه: قال إنما انا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا)

اطمئنت مريم للغريب،
لكن سرعان ما تذكرت ما قاله لاهب لك غلاما زكيا أستغربت مريم ألعذراءَ مِن ذَلك..
فلم يمسسها بشر مِن قَبل..
ولم تتزوج،
ولم يخطبها أحد،
كيف تنجب بغير زواج! فقالت لرسول ربها: أني يَكون لِى غلام و لم يمسسنى بشر و لم أك بغيا)

قال ألروح ألامين: كذلِك قال ربك هُو على هين و لنجعله أيه للناس و رحمه منا و كان أمرا مقضيا)

استقبل عقل مريم كلمات ألروح ألامين..
الم يقل لَها أن هَذا هُو أمر ألله .
. و كل شيء ينفذَ إذا أمر ألله..
ثم اى غرابه فِى أن تلد بغير أن يمسسها بشر.. لقد خلق ألله سبحانه و تعالي أدم مِن غَير أب او أم،
لم يكن هُناك ذَكر و أنثي قَبل خلق أدم.
وخلقت حواءَ مِن أدم فَهى قَد خلقت مِن ذَكر بغير أنثى..
ويخلق أبنها مِن غَير أب..
يخلق مِن أنثي بغير ذَكر..
والعاده أن يخلق ألانسان مِن ذَكر و أنثى..
العاده أن يَكون لَه أب و أم..
لكن ألمعجزه تقع عندما يُريد ألله تعالي أن تقع..
عاد جبريل عَليه ألسلام يتحدث: أن ألله يبشرك بِكُلمه مِنه أسمه ألمسيح عيسي أبن مريم و جيها فِى ألدنيا و ألاخره و من ألمقربين 45 و يكلم ألناس فِى ألمهد و كهلا و من ألصالحين)

زادت دهشه مريم..
قبل أن تحمله فِى بطنها تعرف أسمه..
وتعرف انه سيَكون و جيها عِند ألله و عِند ألناس،
وتعرف انه سيكلم ألناس و هو طفل و هو كبير..
وقبل أن يتحرك فم مريم بسؤال أخر..
نفخ جبريل عَليه ألسلام فِى جيب مريم ألجيب هُو شق ألثوب ألَّذِى يَكون فِى ألصدر فحملت فورا.

ومرت ألايام..
كان حملها يختلف عَن حمل ألنساء..
لم تمرض و لم تشعر بثقل و لا أحست أن شيئا زاد عَليها و لا أرتفع بطنها كعاده ألنساء..
كان حملها بِه نعمه طيبه .
وجاءَ ألشهر ألتاسع..
وفي ألعلماءَ مِن يقول أن ألفاءَ تفيد ألتعقيب ألسريع..
بمعني أن مريم لَم تحمل بعيسي تسعه أشهر،
وإنما و لدته مباشره كمعجزه ..

خرجت مريم ذََات يوم الي مكان بعيد..
أنها تحس أن شيئا سيقع أليوم..
لكنها لا تعرف حقيقه هَذا ألشيء..
قادتها قدماها الي مكان يمتلئ بالشجر..
والنخل،
مكان لا يقصده احد لبعده..
مكان لا يعرفه غَيرها..
لم يكن ألناس يعرفون أن مريم حامل..
وأنها ستلد..
كان ألمحراب مغلقا عَليها،
والناس يعرفون انها تتعبد فلا يقترب مِنها أحد..

جلست مريم تستريح تَحْت جذع نخله ؛ لَم تكُن نخله كامله ،
إنما جذع فقط،
لتظهر معجزات ألله سبحانه و تعالي لمريم عِند و لاده عيسي فيطمئن قلبها..
وراحت تفكر فِى نفْسها..
كَانت تشعر بالم..
وراح ألالم يتزايد و يجيء فِى مراحل متقاربه ..
وبدات مريم تلد..

فاجاءها ألمخاض الي جذع ألنخله قالت يا ليتنى مت قَبل هَذا و كنت نسيا منسيا 23 مريم)

ان ألم ألميلاد يحمل لنفس ألعذراءَ ألطاهره ألاما اُخري تتوقعها و لم تقع بَعد..
كيف يستقبل ألناس طفلها هذا.. و ماذَا يقولون عنها.. انهم يعرفون انها عذراء..
فكيف تلد ألعذراء.. هَل يصدق ألناس انها و لدته بغير أن يمسسها بشر.. و تصورت نظرات ألشك..
وكلمات ألفضول..
وتعليقات ألناس..
وامتلا قلبها بالحزن..

وولدت فِى نفْس أللحظه مِن قدر عَليه أن يحمل فِى قلبه أحزان ألبشريه ..
لم تكد مريم تنتهى مِن تمنيها ألموت و ألنسيان،
حتي نادها ألطفل ألَّذِى و لد:

فناداها مِن تَحْتها ألا تحزنى قَد جعل ربك تَحْتك سريا 24 و هزى أليك بجذع ألنخله تساقط عليك رطبا جنيا 25 فكلى و أشربى و قرى عينا فاما ترين مِن ألبشر أحدا فقولى أنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم أليَوم أنسيا 26 مريم)

نظرت مريم الي ألمسيح..
سمعته يطلب مِنها أن تكف عَن حزنها..
ويطلب مِنها أن تهز جذع ألنخله لتسقط عَليها بَعض ثمارها ألشهيه ..
فلتاكل،
ولتشرب،
ولتمتلئ بالسلام و ألفرح و لا تفكر فِى شيء..
فاذا رات مِن ألبشر أحدا فلتقل لَهُم انها نذرت للرحمن صوما فلن تكلم أليَوم أنسانا..
ولتدع لَه ألباقي..

لم تكد تلمس جذعها حتّي تساقط عَليها رطب شهي..
فاكلت و شربت و لفت ألطفل فِى ملابسها..
كان تفكير مريم ألعذراءَ كله يدور حَول مركز و أحد..
هو عيسى،
وهى تتساءل بينها و بين نفْسها: كَيف يستقبله أليهود.. ماذَا يقولون فيه.. هَل يصدق احد مِن كهنه أليهود ألَّذِين يعيشون علَي ألغش و ألخديعه و ألسرقه .. هَل يصدق أحدهم و هو بعيد عَن ألله أن ألله هُو ألَّذِى رزقها هَذا ألطفل أن موعد خلوتها ينتهي،
ولا بد أن تعود الي قومها..
فماذَا يقولون ألناس؟

مواجهه ألقوم:
كان ألوقت عصرا حين عادت مريم..
وكان ألسوق ألكبير ألَّذِى يقع فِى طريقها الي ألمسجد يمتلئ بالناس ألَّذِى فرغوا مِن ألبيع و ألشراءَ و جلسوا يثرثرون.
لم تكد مريم تتوسط ألسوق حتّي لاحظ ألناس انها تحمل طفلا،
وتضمه لصدرها و تمشى بِه فِى جلال و بطئ..

تسائل احد ألفضوليين: أليست هَذه مريم ألعذراء.. طفل مِن هَذا ألَّذِى تحمله علَي صدرها..؟

قال أحدهم: هُو طفلها..
تري اى قصه ستخرج بها علينا..؟

وجاءَ كهنه أليهود يسالونها..
ابن مِن هَذا يا مريم لماذَا لا تردين هُو أبنك قطعا..
كيف جاءك و لد و أنت عذراء؟

يا أخت هارون ما كَان أبوك أمرا سوء و ما كَانت أمك بغيا 28 مريم)

الكلمه ترمى مريم بالبغاء..
هكذا مباشره دون أستماع او تحقيق او تثبت..
ترميها بالبغاءَ و تعيرها بأنها مِن بيت طيب و ليست أمها بغيا..
فكيف صارت هِى كذلِك راحت ألاتهامات تسقط عَليها و هى مرفوعه ألراس..
تومض عيناها بالكبرياءَ و ألامومه ..
ويشع مِن و جهها نور يفيض بالثقه ..
فلما زادت ألاسئله ،
وضاق ألحال،
وانحصر ألمجال،
وامتنع ألمقال،
اشتد توكلها علَي ذَى ألجلال و أشارت أليه..

اشارت بيدها لعيسى..
واندهش ألناس..
فهموا انها صائمه عَن ألكلام و ترجو مِنهم أن يسالوه هُو كَيف جاء..
تساءل ألكهنه و رؤساءَ أليهود كَيف يوجهون ألسؤال لطفل و لد منذُ أيام..
هل يتكلم طفل فِى لفافته..؟!

قالوا لمريم: كَيف نكلم مِن كَان فِى ألمهد صبيا).

قال عيسى:

قال أنى عبد ألله أتانى ألكتاب و جعلنى نبيا 30 و جعلنى مباركا اين ما كنت و أوصانى بالصلآه و ألزكآه ما دمت حيا 31 و برا بوالدتى و لم يجعلنى جبارا شقيا 32 و ألسلام على يوم و لدت و يوم أموت و يوم أبعث حيا 33 مريم)

لم يكد عيسي ينتهى مِن كلامه حتّي كَانت و جوه ألكهنه و ألاحبار ممتقعه و شاحبه ..
كانوا يشهدون معجزه تقع امامهم مباشره ..
هَذا طفل يتكلم فِى مهده..
طفل جاءَ بغير أب..
طفل يقول أن ألله قَد أتاه ألكتاب و جعله نبيا..
هَذا يَعنى أن سلطتهم فِى طريقها الي ألانهيار..
سيصبح كُل و أحد فيهم بلا قيمه عندما يكبر هَذا ألطفل..
لن يستطيع أن يبيع ألغفران للناس،
او يحكمهم عَن طريق أدعائه انه ظل ألسماءَ علَي ألارض،
او باعتباره ألوحيد ألعارف فِى ألشريعه ..
شعر كهنه أليهود بالماسآه ألشخصيه ألَّتِى جاءتهم بميلاد هَذا ألطفل..
ان مجرد مجيء ألمسيح يَعنى أعاده ألناس الي عباده ألله و حده..
وهَذا معناه أعدام ألديانه أليهوديه ألحاليه ..
فالفرق بَين تعاليم موسي و تصرفات أليهود كَان يشبه ألفرق بَين نجوم ألسماءَ و وحل ألطرقات..
وتكتم رهبان أليهود قصه ميلاد عيسي و كلامه فِى ألمهد..
واتهموا مريم ألعذراءَ ببهتان عظيم..
اتهموها بالبغاء..
رغم انهم عاينوا بانفسهم معجزه كلام أبنها فِى ألمهد.

وتخبرنا بَعض ألروايات أن مريم هاجرت بعيسي الي مصر،
بينما تخبرنا روايات اُخري بان هجرتها كَانت مِن بيت لحم لبيت ألمقدس.
الا أن ألمعروف لدينا هُو أن هَذه ألهجره كَانت قَبل بعثته.

معجزاته:
كبر عيسى..
ونزل عَليه ألوحي،
واعطاه ألله ألانجيل.
وكان عمَره أنذاك كَما يري ألكثير مِن ألعلماءَ ثلاثون سنه .
واظهر ألله علَي يديه ألمعجزات.
يقول ألمولي عز و جل فِى كتابه عَن معجزات عيسي عَليه ألسلام:

ويعلمه ألكتاب و ألحكمه و ألتورآه و ألانجيل 48 و رسولا الي بنى أسرائيل أنى قَد جئتكم بايه مِن ربكم أنى أخلق لكُم مِن ألطين كهيئه ألطير فانفخ فيه فيَكون طيرا باذن ألله و أبري ألاكمه و ألابرص و أحى ألموتي باذن ألله و أنبئكم بما تاكلون و ما تدخرون فى بيوتكم أن فِى ذَلِك لايه لكُم أن كنتم مؤمنين 49 و مصدقا لما بَين يدى مِن ألتورآه و لاحل لكُم بَعض ألَّذِى حرم عليكم و جئتكم بايه مِن ربكم فاتقوا ألله و أطيعون 50 أن ألله ربى و ربكم فاعبدوه هَذا صراط مستقيم أل عمران)

فكان عيسي عَليه ألسلام رسولا لبنى أسرائيل فقط.
ومعجزاته هي:

علمه ألله ألتوراه .

يصنع مِن ألطين شَكل ألطير ثُم ينفخ فيه فيصبح طيرا حيا يطير امام أعينهم.

يعالج ألاكمه و هو مِن و لد أعمى)،
فيمسح علَي عينيه امامهم فيبصر.

يعالج ألابرص و هو ألمرض ألَّذِى يصيب ألجلد فيجعل لونه أبيضا)،
فيسمح علَي جسمه فيعود سليما.

يخبرهم بما يخبئون فِى بيوتهم،
وما أعدت لَهُم زوجاتهم مِن طعام.

وكان عَليه ألسلام يحيى ألموتى.
باذن ألله

ايمان ألحواريون:
جاءَ عيسي ليخفف عَن بنى أسرائيل باباحه بَعض ألامور ألَّتِى حرمتها ألتورآه عَليهم عقابا لهم.
الا أن بنى أسرائيل مَع كُل هَذه ألايات كفروا.
قال تعالى:
فلما أحس عيسي مِنهم ألكفر قال مِن أنصارى الي ألله قال ألحواريون نحن أنصار ألله أمنا بالله و أشهد بانا مسلمون 52 ربنا أمنا بما أنزلت و أتبعنا ألرسول فاكتبنا مَع ألشاهدين 53 أل عمران)
وقال تعالى:
يا أيها ألَّذِين أمنوا كونوا أنصار ألله كَما قال عيسي أبن مريم للحواريين مِن أنصارى الي ألله قال ألحواريون نحن أنصار ألله فامنت طائفه مِن بنى أسرائيل و كفرت طائفه فايدنا ألَّذِين أمنوا علَي عدوهم فاصبحوا ظاهرين 14 ألصف)
قيل أن عدَد ألحواريين كَان سبعه عشر رجلا،
لكن ألروايات ألارجح انهم كَانوا أثنى عشر رجلا.
امن ألحواريون،
لكن ألتردد لا يزال موجودا فِى نفوسهم.
قال ألله تعالي قصه هَذا ألتردد:
اذَ قال ألحواريون يا عيسي أبن مريم هَل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائده مِن ألسماءَ قال أتقوا ألله أن كنتم مؤمنين 112 قالوا نُريد أن ناكل مِنها و تطمئن قلوبنا و نعلم أن قَد صدقتنا و نكون عَليها مِن ألشاهدين 113 قال عيسي أبن مريم أللهم ربنا أنزل علينا مائده مِن ألسماءَ تَكون لنا عيدا لاولنا و أخرنا و أيه منك و أرزقنا و أنت خير ألرازقين 114 قال ألله أنى منزلها عليكم فمن يكفر بَعد منكم فانى أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا مِن ألعالمين 115 ألمائده )
استجاب ألله عز و جل،
لكنه حذرهم مِن ألكفر بَعد هَذه ألايه ألَّتِى جاءت تلبيه لطلبهم.
نزلت ألمائده ،
واكل ألحواريون مِنها،
وظلوا علَي أيمانهم و تصديقهم لعيسي عَليه ألسلام ألا رجل و أحد كفر بَعد رفع عيسي عَليه ألسلام.
رفع عيسي عَليه ألسلام:
لما بدا ألناس يتحدثون عَن معجزات عيسي عَليه ألسلام،
خاف رهبان أليهود أن يتبع ألناس ألدين ألجديد فيضيع سلطانهم.
فذهبوا لملك تلك ألمناطق و كان تابعا للروم.
وقالوا لَه أن عيسي يزعم انه ملك أليهود،
وسياخذَ ألملك منك.
فخاف ألملك و أمر بالبحث عَن عيسي عَليه ألسلام ليقتله.
جاءت روايات كثِيره جداً عَن رفع عيسي عَليه ألسلام الي ألسماء،
معظمها مِن ألاسرائيليات او نقلا عَن ألانجيل.
وسنشير الي أرجح روايه هنا.
عندما بلغ عيسي عَليه ألسلام انهم يُريدون قتله،
خرج علَي أصحابه و سالهم مِن مِنهم مستعد أن يلقى ألله عَليه شبهه فيصلب بدلا مِنه و يَكون معه فِى ألجنه .
فقام شاب،
فحن عَليه عيسي عَليه ألسلام لانه لا يزال شابا.
فسالهم مَره ثانيه ،
فقام نفْس ألشاب.
فنزل عَليه شبه عيسي عَليه ألسلام،
ورفع ألله عيسي امام أعين ألحواريين الي ألسماء.
وجاءَ أليهود و أخذوا ألشبه و قْتلوه ثُم صلبوه.
ثم أمسك أليهود ألحواريين فكفر و أحد مِنهم.
ثم أطلقوهم خشيه أن يغضب ألناس.
فظل ألحواريون يدعون بالسر.
وظل ألنصاري علَي ألتوحيد اكثر مِن مئتين سنه .
ثم أمن احد ملوك ألروم و أسمه قسطنطين،
وادخل ألشركيات فِى دين ألنصارى.
يقول أبن عباس: أفترق ألنصاري ثلاث فرق.
فقالت طائفه : كَان ألله فينا ما شاءَ ثُم صعد الي ألسماء.
وقالت طائفه : كَان فينا أبن ألله ما شاءَ ثُم رفعه ألله أليه.
وقلت طائفه : كَان فينا عبد ألله و رسوله ما شاءَ ثُم رفعه ألله أليه.
فتظاهرت ألكافرتان علَي ألمسلمه فقتلوها فلم يزل ألاسلام طامسا حتّي بعث ألله محمدا صلي ألله عَليه و سلم فذلِك قول ألله تعالى: فايدنا ألَّذِين أمنوا علَي عدوهم فاصبحوا ظاهرين).
وقال تعالي عَن رفعه:
وقولهم انا قتلنا ألمسيح عيسي أبن مريم رسول ألله و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لَهُم و أن ألَّذِين أختلفوا فيه لفي شك مِنه ما لَهُم بِه مِن علم ألا أتباع ألظن و ما قتلوه يقينا 157 بل رفعه ألله أليه و كان ألله عزيزا حكيما 158 و أن مِن أهل ألكتاب ألا ليؤمنن بِه قَبل موته و يوم ألقيامه يَكون عَليهم شهيدا 159 ألنساء)
لا يزال عيسي عَليه ألسلام حيا.
ويدل علَي ذَلِك أحاديث صحيحه كثِيره .
والحديث ألجامع لَها فِى مسند ألامام أحمد:
حدثنا عبد ألله،
حدثنى أبي،
ثنا يحيى،
عن أبن أبى عروبه قال: ثنا قتاده ،
عن عبد ألرحمن بن أدم،
عن أبى هريره ،: عَن ألنبى صلي ألله عَليه و سلم قال: ألانبياءَ أخوه لعلات،
دينهم و أحد و أمهاتهم شتى،
وانا أولي ألناس بعيسي أبن مريم لانه لَم يكن بينى و بينه نبي،
وانه نازل فاذا رايتموه فاعرفوه،
فانه رجل مربوع الي ألحمَره و ألبياض،
سبط كَان راسه يقطر و أن لَم يصبه بلل بَين ممصرتين،
فيكسر ألصليب و يقتل ألخنزير،
ويضع ألجزيه ،
و يعطل ألملل حتّي يهلك ألله فِى زمانه ألملل كلها غَير ألاسلام،
ويهلك ألله فِى زمانه ألمسيح ألدجال ألكذاب،
وتقع ألامنه فِى ألارض حتّي ترتع ألابل مَع ألاسد جميعا،
والنمور مَع ألبقر،
والذئاب مَع ألغنم،
ويلعب ألصبيان بالحيات لا يضر بَعضهم بَعضا،
فيمكث ما شاءَ ألله أن يمكث ثُم يتوفى،
فيصلى عَليه ألمسلمون و يدفنونه.)
(مربوع ليس بالطويل و ليس بالقصير،
(الي ألحمَره و ألبياض و جهه أبيض فيه أحمرار،
(سبط شعره ناعم،
(ممصرتين عصاتين او منارتين و في ألحديث ألاخر ينزل عِند ألمناره ألبيضاءَ مِن مسجد دمشق.
وفي ألحديث ألصحيح ألاخر يحدد لنا رسولنا ألكريم مده مكوثه فِى ألارض فيقول: فيمكث أربعين سنه ثُم يتوفى،
و يصلى عَليه ألمسلمون).
لا بد أن يذوق ألانسان ألموت.
عيسي لَم يمت و إنما رفع الي ألسماء،
لذلِك سيذوق ألموت فِى نِهايه ألزمان.
ويخبرنا ألمولي عز و جل بحوار لَم يقع بَعد،
هو حواره مَع عيسي عَليه ألسلام يوم ألقيامه فيقول:
واذَ قال ألله يا عيسي أبن مريم أءنت قلت للناس أتخذونى و أمى ألهين مِن دون ألله قال سبحانك ما يَكون لِى أن أقول ما ليس لِى بحق أن كنت قلته فقد علمته تعلم ما فى نفْسى و لا أعلم ما فى نفْسك أنك انت علام ألغيوب 116 ما قلت لَهُم ألا ما أمرتنى بِه أن أعبدوا ألله ربى و ربكم و كنت عَليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت انت ألرقيب عَليهم و أنت علَي كُل شىء شهيد 117 أن تعذبهم فانهم عبادك و أن تغفر لَهُم فانك انت ألعزيز ألحكيم 118 ألمائده )
هَذا هُو عيسي بن مريم عَليه ألسلام،
اخر ألرسل قَبل سيدنا محمد صلي ألله عَليه و سلم.
الانبياءَ كامله بِدايه ألخلق رسول
{{محمد عَليه ألصلآه و ألسلام}}
المولد:

ولد سيد ألمرسلين صلي ألله عَليه و سلم بشعب بنى هاشم بمكه فِى صبيحه يوم ألاثنين ألتاسع مِن شهر ربيع ألاول،
لاول عام مِن حادثه ألفيل،
ولاربعين سنه خلت مِن ملك كسري أنو شروان،
ويوافق ذَلِك ألعشرين او أثنين و عشرين مِن شهر أبريل سنه 571م حسبما حققه ألعالم ألكبير محمد سليمان ألمنصور فوري و ألمحقق ألفلكى محمود باشا.

وروي أبن سعد أن أم رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم قالت: لما و لدته خرج مِن فرجى نور أضاءت لَه قصور ألشام.
وروي أحمد عَن ألعرباض بن ساريه ما يقارب ذَلك.

وقد روى أن أرهاصات بالبعثه و قعت عِند ألميلاد،
فسقطت أربع عشره شرفه مِن أيوان كسرى،
وخمدت ألنار ألَّتِى يعبدها ألمجوس،
وانهدمت ألكنائس حَول بحيره ساوه بَعد أن غاضت،
روي ذَلِك ألبيهقى و لا يقره محمد ألغزالي.

في بنى سعد:
وكَانت ألعاده عِند ألحاضرين مِن ألعرب أن يلتمسوا ألمراضع لاولادهم أبتعادا لَهُم عَن أمراض ألحواضر؛ لتقوي أجسامهم،
وتشتد أعصابهم،
ويتقنوا أللسان ألعربى فِى مهدهم،
فالتمس عبد ألمطلب لرسول ألله صلي ألله عَليه و سلم ألرضعاء،
واسترضع لَه أمرآه مِن بنى سعد بن بكر – و هى حليمه بنت أبى ذَؤيب – و زوجها ألحارث بن عبد ألعزي ألمكني بابى كبشه ،
من نفْس ألقبيله .

واخوته صلي ألله عَليه و سلم هُناك مِن ألرضاعه عبد ألله بن ألحارث،
وانيسه بنت ألحارث،
وحذافه او جذامه بنت ألحارث و هى ألشيماءَ – لقب غلب علَي أسمها و كَانت تحضن رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم و أبا سفيان بن ألحارث بن عبد ألمطلب،
ابن عم رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم .

وكان عمه حمزه بن عبد ألمطلب مسترضعا فِى بنى سعد بن بكر،
فارضعت أمه رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم يوما و هو عِند أمه حليمه ،
فكان حمزه رضيع رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم مِن و جهين،
من جهه ثويبه ،
ومن جهه ألسعديه .

ورات حليمه مِن بركته صلي ألله عَليه و سلم ما قضت مِنه ألعجب،
ولنتركها تروى ذَلِك مفصلا

قال أبن أسحاق كَانت حليمه تحدث انها خرجت مِن بلدها مَع زوجها و أبن لَها صغير ترضعه،
في نسوه مِن بنى سعد بن بكر،
تلتمس ألرضعاءَ قالت: و ذَلِك فِى سنه شهباءَ لَم تبق لنا شيئا،
قالت: فخرجت علَي أتان لِى قمراء،
معنا شارف لنا،
والله ما تبض بقطره ،
وما ننام ليلنا أجمع مِن صبينا ألَّذِى معنا،
من بكائه مِن ألجوع،
ما فِى ثديى ما يغنيه،
وما فِى شارفنا ما يغذيه،
ولكن كنا نرجو ألغيث و ألفرج،
فخرجت علَي أتانى تلك فلقد أدمت بالركب حتّي شق ذَلِك عَليهم ضعفا و عجفا،
حتي قدمنا مكه نلتمس ألرضعاء،
فما منا أمرآه ألا و قد عرض عَليها رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم فتاباه،
اذا قيل لَها انه يتيم.
وذلِك انا كنا نرجو ألمعروف مِن أبى ألصبى فكنا نقول يتيم و ما عسي أن تصنع أمه و جده فكنا نكره لذلِك فما بقيت أمرآه قدمت معى ألا أخذت رضيعا غَيري.
فلما أجمعنا ألانطلاق قلت لصاحبى و ألله أنى لاكره أن أرجع مِن بَين صواحبى و لم أخذَ رضيعا،
والله لاذهبن الي ذَلِك أليتيم فلاخذنه،
قال: لا عليك أن تفعلي،
عسي ألله أن يجعل لنا بركه ،
قالت: فذهبت أليه،
فاخذته و ما حملنى علَي أخذه ألا أنى لَم أجد غَيره،
قالت: فلما أخذته رجعت بِه الي رحلي،
فلما و َضعته فِى حجرى أقبل عَليه ثدياى بما شاءَ مِن لبن،
فشرب حتّي روى،
وشرب معه أخوه حتّي روى،
ثم ناما،
وما كنا ننام معه قَبل ذَلك،
وقام زوجى الي شارفنا تلك،
فاذا هِى حافل،
فحلب مِنها ما شرب و شربت معه حتّي أنتهينا ريا و شبعا،
فبتنا بخير ليله ،
قالت: يقول صاحبى حين أصبحنا تعلمى و ألله يا حليمه لقد أخذت نسمه مباركه ،
قالت: فقلت و ألله أنى لارجو ذَلك،
قالت: ثُم خرجنا و ركبت انا أتاني،
وحملته عَليها معي،
فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عَليه شيء مِن حمرهم،
حتي أن صواحبى ليقلن لِى يا أبنه أبى ذَؤيب،
ويحك أربعى علينا،
اليست هَذه أتانك ألَّتِى كنت خرجت عَليها فاقول لهن بلي و ألله انها لهى هي،
فيقلن: و ألله أن لَها شانا،
قالت: ثُم قدمنا منازلنا مِن بلاد بنى سعد و ما أعلم أرضا مِن أرض ألله أجدب مِنها،
فكَانت غنمى تروح علَي حين قدمنا بِه معنا شباعا لبنا،
فنحلب و نشرب،
وما يحلب أنسان قطره لبن،
ولا يجدها فِى ضرع حتّي كَان ألحاضرون مِن قومنا يقولون لرعيانهم و يلكُم أسرحوا حيثُ يسرح راعى بنت أبى ذَؤيب،
فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطره لبن،
وتروح غنمى شباعا لبنا،
فلم نزل نتعرف مِن ألله ألزياده و ألخير حتّي مضت سنتاه و فصلته،
وكان يشب شبابا لا يشبه ألغلمان،
فلم يبلغ سنتيه حتّي كَان غلاما جفرا،
قالت: فقدمنا بِه علَي أمه و نحن أحرص علَي مكثه فينا،
لما كنا نري مِن بركته،
فكلمنا أمه،
وقلت لَها لَو تركت أبنى عندى حتّي يغلظ،
فانى أخشي عَليه و باءَ مكه ،
قالت: فلم نزل بها حتّي ردته معنا.

وهكذا بقى رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم فِى بنى سعد،
حتي إذا كَانت ألسنه ألرابعه او ألخامسه مِن مولده و قع حادث شق صدره،
روي مسلم عَن أنس: “ان رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم أتاه جبريل،
وهو يلعب مَع ألغلمان،
فاخذه فصرعه،
فشق عَن قلبه،
فاستخرج ألقلب،
فاستخرج مِنه علقه ،
فقال: هَذا حظ ألشيطان منك،
ثم غسله فِى طست مِن ذَهب بماءَ زمزم،ثم لامه،
ثم أعاده الي مكانه،
وجاءَ ألغلمان يسعون الي أمه – يَعنى ظئره – فقالوا: أن محمدا قَد قتل،
فاستقبلوه و هو منتقع أللون.

الي أمه ألحنون:
وخشيت عَليه حليمه بَعد هَذه ألوقعه حتّي ردته الي أمه،
فكان عِند أمه الي أن بلغ ست سنين.

ورات أمنه و فاءَ لذكري زوجها ألراحل أن تزور قبره بيثرب،
فخرجت مِن مكه قاطعه رحله تبلغ خمسمائه كيلو مترا و معها و لدها أليتيم – محمد صلي ألله عَليه و سلم – و خادمتها أم أيمن،
وقيمها عبد ألمطلب،
فمكثت شهرا ثُم قفلت،
وبينما هِى راجعه أذَ يلاحقها ألمرض،
يلح عَليها فِى أوائل ألطريق،
فماتت بالابواءَ بَين مكه و ألمدينه .

الي جده ألعطوف:
وعاد بِه عبد ألمطلب الي مكه ،
وكَانت مشاعر ألحنان فِى فؤاده تربو نحو حفيده أليتيم ألَّذِى أصيب بمصاب جديد نكا ألجروح ألقديمه ،
فرق عَليه رقه لَم يرقها علَي احد مِن أولاده،
فكان لا يدعه لوحدته ألمفروضه ،
بل يؤثره علَي أولاده،
قال أبن هشام كَان يوضع لعبد ألمطلب فراش فِى ظل ألكعبه ،
فكان بنوه يجلسون حَول فراشه ذَلِك حتّي يخرج أليه،
لا يجلس عَليه احد مِن بنيه أجلالا له،
فكان رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم ياتى و هو غلام جفر حتّي يجلس عَليه،
فياخذه أعمامه ليؤخروه عنه،
فيقول عبد ألمطلب إذا راي ذَلِك مِنهم دعوا أبنى هَذا فوالله أن لَه لشانا،
ثم يجلس معه علَي فراشه،
ويمسح ظهره بيده و يسره ما يراه و يصنع.

ولثمانى سنوات و شهرين و عشره أيام مِن عمَره صلي ألله عَليه و سلم توفى جده عبد ألمطلب بمكه ،
وراي قَبل و فاته أن يعهد بكفاله حفيده الي عمه أبى طالب شقيق أبيه.

الي عمه ألشفيق:
ونهض أبو طالب بحق أبن أخيه علَي أكمل و جه،
وضمه الي و لده،
وقدمه عَليهم و أختصه بفضل أحترام و تقدير،
وظل فَوق أربعين سنه يعز جانبه،
ويبسط عَليه حمايته،
ويصادق و يخاصم مِن أجله،
وستاتى نبذَ مِن ذَلِك فِى مواضعها.

حيآه ألكدح:
ولم يكن لَه صلي ألله عَليه و سلم عمل معين فِى اول شبابه ألا أن ألروايات توالت انه كَان يرعي غنما،
رعاهافي بنى سعد،
وفي مكه لاهلها علَي قراريط و في ألخامسه و ألعشرين مِن سنه خرج تاجرا الي ألشام فِى مال خديجه رضى ألله عنها،
قال أبن أسحاق كَانت خديجه بنت خويلد أمرآه تاجره ذََات شرف و مال،
تستاجر ألرجال فِى مالها،
وتضاربهم أياه بشيء تجعله لهم،
وكَانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عَن رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم ما بلغها مِن صدق حديثه،
وعظم أمانته و كرم أخلاقه بعثت أليه،
فعرضت عَليه أن يخرج فِى مال لَها الي ألشام تاجرا و تعطيه افضل ما كَانت تعطى غَيره مِن ألتجار،
مع غلام لَها يقال لَه ميسره ،
فقبله رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم مِنها،
وخرج فِى مالها ذَلك،
وخرج معه غلامها ميسره حتّي قدم ألشام.

زواجه خديجه :
ولما رجع الي مكه ،
ورات خديجه فِى مالها مِن ألامانه و ألبركه ما لَم تر قَبل هذا،
واخبرها غلامها ميسره بما راي فيه صلي ألله عَليه و سلم مِن خِلال عذبه ،
وشمائل كريمه ،
وفكر راجح،
ومنطق صادق،
ونهج أمين،
وجدت ضالتها ألمنشوده – و كان ألسادات و ألرؤساءَ يحرصون علَي زواجها فتابي عَليهم ذَلِك – فَتحدثت بما فِى نفْسها الي صديقتها نفيسه بنت منيه ،
وهَذه ذَهبت أليه صلي ألله عَليه و سلم تفاتحه أن يتزوج خديجه ،
فرضى بذلك،
وكلم أعمامه،
فذهبوا الي عم خديجه ،
وخطبوها أليه،
وعلي أثر ذَلِك تم ألزواج،
وحضر ألعقد بنو هاشم و رؤساءَ مضر،
وذلِك بَعد رجوعه مِن ألشام بشهرين،
واصدقها عشرين بكره .
وكَانت سنها أذَ ذَاك أربعين سنه ،
وكَانت يومئذَ افضل نساءَ قومها نسبا و ثروه و عقلا،
وهى اول أمرآه تزوجها رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم ،

ولم يتزوج عَليها غَيرها حتّي ماتت.

وكل أولاده صلي ألله عَليه و سلم مِنها سوي أبراهيم،
ولدت لَه أولا ألقاسم – و به كَان يكني – ثُم زينب و رقيه ،
وام كلثوم و فاطمه و عبد ألله،
وكان عبد ألله يلقب بالطيب و ألطاهر،
ومات بنوه كلهم فِى صغرهم،
اما ألبنات فكلهن أدر كن ألاسلام فاسلمن و هاجرن،
الا انهن أدركتهن ألوفآه فِى حياته صلي ألله عَليه و سلم سوي فاطمه رضى ألله عنها فقد تاخرت بَعده سته أشهر ثُم لحقت به.

بناءَ ألكعبه و قضيه ألتحكيم:
ولخمس و ثلاثين سنه مِن مولده صلي ألله عَليه و سلم قامت قريش ببناءَ ألكعبه و ذَلِك لان ألكعبه كَانت رضما فَوق ألقامه .
ارتفاعها تسع أذرع مِن عهد أسماعيل و لم يكن لَها سقف،
فسرق نفر مِن أللصوص كنزها ألَّذِى كَان فِى جوفها،
وكَانت مَع ذَلِك قَد تعرضت – باعتبارها أثرا قديما – للعوادى ألَّتِى أدهت بنيانها،
وصدعت جدرانها،
وقبل بعثته صلي ألله عَليه و سلم بخمس سنين جرف مكه سيل عرم،
انحدر الي ألبيت ألحرام،
فاوشكت ألكعبه مِنه علَي ألانهيار،
فاضطرت قريش الي تجديد بنائها حرصا علَي مكانتها،
واتفقوا علَي أن لا يدخلوا فِى بنائها ألا طيبا،
فلا يدخلوا فيا مهر بغى و لا بيع ربا و لا مظلمه احد مِن ألناس،
وكانوا يهابون هدمها فابتدا بها ألوليد بن ألمغيره ألمخزومي،
وتبعه ألناس لما راوا انه لَم يصبه شيء،
ولم يزالوا فِى ألهدم حتّي و صلوا الي قواعد أبراهيم،
ثم أرادوا ألاخذَ فِى ألبناءَ فجزاوا ألكعبه و خصصوا لكُل قبيله جزءا مِنها.
فجمعت كُل قبيله حجاره علَي حده و أخذوا يبنونها،
وتولي ألبناءَ بناءَ رومى أسمه باقوم،
ولما بلغ ألبنيان موضع ألحجر ألاسود أختلفوا فيمن يمتاز بشرف و َضعه فِى مكانه و أستمر ألنزاع أربع ليال او خمسا و أشتد حتّي كاد يتحَول الي حرب ضروس فِى أرض ألحرم،
الا أن أبا أميه بن ألمغيره ألمخزومى عرض عَليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم اول داخِل عَليهم مِن باب ألمسجد فارتضوه،
وشاءَ ألله أن يَكون ذَلِك رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم ،

فلما راوه هتفوا هَذا ألامين،
رضيناه،
هَذا محمد،
فلما أنتهي أليهم،
واخبروه ألخبر طلب رداءَ فوضع ألحجر و سَطه و طلب مِن رؤساءَ ألقبائل ألمتنازعين أن يمسكوا جميعا باطراف ألرداء،
وامرهم أن يرفعوه حتّي إذا أوصلوه الي موضعه أخذه بيده،
فوضعه فِى مكانه،
وهَذا حل حصيف رضى بِه ألقوم.

وقصرت بقريش ألنفقه ألطيبه فاخرجوا مِن ألجهه ألشماليه نحوا مِن سته أذرع و هى ألَّتِى تسمي بالحجر و ألحطيم،
ورفعوا بابها مِن ألارض،
لئلا يدخلها ألا مِن أرادوا،
ولما بلغ ألبناءَ خمسه عشر ذَراعا سقفوه علَي سته أعمده .

وصارت ألكعبه بَعد أنتهائها ذََات شَكل مربع تقريبا يبلغ أرتفاعه 15مترا و طول ضلعه ألَّذِى فيه ألحجر ألاسود،
والمقابل لَه 10و10م،
والحجر موضوع علَي أرتفاع 50و1م مِن أرضيه ألمطاف،
والضلع ألَّذِى فيه لباب و ألمقابل لَه 12م،
وبابها علَي أرتفاع مترين مِن ألارض،
ويحيط بها مِن ألخارِج قصبه مِن ألبناءَ أسفلها،
متوسط أرتفاعها 25و0م و متوسط عرضها 30و0م و تسمي بالشاذروان،
وهى مِن أصل ألبيت لكِن قريشا تركتها.

السيره ألاجماليه قَبل ألنبوه :
ان ألنبى صلي ألله عَليه و سلم كَان قَد جمع فِى نشاته خير ما فِى طبقات ألناس مِن ميزات،
وكان طرازا رفيعا مِن ألفكر ألصائب،
والنظر ألسديد،
ونال حظا و أفرا مِن حسن ألفطنه و أصاله ألفكره و سداد ألوسيله و ألهدف،
وكان يستعين بصمته ألطويل علَي طول ألتامل و أدمان ألفكره و أستكناءَ ألحق،
وطالع بعقله ألخصب و فطرته ألصافيه صحائف ألحيآه و شؤون ألناس و أحوال ألجماعات،
فعاف ما سواها مِن خرافه ،
وناي عنها،
ثم عاشر ألناس علَي بصيره مِن أمَره و أمرهم،
فما و جد حسنا شارك فيه،
والا عاد الي عزلته ألعتيده فكان لا يشرب ألخمر،
ولا ياكل مما ذَبح علَي ألنصب،
ولا يحضر للاوثان عيدا و لا أحتفالا،
بل كَان مِن اول نشاته نافرا مِن هَذه ألمعبودات ألباطله ،
حتي لَم يكن شيء أبغض أليه مِنها،
وحتي كَان لا يصبر علَي سماع ألحلف باللات و ألعزى.

ولا شك أن ألقدر حاطه بالحفظ،
فعندما تتحرك نوازع ألنفس لاستطلاع بَعض متع ألدنيا،
وعندما يرضي باتباع بَعض ألتقاليد غَير ألمحموده تتدخل ألعنايه ألربانيه للحيلوله بينه و بينها،
روي أبن ألاثير قال رسول ألله صلي ألله عَليه و سلم ما هممت بشيء مما كَان أهل ألجاهليه يعملون غَير مرتين،
كل ذَلِك يحَول ألله بينى و بينه ثُم ما هممت بِه حتّي أكرمنى برسالته،
قلت ليله للغلام ألَّذِى يرعى معى ألغنم بأعلي مكه لَو أبصرت لِى غنمى حتّي أدخل مكه و أسمر بها كَما يسمر ألشباب فقال: أفعل فخرجت حتّي إذا كنت عِند اول دار بمكه سمعت عزفا،
فقلت ما هَذا فقالوا: عرس فلان بفلانه ،
فجلست أسمع،
فضرب ألله علَي أذنى فنمت،
فما أيقظنى ألا حر ألشمس.
فعدت الي صاحبى فسالني،
فاخبرته،
ثم قلت ليله اُخري مِثل ذَلك،
ودخلت بمكه فاصابنى مِثل اول ليله ،
ثم ما هممت بسوء.

وروي ألبخارى عَن جابر بن عبد ألله قال: لما بنيت ألكعبه ذَهب ألنبى صلي ألله عَليه و سلم و عباس ينقلان ألحجاره فقال عباس للنبى صلي ألله عَليه و سلم أجعل أزارك علَي رقبتك يقيك مِن ألحجاره ،
فخر الي ألارض و طمحت عيناه الي ألسماءَ ثُم أفاق فقال: أزاري،
ازاري،
فشد عَليه أزاره و في روايه فما رؤيت لَه عوره بَعد ذَلك.

وكان ألنبى صلي ألله عَليه و سلم يمتاز فِى قومه بخلال عذبه و أخلاق فاضله ،
وشمائل كريمه فكان افضل قومه مروءه ،
واحسنهم خلقا،
واعزهم جوارا،
واعظمهم حلما،
واصدقهم حديثا،
والينهم عريكه ،
واعفهم نفْسا،
واكرمهم خيرا،
وابرهم عملا،
واوفاهم عهدا،
وامنهم أمانه حتّي سماه قومه “الامي” لما جمع فيه مِن ألاحوال ألصالحه و ألخصال ألمرضيه ،
وكان كَما قالت أم ألمؤمنين خديجه رضى ألله عنها يحمل ألكل،
ويكسب ألمعدوم،
ويقرى ألضيف و يعين علَي نوائب ألحق.

 

502 views

قصص الانبياء كاملة