5:53 صباحًا الإثنين 21 أغسطس، 2017

قصص الف ليلة وليلة كاملة

 

صوره قصص الف ليلة وليلة كاملة

حكايات الملك شهريار واخية الملك شاة زمان[عدل] ..
حكي واللة اعلم أنة كَان فيما مضي مِن قديم الزمان وسالف العصر والاوان ملك مِن ملوك ساسان بمغرب الهند والسند صاحب جند واعوان وخدم وحشم لَة ولدان احدهما كبير والاخر صغير،
وفي يوم مِن الايام اشتاق الكبير الي اخية الصغير فامر وزيرة ان يسافر الية ويحضر بِة فاجابة بالسمع والطاعه وسافر حتّى وصل بالسلامه ودخل علي اخية وبلغة السلام واعلمة ان اخاة مشتاق الية وقصدة ان يزورة فاجابة بالسمع والطاعه وتجهز واخرج خيامة وبغالة وخدمة واعوانة واقام وزيرة حاكَما فِي بلادة وخرج طالبا بلاد اخيه.
فلما كَان فِي نصف الليل تذكر حاجه نسيها فِي قصرة فرجع ودخل قصرة فوجد زوجتة راقده فِي فراشة معانقه عبدا اسود مِن العبيد فلما راي هَذا اسودت الدنيا فِي وجهة وقال فِي نفْسه: إذا كَان هَذا الامر قَد وقع وانا ما فارقت المدينه فكيف حال هَذة العاهره إذا غبت عِند اخي مده ثُم أنة سل سيفة وضرب الاثنين فقتلهما فِي الفراش ورجع مِن وقْتة وساعتة وسار الي ان وصل الي مدينه اخية ففرح اخوة بقدومة ثُم خرج الية ولاقاة وسلم عَلية والاخر صغير وكانا بطلين وكان الكبير افرس مِن الصغير وقد ملك البلاد وحكم بالعدل بَين العباد واحبة اهل بلادة ومملكتة وكان اسمة الملك شهريار وكان اخوة الصغير اسمة الملك شاة زمان وكان ملك سمرقند العجم ولم يزل الامر مستقيما فِي بلادهما وكل واحد مِنهما فِي مملكتة حاكم عادل فِي رعيتة مده عشرين سنه وهم فِي غايه البسط والانشراح.
لم يزالا علي هَذة الحاله الي ان اففرح بِة غايه الفرح وزين لَة المدينه وجلس معة يتحدث بانشراح فتذكر الملك شاة زمان ما كَان مِن امر زوجتة فحصل عندة غم زائد واصفر لونة وَضعف جسمة فلما راة اخوة علي هَذة الحاله ظن فِي نفْسة ان ذَلِك بسَبب مفارقتة بلادة وملكة فترك سبيلة ولم يسال عَن ذَلك.
ثم أنة قال لَة فِي بَعض الايام: يا اخي أنا فِي باطني جرح ولم يخبرة بما راي مِن زوجتة فقال: اني اريد ان تسافر معي الي الصيد والقنص لعلة ينشرح صدرك فابي ذَلِك فسافر اخوة وحدة الي الصيد.
وكان فِي قصر الملك شبابيك تطل علي بستان اخية فنظروا واذا بباب القصر قَد فَتح وخرج مِنة عشرون جاريه وعشرون عبدا وامرآه اخية تمشي بينهم وهي غايه فِي الحسن والجمال حتّى وصلوا الي فسقيه وخلعوا ثيابهم وجلسوا مَع بَعضهم واذا بامرآه الملك قالت: يا مسعود فجاءها عبد اسود فعانقها وعانقتة وواقعها وكذلِك باقي العبيد فعلوا بالجواري ولم يزالوا فِي بوس وعناق ونحو ذَلِك حتّى ولي النهار.
فلما راي اخو الملك فقال: واللة ان بليتي اخف مِن هَذة البليه وقد هان ما عندة مِن القهر والغم وقال: هَذا اعظم مما جري لِي ولم يزل فِي اكل وشرب.
وبعد هَذا جاءَ اخوة مِن السفر فسلما علي بَعضهما ونظر الملك شهريار الي اخية الملك شاة زمان وقد رد لونة واحمر وجهة وصار ياكل بشهيه بَعدما كَان قلِيل الاكل فتعجب مِن ذَلِك وقال: يا اخي كنت اراك مصفر الوجة والآن قَد رد اليك لونك فاخبرني بحالك فقال له: اما تغير لوني فاذكرة لك واعف عني اخبارك برد لوني فقال له: اخبرني اولا بتغير لونك وَضعفك حتّى اسمعه.
فقال له: يا اخي انك لما ارسلت وزيرك الي يطلبني للحضور بَين يديك جهزت حالي وقد بررت مِن مدينتي ثُم اني تذكرت الخرزه الَّتِي اعطيتها لك فِي قصري فرجعت فوجدت زوجتي معها عبد اسود وهو نائم فِي فراشي فقتلتهما وجئت عليك وانا متفكر فِي هَذا الامر فهَذا سَبب تغير لوني وَضعفي واما رد لوني فاعف عني مِن ان اذكرة لك.
فلما سمع اخوة كلامة قال له: اقسمت عليك باللة ان تخبرني بسَبب رد لونك فاعاد عَلية جميع ما راة فقال شهريار لاخية شاة زمان: اجعل انك مسافر للصيد والقنص واختف عندي وانت تشاهد ذَلِك وتحققة عيناك فنادي الملك مِن ساعتة بالسفر فخرجت العساكر والخيام الي ظاهر المدينه وخرج الملك ثُم أنة جلس فِي الخيام وقال لغلمانة لا يدخل علي أحد ثُم أنة تنكر وخرج مختفيا الي القصر الَّذِي فية اخوة وجلس فِي الشباك المطل علي البستان ساعه مِن الزمان واذا بالجواري وسيدتهم دخلوا مَع العبيد وفعلوا كَما قال اخوة واستمروا كذلِك الي العصر.
فلما راي الملك شهريار ذَلِك الامر طار عقلة مِن راسة وقال لاخية شاة زمان: قم بنا نسافر الي حال سبيلنا وليس لنا حاجه بالملك حتّى ننظر هَل جري لاحد مِثلنا أو لا فيَكون موتنا خير مِن حياتنا فاجابة لذلك.
ثم أنهما خرجا مِن باب سري فِي القصر ولم يزالا مسافرين اياما وليالي الي ان وصلا الي شجره فِي وسَط مرج عندها عين بجانب البحر المالح فشربا مِن تلك العين وجلسا يستريحان.
فلما كَان بَعد ساعه مضت مِن النهار واذا هُم بالبحر قَد هاج وطلع مِنة عمود اسود صاعد الي السماءَ وهو قاصد تلك المرجة.
فلما رايا ذَلِك خافا وطلعا الي اعلي الشجره وكَانت عاليه وصارا ينظران ماذَا يَكون الخبر واذا بجني طويل القامه عريض الهامه واسع الصدر علي راسة صندوق فطلع الي البر واتي الشجره الَّتِي هما فَوقها وجلس تَحْتها وفَتح الصندوق واخرج مِنة علبه ثُم فَتحها فخرجت مِنها صبيه بهيه كَأنها الشمس المضيئه كَما قال الشاعر:

اشرقت فِي الدجي فلاح النهار واستنارت بنورها الاسحار
تسجد الكائنات بَين يديها حين تبدو وتهتك الاستار

واذا اومضت بروق حماها هطلت بالمدامع الامطار
قال: فلما نظر اليها الجني قال: يا سيده الحرائر الَّتِي قَد اختطفتك ليله عرسك اريد ان انام قلِيلا ثُم ان الجني وَضع راسة علي ركبتيها ونام فرفعت راسها الي اعلي الشجره فرات الملكين وهما فَوق تلك الشجره فرفعت راس الجني مِن فَوق ركبتيها ووضعتة علي الارض ووقفت تَحْت الشجره وقالت لهما بالاشاره انزلا ولا تخافا مِن هَذا العفريت فقالا لها: باللة عليك ان تسامحينا مِن هَذا الامر فقالت لهما باللة عليكَما ان تنزلا والا نبهت عليكَما العفريت فيقتلكَما شر قتله فخافا ونزلا اليها فقامت لهما وقالت ارصعا رصعا عنيفا والا انبة عليكَما العفريت فمن خوفهما قال الملك شهريار لاخية الملك شاة زمان: يا اخي افعل ما امرتك بِة فقال: لا افعل حتّى تفعل أنت قَبلي واخذا يتغامزان علي نكاحها فقالت لهما ما اراكَما تتغامزان فإن لَم تتقدما وتفعلا والا نبهت عليكَما العفريت فمن خوفهما مِن الجني فعلا ما امرتهما بِة فلما فرغا قالت لهما اقفا واخرجت لهما مِن جيبها كيسا واخرجت لهما مِنة عقدا فية خمسمائه وسبعون خاتما فقالت لهما: اتدرون ما هَذة فقالا لها: لا ندري فقالت لهما اصحاب هَذة الخواتم كلهم كَانوا يفعلون بي علي غفله قرن هَذا العفريت فاعطياني خاتميكَما انتما الاثنان الاخران فاعطاها مِن يديهما خاتمين فقالت لهما ان هَذا العفريت قَد اختطفني ليله عرسي ثُم أنة وَضعني فِي علبه وجعل العلبه داخِل الصندوق ورمي علي الصندوق سبعه اقفال وجعلني فِي قاع البحر العجاج المتلاطم بالامواج ويعلم ان المرآه منا إذا ارادت امر لَم يغلبها شيء كَما قال بَعضهم:

لا تامنن الي النساءَ ولا تثق بعهودهن
فرضاؤهن وسخطهن معلق بفروجهن

يبدين ودا كاذبا والغدر حشو ثيابهن

بحديث يوسف فاعتبر متحذرا مِن كيدهن

او ما تري ابليس اخرج ادما مِن اجلهن
فلما سمعا مِنها هَذا الكلام تعجبا غايه العجب وقالا لبعضهما: إذا كَان هَذا عفريتا وجري لَة اعظم مما جري لنا فهَذا شيء يسلينا.
ثم أنهما انصرفا مِن ساعتهما ورجعا الي مدينه الملك شهريار ودخلا قصره.
ثم أنة رمي عنق زوجتة وكذلِك اعناق الجواري والعبيد وصار الملك شهريار كلما ياخذَ بنتا بكرا يزيل بكارتها ويقتلها مِن ليلتها ولم يزل علي ذَلِك مده ثلاث سنوات فضجت الناس وهربت ببناتها ولم يبق فِي تلك المدينه بنت تتحمل الوطء.
ثم ان الملك امر الوزير ان ياتية بنت علي جري عادتة فخرج الوزير وفتش فلم يجد بنتا فتوجة الي منزلة وهو غضبان مقهور خائف علي نفْسة مِن الملك.

وكان الوزير لَة بنتان ذَاتا حسن وجمال وبهاءَ وقد واعتدال الكبيره اسمها شهرزاد والصغيره اسمها دنيازاد وكَانت الكبيره قَد قرات الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين واخبار الامم الماضيين.
قيل أنها جمعت الف كتاب مِن كتب التواريخ المتعلقه بالامم السالفه والملوك الخاليه والشعراءَ فقالت لابيها: مالي اراك متغيرا حامل الهم والاحزان وقد قال بَعضهم فِي المعني شعرا:

قل لمن يحمل هما ان هما لا يدوم

مثل ما يفني السرور هكذا تفني الهموم
فلما سمع الوزير مِن ابنتة هَذا الكلام حكي لَها ما جري لَة مِن الاول الي الاخر مَع الملك فقالت له: باللة يا ابت زوجني هَذا الملك فاما ان اعيش واما ان اكون فداءَ لبنات المسلمين وسببا لخلاصهن مِن بَين يدية فقال لها: باللة عليك لا تخاطري بنفسك ابدا فقالت له: لا بد مِن ذَلِك فقال: اخشي عليك ان يحصل لك ما حصل للحمار والثور مَع صاحب الزرع فقالت له: وما الَّذِي جري لهما يا ابت؟

حكايه الحمار والثور مَع صاحب الزرع[عدل] قال: اعلمي يا ابنتي أنة كَان لاحد التجاراموال ومواش وكان لَة زوجه واولاد وكان اللة تعالي اعطاة معرفه السن الحيوانات والطير وكان مسكن ذَلِك التاجر الارياف وكان عندة فِي دارة حمار وثور فاتي يوما الثور الي مكان الحمار فوجدة مكنوسا مرشوشا وفي معلفة شعير مغربل وتبن مغربل وهو راقد مستريح وفي بَعض الاوقات ركبة صاحبة لحاجه تعرض لَة ويرجع علي حالة فلما كَان فِي بَعض الايام سمع التاجر الثور وهو يقول للحمار: هنيئا لك ذَلِك أنا تعبان وانت مستريح تاكل الشعير مغربلا ويخدمونك وفي بَعض الاوقات يركبك صاحبك ويرجع وانا دائما للحرث.
فقال لَة الحمار: إذا خرجت الي الغيط ووضعوا علي رقبتك الناف فارقد ولا تقم ولو ضربوك فإن قمت فارقد ثانيا فاذا رجعوا بك ووضعوا لك الفول فلا تاكلة كَانك ضعيف وامتنع عَن الاكل والشرب يوما أو يومين أو ثلاثه فانك تستريح مِن التعب والجهد وكان التاجر يسمع كلامهما فلما جاءَ السواق الي الثور بعلفة اكل مِنة شيئا يسيرا فاصبح السواق ياخذَ الثور الي الحرث فوجدة ضعيفا فقال لَة التاجر: خذَ الحمار وحرثة مكانة اليَوم كلة فلما رجع آخر النهار شكرة الثور علي تفضلاتة حين اراحة مِن التعب فِي ذَلِك اليَوم فلم يرد عَلية الحمار جوابا وندم اشد الندامه فلما رجع كَان ثاني يوم جاءَ المزارع واخذَ الحمار وحرثة الي آخر النهار فلم يرجع الا مسلوخ الرقبه شديد الضعف فتاملة الثور وشكرة ومجدة فقال لَة الحمار: اعلم اني لك ناصح وقد سمعت صاحبنا يقول: ان لَم يقم الثور مِن موضعة فاعطوة للجزار ليذبحة ويعمل جلدة قطعا وانا خائف عليك ونصحتك والسلام.
فلما سمع الثور كلام الحمار شكرة وقال فِي غد اسرح معهم ثُم ان الثور اكل علفة بتمامة حتّى لحس المذود بلسانة كُل ذَلِك وصاحبهما يسمع كلامهما فلما طلع النهار وخرج التاجر وزوجة الي دار البقر وجلسا فجاءَ السواق واخذَ الثور وخرج فلما راي الثور صاحبة حرك ذَنبة وظرط وبرطع فضحك التاجر حتّى استلقي علي قفاه.
فقالت لَة زوجته: مِن أي شيء تضحك فقال لها: شيء رايتة وسمعتة ولا اقدر ان ابيح بِة فاموت فقالت له: لا بد ان تخبرني بذلِك وما سَبب ضحكك ولو كنت تموت فقال لها: ما اقدر ان ابوح بِة خوفا مِن الموت فقالت له: أنت لَم تضحك الا علي.
ثم أنها لَم تزل تلح عَلية وتلح فِي الكلام الي ان غلبت عَلية فَتحير احضر اولادة وارسل احضر القاضي والشهود واراد ان يوصي ثُم يبوح لَها بالسر ويموت لانة كَان يحبها محبه عظيمه لأنها بنت عمة وام اولادة وكان ثُم أنة ارسل واحضر جميع اهلها واهل جارتة وقال لَهُم حكايتة وانة متَى قال لاحد علي سرة مات فقال لَها جميع الناس ممن حضر: باللة عليك اتركي هَذا الامر لئلا يموت زوجك ابو اولادك فقالت لهم: لا ارجع عنة حتّى يقول لِي ولو يموت.
فسكتوا عنها.
ثم ان التاجر قام مِن عندهم وتوجة الي دار الدواب ليتوضا ثُم يرجع يقول لَهُم ويموت.
وكان عندة ديك تَحْتة خمسون دجاجه وكان عندة كلب فسمع التاجر الكلب وهو ينادي الديك ويسبة ويقول له: أنت فرحان وصاحبنا رايح يموت فقال الديك للكلب: وكيف ذَلِك الامر فاعاد الكلب عَلية القصه فقال لَة الديك: واللة ان صاحبنا قلِيل العقل.
انا لِي خمسون زوجه ارضي هَذة واغضب هَذة وهو ما لَة الا زوجه واحده ولا يعرف صلاح امَرة معها فما لَة لا ياخذَ لَها بَعضا مِن عيدان التوت ثُم يدخل الي حجرتها ويضربها حتّى تموت أو تتوب ولا تعود تسالة عَن شيء.
قال: فلما سمع التاجر كلام الديك وهو يخاطب الكلب رجع الي عقلة وعزم علي ضربها ثُم قال الوزير لابنتة شهرزاد ربما فعل بك مِثل ما فعل التاجر بزوجتة فقالت له: ما فعل قال: دخل عَليها الحجره بَعدما قطع لَها عيدان التوت وخباها داخِل الحجره وقال لها: تعالي داخِل الحجره حتّى اقول لك ولا ينظرني أحد ثُم اموت فدخلت معة ثُم أنة قفل باب الحجره عَليهما ونزل عَليها بالضرب الي ان اغمي عَليها فقالت له: تبت ثُم أنها قَبلت يدية ورجلية وتابت وخرجت واياة وفرح الجماعه واهلها وقعدوا فِي اسر الاحوال الي الممات.
فلما سمعت ابنه الوزير مقاله ابيها قالت له: لا بد مِن ذَلِك فجهزها وطلع الي الملك شهريار وكَانت قَد اوصت اختها الصغيره وقالت لها: إذا توجهت الي الملك ارسلت اطلبك فاذا جئت عندي ورايت الملك قضي حاجتة مني قولي يا اختي حدثينا حديثا غريبا نقطع بِة السهر وانا احدثك حديثا يَكون فية الخلاص ان شاءَ الله.
ثم ان اباها الوزير طلع بها الي الملك فلما راة فرح وقال: اتيت بحاجتي فقال: نعم فلما اراد ان يدخل عَليها بكت فقال لها: ما بك فقالت: ايها الملك ان لِي اختا صغيره اريد ان اودعها فارسلها الملك اليها فجاءت الي اختها وعانقتها وجلست تَحْت السرير فقام الملك واخذَ بكارتها ثُم جلسوا يتحدثون فقالت لَها اختها الصغيرة: باللة عليك يا اختي حدثينا حديثا نقطع بِة سهر ليلتنا فقالت: حبا وكرامه ان اذن الملك المهذب فلما سمع ذَلِك الكلام وكان بِة قلق ففرح بسماع الحديث.

حكايه التاجر مَع العفريت[عدل] ففي الليله الاولي قالت: بلغني ايها الملك السعيد أنة كَان تاجر مِن التجار كثِير المال والمعاملات فِي البلاد قَد ركب يوما وخرج يطالب فِي بَعض البلاد فاشتد عَلية الحر فجلس تَحْت شجره وحط يدة فِي خرجة واكل كسره كَانت معة وتمَره فلما فرغ مِن اكل التمَره رمي النوآه واذا هُو بعفريت طويل القامه وبيدة سيف فدنا مِن ذَلِك التاجر وقال له: قم حتّى اقتلك مِثل ما قتلت ولدي فقال لَة التاجر: كَيف قتلت ولدك قال له: لما اكلت التمَره ورميت نواتها جاءت النوآه فِي صدر ولدي فقضي عَلية ومات مِن ساعتة فقال التاجر للعفريت: اعلم ايها العفريت اني علي دين ولي مال كثِير واولاد وزوجه وعندي رهون فدعني اذهب الي بيتي واعطي كُل ذَي حق حقة ثُم اعود اليك ولك علي عهد وميثاق اني اعود اليك فتفعل بي ما تُريد واللة علي ما اقول وكيل.
فاستوثق مِنة الجني واطلقة فرجع الي بلدة وقضي جميع تعلقاتة واوصل الحقوق الي اهلها واعلم زوجتة واولادة بما جري لَة فبكوا وكذلِك جميع اهلة ونساءة واولادة واوصي وقعد عندهم الي تمام السنه ثُم توجة واخذَ كفنة تَحْت ابطة وودع اهلة وجيرانة وجميع اهلة وخرج رغما عَن انفة واقيم عَلية العياط والصراخ فمشي الي ان وصل الي ذَلِك البستان وكان ذَلِك اليَوم أول السنه الجديده فبينما هُو جالس يبكي علي ما يحصل لَة واذا بشيخ كبير قَد اقبل عَلية ومعة غزاله مسلسله فسلم علي هَذا التاجر وحيآه وقال له: ما سَبب جلوسك فِي هَذا المكان وانت منفرد وهو ماوي الجن فاخبرة التاجر بما جري لَة مَع ذَلِك العفريت وبسَبب قعودة فِي هَذا المكان فتعجب الشيخ صاحب الغزاله وقال: واللة يا اخي ما دينك الا دين عظيم وحكايتك حكايه عجيبه لَو كتبت بالابر علي افاق البصر لكَانت عبره لمن اعتبر ثُم أنة جلس بجانبة وقال واللة يا اخي لا ابرح مِن عندك حتّى انظر ما يجري لك مَع ذَلِك العفريت ثُم أنة جلس عندة يتحدث معة فغشي علي ذَلِك التاجر وحصل لَة الخوف والفزع والغم الشديد والفكر المزيد وصاحب الغزاله بجانبة فاذا بشيخ ثان قَد اقبل عَليهما ومعة كلبتان سلاقيتان مِن الكلاب السود.
فسالهما بَعد السلام عَليهما عَن سَبب جلوسهما فِي هَذا المكان وهو ماوي الجان فاخبراة بالقصه مِن اولها الي اخرها فلم يستقر بِة الجلوس حتّى اقبل عَليهم شيخ ثالث ومعة بغله زرزوريه فسلم عَليهم وسالهم عَن سَبب جلوسهم فِي هَذا المكان فاخبروة بالقصه مِن اولها الي اخرها وبينما كذلِك إذا بغبره هاجت وزوبعه عظيمه قَد اقبلت مِن وسَط تلك البريه فانكشفت الغبره واذا بذلِك الجني وبيدة سيف مسلول وعيونة ترمي بالشرر فاتاهم وجذب ذَلِك التاجر مِن بينهم وقال له: قم اقتلك مِثل ما قتلت ولدي وحشاشه كبدي فانتحب ذَلِك التاجر وبكي واعلن الثلاثه شيوخ بالبكاءَ والعويل والنحيب فانتبة مِنهم الشيخ الاول وهو صاحب الغزاله وقبل يد ذَلِك العفريت وقال له: يا ايها الجني وتاج ملوك الجان إذا حكيت لك حكايتي مَع هَذة الغزاله ورايتها عجيبه اتهب لِي ثلث دم هَذا التاجر قال: نعم.
يا ايها الشيخ إذا أنت حكيت لِي الحكايه ورايتها عجيبه وهبت لك ثلث دمة فقال ذَلِك الشيخ الاول: اعلم يا ايها العفريت ان هَذة الغزاله هِي بنت عمي ومن لحمي ودمي وكنت تزوجت بها وهي صغيره السن واقمت معها نحو ثلاثين سنه فلم ارزق مِنها بولد فاخذت لِي سريه فرزقت مِنها بولد ذَكر كَانة البدر إذا بدا بعينين مليحتين وحاجبين مزججين واعضاءَ كامله فكبر شيئا فشيئا الي ان صار ابن خمس عشره سنه فطرات لِي سفره الي بَعض المدائن فسافرت بمتجر عظيم وكَانت بنت عمي هَذة الغزاله تعلمت السحر والكهانه مِن صغرها فسحرت ذَلِك الولد عجلا وسحرت الجاريه امة بقره وسلمتها الي الراعي ثُم جئت أنا بَعد مده طويله مِن السفر فسالت عَن ولدي وعن امة فقالت لِي جاريتك ماتت وابنك هرب ولم اعلم أين راح فجلست مده سنه وانا حزين القلب باكي العين الي ان جاءَ عيد الضحيه فارسلت الي الراعي ان يخصني ببقره سمينه وهي سريتي الَّتِي سحرتها تلك الغزاله فشمرت ثيابي واخذت السكين بيدي وتهيات لذبحها فصاحت وبكت بكاءَ شديدا فقمت عنها وامرت ذَلِك الراعي فذبحها وسلخها فلم يجد فيها شحما ولا لحما غَير جلد وعظم فندمت علي ذَبحها حيثُ لا ينفعني الندم واعطيتها للراعي وقلت له: ائتني بعجل سمين فاتاني بولدي المسحور عجلا فلما راني ذَلِك العجل قطع حبلة وجاءني وتمرغ علي وولول وبكي فاخذتني الرافه عَلية وقلت للراعي ائتني ببقره ودع هذا.
وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
فقالت لَها اختها: ما اطيب حديثك والطفة والذة واعذبة فقالت: واين هَذا مما احدثكم بِة الليله القابله ان عشت وابقاني الملك فقال الملك فِي نفْسه: واللة ما اقتلها حتّى اسمع بقيه حديثها ثُم أنهم باتوا تلك الليله الي الصباح متعانقين فخرج الملك الي محل حكمة وطلع الوزير بالكفن تَحْت ابطة ثُم حكم الملك وولي وعزل الي آخر النهار ولم يخبر الوزير بشيء مِن ذَلِك فتعجب الوزير غايه العجب ثُم انفض الديوان ودخل الملك شهريار قصره.

و فِي الليله الثانيه قالت دنيازاد لاختها شهرزاد: يا اختي اتممي لنا حديثك الَّذِي هُو حديث التاجر والجني.
قالت حبا وكرامه ان اذن لِي الملك فِي ذَلِك فقال لَها الملك: احكي فقالت: بلغني ايها الملك السعيد ذَُو الراي الرشيد أنة لما راي بكاءَ العجل حن قلبة الية وقال للراعي: ابق هَذا العجل بَين البهائم.
كل ذَلِك والجني يتعجب مِن حكايه ذَلِك الكلام العجيب ثُم قال صاحب الغزالة: يا سيد ملوك الجان كُل ذَلِك جري وابنه عمي هَذة الغزاله تنظر وتري وتقول اذبح هَذا العجل فانة سمين فلم يهن علي ان اذبحة وامرت الراعي ان ياخذة وتوجة بِة ففي ثاني يوم وانا جالس واذا بالراعي اقبل علي وقال: يا سيدي اني اقول شيئا تسر بِة ولي البشارة.
فقلت: نعم فقال: ايها التاجر ان لِي بنتا كَانت تعلمت السحر فِي صغرها مِن امرآه عجوز كَانت عندنا فلما كنا بالامس واعطيتني العجل دخلت بِة عَليها فنظرت الية ابنتي وغطت وجهها وبكت ثُم أنها ضحكت وقالت: يا ابي قَد خس قدري عندك حتّى تدخل علي الرجال الاجانب.
فقلت لها: واين الرجال الاجانب ولماذَا بكيت وضحكت فقالت لِي ان هَذا العجل الَّذِي معك ابن سيدي التاجر ولكنة مسحور وسحرتة زوجه ابية هُو وامة فهَذا سَبب ضحكي واما سَبب بكائي فمن اجل امة حيثُ ذَبحها ابوة فتعجبت مِن ذَلِك غايه العجب وما صدقت بطلوع الصباح حتّى جئت اليك لاعلمك فلما سمعت ايها الجني كلام هَذا الراعي خرجت معة وانا سكران مِن غَير مدام مِن كثره الفرح والسرور والذي حصل لِي الي ان اتيت الي دارة فرحبت بي ابنه الراعي وقبلت يدي ثُم ان العجل جاءَ الي وتمرغ علي فقلت لابنه الراعي: احق ما تقولينة عَن ذَلِك العجل فقالت: نعم يا سيدي اية ابنك وحشاشه كبدك فقلت لها: ايها الصبيه ان أنت خلصتية فلك عندي ما تَحْت يد ابيك مِن المواشي والاموال فتبسمت وقالت: يا سيدي ليس لِي رغبه فِي المال الا بشرطين: الاول: ان تزوجني بِة والثاني: ان اسر مِن سحرتة واحبسها والا فلست امن مكرها فلما سمعت ايها الجني كلام بنت الراعي قلت ولك فَوق جميع ما تَحْت يد ابيك مِن الاموال زياده واما بنت عمي فدمها لك مباح.
فلما سمعت كلامي اخذت طاسه وملاتها ماءَ ثُم أنها عزمت عَليها ورشت بها العجل وقالت: ان كَان اللة خلقك عجلا فدم علي هَذة الصفه ولا تتغير وان كنت مسحورا فعد الي خلقتك الاولي باذن اللة تعالي واذا بِة انتفض ثُم صار انسانا فَوقعت عَلية وقلت له: باللة عليك احك لِي جميع ما صنعت بك وبامك بنت عمي فحكي لِي جميع ما جري لهما فقلت: يا ولدي قَد قيض اللة لك مِن خلصك وخلص حقك ثُم اني ايها الجني زوجتة ابنه الراعي ثُم أنها سحرت ابنه عمي هَذة الغزاله وجئت الي هُنا فرايت هؤلاءَ الجماعه فسالتهم عَن حالهم فاخبروني بما جري لهَذا التاجر فجلست لانظر ما يَكون وهَذا حديثي فقال الجني: هَذا حديث عجيب وقد وهبت لك ثلث دمة فعِند ذَلِك تقدم الشيخ صاحب الكلبتين السلاقيتين وقال له: اعلم يا سيد ملوك الجان ان هاتين الكلبتين اخوتي وانا ثالثهم ومات والدي وخلف لنا ثلاثه الاف دينار ففتحت دكانا ابيع فية واشتري وسافر اخي بتجارتة وغاب عنا مده سنه مَع القوافل ثُم اتي وما معة شيء فقلت له: يا اخي اما اشرت عليك بَعدَم السفر فبكي وقال: يا اخي قدر اللة عز وجل علي بهَذا ولم يبق لهَذا الكلام فائده ولست املك شيئا فاخذتة وطلعت بِة الي الدكان ثُم ذَهبت بِة الي الحمام والبستة حله مِن الملابس الفاخره واكلت أنا واياة وقلت له: يا اخي اني احسب ربح دكاني مِن السنه الي السنه ثُم اقسمة دون راس المال بيني وبينك ثُم اني عملت حساب الدكان مِن بربح مالي فوجدتة الفي دينار فحمدت اللة عز وجل وفرحت غايه الفرح وقسمت الربح بيني وبينة شطرين واقمنا مَع بَعضنا اياما ثُم ان اخوتي طلبوا السفر أيضا وارادوا ان اسافر معهم فلم ارض وقلت لهم: أي شيء كسبتم مِن سفركم حتّى اكسب أنا فالحوا علي ولم اطعهم بل اقمنا فِي دكاكيننا نبيع ونشتري سنه كامله وهم يعرضون علي السفر وانا لَم ارض حتّى مضت ست سنوات كوامل.

ثم وافقتهم علي السفر وقلت لهم: يا اخوتي اننا نحسب ما عندنا مِن المال فحسبناة فاذا هُو سته الاف دينار فقلت: ندفن نصفها تَحْت الارض لينفعا إذا اصابنا امر وياخذَ كُل واحد منا الف دينار ونتسَبب فيها قالوا: نعم الراي فاخذت المال وقسمتة نصفين ودفنت ثلاثه الاف دينار.
واما الثلاثه الاف الاخري فاعطيت كُل واحد مِنهم الف دينار وجهزنا بضائع واكترينا مركبا ونقلنا فيها حوائجنا وسافرنا مده شهر كامل الي ان دخلنا مدينه وبعنا بضائعنا فربحنا فِي الدينار عشره دنانير ثُم اردنا السفر فوجدنا علي شاطئ البحر جاريه عَليها خلق مقطع فقبلت يدي وقالت: يا سيدي هَل عندك احسان ومعروف اجازيك عَليهما قلت: نعم ان عندي الاحسان والمعروف ولو لَم تجازيني فقالت: يا سيدي تزوجني وخذني الي بلادك فاني قَد وهبتك نفْسي فافعل معي معروفا لاني ممن يصنع معة المعروف والاحسان ويجازي عَليهما ولا يغرنك حالي.
فلما سمعت كلامها حن قلبي اليها لامر يُريدة اللة عز وجل فاخذتها وكسوتها وفرشت لَها فِي المركب فرشا حسنا واقبلت عَليها واكرمتها ثُم سافرنا وقد احبها قلبي محبه عظيمه وصرت لا افارقها ليلا ولا نهارا أو اشتغلت بها عَن اخوتي فغاروا مني وحسدوني علي مالي وكثرت بضاعتي وطمحت عيونهم فِي المال جميعة وتحدثوا بقتلي واخذَ مالي وقالوا: نقتل اخانا ويصير المال جميعة لنا وزين لَهُم الشيطان اعمالهم فجاؤوني وانا نائم بجانب زوجتي ورموني فِي البحر فلما استيقظت زوجتي انتفضت فصارت عفريته وحملتني واطلعتني علي جزيره وغابت عني قلِيلا وعادت الي عِند الصباح وقالت لي: أنا زوجتك الَّتِي حملتك ونجيتك مِن القتل باذن اللة تعالي واعلم اني جنيه رايتك فحبك قلبي وانا مؤمنه باللة ورسولة فجئتك بالحال الَّذِي رايتني فية فتزوجت بي وها أنا قَد نجيتك مِن الغرق وقد غضبت علي اخوتك ولا بد ان اقتلهم.
فلما سمعت حكايتها تعجبت وشكرتها علي فعلها وقلت لَها اما هلاك اخوتي فلا ينبغي ثُم حكيت لَها ما جري لِي معهم مِن أول الزمان الي اخره.
فلما سمعت كلامي قالت: أنا فِي هَذة الليله اطير اليهم واغرق مراكبهم واهلكهم فقلت لها: باللة لا تفعلي فإن صاحب المثل يقول: يا محسنا لمن اساءَ كفي المسيء فعلة وهم اخوتي علي كُل حال قالت لا بد مِن قتلهم فاستعطفتها ثُم أنها حملتني وطارت فوضعتني علي سطح داري ففتحت الابواب واخرجت الَّذِي خباتة تَحْت الارض وفتحت دكاني بَعد ما سلمت علي الناس واشتريت بضائع فلما كَان الليل دخلت داري فوجدت هاتين الكلبتين مربوطتين فيها فلما راياني قاما الي وبكيا وتعلقا بي فلم اشعر الا وزوجتي قالت هؤلاءَ اخوتك فقلت مِن فعل بهم هَذا الفعل قالت أنا ارسلت الي اختي ففعلت بهم ذَلِك وما يتخلصون الا بَعد عشر سنوات فجئت وانا سائر اليها تخلصهم بَعد اقامتهم عشر سنوات فِي هَذا الحال فرايت هَذا الفتي قال الجني: أنها حكايه عجيبه وقد وهبت لك ثلث دمة فِي جنايتة فعِند ذَلِك تقدم الشيخ الثالث صاحب البغله وقال للجني أنا احكي لك حكايه اعجب مِن حكايه الاثنين وتهب لِي باقي دمة وجنايتة فقال الجني نعم فقال الشيخ ايها السلطان ورئيس الجان ان هَذة البغله كَانت زوجتي سافرت وغبت عنها سنه كامله ثُم قضيت سفري وجئت اليها فِي الليل فرايت عبد اسود راقد معها فِي الفراش وهما فِي كلام وغنج وضحك وتقبيل وهراش فلما راتني عجلت وقامت الي بكوز فية ماءَ فتكلمت عَلية ورشتني وقالت اخرج مِن هَذة الصوره الي صوره كلب فصرت فِي الحال كلبا فطردتني مِن البيت فخرجت مِن الباب ولم ازل سائرا حتّى وصلت دكان جزار فتقدمت وصرت اكل مِن العظام.
فلما راني صاحب الدكان اخذني ودخل بي بيتة فلما راتني بنت الجزار غطت وجهها مني فقالت اتجيء لنا برجل وتدخل علينا بِة فقال ابوها أين الرجل قالت ان هَذا الكلب سحرتة امرآه وانا اقدر علي تخليصة فلما سمع ابوها كلامها قال: باللة عليك يا بنتي خلصية فاخذت كوزا فية ماءَ وتكلمت عَلية ورشت علي مِنة قلِيلا وقالت: اخرج مِن هَذة الصوره الي صورتك الاولي فصرت الي صورتي الاولي فقبلت يدها وقلت لها: اريد ان تسحري زوجتي كَما سحرتني فاعطتني قلِيلا مِن الماءَ وقالت إذا رايتها نائمه فرش هَذا الماءَ عَليها فأنها تصير كَما أنت طالب فوجدتها نائمه فرششت عَليها الماءَ وقلت اخرجي مِن هَذة الصوره الي صوره بغله فصارت فِي الحال بغله وهي هَذة الَّتِي تنظرها بعينك ايها السلطان ورئيس ملوك الجان ثُم التفت اليها وقال: اصحيح هَذا فهزت راسها وقالت بالاشاره نعم هَذا صحيح فلما فرغ مِن حديثة اهتز الجني مِن الطرب ووهب لَة باقي دمة وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
فقالت لَها اختها: يا اختي ما احلى حديثك واطيبة والذة واعذبة فقالت: أين هَذا مما احدثكم بِة الليله القابله ان عشت وابقاني الملك فقال الملك: واللة لا اقتلها حتّى اسمع بقيه حديثها لانة عجيب ثُم باتوا تلك الليله متعانقين الي الصباح فخرج الملك الي محل حكمة ودخل عَلية الوزير والعسكر واحتبك الديوان فحكم الملك وولي وعزل ونهي وامر الي آخر النهار ثُم انفض الديوان ودخل الملك شهريار الي قصره.

‘وفي الليله الثالثه قالت لَها اختها دنيا زاد يا اختي اتمي لنا حديثك فقالت حبا وكرامه بلغني ايها الملك السعيد ان التاجر اقبل علي الشيوخ وشكرهم هنوة بالسلامه ورجع كُل واحد الي بلدة وما هَذة باعجب مِن حكايه الصياد فقال لَها الملك: وما حكايه الصياد؟

حكايه الصياد مَع العفريت[عدل] قالت: بلغني ايها الملك السعيد أنة كَان رجل صياد وكان طاعنا فِي السن ولة زوجه وثلاثه اولاد وهو فقير الحال وكان مِن عادتة أنة يرمي شبكتة كُل يوم اربع مرات لا غَير ثُم أنة خرج يوما مِن الايام فِي وقْت الظهر الي شاطئ البحر وحط معطفة وطرح شبكتة وصبر الي ان استقرت فِي الماءَ ثُم جمع خيطأنها فوجدها ثقيله فجذبها فلم يقدر علي ذَلِك فذهب بالطرف الي البر ودق وتدا وربطها فية ثُم عري وغطس فِي الماءَ حَول الشبكه وما زال يعالج حتّى اطلعها ولبس ثيابة واتي الي الشبكه فوجد فيها حمارا ميتا فلما راي ذَلِك حزن وقال لا حَول ولا قوه الا باللة العلي العظيم ثُم قال ان هَذا الرزق عجيب وانشد يقول:

يا خائضا فِي ظلام اللة والهلكة…….اقصر عنك فليس الرزق بالحركة

ثم ان الصياد لما راي الحمار ميت خلصة مِن الشبكه وعصرها،
فلما فرغ مِن عصرها نشرها وبعد ذَلِك نزل البحر،
وقال بسم اللة وطرحها فية وصبر عَليها حتّى استقرت ثُم جذبها فثقلت ورسخت أكثر مِن الاول فظن أنة سمك فربط الشبكه وتعري ونزل وغطس،
ثم عالج الي ان خلصها واطلعها الي البر فوجد فيها زيرا كبيرا،
وهو ملان برمل وطين فلما راي ذَلِك تاسف وانشد قول الشاعر:

ياحرقه الدهر كفي ان لَم تكفي فعفي فلا يحظي اعطي
ولا يصنعة كفي خرجت اطلب رزقي وجدت رزقي توفي

كم جاهل فِي ظهور وعالم متخفي
ثم أنة رمي الزير وعصر شبكتة ونظفها واستغفر اللة وعاد الي البحر ثالث مَره ورمي الشبكه وصبر عَليها حتّى استقرت وجذبها فوجد فيها شفافه وقوارير فانشد قول الشاعر: هُو الرزق لا حل لديك ولا ربط ولا قلم يجدي عليك ولا خط.

ثم أنة رفع راسة الي السماءَ وقال اللهم انك تعلم اني لَم ارم شبكتي غَير اربع مرات وقد رميت ثلاثا،
ثم أنة سمي اللة ورمي الشبكه فِي البحر وصبر الي ان استقرت وجذبها فلم يطق جذبها واذا بها اشتبكت فِي الارض فقال: لا حَول ولا قوه الا باللة فتعري وغطس عَليها وصار يعالج فيها الي ان طلعت علي البحر وفتحها فوجد فيها قمقما مِن نحاس اصفر ملان وفمة مختوم برصاص عَلية طبع خاتم سيدنا سليمان.

فلما راة الصياد فرح وقال هَذا ابيعة فِي سوق النحاس فانة يساوي عشره دنانير ذَهبا ثُم أنة حركة فوجدة ثقيلا فقال: لا بد اني افتحة وانظر ما فية وادخرة فِي الخرج ثُم ابيعة فِي سوق النخاس ثُم أنة اخرج سكينا،
وعالج فِي الرصاص الي ان فكة مِن القمقم وحطة علي الارض وهزة لينكت ما فية فلم ينزل مِنة شيء ولكن خرج مِن ذَلِك القمقم دخان صعد الي السماءَ ومشي علي وجة الارض فتعجب غايه العجب وبعد ذَلِك تكامل الدخان،
واجتمع ثُم انتفض فصار عفريتا راسة فِي السحاب ورجلاة فِي التراب براس كالقبه وايدي كالمداري ورجلين كالصواري،
وفم كالمغارة،
واسنان كالحجارة،
ومناخير كالابريق،
وعينين كالسراجين،
اشعث اغبر.

فلما راي الصياد ذَلِك العفريت ارتعدت فرائصة وتشبكت اسنانه،
ونشف ريقة وعمي عَن طريقَه فلما راة العفريت قال لا الة الا اللة سليمان نبي الله،
ثم قال العفريت: يا نبي اللة لا تقتلني فاني لا عدت اخالف لك قولا واعصي لك امرا،
فقال لَة الصياد: ايها المارد اتقول سليمان نبي الله،
وسليمان مات مِن مده الف وثمانمائه سنة،
ونحن فِي آخر الزمان فما قصتك،
وما حديثك وما سَبب دخولك الي هَذا القمقم.

فلما سمع المارد كلام الصياد قال: لا الة الا اللة ابشر يا صياد،
فقال الصياد: بماذَا تبشرني فقال بقتلك فِي هَذة الساعه اشر القتلات قال الصياد: تستحق علي هَذة البشاره يا قيم العفاريت زوال الستر عنك،
يا بعيد لاي شيء تقتلني واي شيء يوجب قتلي وقد خلصتك مِن القمقم ونجيتك مِن قرار البحر،
واطلعتك الي البر فقال العفريت: تمن علي أي موته تموتها،
واي قتله تقتلها فقال الصياد ما ذَنبي حتّى يَكون هَذا جزائي منك.

فقال العفريت اسمع حكايتي يا صياد،
قال الصياد: قل واوجز فِي الكلام فإن روحي وصلت الي قدمي.
قال اعلم اني مِن الجن المارقين،
وقد عصيت سليمان بن داود وانا صخر الجني فارسل لِي وزيرة اصف ابن برخيا فاتي بي مكرها وقادني الية وانا ذَليل علي رغم انفي واوقفني بَين يدية فلما راني سليمان استعاذَ مني وعرض علي الايمان والدخول تَحْت طاعتة فابيت فطلب هَذا القمقم وحبسني فية وختم علي بالرصاص وطبعة بالاسم الاعظم،
وامر الجن فاحتملوني والقوني فِي وسَط البحر فاقمت مائه عام وقلت فِي قلبي كُل مِن خلصني اغنيتة الي الابد فمرت المائه عام ولم يخلصني احد،
ودخلت مائه اخري فقلت كُل مِن خلصني فَتحت لَة كنوز الارض،
فلم يخلصني أحد فمرت علي اربعمائه عام اخري فقلت كُل مِن خلصني اقضي لَة ثلاث حاجات فلم يخلصني أحد فغضبت غضبا شديدا وقلت فِي نفْسي كُل مِن خلصني فِي هَذة الساعه قتلتة ومنيتة كَيف يموت وها انك قَد خلصتني ومنيتك كَيف تموت.

فلما سمع الصياد كلام العفريت قال: يا اللة العجب أنا ما جئت اخلصك الا فِي هَذة الايام،
ثم قال الصياد للعفريت،
اعف عَن قتلي يعف اللة عنك،
ولا تهلكني،
يسلط اللة عليك،
من يهلكك.
فقال لا بد مِن قتلك،
فتمن علي أي موته تموتها فلما تحقق ذَلِك مِنة الصياد راجع العفريت وقال اعف عني اكراما لما اعتقتك،
فقال العفريت: وانا ما اقتلك الا لاجل ما خلصتني،
فقال الصياد: يا شيخ العفاريت هَل اصنع معك مليح،
فتقابلني بالقبيح ولكن لَم يكذب المثل حيثُ قال: فعلنا جميلا قابلونا بضدة وهَذا لعمري مِن فعال الفواجر

ومن يفعل المعروف مَع غَير اهلة يجازي كَما جوزي مجير ام عامر

فلما سمع العفريت كلامة قال لا تطمع فلا بد مِن موتك،
فقال الصياد هَذا جني،
وانا انسي وقد اعطاني اللة عقلا كاملا وها أنا ادبر امرا فِي هلاكه،
بحيلتي وعقلي وهو يدبر بمكرة وخبثه،
ثم قال للعفريت: هَل صممت علي قتلي قال نعم،
فقال لَة بالاسم الاعظم المنقوش علي خاتم سليمان اسالك عَن شيء وتصدقني فيه،
قال نعم،
ثم ان العفريت لما سمع ذَكر الاسم الاعظم اضطرب واهتز وقال: اسال واوجز،
فقال له: كَيف كنت فِي هَذا القمقم،
والقمقم لا يسع يدك ولا رجلك فكيف يسعك كلك،
فقال لَة العفريت: وهل أنت لا تصدق انني كنت فية فقال الصياد لا اصدق ابدا حتّى انظرك فية بعيني،
وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

وفي الليله الرابعه قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الصياد لما قال للعفريت لا اصدقك ابدا حتّى انظرك بعيني فِي القمقم فانتفض العفريت وصار دخانا صاعدا الي الجو،
ثم اجتمع ودخل فِي القمقم قلِيلا،
حتي استكمل الدخان داخِل القمقم واذا بالصياد اسرع واخذَ سداده الرصاص المختومه وسد بها فم القمقم ونادي العفريت،
وقال له: تمن علي أي موته تموتها لارميك فِي هَذا البحر وابني لِي هُنا بيتا وكل مِن اتي هُنا امنعة ان يصطاد واقول لَة هُنا عفريت وكل مِن اطلعة يبين لَة انواع الموت يخبرة بينها.

فلما سمع العفريت كلام الصياد اراد الخروج فلم يقدر وراي نفْسة محبوسا وراي عَلية طابع خاتم سليمان وعلم ان الصياد سجنة وسجن احقر العفاريت واقذرها واصغرها،
ثم ان الصياد ذَهب بالقمقم الي جهه البحر،
فقال لَة العفريت لا،
لا فقال الصياد: لا بد لا بد فلطف المارد كلامة وخضع وقال ما تُريد ان تصنع بي يا صياد،
قال: القيك فِي البحر ان كنت اقمت فية الفا وثمانمائه عام فانا اجعلك تمكث الي ان تَقوم الساعة،
اما قلت لك ابقيني يبقيك اللة ولا تقتلني يقتلك اللة فابيت قولي وما اردت الا غدري فالقاك اللة فِي يدي فغدرت بك،
فقال العفريت افَتح لِي حتّى احسن اليك فقال لَة الصياد تكذب يا ملعون،
انا مِثلي ومثلك مِثل وزير الملك يونان والحكيم رويان،
فقال العفريت: وما شان وزير الملك يونان والحكيم رويان وما قصتهما.

حكايه الملك يونان والحكيم رويان[عدل] قال الصياد: اعلم ايها العفريت،
انة كَان فِي قديم الزمان وسالف العصر والاوان فِي مدينه الفرس وارض رومان ملك يقال لَة الملك يونان وكان ذَا مال وجنود وباس واعوان مِن سائر الاجناس،
وكان فِي جسدة برص قَد عجزت فية الاطباءَ والحكماءَ ولم ينفعة مِنة شرب ادويه ولا سفوف ولا دهان ولم يقدر أحد مِن الاطباءَ ان يداويه.

وكان قَد دخل مدينه الملك يونان حكيم كبير طاعن فِي السن يقال لَة الحكيم رويان وكان عارفا بالكتب اليونانيه والفارسيه والروميه والعربيه والسريانيه وعلم الطب والنجوم وعالما باصول حكمتها وقواعد امورها مِن منفعتها ومضرتها.
عالما بخواص النباتات والحشائش والاعشاب المضره والنافعه فقد عرف علم الفلاسفه وجاز جميع العلوم الطبيه وغيرها،
ثم ان الحكيم لما دخل المدينه واقام بها ايام قلائل سمع خبر الملك وما جري لَة فِي بدنة مِن البرص الَّذِي ابتلاة اللة بِة وقد عجزت عَن مداواتة الاطباءَ واهل العلوم.

فلما بلغ ذَلِك الحكيم بات مشغولا،
فلما اصبح الصباح لبس افخر ثيابة ودخل علي الملك يونان وقبل الارض ودعا لَة بدوام العز والنعم واحسن ما بِة تكلم واعلمة بنفسة فقال: ايها الملك: بلغني ما اعتراك مِن هَذا الَّذِي فِي جسدك وان كثِيرا مِن الاطباءَ لَم يعرفوا الحيله فِي زوالة وها أنا اداويك ايها الملك ولا اسقيك دواءَ ولا ادهنك بدهن.

فلما سمع الملك يونان كلامة تعجب وقال له: كَيف تفعل،
فو اللة لَو براتني اغنيك لولد الولد وانعم عليك،
ما تتمناة فَهو لك وتَكون نديمي وحبيبي.
ثم أنة خلع عَلية واحسن الية وقال لَة ابرئني مِن هَذا المرض بلا دواءَ ولا دهان قال نعم ابرئك بلا مشقه فِي جسدك.
فتعجب الملك غايه العجب ثُم قال له: ايها الحكيم الَّذِي ذَكرتة لِي يَكون فِي أي الاوقات وفي أي الايام،
فاسرع يا ولدي؛ قال لَة سمعا وطاعة،
ثم نزل مِن عِند الملك واكتري لَة بيتا حط فية كتبة وادويتة وعقاقيرة ثُم استخرج الادويه والعقاقير وجعل مِنها صولجانا وجوفة وعمل لَة قصبه وصنع لَة كره بمعرفته.

فلما صنع الجميع وفرغ مِنها طلع الي الملك فِي اليَوم الثاني ودخل عَلية وقبل الارض بَين يدية وامَرة ان يركب الي الميدان وان يلعب بالكره والصولجان وكان معة الامراءَ والحجاب والوزراءَ وارباب الدولة،
فما استقر بَين الجلوس فِي الميدان حتّى دخل عَلية الحكيم رويان وناولة الصولجان وقال له: خذَ هَذا الصولجان واقبض عَلية مِثل هَذة القبضه وامش فِي الميدان واضرب بِة الكره بقوتك حتّى يعرق كفك وجسدك فينفذَ الدواءَ مِن كفك فيسري فِي سائر جسدك فاذا عرقت واثر الدواءَ فيك فارجع الي قصرك وادخل الحمام واغتسل ونم فقد برئت والسلام.

فعِند ذَلِك اخذَ الملك يونان ذَلِك الصولجان مِن الحكيم ومسكة بيدة وركب الجواد وركب الكره بَين يدية وساق خَلفها حتّى لحقها وضربها بقوه وهو قابض بكفة علي قصبه الصولجان،
وما زال يضرب بِة الكره حتّى عرق كفة وسائر بدنة وسري لَة الدواءَ مِن القبضة.

وعرف الحكيم رويان ان الدواءَ سري فِي جسدة فامَرة بالرجوع الي قصرة وان يدخل الحمام مِن ساعته،
فرجع الملك يونان مِن وقْتة وامر ان يخلو لَة الحمام فاخلوة له،
وتسارعت الفراشون وتسابقت المماليك واعدوا للملك قماشة ودخل الحمام واغتسل غسيلا جيدا ولبس ثيابة داخِل الحمام ثُم خرج مِنة وركب الي قصرة ونام فيه.

هَذا ما كَان مِن امر الملك يونان،
واما ما كَان مِن امر الحكيم رويان فانة رجع الي دارة وبات،
فلما اصبح الصباح طلع الي الملك واستاذن عَلية فاذن لَة فِي الدخول فدخل وقبل الارض بَين يدية واشار الي الملك بهَذة الابيات:

زهت الفصاحه إذا ادعيت لَها ابا واذا دعت يوما سواك لَها ابى
يا صاحب الوجة الَّذِي انوارة تمحوا مِن الخطب الكرية غياهبا

ما زال وجهك مشرقا متهللا فلا تري وجة الزمان مقطبا

اوليتني مِن فضلك المنن الَّتِي فعلت بنا فعل السحاب مَع الربا

وصرفت جل الملا فِي طلب العلا حتّى بلغت مِن الزمان ماربا
فلما فرغ مِن شعرة نهض الملك قائما علي قدمية وعانقة واجلسة بجانبة وخلع لعية الخلع السنية.

ولما خرج الملك مِن الحمام نظر الي جسدة فلم يجد فية شيئا مِن البرص وصار جسدة نقيا مِثل الفضه البيضاءَ ففرح بذلِك غايه الفرح واتسع صدرة وانشرح،
فلما اصبح الصباح دخل الديوان وجلس علي سرير ملكة ودخلت عَلية الحجاب واكابر الدوله ودخل عَلية الحكيم رويان،
فلما راة قام الية مسرعا واجلسة بجانبة واذا بموائد الطعام قَد مدت فاكل صحبتة وما زال عندة ينادمة طول نهاره.

فلما اقبل الليل اعطي الحكيم الفي دينار غَير الخلع والهدايا واركبة جوادة وانصرف الي دارة والملك يونان يتعجب مِن صنعة ويقول: هَذا داواني مِن ظاهر جسدي ولم يدهنني بدهان،
فو اللة ما هَذة الا حكمه بالغة،
فيَجب علي لهَذا الرجل الانعام والاكرام وان اتخذة جليسا وانيسا مدي الزمان.
وبات الملك يونان مسرورا فرحا بصحه جسمة وخلاصة مِن مرضه.

فلما اصبح الملك وجلس علي كرسية ووقفت ارباب دولتة وجلست الامراءَ والوزراءَ علي يمينة ويسارة ثُم طلب الحكيم رويان فدخل عَلية وقبل الارض بَين يدية فقام الملك واجلسة بجانبة واكل معة وحيآه وخلع عَلية واعطاه،
ولم يزل يتحدث معة الي ان اقبل الليل فرسم لَة بخمس خلع والف دينار،
ثم انصرف الحكيم الي دارة وهو شاكر للملك.

فلما اصبح الصباح خرج الملك الي الديوان وقد احدقت بِة الامراءَ والوزراءَ والحجاب،
وكان لَة وزير مِن وزرائة بشع المنظر نحس الطالع لئيم بخيل حسود مجبول علي الحسد والمقت.
فلما راي ذَلِك الوزير ان الملك قرب الحكيم رويان واعطاة هَذة الانعام حسدة عَلية واضمر لَة الشر كَما قيل فِي المعنى: ما خلا جسد مِن حسد.
وقيل فِي المعنى: الظلم كمين فِي النفس القوه تظهرة والعجز يخفيه.
ثم ان الوزير تقدم الي الملك يونان وقبل الارض بَين يدية وقال له: يا ملك العصر والاوان: أنت الَّذِي شمل الناس احسانك ولك عندي نصيحه عظيمه فإن اخفيتها عنك اكون ولد زنا،
فان امرتني ان ابديها ابديتها لك.

فقال الملك وقد ازعجة كلام الوزير: وما نصيحتك فقال: ايها الملك الجليل: قَد قالت القدماءَ مِن لَم ينظر فِي العواقب فما الدهر لَة بصاحب،
وقد رايت الملك علي غَير صواب حيثُ انعم علي عدوة وعلي مِن يطلب زوال ملكة وقد احسن الية واكرمة غايه الاكرام وقربة غايه القرب،
وانا اخشي علي الملك مِن ذَلك.

فانزعج الملك وتغير لونة وقال له: مِن الَّذِي تزعم أنة عدوي واحسنت الية فقال له: ايها الملك ان كنت نائما فاستيقظ فانا اشير الي الحكيم رويان.
فقال لَة الملك: ان هَذا صديقي وهو اعز الناس عندي لانة داواني بشيء قبضتة بيدي وابراني مِن مرضي الَّذِي عجز فية الاطباءَ وهو لا يُوجد مِثلة فِي هَذا الزمان فِي الدنيا غربا وشرقا،
فكيف أنت تقول عَلية هَذا المقال وانا مِن هَذا اليَوم ارتب لَة الجوامك والجرايات واعمل لَة فِي كُل شهر الف دينار ولو قاسمتة فِي ملكي وان كَان قلِيلا عَليه.
وما اظن انك تقول ذَلِك الا حسدا كَما بلغني عَن الملك يونان ذَكر واللة اعلم.

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح،
فقالت لَها اختها: يا اختي ما احلى حديثك واطيبة والذة واعذبة فقالت لها: واين هَذا مما احدثكم بِة الليله المقبله ان عشت وابقاني الملك.
فقال الملك فِي نفْسه: واللة لا اقتلها حتّى اسمع بقيه حديثها لانة حديث عجيب.
ثم أنهم باتوا تلك الليله متعانقين الي الصباح.
ثم خرج الملك الي محل حكمة واحتبك الديوان فحجم وولي وامر ونهي الي آخر النهار،
ثم انفض الديوان فدخل الملك عصرة واقبل الليل وقضي حاجتة مِن بنت الوزير شهرزاد.

وفي الليله الخامسه قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الملك يونان قال لوزيرة أنت داخِلك الحسد مِن اجل هَذا الحكيم فتريد ان اقتلة وبعد ذَلِك اندم كَما ندم السندباد علي قتل البازي.
فقال الوزير: وكيف كَان ذَلِك فقال الملك: ذَكر أنة كَان ملك ملوك الفرس يحب الفرجه والتنزة والصيد والقنص وكان لَة بازي رباة ولا يفارقة ليلا ولا نهارا ويبيت طوال الليل حاملة علي يدة واذا طلع الي الصيد ياخذة معة وهو عامل لَة طاسه مِن الذهب معلقه فِي رقبتة يسقية مِنها.

فبينما الملك جالس واذا بالوكيل علي طير الصيد يقول: يا ملك الزمان هَذا اوان الخروج الي الصيد،
فاستعد الملك للخروج واخذَ البازي علي يدة وساروا الي ان وصلوا الي واد ونصبوا شبكه الصيد إذا بغزاله وقعت فِي تلك الشبكه فقال الملك: كُل مِن فاتت الغزاله مِن جهتة قتلته،
فضيقوا عَليها حلقه الصيد واذا بالغزاله اقبلت علي الملك وشبت علي رجليها وحطت يديها علي صدرها كَأنها تقبل الارض للملك فطاطا الملك للغزاله ففرت مِن فَوق دماغة وراحت الي البر.

فالتفت الملك الي المعسكر فراهم يتغامزون عَليه،
فقال: يا وزيري ماذَا يقول العساكر فقال: يقولون انك قلت كُل مِن فاتت الغزاله مِن جهتة يقتل فقال الملك: وحيآه راسي لاتبعنها حتّى اجيء بها،
ثم طلع الملك فِي اثر الغزاله ولم يزل وراءها وصار البازي يلطشها علي عينها الي ان اعماها ودوخها فسحب الملك دبوسا وضربها فقلبها ونزل فذبحها وسلخها وعلقها فِي قربوس السرج.
وكَانت ساعه حر وكان المكان قفرا لَم يُوجد فية ماءَ فعطش الملك وعطش الحصان.

فالتفت الملك فراي شجره ينزل مِنها ماءَ مِثل السمن،
وكان الملك لابسا فِي كفة جلدا فاخذَ الطاسه فِي قبه البازي وملاها مِن ذَلِك الماءَ ووضع الماءَ قدامة واذا بالبازي لطش الطاسه فقلبها،
فاخذَ الملك الطاسه ثانيا،
وملاها وظن ان البازي عطشان فوضعها قدامة فلطشها ثانيا وقلبها فغضب الملك مِن البازي واخذَ الطاسه ثالثا وقدمها للحصان فقلبها البازي بجناحة فقال الملك اللة يخيبك يا اشام الطيور واحرمتني مِن الشرب واحرمت نفْسك واحرمت الحصان ثُم ضرب البازي بالسيف فرمي اجنحته.

فصار البازي يقيم راسة ويقول بالاشاره انظر الَّذِي فَوق الشجره فرفع الملك عينة فراي فَوق الشجره حيه والذي يسيل سمها فندم الملك علي قص اجنحه البازي ثُم قام وركب حصانة وسار ومعة الغزاله حتّى وصل الملك علي الكرسي والبازي علي يدة فشهق البازي ومات فصاح الملك حزنا واسفا علي قتل البازي،
حيثُ خلصة مِن الهلاك،
هَذا ما كَان مِن حديث الملك السندباد.

فلما سمع الوزير كلام الملك يونان قال له: ايها الملك العظيم الشان وما الَّذِي فعلتة مِن الضروره ورايت مِنة سوء إنما فعل معك هَذا شفقه عليك وستعلم صحه ذَلِك فإن قَبلت مني نجوت والا هلكت كَما هلك وزير كَان احتال علي ابن ملك مِن الملوك،
وكان لذلِك الملك ولد مولع بالصيد والقنص وكان لَة وزيرا،
فامر الملك ذَلِك الوزير ان يَكون مَع ابنة أينما توجة فخرج يوما مِن الايام،
الي الصيد والقنص وخرج معة وزير ابية فسارا جميعا فنظر الي وحش كبير فقال الوزير لابن الملك دونك هَذا الوحش فاطلبة فقصدة ابن الملك،
حتي غاب عَن العين وغاب عنة الوحش فِي البرية،
وتحير ابن الملك فلم يعرف أين يذهب واذا بجاريه علي راس الطريق وهي تبكي فقال لَها ابن الملك مِن انت: قال بنت ملك مِن ملوك الهند وكنت فِي البريه فادركني النعاس،
فوقعت مِن فَوق الدابه ولم اعلم بنفسي فصرت حائرة.

فلما سمع ابن الملك كلامها رق لحالها وحملها علي ظهر جابتة واردفها وسار حتّى مر بجزيره فقالت لَة الجارية: يا سيد اريد ان ازيل ضروره فانزلها الي الجزيره ثُم تعوقت فاستبطاها فدخل خَلفها وهي لا تعلم به،
فاذا هِي غوله وهي تقول لاولادها يا اولادي قَد اتيتكم اليَوم بغلام سمين فقالوا لَها اتينا بِة يا امنا ناكلة فِي بطوننا.

فلما سمع ابن الملك كلامهم ايقن بالهلاك وارتعد فرائضة وخشي علي نفْسة ورجع فخرجت الغوله فراتة كالخائف الوجل وهو يرتعد فقالت له: ما بالك خائفا،
فقال لَها ان لِي عدوا،
وانا خائف مِنة فقالت الغوله انك تقول أنا ابن الملك قال لَها نعم،
قالت لَة مالك لا تعطي عدوك شيئا مِن المال،
فترضية به،
فقال لَها أنة لا يرضي بمال ولا يرضي الا بالروح وانا خائف مِنه،
وانا رجل مظلوم فقالت له: ان كنت مظلوما كَما تزعم فاستعن باللة عَلية بانة يكفيك شرة وشر جميع ما تخافه.

فرفع ابن الملك راسة الي السماءَ وقال: يا مِن يجيب دعوه المضطر،
اذا دعاة ويكشف السوء انصرني علي عدوي واصرفة عني،
انك علي ما تشاءَ قدير فلما سمعت الغوله دعاءه،
انصرفت عنة وانصرف ابن الملك الي ابيه،
وحدثة بحديث الوزير وانت ايها الملك متَى امنت لهَذا الحكيم قتلك اقبح القتلات،
وان كنت احسنت الية وقربتة منك فانة يدبر فِي هلاكك،
اما تري أنة ابراك مِن المرض مِن ظاهر الجسد بشيء امسكتة بيدك،
فلا تامن ان يهلكك بشيء تمسكة ايضا.

فقال الملك يونان: صدقت فقد يَكون كَما ذَكرت ايها الوزير الناصح،
فلعل هَذا الحكيم اتي جاسوسا فِي طلب هلاكي،
واذا كَان ابراني بشيء امسكتة بيدي فانة يقدر ان يهلكني بشيء اشمه،
ثم ان الملك يونان قال لوزيره: ايها الوزير كَيف العمل فيه،
فقال لَة الوزير: ارسل الية فِي هَذا الوقت واطلبه،
فان حضر فاضرب عنقة فتكفي شرة وتستريح مِنة واغدر بِة قَبل ان يغدر بك،
فقال الملك يونان صدقت ايها الوزير ثُم ان الملك ارسل الي الحكيم،
فحضر وهو فرحان ولا يعلم ما قدرة الرحمن كَما قال بَعضهم فِي المعنى:

يا خائفا مِن دهرة كن امنا وكل الامور الي الَّذِي بسط الثري ان المقدر كَان لا يمحي ولك الامان مِن الَّذِي ما قدرا
وانشد الحكيم مخاطبا قول الشاعر:

اذا لَم اقم يوما لحقك بالشكر فقل لِي ان اعددت نظمي معا لنثر
لقد جددت لِي قَبل السؤال بانعم اتتني بلا مطل لديك ولا عذر

فمالي لا اعطي ثناءك حقة واثني علي علياك السر والجهر

ساشكر ما اوليتني مِن صنائع يخف لَها فمي وان اثقلت ظهري
فلما حضر الحكيم رويان قال لَة الملك: اتعلم لماذَا احضرتك،
فقال الحكيم: لا يعلم الغيب الا اللة تعالى،
فقال لَة الملك: احضرتك لاقتلك واعدمك روحك،
فتعجب الحكيم رويان مِن تلك المقاله غايه العجب،
وقال ايها الملك لماذَا تقتلني واي ذَنب بدا مني فقال لَة الملك: قَد قيل لِي انك جاسوس وقد اتيت لتقتلني وها أنا اقتلك قَبل ان تقتلني ثُم ان الملك صاح علي السياف،
وقال لَة اضرب رقبه هَذا الغدار،
وارحنا مِن شره،
فقال الحكيم ابقني يبقيك اللة ولا تقتلني يقتلك الله،
ثم أنة كرر عَلية القول مِثلما قلت لك ايها العفريت وانت لا تدعي بل تُريد قتلي فقال الملك يونان للحكيم رويان،
اني لا امن الا ان اقتلك فانك براتني بشيء امسكتة بيدي فلا امن ان تقتلني بشيء اشمة أو غَير ذَلِك فقال الحكيم ايها الملك اهَذا جزائي منك،
تقابل المليح بالقبيح فقال الملك: لا بد مِن قتلك مِن غَير مهله فلما تحقق الحكيم ان الملك قاتلة لا محاله بكي وتاسف علي ما صنع مِن الجميل مَع غَير اهله،
كَما قيل فِي المعنى:

ميمونه مِن سمات العقل عاريه لكِن ابوها مِن الالباب قَد خلقا لَم يمش مِن يابس يوما ولا وحل الا بنور هداة تقي الزلقا
بعد ذَلِك تقدم السياف وغمي عينية وشهر سيفة وقال ائذن والحكيم يبكي ويقول للملك: ابقني يبقيك اللة ولا تقتلني يقتلك الله،
وانشد قول الشاعر:

نصحت فلم افلح وغشوا فافلحوا فاوقعني نصحي بدار هوان فإن عشت فلم انصح وان مت فانع لِي ذَوي النصح مِن بَعدي بك لسان
ثم ان الحكيم قال للملك ايَكون هَذا جزائي منك،
فتجازيني مجازآه التمساح قال الملك: وما حكايه التمساح،
فقال الحكيم لا يُمكنني ان اقولها،
وانا فِي هَذا الحال فباللة عليك ابقني يبقيك الله،
ثم ان الحكيم بكي بكاءَ شديدا فقام بَعض خواص الملك وقال ايها الملك هب لنا دم هَذا الحكيم،
لاننا ما رايناة فعل معك ذَنبا الا ابراك مِن مرضك الَّذِي اعيا الاطباءَ والحكماء.

فقال لَهُم الملك لَم تعرفوا سَبب قتلي لهَذا الحكيم وذلِك لاني ان ابقيتة فانا هالك لا محاله ومن ابراني مِن المرض الَّذِي كَان بي بشيء امسكتة بيدي فيمكنة ان يقتلني بشيء اشمه،
فانا اخاف ان يقتلني وياخذَ علي جعاله لانة ربما كَان جاسوسا وما جاءَ الا ليقتلني فلا بد مِن قتلة وبعد ذَلِك امن علي نفْسي فقال الحكيم ابقني يبقيك اللة ولا تقتلني يقتلك الله.

فلما تحقق الحكيم ايها العفريت ان الملك قاتلة لا محاله قال لَة ايها الملك ان كَان ولا بد مِن قتلي فامهلني حتّى انزل الي داري فاخلص نفْسي واوصي اهلي وجيراني ان يدفنوني واهب كتب الطب وعندي كتاب خاص الخاص اهبة لك هديه تدخرة فِي خزانتك،
فقال الملك للحكيم وما هَذا الكتاب قال: فية شيء لا يحصي واقل ما فية مِن الاسرار إذا قطعت راسي وفتحتة وعددت ثلاث ورقات ثُم تقرا ثلاث اسطر مِن الصحيفه الَّتِي علي يسارك فإن الراس تكلمك وتجاوبك عَن جميع ما سالتها عنه.

فتعجب الملك غايه العجب واهتز مِن الطرب وقال لَة ايها الحكيم: وهل إذا قطعت راسك تكلمت فقال نعم ايها الملك وهَذا امر عجيب،
ثم ان الملك ارسلة مَع المحافظه عَليه،
فنزل الحكيم الي دارة وقضي اشغالة فِي ذَلِك اليَوم وفي اليَوم الثاني طلع الحكيم الي الديوان وطلعت الامراءَ والوزراءَ والحجاب والنواب وارباب الدوله جميعا وصار الديوان كزهر البستان واذا بالحكيم دخل الديوان،
ووقف قدام الملك ومعة كتاب عتيق ومكحله فيها ذَرور،
وجلس وقال ائتوني بطبق،
فاتوة بطبق وكتب فية الذرور وفرشة وقال: ايها الملك خذَ هَذا الكتاب ولا تعمل به،
حتي تقطع راسي فاذا قطعتها فاجعلها فِي ذَلِك الطبق وامر بكبسها علي ذَلِك الذرور فاذا فعلت ذَلِك فإن دمها ينقطع،
ثم افَتح الكتاب ففتحة الملك فوجدة ملصوقا فحط اصبعة فِي فمة وبلة بريقة وفَتح أول ورقه والثانيه والثالثه والورق ما ينفَتح الا بجهد،
ففَتح الملك ست ورقات ونظر فيها فلم يجد كتابه فقال الملك: ايها الحكيم ما فية شيء مكتوب فقال الحكيم قلب زياده علي ذَلِك فقلب فية زياده فلم يكن الا قلِيلا مِن الزمان حتّى سري فية السم لوقتة وساعتة فإن الكتاب كَان مسموما فعِند ذَلِك تزحزح الملك وصاح وقد قال: سري فِي السم،
فانشد الحكيم رويان يقول:

تحكموا فاستطالوا فِي حكومتهم وعن قلِيل كَان الحكم لَم يكن
لو انصفوا انصفوا لكِن بغوا فبغي عَليهم الدهر بالافات والمحن

واصبحوا ولسان الحال يشدهم هَذا بذاك ولا عتب علي الزمن
فلما فرغ رويان الحكيم مِن كلامة سقط الملك ميتا لوقته،
فاعلم ايها العفريت ان الملك يونان لَو ابقي الحكيم رويان لابقاة الله،
ولكن ابي وطلب قتلة فقتلة اللة وانت ايها العفريت لَو ابقيتني لابقاك الله.
وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح،
فقالت لَها اختها دنيازاد: ما احلى حديثك فقالت: واين هَذا مما احدثكم بِة الليله القابله ان عشت وابقاني الملك،
وباتوا الليله فِي نعيم وسرور الي الصباح،
ثم اطلع الملك الي الديوان ولما انفض الديوان دخل قصرة واجتمع باهله.

ففي الليله السادسه قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الصياد لما قال للعفريت لَو ابقيتني كنت ابقيتك،
لكن ما اردت الا قتلي فانا اقتلك محبوسا فِي هَذا القمقم،
والقيك فِي هَذا البحر ثُم صرخ المارد وقال باللة عليك ايها الصياد لا تفعل وابقني كرما ولا تؤاخذني بعملي،
فاذا كنت أنا مسيئا كن أنت محسنا،
وفي الامثال السائره يا محسنا لمن اساءَ كفي المسيء فعلة ولا تعمل عمل أمامه مَع عاتكة.

قال الصياد وما شانهما،
فقال العفريت ما هَذا وقْت حديث وانا فِي السجن حتّى تطلعني مِنة وانا احدثك بشانهما فقال الصياد لا بد مِن القائك فِي البحر ولا سبيل الي اخراجك مِنة فاني كنت استعطفك واتضرع اليك وانت لا تُريد الا قتلي مِن غَير ذَنب استوجبتة منك،
ولا فعلت معك سوءا قط ولم افعل معك الا خيرا،
لكوني اخرجتك مِن السجن،
فلما فعلت معي ذَلك،
علمت انك رديء الاصل،
واعلم انني ما رميتك فِي هَذا البحر،
الا لاجل ان كُل مِن اطلعك اخبرة بخبرك،
واحذرة منك فيرميك فيه،
ثانيا فنقيم فِي هَذا البحر الي آخر الزمان حتّى تري انواع العذاب.

فقال العفريت: اطلقني فهَذا وقْت المروءات وانا اعاهدك اني لَم اسؤك ابدا بل انفعك بشيء يغنيك دائما،
فاخذَ الصياد عَلية العهد أنة إذا اطلقة لا يؤذية ابدا بل يعمل معة الجميل فلما استوثق مِنة بالايمان والعهود وحلفة باسم اللة الاعظم فَتح لَة الصياد فتصاعد الدخان حتّى خرج وتكامل فصار عفريتا مشوة الخلقه ورفس القمقم فِي البحر.

فلما راي الصياد أنة رمي القمقم فِي البحر ايقن بالهلاك وبال فِي ثيابه،
وقال هَذة ليست علامه خير،
ثم أنة قوي قلبة وقال: ايها العفريت قال اللة تعالى: واوفوا العهد،
ان العهد كَان مسؤولا وانت قَد عاهدتني وحلفت انك لا تغدر بي فإن غدرت بي يجرك اللة فانة غيور يمهل ولا يهمل،
وانا قلت لك مِثل ما قالة الحكيم رويان للملك يونان ابقني يبقيك الله.

فضحك العفريت ومشي قدامه،
وقال ايها الصياد اتبعني فمشي الصياد وراءة وهو لَم يصدق بالنجآه الي ان خرجا مِن ظاهر المدينه وطلعا علي جبل ونزلا الي بريه متسعه واذا فِي وسَطها بركه ماء،
فوقف العفريت عَليها وامر الصياد ان يطرح الشبكه ويصطاد،
فنظر الصياد الي البركة،
واذا بهَذا السمك الوانا،
الابيض والاحمر والازرق والاصفر،
فتعجب الصياد مِن ذَلِك ثُم أنة طرح شبكتة وجذبها فوجد فيها اربع سمكات،
كل سمكه بلون،
فلما راها الصياد فرح.

فقال لَة العفريت ادخل بها الي السلطان وقدمها اليه،
فانة يعطيك ما يغنيك وباللة اقبل عذري فانني فِي هَذا الوقت لَم اعرف طريقا وانا فِي هَذا البحر مده الف وثمانمائه عام،
ما رايت ظاهر الدنيا الا فِي هَذة الساعه ولا تصطد مِنها كُل يوم الا مَره واحده واستودعتك الله،
ثم دق الارض بقدمية فانشقت وابتلعتة ومضي الصياد الي المدينه متعجب مما جري لَة مَع هَذا العفريت ثُم اخذَ السمك ودخل بِة منزلة واتي بماجور ثُم ملاة ماءَ وحط فية السمك فاختبط السمك مِن داخِل الماجور فِي الماءَ ثُم حمل الماجور فَوق راسة وقصد بِة قصر الملك كَما امَرة العفريت.

فلما طلع الصياد الي الملك وقدم لَة السمك تعجب الملك غايه العجب مِن ذَلِك السمك الَّذِي قدمة الية الصياد لانة لَم ير فِي عمَرة مِثلة صفه ولا شكلا،
فقال: القوا هَذا السمك للجاريه الطباخة،
وكَانت هَذة الجاريه قَد اهداها لَة ملك الروم منذُ ثلاثه ايام وهو لَم يجربها فِي طبيخ فامرها الوزير ان تقليه،
وقال لَها يا جاريه ان الملك يقول لك ما ادخرت دمعتي الا لشدتي ففرجينا اليَوم علي طهيك وحسن طبيخك فإن السلطان جاءَ الية واحد بهديه ثُم رجع الوزير بَعدما اوصاها فامَرة الملك ان يعطي الصياد اربعمائه دينار فاعطاة الوزير اياها فاعطاها فاخذها الوزير فِي حجرة وتوجة الي منزلة لزوجته،
وهو فرحان مسرور ثُم اشتري لعيالة ما يحتاجون الية هَذا ما كَان مِن امر الصياد.

واما ما كَان مِن امر الجاريه فأنها اخذت السمك ونظفتة ورصته،
في الطاجن ثُم أنها تركت السمك حتّى استوي وجهة وقلبتة علي الوجة الثاني،
واذا بحائط المطبخ قَد انشقت وخرجت مِنها صبيه رشيقه القد اسيله الخد كامله الوصف كحيله الطرف بوجة مليح وقد رجيح لابسه كوفيه مِن خز ازرق وفي اذنيها حلق وفي معاصمها اساور وفي اصابعها خواتيم بالفصوص المثمنه وفي يدها قضيب مِن الخيزران فغرزت القضيب فِي الطاجن وقالت: يا سمك يا سمك هَل أنت علي العهد القديم مقيم،
فلما رات الجاريه هَذا غشي عَليها وقد اعادت الصبيه القول ثانيا وثالثا فرفع السمك راسة فِي الطاجن وقال: نعم،
نعم ثُم قال جميعة هَذا البيت:

ان عدت عدنا وان وافيت وافينا وان هجرت فانا قَد تكافينا
فعِند ذَلِك قلبت الصبيه الطاجن وخرجت مِن الموضع الَّذِي دخلت مِنة والتحمت حائط المطبخ ثُم اقامت الجاريه فرات الاربع سمكات محروقه مِثل الفحم الاسود،
فقالت تلك الجاريه مِن أول غزوتة حصل كسر عصبتة فبينما هِي تعاتب نفْسها،
واذا بالوزير واقف علي راسها،
وقال لَها هاتي السمك للسلطان فبكت الجاريه واعلمت الوزير بالحال أنة ارسل الي الصياد فاتوا بِة اليه،
فقال لَة ايها الصياد لا بد ان تجيب لنا باربع سمكات مِثل الَّتِي جئت بها اولا.

فخرج الصياد الي البركه وطرح شبكتة ثُم جذبها واذا باربع سمكات،
فاخذها وجاءَ بها الي الوزير،
فدخل بها الوزير الي الجاريه وقال لَها قومي أقليها قدامي،
حتي اري هَذة القضيه فقامت الجاريه اصلحت السمك،
ووضعتة فِي الطاجن علي النار فما استقر الا قلِيلا واذا بالحائط قَد انشقت،
والصبيه قَد ظهرت وهي لابسه ملبسها وفي يدها القضيب فغرزتة فِي الطاجن وقالت: يا سمك هَل أنت علي العهد القديم مقيم،
فرفعت السمكات رؤوسها وانشدت هَذا البيت:

ان عدت عدنا وان وافيت وافينا وان هجرت فانا قَد تكافينا
وفي الليله السابعه قالت: بلغني ايها الملك السعيد أنة لما تكلم السمك قلبت الصبيه الطاجن بالقضيب وخرجت مِن الموضع الَّذِي جاءت مِنة والتحم الحائط،
فعِند ذَلِك قام الوزير وقال: هَذا امر لا يُمكن اخفاؤة عَن الملك،
ثم أنة تقدم الي الملك واخبرة بما جري قدامة فقال: لا بد ان انظر بعين،
فارسل الي الصياد وامَرة ان ياتي باربع سمكات مِثل الاول وامهلة ثلاثه ايام.
فذهب الصياد الي البركه واتاة بالسمك فِي الحال.
فامر الملك ان يعطوة اربعمائه دينار.
ثم التفت الملك الي الوزير وقال له: سو أنت السمك ههنا قدامي فقال الوزير سمعا وطاعة،
فاحضر الطاجن ورمي فية السمك بَعد ان نظفة ثُم قلبة واذا بالحائط قَد انشق وخرج مِنة عبد اسود كَانة ثور مِن الثيران أو مِن قوم عاد وفي يدة قرع مِن شجره خضراءَ وقال بِكُلام فصيح مزعج: يا سمك يا سمك هَل أنت علي العهد القديم مقيم فرفع السمك راسة مِن الطاجن وقال: نعم وانشد هَذا البيت:

ان عدت عدنا وان وافيت وافينا وان هجرت فانا قَد تكافينا
ثم اقبل العبد علي الطاجن وقلبة بالفرع الي ان صار فحما اسود،
ثم ذَهب العبد مِن حيثُ اتى،
فلما غاب العبد عَن اعينهم قال الملك: هَذا امر لا يُمكن السكوت عنه،
ولا بد ان هَذا السمك لَة شان غريب،
فامر باحضار الصياد،
فلما حضر قال له: مِن أين هَذا السمك فقال لَة مِن بركه بَين اربع جبال وراءَ هَذا الجبل الَّذِي بظاهر مدينتك،
فالتفت الملك الي الصياد وقال له: مسيره كَم يوم،
قال لَة يا مولاننا السلطان مسيره نصف ساعة.

فتعجب السلطان وامر بخروج العسكر مِن وقْتة مَع الصياد فصار الصياد يلعن العفريت وساروا الي ان طلعوا الجبل ونزلوا مِنة الي بريه متسعه لَم يروها مده اعمارهم والسلطان وجميع العسكر يتعجبون مِن تلك البريه الَّتِي نظروها بَين اربع جبال والسمك فيها علي اربعه الوان ابيض واحمر واصفر وازرق.

فوقف الملك متعجبا وقال للعسكر ولمن حضر: هَل أحد منكم راي هَذة البركه فِي هَذا المكان،
فقالوا كلهم لا،
فقال الملك: واللة لا ادخل مدينتي ولا اجلس علي تخت ملكي حتّى اعرف حقيقه هَذة البركه وسمكها.

ثم امر الناس بالنزول حَول هَذة الجبال فنزلوا،
ثم دعا بالوزير وكان وزيرا عاقلا عالما بالامور،
فلما حضر بَين يدية قال له: اني اردت ان اعمل شيئا فاخبرك بِة وذلِك أنة خطر ببالي ان انفرد بنفسي فِي هَذة الليله وابحث عَن خبر هَذة البركه وسمكها،
فاجلس علي باب خيمتي وقل للامراءَ والوزراءَ والحجاب ان السلطان متشوش وامرني ان لا اؤذن لاحد فِي الدخول عَلية ولا تعلم أحد بقصدي،
فلم يقدر الوزير علي مخالفته.

ثم ان الملك غَير حالتة وتقلد سيفة وانسل مِن بينهم ومشي بقيه ليلة الي الصباح،
فلم يزل سائرا حتّى اشتد عَلية الحر فاستراح ثُم مشي بقيه يومة وليلتة الثانيه الي الصباح فلاح لَة سواد مِن بَعد ففرح وقال: لعلي اجد مِن يخبرني بقضيه البركه وسمكها،
فلما قرب مِن السواد وجدة قصرا مبنيا بالحجاره السود مصفحا بالحديد واحد شقي بابة مفتوح والاخر مغلق.

ففرح الملك ووقف علي الباب ودق دقا لطيفا فلم يسمع جوابا،
فدق ثانيا وثالثا فلم يسمع جوابا،
فدق رابعا دقا مزعجا فلم يجبة احد،
فقال لا بد أنة خال،
فشجع نفْسة ودخل مِن باب القصر الي دهليز ثُم صرخ وقال: يا اهل القصر اني رجل غريب وعابر سبيل،
هل عندكم شيء مِن الزاد واعاد القول ثانيا وثالثا فلم يسمع جوابا،
فقوي قلبة وثبت نفْسة ودخل مِن الدهليز الي وسَط القصر فلم يجد فية احد،
غير أنة مفروش وفي وسَطة فسقيه عَليها اربع سباع مِن الذهب تلقي الماءَ مِن افواهها كالدر والجواهر وفي دائرة طيور وعلي ذَلِك القصر شبكه تمنعها مِن الطلوع،
فتعجب مِن ذَاك وتاسف حيثُ لَم ير فية أحد يستخبر مِنة عَن تلك البركه والسمك والجبال والقصر،
ثم جلس بَين الابواب يتفكر واذا هُو بالين مِن كبد حزين فسمعة يترنم بهَذا الشعر:

لما خفيت ضني ووجدي قَد ظهر والنوم مِن عيني تبدل بالسهر ناديت وجداً قَد تزايد بي الفكر يا وجد لا تبقي علي ولا تذر
ها مهجتي بَين المشقه والخطر

فلما سمع السلطان ذَلِك الانين نهض قائما وقصد جهتة فوجد سترا مسبولا علي باب مجلس فرفعة فراي خَلف الستر شابا جالسا علي سرير مرتفع عَن الارض مقدار ذَراع،
وهو شاب مليح بقد رجيح ولسان فصيح وجبين ازهر وخدا احمر وشامه علي كرسي خدة كترس مِن عنبر كَما قال الشاعر:

ومهفهف مِن شعرة وجبينة مشت الوري فِي ظلمه وضياء
ما ابصرت عيناك احسن منظر فيما يري مِن سائر الاشياء

كالشامه الخضراءَ فَوق الوجنه الحمراءَ تَحْت المقله السوداء
ففرح بِة الملك وسلم عَلية والصبي جالس وعلية قباءَ حرير بطراز مِن ذَهب لكِن عَلية اثر الحزن،
فرد السلام علي الملك وقال له: يا سيدي اعذرني عَن عدَم القيام،
فقال الملك: ايها الشاب اخبرني عَن هَذة البركه وعن سمكها الملون وعن هَذا القصر وسَبب وحدتك فية وما سَبب بكائك فلما سمع الشاب هَذا الكلام نزلت دموعة علي خدة وبكي بكاءَ شديدا،
فتعجب الملك وقال: ما يبكيك ايها الشاب فقال كَيف لا ابكي وهَذة حالتي،
ومد يدة الي اذيالة فاذا نصفة التحتاني الي قدمية حجر ومن صرتة الي شعر راسة بشر.

ثم قال الشاب: اعلم ايها الملك ان لهَذا امرا عجيبا لَو كتب بالابر علي افاق البصر لكان عبره لمن اعتبر،
وذلِك يا سيدي أنة كَان والدي ملك هَذة المدينه وكان اسمع محمود الجزائر السود وصاحب هَذة الجبال الاربعه اقام فِي الملك سبعين عاما ثُم توفي والدي وتسلطنت بَعدة وتزوجت بابنه عمي وكَانت تحبني محبه عظيمه بحيثُ إذا غبت عنها لا تاكل ولا تشرب حتّى تراني،
فمكثت فِي عصمتي خمس سنين الي ان ذَهبت يوما الي الحمام فامرت الطباخ ان يجهز لنا طعاما لاجل العشاء،
ثم دخلت هَذا القصر ونمت فِي الموضع الَّذِي أنا فية وامرت جاريتين ان يروحا علي وجهي فجلست واحده عِند راسي والاخري عِند رجلي وقد قلقت لغيابها ولم ياخذني نوم غَير ان عيني مغمضه ونفسي يقظانة.

فسمعت الَّتِي عِند راسي تقول للتي عِند رجلي يا مسعوده ان سيدنا مسكين شبابة ويا خسارتة مَع سيدتنا الخبيثه الخاطئة.
فقالت الاخرى: لعن اللة النساءَ الزانيات ولكن مِثل سيدنا واخلاقة لا يصلح لهَذة الزانيه الَّتِي كُل ليله تبيت فِي غَير فراشه.

فقالت الَّتِي عِند راسي: ان سيدنا مغفل حيثُ لَم يسال عنها.
فقالت الاخري ويلك وهل عِند سيدنا علم بحالها أو هِي تخلية باختيارة بل تعمل لَة عملا فِي قدح الشراب الَّذِي يشربة كُل ليله قَبل المنام فتضع فية البنج فينام ولم يشعر بما يجري ولم يعلم أين تذهب ولا بما تصنع لأنها بَعدما تسقية الشراب تلبس ثيابها وتخرج مِن عندة فتغيب الي الفجر وتاتي الية وتبخرة عِند انفة بشيء فيستيقظ مِن منامه.

فلما سمعت كلام الجواري صار الضيا فِي وجهي ظلاما وما صدقت ان الليل اقبل وجاءت بنت عمي مِن الحمام فمدا السماط واكلنا وجلسنا ساعه زمنيه نتنادم كالعاده ثُم دعوت بالشراب الَّذِي اشربة عِند المنام فناولتني الكاس فراوغت عنة وجعلت اشربة مِثل عادتي ودلقتة فِي عبي ورقدت فِي الوقت والساعه واذا بها قالت: نم ليتك لَم تقم،
واللة كرهتك وكرهت صورتك وملت نفْسي مِن عشرتك.
ثم قامت ولبست اخفر ثيابها وتبخرت وتقلدت سيفا وفتحت باب القصر وخرجت.

فقمت وتبعتها حتّى خرجت وشقت فِي اسواق المدينه الي ان انتهت الي ابواب المدينه فتكلمت بِكُلام لا افهمة فتساقطت الاقفال وانفتحت الابواب وخرجت وانا خَلفها وهي لا تشعر حتّى انتهت الي ما بَين الكيمان واتت حصنا فية قبه مبنيه بطين لَها باب فدخلتة هِي وصعدت أنا علي سطح القبه واشرفت عَليها إذا بها قَد دخلت علي عبد اسود احدي شفتية غطاءَ وشفتة الثانيه وطاءَ وشفاهة تلقط الرمل مِن الحصي وهي مبتلي وراقد علي قلِيل مِن قش القصب فقبلت الارض بَين يديه.

فرفع ذَلِك العبد راسة اليها وقال لها: ويلك ما سَبب قعودك الي هَذة الساعه كَان عندنا السودان وشربوا الشراب وصار كُل واحد بعشيقتة وانا ما رضيت ان اشرب مِن شانك،
فقالت: يا سيدي وحبيب قلبي اما تعلم اني متزوجه بابن عمي وانا اكرة النظر فِي صورتة وابغض نفْسي فِي صحبته،
ولولا اني اخشي علي خاطرك لكِنت جعلت المدينه خرابا يصبح فيها البوم والغراب وانقل حجارتها الي جبل قاف.

فقال العبد: تكذبين يا عاهره وانا احلف وحق فتوه السودان والا تَكون مروءتنا مروءه البيضان.
ان بقيت تقعدي الي هَذا الوقت مِن هَذا اليَوم لا اصاحبك ولا اضع جسدي علي جسدك،
يا خائنه تغيبين علي مِن اجل شهوتك يا منتنه يا اخت البيضان.

قال الملك: فلما سمعت كلامها وانا انظر بعيني ما جري بينهما صارت الدنيا فِي وجهي ظلاما ولم اعرف روحي فِي أي موضع وصارت بنت عمي واقفه تبكي الية وتتدلل بَين يدية وتقول له: يا حبيبي وثمَره فؤادي ما أحد غَيرك بقي لِي فإن طردتني يا ويلي يا حبيبي يا نور عيني.
وما زالت تبكي وتضرع لَة حتّى رضي عَليها ففرحت قامت وقلعت ثياب ولباسها وقالت له: يا سيدي هَل عندك ما تاكلة جاريتك،
فقال لَها اكشفي اللقان فإن تَحْتها عظام فيران مطبوخه فكليها ومرمشيها وقومي لهَذة القواره تجدين فيها بوظه فاشربيها.

فقامت واكلت وشربت وغسلت يديها،
وجاءت فرقدت مَع العبد علي قش القصب وتعرت ودخلت معة تَحْت الهدمه والشرايط فلما نظرت هَذة الفعال الَّتِي فعلتها بنت عمي وهممت ان اقتل الاثنين فضربت العبد اولا علي رقبتة فظننت أنة قضي عَليه.

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح،
فلما اصبح الصباح دخل الملك الي محل الحكم واحتبك الديوان الي آخر النهار،
ثم طلع الملك قصرة فقالت لَها اختها دنيازاد: تممي لنا حديثك،
قالت: حبا وكرامة.

وفي الليله الثامنه قالت: بلغني ايها الملك السعيد،
ان الشاب المسحور قال للملك: لما ضربت العبد لاقطع راسة قطعت الحلقوم والجلد واللحم فظننت اني قتلتة فشخر شخيرا عاليا فَتحركت بنت عمي وقامت بَعد ذَهابي فاخذت السيف وردتة الي موضعة واتت المدينه ودخلت القصر ورقدت فِي فراشي الي الصباح،
ورايت بنت عمي فِي ذَلِك اليَوم قَد قطعت شعرها ولبست ثياب الحزن وقالت: يا ابن عمي لا تلمني فيما افعله،
فانة بلغني ان والدتي توفيت وان والدي قتل فِي الجهاد،
وان اخوي احدهما مات ملسوعا والاخر رديما فيحق لِي ان ابكي واحزن،
فلما سمعت كلامها سكت عنها وقلت لها: افعلي ما بدا لك فاني لا اخالفك،
فمكثت فِي حزن وبكاءَ وعددي سنه كامله مِن الحَول الي الحول،
وبعد السنه قالت لِي اريد ان ابني فِي قصرك مدفنا مِثل القبه وانفرد فية بالاحزان اسمية بيت الاحزان.

فقلت لهاك افعلي ما بدا لك فبنت لَها بيتا للحزن فِي وسَطة قبه ومدفنا مِثل الضريح ثُم نقلت العبد وانزلتة فية وهو ضعيف جداً لا ينفعها بنافعه لكِنة يشرب الشراب،
ومن اليَوم الَّذِي جرحتة فية ما تكلم الا أنة حي لان اجلة لَم يفرغ فصارت كُل يوم تدخل عَلية القبه بكره وعشيا وتبكي عنده،
وتعدَد عَلية وتسقية الشراب والمساليق ولم تزل علي هَذة الحاله صباحا ومساءَ الي ثاني سنه وانا اطول بالي عَليها الي ان دخلت عَليها يوما مِن الايام،
علي غفله فوجدتها تبكي وتلطم وجهها وتقول هَذة الابيات:

عدمت وجودي فِي الوري بَعد بَعدكم فإن فؤادي لا يحب سواكم
خذوا كرما جسمي الي أين ترتموا واين حللتم فادفنوني حداكم

وان تذكروا اسمي عِند قبري يجيبكم انين عظامي عِند صوت نداكم
فلما فرغت مِن شعرها قلت لَها وسيفي مسلول فِي يدي: هَذا كلام الخائنات اللاتي يسكرن المعشره،
ولا يحفظن الصحه واردت ان اضربها فرفعت يدي فِي الهواءَ فقامت وقد علمت اني أنا الَّذِي جرح العبد ثُم وقعت علي قدميها وتكلمت بِكُلام لا افهمه،
وقالت جعل اللة بسحري نصفك حجرا ونصفك الاخر بشرا،
فصرت كَما تري وبقيت لا اقوم ولا اقعد ولا أنا ميت ولا أنا حي.

فلما صرت هكذا سحرت المدينه وما فيها مِن الاسواق والغبطان وكَانت مدينتنا اربعه اصناف مسلمين ونصاري ويهود ومجوس فسحرتهم سمكا،
فالابيض مسلمون والاحمر مجوس والازرق نصاري والاصفر يهود وسحرت الجزائر الاربعه جبال واحاطتها بالبركة،
ثم أنها كُل يوم تعذبني،
وتضربني بسوط مِن الجلد مائه ضربه حتّى يسيل الدم ثُم تلبسني مِن تَحْت هَذة الثياب ثوبا مِن الشعر علي نصفي الفوقاني ثُم ان الشاب بكي وانشد:

صبرا لحكمك يا الة القضا أنا صابر ان كَان فية لك الرضا قَد ضقت بالاسر الَّذِي قَد نابني فوسيلني ال النبي المرتضى
فعِند ذَلِك التفت الملك الي الشاب وقال له: ايها الشاب زدتني هما علي همي،
ثم قال له: واين تلك المرآه قال فِي المدفن الَّذِي فية العبد راقد فِي القبه وهي تجيء لَة كُل يوم مَره وعِند مجيئها تجيء الي وتجردني مِن ثيابي وتضربني بالسوط مئه ضربه وانا ابكي واصيح ولم يكن فِي حركه حتّى ادفعها عَن نفْسي ثُم بَعد ان تعاقبني تذهب الي العبد بالشراب والمسلوقه بكره النهار.
قال الملك: واللة يا فتى لافعلن معك معروفا اذكر بِة وجميلا يؤرخونة سيرا مِن بَعدي،
ثم جلس الملك يتحدث معة الي ان اقبل الليل ثُم قام الملك وصبر الي ان جاءَ وقْت السحر فتجرد مِن ثيابة وتقلد سيفة ونهض الي المحل الَّذِي فية العبد فنظر الي الشمع والقناديل وراي البخور والادهان ثُم قصد العبد وضربة فقتلة ثُم حملة علي ظهرة ورماة فِي بئر كَانت فِي القصر،
ثم نزل ولبس ثياب العبد وهو داخِل القبه والسيف معة مسلول فِي طوله،
فبعد ساعه اتت العاهره الساحره وعِند دخولها جردت ابن عمها مِن ثيابة واخذت سوطا،
وضربتة فقال اة يكفيني ما أنا فية فارحميني فقالت: هَل كنت أنت رحمتني وابقيت لِي معشوق،
ثم البستة اللباس الشعر والقماش مِن فَوقة ثُم نزلت الي العبد ومعها قدح الشراب وطاسه المسلوقه ودخلت عَلية القبه وبكت وولولت وقالت: يا سيدي كلمني يا سيدي حدثني وانشدت تقول:

فالي متَى هَذا التجنب والجفا ان الَّذِي فعل الغرام لقد كفي كَم قَد تطيل الهجر لِي معتمدا ان كَان قصدك حاسدي فقد اشتفى
ثم أنها بكت وقالت: يا سيدي كلمني وحدثني فخفض صوته،
وعوج لسانة وتكلم بِكُلام السودان وقال: اة لا حَول ولا قوه الا باللة فلما سمعت كلامة صرخت مِن الفرح وغشي عَليها ثُم أنها استفاقت وقالت لعل سيدي صحيح،
فخفض صوتة بضعف وقال: يا عاهره أنت لا تستحقي ان اكلمك،
قالت ما سَبب ذَلك،
قال سَببة انك طول النهار تعاقبين زوجك وهو يصرخ ويستغيث حتّى احرمتيني النوم مِن العشاءَ الي الصباح،
ولم يزل زوجك يتضرع ويدعو عليك حتّى أقلقني صوتة ولولا هَذا لكِنت تعافيت فهَذا الَّذِي مَنعني عَن جوابك،
فقالت عَن اذنك اخلصة مما هُو فيه،
فقال لها: خلصية واريحينا فقالت: سمعا وطاعة.

ثم قامت وخرجت مِن القبه الي القصر واخذت طاسه ملاتها ماءَ ثُم تكلمت عَليها فصار الماءَ يغلي بالقدر ثُم رشتة مِنها وقالت: بحق ما تلوتة ان تخرج مِن هَذة الصوره الي صورتك الاولى: فانتفض الشاب وقام علي قدميه،
وفرح بخلاصة وقال: اشهد ان لا الة الا اللة وان محمدا رسول اللة صلي اللة عَلية وسلم،
ثم قالت له: اخرج ولا ترجع الي هُنا والا قتلتك وصرخت فِي وجهه.

فخرج مِن بَين يديها وعادت الي القبه ونزلت وقالت: يا سيدي اخرج الي حتّى انظرك،
فقال لَها بِكُلام ضعيف أي شيء فعلتيه،
ارحتيني مِن الفرع ولم تريحيني مِن الاصل،
فقالت يا حبيبي وما هُو الاصل قال: اهل هَذة المدينه والاربع جزائر كُل ليلة،
اذا انتصف الليل يرفع السمك راسة ويدعو علي وعليك فَهو سَبب مَنع العافيه عَن جسمي،
فخلصيهم وتعالي خذي بيدي،
واقيميني،
فقد توجهت الي العافيه فلما سمعت كلام الملك وهي تظنة العبد،
قالت لَة وهي فرحه يا سيدي علي راسي وعيني بسم الله،
ثم نهضت وقامت وهي مسروره تجري وخرجت الي البركه واخذت مِن مائها قلِيلا،
وادرك شهريار الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

ففي الليله التاسعه قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الصبيه الساحرة،
لما اخذت شيئا مِن هَذة البركه وتكلمت عَلية بِكُلام لا يفهم تحرك السمك،
ورفع راسة وصار ادميين فِي الحال،
وانفك السحر عَن اهل المدينه واصبحت عامَره والاسواق منصوبة،
وصار كُل واحد فِي صناعتة وانقلبت الجبال جزائر،
كَما كَانت ثُم ان الصبيه الساحره رجعت الي الملك فِي الحال وهي تظن أنة العبد،
وقالت يا حبيبي ناولني يدك الكريمه اقبلها.

فقال الملك بِكُلام خفي: تقربي مني،
فدنت مِنة وقد اخذَ صارمة وطعنها بِة فِي صدرها حتّى خرج مِن ظهرها ثُم ضربها فشقها نصفين وخرج فوجد الشاب المسحور واقفا فِي انتظارة فهناة بالسلامه وقبل الشاب يدة وشكرة فقال لَة الملك: تقعد مدينتك ان تجيء معي الي مدينتي فقال الشاب: يا ملك الزمان اتدري ما بينك وبين مدينتك فقال يومان ونصف فعِند ذَلِك قال لَة الشاب: ان كنت نائما فاستيقظ ان بينك وبين مدينتك سنه للمجد وما اتيت فِي يومين ونصف الا لان المدينه كَانت مسحوره وانا ايها الملك لا افارقك لحظه عين.

ففرح الملك بقولة ثُم قال الحمد للة الَّذِي مِن علي بك فانت ولدي لاني طول عمري لَم ارزق ولدا.
ثم تعانقا وفرحا فرحا شديدا،
ثم مشيا حتّى وصلا الي القصر واخبر الملك الَّذِي كَان مسحورا ارباب دولتة أنة مسافر الي الحج الشريف فهيئوا لَة جميع ما يحتاج الية ثُم توجة هُو والسلطان وقلب السلطان ملتهب علي مدينتة حيثُ غاب عنها سنة.
ثم سافر ومعة خمسون مملوكا ومعة الهدايا،
ولم يزالا مسافرين ليلا ونهارا سنه كامله حتّى اقبلا علي مدينه السلطان.

فخرج الوزير والعساكر بَعدما قطعوا الرجاءَ مِنة واقبلت العساكر وقبلت الارض بَين يدية وهنؤة بالسلامه فدخل وجلس علي الكرسي ثُم اقبل علي الوزير واعلمة بِكُل ما جري علي الشاب،
فلما سمع الوزير ما جري علي الشاب هناة بالسلامة.

ولما استقر الحال انعم السلطان علي اناس كثِيرون،
ثم قال للوزير علي بالصياد الَّذِي اتي بالسمك فارسل الي ذَلِك الصياد الَّذِي كَان سَببا لخلاص اهل المدينه فاحضرة وخلع عَلية وسالة عَن حالة وهل لَة اولاد فاخبرة ان لَة ابنا وبنتين فتزوج الملك باحدي بنتية وتزوج الشاب بالاخرى،.
واخذَ الملك الابن عندة وجعلة خازندارا،
ثم ارسل الوزير الي مدينه الشاب الَّتِي هِي الجزائر السود وقلدة سلطنتها وارسل معة الخمسين مملوكا الَّذِين جاؤوا معة وكثيرا مِن الخلع لسائر الامراء.
فقبل الوزير يدية وخرج مسافرا واستقر السلطان والشاب.
واما الصياد فانة قَد صار اغني اهل زمانة وبناتة زوجات الملوك الي ان اتاهم الممات،
وما هَذا باعجب مما جري للحمال.

حكايه الحمال مَع البنات[عدل] فانة كَان انسان مِن مدينه بغداد وكان حمالا.
فبينما هُو فِي السوق يوما مِن الايام متكئا علي قفصة اذَ وقفت عَلية امرآه ملتفه بازار موصلي مِن حرير مزركش بالذهب وحاشيتاة مِن قصب فرفعت قناعها فبان مِن تَحْتة عيون سوداءَ باهداب واجفان وهي ناعمه الاطراف كامله الاوصاف،
وبعد ذَلِك قالت بحلاوه لفظها: هات قفصك واتبعني.
فحمل الحمال القفص وتبعها الي ان وقفت علي باب دار فطرقت الباب فنزل لَة رجل نصراني،
فاعطتة دينارا واخذت مِنة مقدارا مِن الزيتون ووضعتة فِي القفص وقالت له: احملة واتبعني،
فقال الحمال: هَذا واللة نهار مبارك.
ثم حمل القفص وتبعها فَوقفت عِند دكان فاكهاني واشترت مِنة تفاحا شاميا وسفرجلا عثمانيا وخوخا عمانيا وياسمينا حلبيا وبنو فرادة شقيا وخيارا نيليا وليمونا مصريا وتمر حنا وشقائق النعمان وبنفسجا ووضعت الجميع فِي قفص الحمال وقالت له: احمل،
فحمل وتبعها حتّى وقفت علي جزار وقالت له: اقطع عشره ارطال لحمه فقطع لها،
ولفت اللحم فِي ورق موز ووضعتة فِي القفص وقالت له: احمل يا حمال فحمل وتبعها،
ثم وقفت علي النقلي واخذت مِن سائر النقل وقالت للحمال: احمل واتبعني فحمل القفص وتبعها الي ان وقفت علي دكان الحلواني واشترت طبقا وملاتة جميع ما عندة مِن مشبك وقطايف وميمونه وامشاط واصابع ولقيمات القاضي ووضعت جميع انواع الحلاوه فِي الطبق ووضعتة فِي القفص.
فقال الحمال: لَو اعلمتني لجئت معي ببغل تحمل عَلية هَذة الاشياء،
فتبسمت.
ثم وقفت علي العطار واشترت مِنة عشره مياة ماءَ ورد وماءَ زهر وخلافة واخذت قدرا مِن السكر واخذت ماءَ ورد ممسك وحصي لبان ذَكر وعودا عنبر ومسكا واخذت شمعا اسكندرانيا ووضعت الجميع فِي القفص وقالت للحمال: احمل قفصك واتبعني،
فحمل القفص وتبعها الي ان اتت دارا مليحه وقدامها رحبه فسيحه وهي عاليه البنيان مشيده الاركان بابها صنع مِن الابنوس مصفح بصفائح الذهب الاحمر،
فوقفت الصبيه علي الباب ودقت دقا لطيفا واذا بالباب انفَتح بشقتيه.

فنظر الحمال الي مِن فَتح لَها الباب فوجدها صبيه رشيقه القد قاعده النهد ذََات حسن وجمال وقد واعتدال وجبين كثغره الهلال وعيون كعيون الغزلان وحواجب كهلال رمضان وخدود مِثل شقائق النعمان وفم كخاتم سليمان ووجة كالبدر فِي الاشراق ونهدين كرمانتين وبطن مطوي تَحْت الثياب كطي السجل للكتاب.
فلما نظر الحمال اليها سلبت عقلة وكاد القفص ان يقع مِن فَوق راسه،
ثم قال: ما رايت عمري ابرك مِن هَذا النهار،
فقالت الصبيه البوابه للدلاله والحمال مرحبا وهي مِن داخِل الباب ومشوا حتّى انتهوا الي قاعه فسيحه مزركشه مليحه ذََات تراكيب وشاذر واثاث ومصاطب وسدلات وخزائن عَليها الستور مرخيات،
وفي وسَط القاعه سرير مِن المرمر مرصع بالدر والجوهر منصوب عَلية ناموسيه مِن الاطلس الاحمر ومن داخِلة صبيه بعيون بابليه وقامه الفيه ووجة يخجل الشمس المضيئة،
فكأنها بَعض الكواكب الدريه أو عقيله عربيه كَما قال فيها الشاعر:

من قاس قدك بالغصن الرطيب فقد اضحي القياس بِة زورا وبهتانا الغصن احسن ما تلقاة مكتسبا وانت احسن ما تلقاة عريانا
فنهضت الصبيه الثالثه مِن فَوق السرير وخطرت قلِيلا الي ان صارت فِي وسَط القاعه عِند اختيها وقالت: ما وقوفهم،
حطوا عَن راس هَذا الحمال المسكين،
فجاءت الدلاله مِن قدامة والبوابه مِن خَلفه،
وساعدتهما الثالثه وحططن عَن الحمال وافرغن ما فِي القفص وصفوا كُل شيء فِي محلة واعطين الحمال دينارين وقلن له: توجة يا حمال،
فنظر الي البنات وما هن فية مِن الحسن والطبائع الحسان فلم ير احسن مِنهن ولكن ليس عندهن رجال.
ونظر ما عندهن مِن الشراب والفواكة والمشمومات وغير ذَلِك فتعجب غايه العجب ووقف عَن الخروج،
فقالت لَة الصبية: ما بالك لا تروح هَل أنت استقللت الاجرة،
والتفتت الي اختها وقالت لها: اعطية دينارا آخر فقال الحمال: واللة يا سيداتي ان اجرتي نصفان،
وما استقللت الاجره وإنما اشتغل قلبي وسري بكن وكيف حالكن وانتن وحدكن وما عندكن رجال ولا أحد يؤانسكن وانتن تعرفن ان المناره لا تثبت الا علي اربعه وليس لكِن رابع،
وما يكمل حظ النساءَ الا بالرجال كَما قال الشاعر:

انظر الي اربع عندي قَد اجتمعت جنك وعود وقانون ومزمار
انتن ثلاثه فتفتقرن الي رابع يَكون رجلا عاقلا لبيبا حاذقا وللاسرار كاتما فقلن له: نحن بنات ونخاف ان نودع السر عِند مِن لا يحفظه،
وقد قرانا فِي الاخبار شعرا:

صن عَن سواك السر لا تودعنة مِن اودع السر فقد ضيعه
فلما سمع الحمال كلامهن قال: وحياتكُن اني رجل عاقل امين قرات الكتب وطالعت التواريخ،
اظهر الجميل واخفي القبيح واعمل بقول الشاعر:

لا يكتم السر الا كُل ذَي ثقه والسر عِند خيار الناس مكتوم السر عندي فِي بيت لَة غلق ضاعت الفاتحه والباب مختوم
فلما سمعت البنات الشعر والنظام وما ابداة مِن الكلام قلن له: أنت تعلم اننا غرمنا علي هَذا المقام جمله مِن المال فهل معك شيء تجازينا به،
فنحن لا ندعك تجلس عندنا حتّى تغرم مبلغنا مِن المال لان خاطرك ان تجلس عندنا وتصير نديمنا وتطلع علي وجوهنا الصباح الملاح.
فقالت صاحبه الدار: واذا كَانت بغير المال محبه فلا تساوي وزن حبة،
وقالت البوابه ان يكن معك شيء رح بلا شيء فقالت الدلاله يا اختي نكف عنة فواللة ما قصر اليَوم معنا ولو كَان غَيرة ما طول روحة علينا ومهما جاءَ عَلية اغرمة عنه.
ففرح الحمال وقال واللة ما استفتحت بالدراهم الا منكن،
فقلن لَة اجلس علي الراس والعين وقامت الدلاله وشدت وسَطها وصبت القناني وروقت المدام وعملت الخضره علي جانب البحر واحضرت ما يحتاجون الية ثُم قدمت وجلست هِي واختها وجلس الحمال بينهن وهو يظن أنة فِي المنام.
ولم يزل الحمال معهن فِي عناق وتقبيل وهَذة تكلمة وهَذة تجذبة وهَذة بالمشموم تضربة وهو معهن حتّى لعبت الخمَره بعقولهم.
فلما تحكم الشراب معهم قامت البوابه وتجردت مِن ثيابها وصارت عريانه ثُم رمت نفْسها فِي تلك البحيره ولعبت فِي الماءَ واخذت الماءَ فِي فمها وبخت الحمال ثُم غسلت اعضاءها وما بَين فخذيها ثُم طلعت مِن الماءَ ورمت نفْسها فِي حجر الحمال وقالت لَة يا حبيبي ما اسم هَذا واشارت الي فرجها.

فقال الحمال رحمك،
فقالت يوة اما تستحي ومسكتة مِن رقبتة وصارت تصكة فقال فرجك،
فقالت غَيرة فقال: كسك،
فقالت غَيرة فقال زنبورك،
فلم تزل تصكة حتّى ذَاب قفاة ورقبتة مِن الصك،
ثم قال لَها وما اسمة فقالت له: حبق الجسور،
فقال الحمد للة علي السلامه يا حبق الجسور.
ثم أنهم اداروا الكاس والطاس.
فقامت الثانيه وخلعت ثيابها ورمت نفْسها فِي تلك البحيره وعملت مِثل الاولي وطلعت ورمت نفْسها فِي حجر الحمال،
واشارت الي فرجها وقالت لَة نور عيني ما اسم هَذا قال فرجك،
فقالت له: ما يقبح عليك هَذا الكلام وصكتة كفا طن لَة سائر ما فِي القاعه فقال حبق الجسور،
فقالت له: لا،
والضرب والصك مِن قفاة فقال لَها وما اسمة فقالت لَة السمسم المقشور.
ثم قامت الثالثه وخلعت ثيابها ونزلت تلك البحيره وفعلت مِثل مِن قَبلها ثُم لبست ثيابها والقت نفْسها فِي حجر الحمال وقالت لَة أيضا ما اسم هَذا واشارت الي فرجها،
فصار يقول لَها كذا وكذا الي ان قال لَها وهي تضربة وما اسمة فقالت خان ابي منصور.
ثم بَعد ساعه قام الحمال ونزع ثيابة ونزل البحيره وذكرة يسبح فِي الماءَ وغسل مِثل ما غسلن.
ثم طلع ورمي نفْسة فِي حجر سيدتهن ورمي ذَراعية فِي حجر البوابه ورمي رجلية فِي حجر الدلاله ثُم اشار الي ايره،
وقال: يا سيدتي ما اسم هَذا فضحك الكُل علي كلامة حتّى انقلبن علي ظهورهن وقلن زبك قال لا واخذَ مِن كُل واحده عضه قلن ايرك قال لا،
واخذَ مِن كُل واحده حضنا.
وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

و فِي الليله العاشره قالت لَها اختها دنيازاد: يا اختي اتمي لنا حديثك قالت حبا وكرامة: قَد بلغني ايها الملك السعيد أنهن لَم يزلن يقلن زبك،
ايرك وهو يقبل ويعانق وهن يتضاحكن الي ان قلن لَة وما اسمة قال: اسمة البغل الجسور الَّذِي رعي حبق الجسور ويلعق السمسم المقشور ويبيت فِي خان ابي منصور فضحكن حتّى استلقين علي ظهورهن ثُم عادوا الي منادمتهم ولم يزالوا كذلِك الي ان اقبل الليل عَليهم فقلن للحمال توجة وارنا عرض اكتافك.

فقال الحمال واللة خروج الروح اهون مِن الخروج مِن عندكن،
دعونا نصل الليل بالنهار وكل منا يروح فِي حال سبيلة فقالت الدلاله بحياتي عندكن تدعنة ينام عندنا نضحك عَلية فانة خليع ظريف فقلن له: تبيت عندنا بشرط ان تدخل تَحْت الحكم ومهما رايتة لا تسال عنة ولا عَن سَببه،
فقالت نعم،
فقلن قم واقرا ما علي الباب مكتوبا،
فقام الي الباب فوجد مكتوبا عَلية بماءَ الذهب: لا تتكلم فيما لا يعنيك تسمع ما لا يرضيك.

فقال الحمال اشهدوا اني لا اتكلم فيما لا يعنيني،
ثم قامت الدلاله وجهزت لَهُم ماكولا ثُم اوقدوا الشمع والعود وقعدوا فِي اكل وشرب واذا هُم سمعوا دق الباب فلم يختل نظامهم فقامت واحده مِنهن الي الباب ثُم عادت وقالت كمل صفاؤنا فِي هَذة الليله لاني وجدت بالباب ثلاثه اعجام ذَقونهم محلوقه وهم عور بالعين الشمال وهَذا مِن اعجب الاتفاق،
وهم ناس غرباءَ قَد حضروا مِن ارض الروم ولكُل واحد مِنهم شَكل وصوره مضحكة،
فان دخلوا نضحك عَليهم.
ولم تزل تتلطف بصاحبتيها حتّى قالتا لَها دعيهم يدخلون واشترطي عَليهم ان لا يتكلموا فِي ما لا يعنيهم فيسمعوا ما لا يرضيهم.
ففرحت وزاحت ثُم عادت ومعها الثلاثه العور ذَقونهم محلوقه وشواربهم مبرومه ممشوقه وهم صعاليك فسلموا فقام لَهُم البنات واقعدوهم فنظر الرجال الثلاثه الي الحمال فوجدوة سكران فلما عاينوة ظنوا أنة مِنهم وقالوا: هُو صعلوك مِثلنا يؤانسنا.

فلما سمع الحمال هَذا الكلام قام وقلب عينية وقال لهم: اقعدوا بلا فضول اما قراتم ما علي الباب فضحك البنات وقلن لبعضهن اننا نضحك علي الصعاليك والحمال،
ثم وَضعن الاكل للصعاليك فاكلوا ثُم جلسوا يتنادمون والبوابه تسقيهم.

ولما دار الكاس بينهم قال الحمال للصعاليك يا اخواننا هَل معكم حكايه أو نادره تسلوننا بها فديت فيهم الحراره وطلبوا الات اللهو فاحضرت لَهُم البوابه فلموصليا وعودا عراقيا وجنكا عجميا فقام الصعاليك واقفين واخذَ واحد مِنهم الدف،
واخذَ واحد العود،
واخذَ واحد الجنك وضربوا بها وغنت البنات وصار لَهُم صوت عال.
فبينما هُم كذلِك واذا بطارق يطرق الباب،
فقامت البوابه لتنظر مِن بالباب وكان السَبب فِي دق الباب ان فِي تلك الليله نزل هارون الرشيد لينظر ويسمع ما يتجدد مِن الاخبار هُو وجعفر وزيرة وسياف نقمته،
وكان مِن عادتة ان يتنكر فِي صفه التجار،
فلما نزل تلك الليله ومشي فِي المدينه جاءت طريقهم علي تلك الدار فسمعوا الات الملاهي فقال الخليفه جعفر هؤلاءَ قوم قَد دخل السكر فيهم ونخشي ان يصيبنا مِنهم شر،
فقال لا بد مِن دخولنا واريد ان نتحيل حتّى ندخل عَليهم فقال جعفر: سمعا وطاعة.

ثم تقدم جعفر وطرق الباب فخرجت البوابه وفتحت الباب،
فقال لها: يا سيدتي نحن تجار مِن طبريه ولنا فِي بغداد عشره ايام ومعنا تجاره ونحن نازلون فِي خان التجار وعزم علينا تاجر فِي هَذة الليله فدخلنا عندة وقدم لنا طعاما فاكلنا ثُم تنادمنا عندة ساعة،
ثم اذن لنا بالانصراف فخرجنا بالليل ونحن غرباءَ فتهنا عَن الخان الَّذِي نحن فية فنرجو مِن مكارمكم ان تدخلونا هَذة الليله نبيت عندكم ولكُم الثواب فنظرت البوابه اليهم فوجدتهم بهيئه التجار وعليهم الوقار فدخلت لصاحبتيها وشاورتهما فقالتا لَها ادخليهم.

فرجعت وفتحت لَهُم الباب فقالوا ندخل باذنك،
قالت ادخلوا فدخل الخليفه وجعفر ومسرور فلما اتتهم البنات قمن لَهُم وخدمنهم وقلن مرحبا واهلا وسهلا بضيوفنا،
ولنا عليكم شرط ان لا تتكلموا فيما لا يعنيكم فتسمعوا ما لا يرضيكم قالوا نعم.
وبعد ذَلِك جلسوا للشراب والمنادمه فنظر الخليفه الي الصعاليك الثلاثه فوجدهم عور العين الشمال فتعجب مِنهم ونظر الي البنات وما هُم فية مِن الحسن والجمال فَتحير وتعجب،
واستمر فِي المنادمه والحديث واتين الخليفه بشراب فقال أنا حاج وانعزل عنهم.

فقامت البوابه وقدمت لَة سفره مزركشه ووضعت عَليها بمطيه مِن الصيني وسكبت فيها ماءَ الخلاف وارخت فية قطعه مِن الثلج ومزجتة بسكر فشكرها الخليفه وقال فِي نفْسة لا بد ان اجازيها فِي غد علي فعلها مِن صنيع الخير،
ثم اشتغلوا بمنادمتهم،
فلما تحكم الشراب قامت صاحبه البيت وخدمتهم،
ثم اخذت بيد الدلاله وقالت: يا اختي قومي بمقتضي ديننا فقالت لَها نعم،
فعِند ذَلِك قامت البوابه واطلعت الصعاليك خَلف الابواب قدامهن وذلِك بَعد ان اخلت وسَط القاعه ونادين الحمال وقلن له: ما أقل مودتك ما أنت غريب بل أنت مِن اهل الدار.

فقام الحمال وشد اوسطة وقال: ما تردن فلن تقف مكانك،
ثم قامت الدلاله وقالت للحمال ساعدني،
فراي كلبتين مِن الكلاب السود فِي رقبتيهما جنازير فاخذهما الحمال ودخل بهما الي وسَط القاعه فقامت صاحبه المنزل وشمرت عَن معصميها واخذت سوطا وقالت للحمال قوم كلبه مِنهما فجرها فِي الجنزير وقدمها والكلبه تبكي وتحرك راسها الي الصبيه فنزلت عَليها الصبيه بالضرب علي راسها والكلبه تصرخ وما زالت تضربها حتّى كلت سواعدها فرمت السوط مِن يدها ثُم ضمت الكلبه الي صدرها ومسحت دموعها وقبلت راسها ثُم قالت للحمال ردها وهات التالية،
فجاءَ بها وفعلت بها مِثل ما فعلت بالاولى.

فعِند ذَلِك اشتعل قلب الخليفه وضاق صدرة وغمز جعفر ان يسالها،
فقال لَة بالاشاره اسكت،
ثم التفتت صاحبه البيت للبوابه وقالت لها: قومي لقضاءَ ما عليك قالت نعم.
ثم ان صاحبه البيت صعدت علي سرير مِن المرمر مصفح بالذهب والفضه وقالت البوابه والدلاله ائتيا بما عندكما،
فاما البوابه فأنها صعدت علي سرير بجانبها واما الدلاله فأنها دخلت مخدعا واخرجت مِنة كيسا مِن الاطلس باهداب خضر ووقفت قدام الصبيه صاحبه المنزل ونفضت الكيس واخرجت مِنة عودا واصلحت اوتارة وانشدت هَذة الابيات:

ردوا علي جفني النوم الَّذِي سلبا وخبروني بعقلي ايه ذَهبا
علمت لما رضيت الحب منزله ان المنام علي جفني قَد غصبا

قالوا عهدناك مِن اهل الرشاد فما اغواك قلت اطلبوا مِن لحظه السببا

اني لَة عَن دمي المسفوك معتذر اقول حملتة فِي سفكة تعبا

القي بمرآه فكري شمس صورتة فعكسها شب فِي احشائي اللهبا

من صاغة اللة مِن ماءَ الحيآه وقد اجري بقيتة فِي ثغرة شنبا

ماذَا تري فِي محب ما ذَكرت لَة الا شكي أو بكي أو حن أو اطربا

يري خيالك فِي الماءَ الذلال إذا رام الشراب فيروي وهو ما شربا
وانشدت ايضا:

سكرت مِن لحظة لا مِن مدامتة ومال بالنوم عَن عيني تمايله
فما السلاف سلتني بل سوالفة وما الشمل شلتني بل شمائله

لوي بعزمي اصداع لوين لَة و غال عقلي بما نحوي غلائله
فلما سمعت الصبيه ذَلك،
قالت طيبك الله،
ثم شقت ثيابها ووقعت علي الارض مغشيا عَليها،
فلما نكشف جسدها راي الخليفه اثر ضرب المقارع والسياط فتعجب مِن ذَلِك غايه العجب فقامت البوابه ورشت الماءَ علي وجهها واتت اليها بحله والبستها اياها،
فقال الخليفه لجعفر اما تنظر الي هَذة المرآه وما عَليها مِن اثر الضرب،
فانا لا اقدر ان اسكت علي هَذا وما استريح الا ان وقفت علي حقيقه خبر هَذة الصبيه وحقيقه خبر هاتين الكلبتين،
فقال جعفر: يا مولانا قَد شرطوا علينا شرطا وهو ان لا نتكلم فيما لا يعنينا فنسمع ما لا يرضينا،
ثم قامت الدلاله فاخذت العود واسندتة الي نهدها،
وغمزتة باناملها وانشدت تقول:

ان شكونا الهوي فماذَا تقول أو تلفنا شوقا فماذَا السبيل
او بعثنا رسلا نترجم عنا ما يؤدي شكوي المحب رسول

او صبرنا فما لنا مِن بقاءَ بَعد فقد الاحباب الا قلِيل

ليس الا تاسفا ثُم حزنا ودموعا علي الخدود تسيل

ايها الغائبون عَن لمح عيني وعم فِي الفؤاد مني حلول

هل حفظتم لدي الهوي عهد صب ليس عنة مدي الزمان يحول

ام نسيتِم علي التباعد صبا شفة فبكم الضني والنحول

واذا الحشر ضمنا اتمني مِن لدن وبنا حسابا يطول
فلما سمعت المرآه الثانيه شعر الدلاله شقت ثيابها كَما فعلت الاولي وصرخت ثُم القت نفْسها علي الارض مغشيا عَليها،
فقامت الدلاله والبستها حله ثانيه بَعد ان رشت الماءَ علي وجهها ثُم قامت المرآه الثالثه وجلست علي سرير وقالت للدلاله غني لِي لا فِي ديني فما بقي غَير هَذا الصوت فاصلحت الدلاله العود وانشدت هَذة الابيات:

فالي متَى هَذا الصدود وذا الجفا فلقد جوي مِن ادمعي ما قَد كفى
كم قَد اطلت الهجر لِي معتمدا ان كَان قصدك حاسدي فقد اشتفى

لو انصف الدهر الخؤون لعاشق ما كَان يوم العواذل منصفا

فلمن ابوح بصبوتي يا قاتلي يا خيبه الشاكي إذا فقد الوفا

ويزيد وجدي فِي هواك تلهفا فمتي وعدت ولا رايتك مخلفا

يا مسلمون خذوا بنار متيم الف الشهاده لدية طرف ما غفا

ايحل فِي شرع الغرام تذللي ويَكون غَيري بالوصال مشرفا

ولقد كلفت بحبكم متلذذا وغدا عذولي فِي الهوي متكلفا
فلما سمعت المرآه الثالثه قصيدتها صرخت وشقت ثيابها والقت نفْسها علي الارض مغشيا عَليها فلما انكشف جسدها ظهر فية ضرب المقارع،
مثل مِن قَبلها فقال الصعاليك ليتنا ما دخلنا هَذة الدار وكنا بتنا علي الكيمان،
فقد تكدر مبيتنا هُنا بشيء يقطع الصلب فالتفت الخليفه اليهم وقال لَهُم لَم ذَلِك قالوا قَد اشتغل سرنا بهَذا الامر فقال الخليفه اما انتم مِن هَذا البيت،
قالوا لا ولا ظننا هَذا الموضع الا للرجل الَّذِي عندكم.
فقال الحمال واللة ما رايت هَذا الموضع الا هَذة الليله وليتني بت علي الكيمان ولم ابت فيه.

فقال الجميع نحن سبعه رجال وهن ثلاث نسوه وليس لهن رابعه فنسالهن عَن حالهن فإن لَم يجبننا طوعا اجبننا كرها واتفق الجميع علي ذَلك،
فقال جعفر ما هَذا راي سديد دعوهن فنحن ضيوف عندهن وقد شرطن علينا،
شرطا فنوفي بِة ولم يبق مِن الليل الا القليل وكل منا يمضي الي حال سبيله،
ثم أنة غمز الخليفه وقال ما بقي غَير ساعة،
وفي غد تحضرهن بَين يديك،
فتسالهن عَن قصتهن فابي الخليفه وقال لَم يبق لِي صبر عَن خبرهن وقد كثر بينهن القيل والقال،
ثم قالوا ومن يسالهن فقال بَعضهم الحمال ثُم قال لَهُم النساءَ يا جماعه فِي أي شيء تتكلمون.

فقال الحمال لصاحبه البيت وقال لَها يا سيدتي سالتك باللة واقسم عليك بِة ان تخبرينا عَن حال الكلبتين،
واي سَبب تعاقبيهما ثُم تعودين تبكين،
وتقبليهما وان تخبرينا عَن سَبب ضرب اختك بالمقارع وهَذا سؤالنا والسلام فقالت صاحبه المكان للجماعه ما يقولة عنكم فقال الجميع نعم،
الا جعفر فانة سكت.

فلما سمعت الصبيه كلامهم قالت واللة لقد اذيتمونا يا ضيوفنا،
الاذيه البالغة،
وتقدم لنا اننا شرطنا عليكم ان مِن تكلم فيما لا يعنيه،
سمع ما لا يرضية اما كفا اننا ادخلناكم منزلنا واطعمناكم زادنا ولكن لا ذَنب لكُم وإنما الذنب لمن اوصلكُم الينا ثُم شمرت عَن معصمها وضربت الارض ثلاث ضربات وقالت عجلوا.

واذا بباب خزانه قَد فَتح وخرج مِنها سبعه عبيد بايديهم سيوف مسلوله وقالت كتفوا هؤلاءَ الَّذِين كثر كلامهم واربطوا بَعضهم ببعض ففعلوا وقالوا ايتها المخدره ائذني لنا فِي ضرب رقابهم،
فقالت امهلوهم ساعه حتّى اسالهم عَن حالهم قَبل ضرب رقابهم،
فقال الحمال باللة يا سيدتي لا تقتليني بذنب الغير فإن الجميع اخطاوا،
ودخلوا فِي الذنب،
الا أنا واللة لقد كَانت ليلتنا طيبه لَو سلمنا مِن هؤلاءَ الصعاليك الَّذِين لَو دخلوا مدينه عامَره لاخربوها،
ثم انشد يقول:

ما احسن الغفران مِن قادر لا سيما عَن غَير ذَي ناصر بحرمه الود الَّذِي بيننا لا تقتلي الاول بالاخر
فلما فرغ الحمال مِن كلامة ضحكت الصبية،
وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

والليله الحاديه عشره قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الصبيه لما ضحكت بَعد غيظها،
اقبلت علي الجماعه وقالت اخبروني بخبركم فما بقي مِن عمركم الا ساعه ولولا انتم اعزاءَ فقال الخليفه ويلك يا جعفر عرفها بنا والا تقتلنا فقال جعفر مِن بَعض ما نستحق،
فقال لَة الخليفه لا ينبغي الهزل فِي وقْت الجد كُل مِنهم لَة وقْت ثُم ان الصبيه اقبلت علي الصعاليك،
وقالت لَهُم هَل انتم اخوه فقالوا لا واللة ما نحن الا فقراءَ الحجام.

فقالت لواحد مِنهم هَل أنت ولدت اعور فقال لا واللة وإنما جري لِي امر غريب حيت تلفت عيني ولهَذا الامر حكايه لَو كتبت بالابر علي اماق البصر لكَانت عبره لمن اعتبر،
فسالت الثاني والثالث فقالا لَها مِثل الاول ثُم قالوا ان كُل منا مِن بلد وان حديثنا عجيب وامرنا غريب،
فالتفتت الصبيه لهم،
وقالت كُل واحد منكم يحكي حكايتة وما سَبب مجيئة الي مكاننا ثُم يملس علي راسة ويروح الي حال سبيلة فاول مِن تقدم الحمال،
فقال يا سيدتي أنا رجل حمال حملتني هَذة الدلاله واتت بي الي هُنا وجري لِي معكم ما جري وهَذا حديثي والسلام،
فقالت لَة ملس علي راسك وروح فقال واللة ما اروح حتّى اسمع حديث رفقائي.

فتقدم الصعلوك الاول وقال لَها يا سيدتي،
ان سَبب حلق ذَقني وتلف عيني ان والدي كَان ملكا ولة اخ وكان اخوة ملكا علي مدينه اخري واتفق ان امي ولدتني فِي اليَوم الَّذِي ولد فية ابن عمي،
ثم مضت سنون واعوام،
وايام حتّى كبرنا وكنت ازور عمي فِي بَعض السنين واقعد عندة اشهر عديده فزرتة مَره فاكرمني غايه الاكرام وذبح لِي الاغنام وروق لِي المدام وجلسنا للشراب فلما تحكم الشراب فينا قال ابن عمي: يا ابن عمي ان لِي عندك حاجه مُهمه فاستوثق مني بالايمان العظام ونهض مِن وقْتة وساعتة وغاب قلِيلا،
ثم عاد وخلفة امرآه مزينه مطيبه وعَليها مِن الحلل ما يساوي مبلغا عظيما.

فالتفت الي والمرآه خَلفه،
وقال خذَ هَذة المرآه واسبقني علي الجبانه الفلانيه ووصفها لِي فعرفتها وقال ادخل بها التربه وانتظرني هُناك فلم يُمكني المخالفه ولم اقدر علي رد سؤالة لاجل الَّذِي خَلفتة فاخذت المرآه وسرت الي ان دخلت التربه أنا واياها فلما استقر بنا الجلوس جاءَ ابن عمي ومعة طاسه فيها ماءَ وكيس فية جبس وقدوم ثُم أنة اخذَ القدوم وجاءَ الي قبر فِي وسَط التربه ففكة ونقض احجارة الي ناحيه التربة،
ثم حفر بالقدوم فِي الارض،
حتي كشف عَن طابق قدر الباب الصغير فبان مِن تَحْت الطابق سلم معقود.

لم التفت الي المرآه بالاشاره وقال لَها دونك وما تختارين بِة فنزلت المرآه علي ذَلِك السلم،
ثم التفت الي وقال يا ابن عمي تمم المعروف إذا نزلت أنا فِي ذَلِك الموضع فرد الطابق ورد عَلية التراب كَما كَان وهَذا تمام المعروف وهَذا الجبس الَّذِي فِي الكيس وهَذا الماءَ الَّذِي فِي الطاسه اعجن مِنة الجبس وجبس القبر فِي دائر الاحجار كَما كَان أول حتّى لا يعرفة أحد ولا يقول هَذا فَتح جديد وتطيينة عتق لان لِي سنه كاملة،
وانا اعمل فيه،
وما يعلم بِة الا اللة وهَذة حاجتي عندك،
ثم قال لِي لا اوحش اللة منك،
يا ابن عمي،
ثم نزل علي السلم.

فلما غاب عني قمت ورددت الطابق وفعلت ما امرني بِة حتّى صار القبر كَما كَان ثُم رجعت الي قصر عمي،
وكان عمي فِي الصيد والقنص فنمت تلك الليله فلما اصبح الصباح تذكرت الليله الماضيه وما جري فيها بيني وبين ابن عمي وندمت علي ما فعلت معة حيثُ لا ينفع الندم،
وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

و فِي الليله الثانيه عشره قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الصعلوك قال للصبيه ثُم خرجت الي المقابر وفتشت علي التربه فلم اعرفها ولم ازل افتش حتّى اقبل الليل ولم اهتد اليها فرجعت الي القصر لَم اكل ولم اشرب وقد اشتغل خاطري بابن عمي مِن حيثُ لا اعلم لَة حالا فاغتممت غما شديدا وبت ليلتي مغموما،
الي الصباح فجئت ثانيا الي الجبانه وانا اتفكر فيما فعلة ابن عمي،
وندمت علي سماعي مِنة وقد فتشت فِي الترب جميعا فلم اعرف تلك التربة،
ولا رمت التفتيش سبعه ايام فلم اعرف لَة طريقا.

فزاد بي الوسواس حتّى كدت ان اجن فلم اجد فرجا دون ان سافرت،
ورجعت غليه،
فساعه وصولي الي مدينه ابي نهض الي جماعه مِن باب المدينه وكتفوني فتعجبت كُل العجب اني ابن سلطان المدينه وهم خدم ابي وغلماني،
ولحقني مِنهم خوف زائد،
فقلت فِي نفْسي يا تري اجري علي والدي وصرت اسال الَّذِين كنفوني عَن سَبب ذَلِك فلم يردوا علي جوابا.

ثم بَعد حين قال لِي بَعضهم وكان خادما عندي،
ان اباك قَد غدر بِة الزمان وخانتة العساكر وقْتلة الوزير ونحن نترقب وقوعك،
فاخذوني وانا غائب عَن الدنيا بسَبب هَذة الاخبار الَّتِي سمعتها عَن ابي فلما تمثلت بَين يدي الوزير الَّذِي قتل ابي وكان بيني وبينة عداوه قديمه وسَبب تلك العداوه اني كنت مولعا بضر البندقيه فاتفق اني كنت واقفا يوما مِن الايام علي سطح قصر واذا بطائر نزل علي سطح قصر الوزير وكان واقفا هناك،
فاردت ان اضرب الطير وغذا بالبندقيه اخطات عين الوزير،
فاتلفتها بالقضاءَ والقدر كَما قال الشاعر:

دع الاقدار تفعل ما تشاءَ وطب نفْسا بما فعل القضاءَ ولا تفرح ولا تحزن بشيء فإن الشيء ليس لَة بقاء
وكَما قال الاخر:

مشينا خطا كتبت علينا ومن كتب عَلية خطا مشاها ومن كَانت منيتة بارض فليس يموت فِي ارض سواها
ثم قال ذَلِك الصعلوك: فلما اتلفت عين الوزير لَم يقدر ان يتكلم لان والدي كَان ملك المدينه فهَذا سَبب العداوه الَّتِي بيني وبينة فلما وقفت قدامه،
وانا مكتف امر فضرب عنقي فقلت اتقتلني بغير ذَنب فقال أي ذَنب اعظم مِن هذا،
واشار الي عينة المتلفه فقلت له: فعلت ذَلِك خطا،
فقال ان كنت فعلتة خطا فانا افعلة بك عمدا ثُم قال قدموة بَين يدي فقدموني بَين يديه،
فمد اصبعة فِي عيني الشمال فاتلفها فصرت مِن ذَلِك الوقت اعور كَما تروني،
ثم كتفني ووضعني فِي صندوق وقال للسياف: تسلم هَذا واشهر حسامك،
وخذة واذهب بِة الي خارِج المدينه واقتلة ودعة للوحوش،
تاكلة فذهب بي السياف وصار حتّى خرج مِن المدينة،
واخرجني مِن الصندوق وانا مكتوف اليدين مقيد الرجلين واراد ان يغمي عيني ويقتلني فبكيت وانشدت هَذة الابيات:

جعلتكمو درعا حصينا لتمنعوا سهام العدا عني فكنتم نصالها
وكنت ارجي عِند كُل ملمه تخص يميني ان تَكون شمالها

دعوا قصه العذال عني بمعزل وخلوا العدا ترمي الي نبالها

اذا لَم تقوا نفْسي مكايده العدا فكونوا سكوتا لا عَليها ولا لها
وانشدت أيضا هَذة الابيات:

واخوان اتخذتهم دروعا فكانوها ولكن للاعادي
رحلتهم سهاما صائبات فكانوا ولكن فِي فؤادي

و قالوا قَد صفت منا قلوب لقد صدقوا و لكِن عَن ردادي

وقالوا قَد سعينا كُل سعي لقد صدقوا ولكن فِي فسادي
فلما سمع السياف شعري وكان سياف ابي ولي عَلية احسان،
قال يا سيدي كَيف افعل وانا عبد مامور ثُم قال لِي فر بعمرك ولا تعد الي هَذة المدينه فتهلك وتهلكني معك كَما قال الشاعر:

ونفسك فر بها ان خفت ضيما وخل الدار تنعي مِن بناها
فانك واحد ارضا بارض ونفسك لَم تجد نفْسا سواها

عجبت لمن يعيش بدار ذَل وارض اللة واسعه فلاها

و مِن كَانت منيتة بارض فليس يموت فِي ارض سواها

وما غلظت رقاب الاسد حتّى بانفسها تولت ما عناها
فلما قال ذَلِك قَبلت يدية وما صدقت حتّى فررت وهان علي تلف عيني بنجاتي مِن القتل،
وسافرت حتّى وصلت الي مدينه عمي فدخلت عَلية واعلمتة بما جري لوالدي،
وبما جري لِي مِن تلف عيني فبكي بكاءَ شديدا وقال لقد زدتني هما علي همي وغما علي غمي،
فان ابن عمكقد فقد منذُ ايام ولم اعلم بما جري لَة ولم يخبرني أحد بخبرة وبكي حتّى اغمي عَلية فلما استفاق قال يا ولدي قَد حزنت علي ابن عمك حزنا شديدا وانت زدتني بما حصل لك ولابيك،
غما علي غمي،
ولكن يا ولدي بعينك ولا بروحك ثُم أنة لَم يُمكني السكوت عَن ابن عمي الَّذِي هُو ولدة فاعلمتة بالذي جري لَة كلة ففرح عمي بما قلتة لَة فرحا شديدا عِند سماع خبر ابنه،
وقال ارني التربه فقلت واللة يا عمي لَم اعرف مكأنها لاني رجعت بَعد ذَلِك مرات لافتش عَليها فلم اعرف مكانها،
ثم ذَهبت أنا وعمي الي الجبانة،
ونظرت يمينا وشمالا فعرفتها ففرحت أنا وعمي فرحا شديدا ودخلت أنا واياة التربه وازحنا التراب ورفعنا الطابق ونزلت أنا وعمي مقدار خمسين درجة،
فلما وصلنا الي آخر السلم واذا بدخان طلع علينا فغشي ابصارنا،
فقال عمي الكلمه الَّتِي لا يخاف قائلها وهي لا حَول ولا قوه الا باللة العلي العظيم ثُم مشينا واذا نحن بقاعه ممتلئه دقيقا وحبوبا وماكولات وغير ذَلِك وراينا فِي وسَط القاعه ستاره مسبوله علي سرير فنظر عمي الي السرير فوجد ابنة هُو والمرآه الَّتِي قَد نزلت معة صار فحما اسود وهما متعانقان كَانهما القيا فِي جب نار،
فلما نظر عمي بصق فِي وجهة وقال تستحق يا خبيث فهَذا عذاب الدنيا وبقي عذاب الاخره وهو اشد وابقي وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

و فِي الليله الثالثه عشره قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الصعلوك قال للصبيه والجماعه والخليفه وجعفر يستمعون الكلام،
ثم ان عمي ضرب ولدة بالنعال وهو راقد كالفحم الاسود فتعجبت مِن ضربة وحزنت علي ابن عمي حيثُ صار هُو والصبيه فحما اسود ثُم قلت باللة يا عمي خفف الهم عَن قلبك،
فقد اشتغل سري وخاطري بما قَد جري لولدك وكيف صار هُو والصبيه فحما اسود ما يكفيك ما هُو فية حتّى تضربة بالنعال.

فقال يا ابن اخي ان ولدي هَذا كَان مِن صغرة مولعا بحب اختة وكنت أنهاة عنها واقول فِي نفْسي أنهما صغيران فلما كبر اوقع بينهما القبيح وسمعت بذلِك ولم اصدق ولكن زجرتة زجرا بليغا وقلت لَة احذر مِن هَذة الفعال القبيحه الَّتِي لَم يفعلها أحد قَبلك ولا يفعلها أحد بَعدك والا نبقي بَين الملوك بالعار والنقصان الي الممات وتشيع اخبارنا مَع الركبان واياك ان تصدر منك هَذة الفعال فاني اسخط عليك واقتلك ثُم حجبتة عنها وحجبتها عنة وكَانت الخبيثه تحبة محبه عظيمه وقد تمكن الشيطان مِنها.

فلما راني حجبتة فعل هَذا المكان الَّذِي تَحْت الارض الخفية.
ونقل فية الماكول كَما تراة واستغفلني لما خرجت الي الصيد واتي الي هَذا المكان فغار عَلية وعَليها الحق سبحانة وتعالي واحرقهما ولعذاب الاخره اشد وابقى،
ثم بكي وبكيت معة وقال لِي أنت ولدي عوضا عنة ثُم اني تفكرت ساعه فِي الدنيا وحوادثها مِن قتل الوزير لوالدي واخذَ مكانة وتلف عيني،
وما جري لابن عمي مِن الحوادث الغريبة.

فبكيت ثُم اننا صعدنا ورددنا الطابق والتراب،
وعملنا القبر كَما كَان،
ثم رجعنا الي منزلنا فلم يستقر بيننا جلوس حتّى سمعنا دق طبول وبوقات ورمحت الابطال وامتلات الدنيا بالعجاج والغبار مِن حوافر الخيل فحارت عقولنا ولم نعرف الخبر فسال الملك عَن الخبر فقيل ان وزير اخيك قتلة وجمع العسكر والجنود وجاءَ بعسكرة ليهجموا علي المدينه واهل المدينه لَم يكن لَهُم طاقه بهم فسلموا الية فقلت فِي نفْسي متَى وقعت أنا فِي يدة قتلني.

وتراكمت الاحزان وتذكرت الحوادث الَّتِي حدثت لابي وامي ولم اعرف كَيف العمل فإن ظهرت عرفني اهل المدينة،
وعسكر ابي فيسعون فِي قتلي وهلاكي فلم اجد شيئا انجو بِة الا حلق ذَقني فحلقتها وغيرت ثيابي وخرجت مِن المدينه وقصدت هَذة المدينه والسلام لعل احدا يوصلني الي امير المؤمنين حتّى احكي لَة قصتي،
وما جري لِي فوصلت الي هَذة المدينه فِي هَذة الليلة،
فوقفت حائرا ولم ادر أين امضي واذا بهَذا الصعلوك واقف.

فسلمت عَلية وقلت لَة أنا غريب ايضا،
فبينما نحن كذلِك واذا برفيقنا هَذا الثالث جاءنا وسلم علينا،
وقال أنا غريب،
فقلنا لَة ونحن غريبان فمشينا وقد هجم علينا الظلام فساقنا القدر اليكم،
وهَذا سَبب حلق ذَقني وتلف عيني فقالت الصبيه ملس علي راسك وروح،
فقال لَها لا اروح حتّى اسمع خبر غَيري فتعجبوا مِن حديثه.

فقال الخليفه لجعفر واللة أنا ما رايت مِثل الَّذِي جري لهَذا الصعلوك،
ثم تقدم الصعلوك الثاني وقبل الارض وقال يا سيدتي أنا ما ولدت اعور،
وإنما لِي حكايه عجيبه لَو كتبت بالابر علي اماق البصر لكَانت عبره لمن اعتبر فانا ملك ابن ملك وقرات القران علي سبع روايات وقرات الكتب علي اربابها مِن مشايخ العلم وقرات علم النجوم وكلام الشعراءَ واجتهدت فِي سائر العلوم حتّى فقت اهل زماني فعظم حظي عِند سائر الكتبه وشاع ذَكري فِي سائر الاقاليم والبلدان وشاع خبري عِند سائر الملوك.

فسمع بي ملك الهند فارسل يطلبني مِن ابي وارسل الية هدايا وتحفا تصلح للملوك فجهزني ابي فِي ست مراكب وسرنا فِي البحر مده شهر كامل حتّى وصلنا الي البر واخرجنا حبلا كَانت معنا فِي المركب وحملنا عشره جمال هدايا ومشينا قلِيلا واذا بغبار قَد علا وثار حتّى سد الاقطار واستمر ساعه مِن النهار ثُم انكشف قبان مِن تَحْتة ستون فارسا وهم ليوث وعوانس فتاملناهم واذا هُم عرب قطاع طريق فلما راونا ونحن نفر قلِيل ومعنا عشره اجمال هدايا لملك الهند رمحوا علينا وشرعوا الرماح بَين ايديهم نحونا.

فاشرنا اليهم بالاصابع وقلنا لهم: نحن رسل الي ملك الهند المعظم فلا تؤذونا فقالوا نحن لسنا فِي ارضة ولا تَحْت حكمة ثُم أنهم قتلوا بَعض الغلمان وهرب الباقون وهربت أنا بَعد ان جرحت جرحا بليغا واشتغلت عنا العرب بالمال والهدايا الَّتِي كَانت معنا فصرت لا ادري أين اذهب،
وكنت عزيزا فصرت ذَليلا وسرت الي ان اتيت راس الجبل فدخلت مغاره حتّى طلع النهار ثُم سرت مِنها حتّى وصلت الي مدينه عامَره بالخير وقد ولي عنها الشتاءَ ببردة واقبل عَليها الربيع بورده.

ففرحت بوصولي اليها وقد تعبت مِن المشي وعلاني الهم والاصفرار فتغيرت حالَّتِي ولا ادري أين اسلك فملت الي خياط فِي دكان وسلمت عَلية فرد علي السلام ورحب بي وباسطني عَن سَبب غربتي فاخبرتة بما جري لِي مِن اولة الي اخره،
فاغتم لاجلي وقال يا فتى لا تظهر ما عندك فاني اخاف عليك مِن ملك المدينه لانة اكبر اعداءَ ابيك ولة عندة ثار.

ثم احضر لِي ماكولا ومشروبا فاكلت واكل معي وتحادثت معة فِي الليل واخلي لِي محلا فِي جانب حانوتة واتاني بما احتاج الية مِن فراش وغطاء،
فاقمت عندة ثلاثه ايام،
ثم قال لِي اما تعرف صنعه تكسب بها فقلت له: اني فقية طالب علم كاتب حاسب،
فقال: ان صنعتك فِي بلادنا كاسده وليس فِي مدينتنا مِن يعرف علما ولا كتابه غَير المال.

فقلت واللة لا ادري شيئا غَير الَّذِي ذَكرتة لك،
فقال شد وسَطك وخذَ فاسا وحبلا واحتطب فِي البريه حطبا تتقوت بِة الي ان يفرج اللة عنك ولا تعرف احدا بنفسك فيقتلوك،
ثم اشتري لِي فاسا وحبلا وارسلني مَع بَعض الحطابين واوصاهم علي،
فخرجت معهم واحتطبت فاتيت بحمل علي راسي فبعتة بنصف دينار فاكلت ببعضة وابقيت بَعضه،
ودمت علي هَذا الحال مده سنة.

ثم بَعد السنه ذَهبت يوما علي عادتي الي البريه لاحتطب مِنها ودخلتها،
فوجدت فيها خميله اشجار فيها حطب كثِير فدخلت الخميلة،
واتيت شجره وحفرت حولها وازلت التراب عَن جدارها فاصطكت الفاس فِي حلقه نحاس فنظفت التراب واذا هِي فِي طابق مِن خشب فكشفتة فبان تَحْت سلم فنزلت الي اسفل السلم فرايت بابا فدخلتة فرايت قصرا محكم البنيان فوجدت فية صبيه كالدره السنيه تنفي الي القلب كُل هُم وغم وبلية.

فلما نظرت اليها سجدت لخالقها لما ابدع فيها مِن الحسن والجمال فنظرت غلي وقالت لِي أنت انسي ام جني،
فقلت لها: انسي،
فقالت: ومن اوصلك الي هَذا المكان الَّذِي لِي فية خمسه وعشرون سنة،
ما رايت فية انسيا ابدا فلما سمعت كلامها وجدت لَة عذوبه وقلت لَها يا سيدتي اوصلني اللة الي منزلك ولعلة يزيل همي وغمي وحكيت لَها ما جري لِي مِن الاول الي الاخر.

فصعب عَليها حالي وبكت وقالت أنا الاخري اعلمك بقصتي فاعلم اني بنت ملك اقصي الهند صاحب جزيره الابنوس وكان قَد زوجني بابن عمي فاختطفني ليله زفافي عفريت اسمة جرجريس بن رجوس بن ابليس فطار بي الي هَذا المكان ونقل فية كُل ما احتاج الية مِن الحلي والحلل والقماش والمتاع والطعام والشراب.
في كُل عشره ايام يجيئني مَره فيبيت هُنا ليله وعاهدني إذا عرضت لِي حاجه ليلا أو نهارا ان المس بيدي هذين السطرين المكتوبين علي القبه فما ارفع يدي حتّى اراة عندي ومنذُ كَان عندي لَة اليَوم اربعه ايام وبقي لَة سته ايام حتّى ياتي فهل لك ان تقيم عندي خمسه ايام،
ثم تنصرف قَبل مجيئة بيوم فقلت نعم.

ففرحت ثُم نهضت علي اقدامها واخذت بيدي وادخلتني مِن باب مقنطر وانتهت بي الي حمام لطيف ظريف فلما رايتة خلعت ثيابي وخلعت ثيابها،
ودخلت فجلست علي مرتبه واجلستني معها واتت بسكر ممسك وسقتني،
ثم قدمت لِي ماكولا وتحادثنا ثُم قالت لِي ثُم واسترح فانك تعبان،
فنمت يا سيدتي وقد نسيت ما جري لي،
وشكرتها فلما استيقظت وجدتها تكبس رجلي فدعوت لَها وجلسنا نتحادث ساعة،
ثم قالت واللة اني كنت ضيقه الصدر وانا تَحْت الارض وحدي ولم اجد مِن يحدثني خمسه وعشرين سنه فالحمد للة الَّذِي ارسلك الي ثُم انشدت:

لو علمنا مجيئكم لفرشنا مهجه القلب أو سواد العيون وفرشنا خدودنا والتقينا لكون المسير فَوق الجفون
فلما سمعت شعرها شكرتها وقد تمكنت محبتها فِي قلبي،
وذهب عني همي وغمي،
ثم جلسنا فِي منادمه الي الليل،
فبت معها ليله ما رايت مِثلها فِي عمري واصبحنا مسرورين فقلت لَها هَل اطلعك مِن تَحْت الارض واريحك مِن هَذا الجني فضحكت وقالت اقنع واسكت ففي كُل عشره ايام يوم للعفريت وتسعه لك فقلت وقد غلب علي الغرام فانا فِي هَذة اكسر هَذة القبه الَّتِي عَليها النقش المكتوب لعل العفريت يجيء حتّى اقتلة فاني موعود بقتل العفاريت فلما سمعت كلامي انشدت:

يا طالبا للفراق مهلا بحيله قَد كفي اشتياق اصبر فطبع الزمان غدر واخر الصحبه الفراق
فلما سمعت شعرها لَم التفت لكلامها بل رفست القبه رفسا قويا وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

ففي الليله الرابعه عشره قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الصعلوك الثاني قال للصبيه يا سيدتي لما رفست القبه رفسا قويا،
قالت لِي المرآه ان العفريت قَد وصل الينا اما حذرتك مِن هَذا وللة لقد اذيتني ولكن انج بنفسك واطلع مِن المكان الَّذِي جئت مِنة فمن شده خوفي نسيت نعلي وفاسي،
فلما طلعت درجتين التفت لانظرهما فرايت الارض قَد انشقت وطلع مِنها عفريت ومنظر شنيع،
وقال ما هَذة الزعجه الَّتِي ارعشتني بها فما مصيبتك.

فقالت ما اصابني شيء غَير ان صدري ضاق،
فاردت ان اشرب شرابا يشرح صدري فنهضت لاقضي اشغالي فَوقعت علي القبة،
فقال لَها العفريت يا فاجره ونظر فِي القصر يمينا وشمالا فراي النعل والفاس فقال لَها ما هَذة الا متاع الانس مِن جاءَ اليك فقالت: ما نظرتهما الا فِي هَذة الساعه ولعلهما تعلقا معك.

فقال العفريت هَذا كلام محال لا ينطلي علي يا عاهرة،
ثم أنة اعراها،
وصلبها بَين اربعه اوتاد وجعل يعاقبها ويقررها بما كَان فلم يهن علي ان اسمع بكاءها فطلعت مِن السلم مذعورا مِن الخوف فلما وصلت الي اعلي الموضع رددت الطابق كَما كَان وسترتة بالتراب وندمت علي ما فعلت غايه الندم وتذكرت الصبيه وحسنها وكيف يعاقبها هَذا الملعون وهي لَها معة خمسه وعشرون سنه وما عاقبها الا بسببي وتذكرت ابي ومملكتة وكيف صرت حطابا،
فقلت هَذا البيت:

اذا ما اتاك الدهر يوما بنكبه فيوم تري يسرا ويوم تري عسرا
ثم مشيت الي ان اتيت رفيقي الخياط فلقيتة مِن اجلي علي مقالي النار وهو لِي فِي الانتظار فقال لي: بت البارحه وقلبي عندك وخفت عليك مِن وحش أو غَيرة فالحمد للة علي سلامتك فشكرتة علي شفقتة علي ودخلت خلوتي،
وجعلت اتفكر فيما جري لِي والوم نفْسي علي رفسي هَذة القبه واذا بصديقي الخياط دخل علي وقال لِي فِي الدكان شخص اعجمي يطلبك ومعة فاسك ونعلك قَد جاءَ بهما الي الخياطين وقال لَهُم اني خرجت وقْت اذان المؤذن،
لاجل صلآه الفجر فعثرت بهما ولم اعلم لمن هما فدلوني علي صاحبها،
فدلة الخياطون عليك وها هُو قاعد فِي دكاني فاخرج الية واشكرة وخذَ فاسك ونعلك.

فلما سمعت هكذا الكلام اصفر لوني وتغير حالي فبينما أنا كذلِك واذا بارض محلي قَد انشقت وطلع مِنها الاعجمي واذا هُو العفريت وقد كَان عاقب الصبيه غايه العقاب فلم تقر لَة بشيء فاخذَ الفاس والنعل وقال لَها ان كنت جرجريس مِن ذَريه ابليس فانا اجيء بصاحب هَذا الفاس والنعل ثُم جاءَ بهَذة الحيله الي الخياطين ودخل علي ولم يمهلني بل اختطفني وطار وعلا بي ونزل بي وغاص فِي الارض وانا لا اعلم بنفسي،
ثم طلع بي القصر الَّذِي كنت فية فرايت الصبيه عريانه والدم يسيل مِن جوانبها فقطرت عيناي بالدموع.

فاخذها العفريت وقال لَها يا عاهره هَذا عشيقك فنظرت الي وقالت لَة لا اعرفة ولا رايتة الا فِي هَذة الساعة،
فقال لَها العفريت اهَذة العقوبه ولم تقري،
فقالت ما رايتة عمري وما يحل مِن اللة ان اكذب عَليه،
فقال لَها العفريت ان كنت لا تعرفينه،
فخذي هَذا السيف واضربي عنقة فاخذت السيف وجاءتني ووقفت علي راسي فاشرت لَها بحاجبي فنهضت وغمرتني وقالت أنت الَّذِي فعلت هَذا كلة فاشرت لَها ان هَذا وقْت العفو ولسان حالي يقول:

يترجم طرفي عَن لساني لتعلموا ويبدو لكُم ما كَان فِي صدري يكتم
ولما التقينا والدموع سواجم خرست وطرفي بالهوي يتكلم

تشير لنا عما تقول بطرفها وارمي اليها بالبنان فتفهم

حواجبنا تقضي الحوائج بيننا فنحن سكوت والهوي يتكلم
فلما فهمت الصبيه اشارتي رمت السيف مِن يدها،
فناولني العفريت السيف وقال لِي اضرب عنقها وانا اطلقك ولا انكد عليك،
فقلت نعم،
واخذت السيف وتقدمت نشاط ورفعت يدي،
فقالت لِي بحاجبها أنا ما قصرت فِي حقك فهملت عيناي بالدموع ورميت السيف مِن يدي،
وقلت ايها العفريت الشديد والبطل الصنديد،
اذا كَانت امرآه ناقصه عقل ودين لَم تستحل ضرب عنقي فكيف يحل لِي ان اضرب عنقها ولم ارها عمري،
فلا افعل ذَلِك ابدا ولو سقيت مِن الموت كاس الردى.

فقال العفريت انتما بينكَما موده اخذَ السيف وضرب يد الصبيه فقطعها،
ثم ضرب الثانيه فقطعها ثُم قطع رجلها اليمني ثُم قطع رجلها اليسري حتّى قطع ارباعها باربع ضربات وانا انظر بعيني فايقنت بالموت ثُم اشارت الي بعينيها فراها العفريت فقال لَها وقد زنيت بعينك ثُم ضربها فقطع راسها،
والتفت الي وقال يا انسي نحن فِي شرعنا إذا زنت الزوجه يحل لنا قتلها،
وهَذة الصبيه اختطفتها ليله عرسها،
وهي بنت اثنتي عشره سنه ولم تعرف احدا غَيري وكنت اجيئها فِي كُل عشره ايام ليله واحده فِي زي رجل اعجمي.
فلما تحققت أنها خانتني فقتلتها واما أنت فلم اتحقق انك خنتني فيها،
ولكن لا بد اني اما اخليك فِي عافيه فتمن علي أي ضرر فرحت يا سيدتي غايه الفرح وطمعت فِي العفريت وقلت له: وما اتمناة عليك،
قال تمن علي أي صوره اسحرك فيها اما صوره كلب واما صوره حمار واما صوره قرد فقلت لَة وقد طمعت أنة يعفو عني واللة ان عفوت عني يعفو اللة عنك،
بعفوك عَن رجل مسلم لَم يؤذيك وتضرعت الية غايه التضرع،
وبقيت بَين يديه،
وقلت لَة أنا رجل مظلوم.

فقال لِي لا تطل علي الكلام اما القتل فلا تخف مِنة واما العفو عنك فلا تطمع فية واما سحرك فلا بد مِنه،
ثم شق الارض وطار بي الي الجو حتّى نظرت الي الدنيا حتّى كَأنها قصعه ماء،
ثم حطني علي جبل واخذَ قلِيلا مِن التراب وهمهم عَلية وتكلم وقال اخرج مِن هَذة الصوره الي صوره قرد.

فمنذُ ذَلِك الوقت صرت قردا ابن مائه سنه فلما رايت نفْسي فِي هَذة الصوره القبيحه بكيت علي روحي وصبرت علي جور الزمان وعلمت ان الزمان ليس لاحد وانحدرت مِن اعلي الجبل الي اسفلة وسافرت مده شهر،
ثم ذَهبت الي شاطئ البحر المالح،
فوقفت ساعه واذا أنا بمركب فِي وسَط البحر قَد طاب ريحها وهي قاصده البر،
فاختفيت خَلف صخره علي جانب البحر وسرت الي ان اتيت وسَط المركب.

فقال واحد مِنهم اخرجوا هَذا المشؤوم مِن المركب،
وقال واحد مِنهم نقتله،
وقال آخر اقتلة بهَذا السيف فامسكت طرف السيف وبكيت،
وسالت دموعي فحن علي الريس وقال لَهُم يا تجار ان هَذا القرد استجار بي وقد اجرتة وهو فِي جواري فلا أحد يعرض لَة ولا يشوش عَليه،
ثم ان الريس صار يحسن الي ومهما تكلم بِة افهمة واقضي حوائجة واخدمة فِي المركب.

وقد طاب لَها الريح مده خمسين يوما فرسينا علي مدينه عظيمة،
وفيها عالم كثِير لايحصي عدَدهم الا اللة تعالي فساعه وصولنا اوقفنا مركبنا فجاءتنا مماليك مِن طرف ملك المدينه فنزلوا المركب وهنوا التجار بالسلامة،
وقالوا ان ملكنا يهنئكم بالسلامه وقد ارسل اليكم هَذا الدرج الورق وقال كُل واحد يكتب فية سطرا فقمت وانا فِي صوره القرد وخطفت الدرج مِن ايديهم،
فخافوا اني اقطعة وارمية فِي الماءَ فنهروني وارادوا قتلي فاشرت لَهُم اني اكتب فقال لَهُم الريس دعوة يكتب فإن لخبط الكتابه طردناة عنا وان احسنها اتخذتة ولدا فاني ما رايت قردا افهم مِنة ثُم اخذَ القلم واستمديت الحبر وكتبت سطرا بقلم الرقاع ورقمت هَذا الشعر:

لقد كتب الدهر فضل الكرام وفضلك للان لايحسب فلا ايتِم اللة منك الوري لانك للفضل نعم الاب
وكتبت بقلم الثلث هذين البيتين:

وما مِن كاتب الاسيفني ويبقي الدهر ما كتبت يداة فلا تكتب بخطك غَير شيء يسرك فِي القيامه ان تراه
وكتبت تَحْتة بقلم المشق هذين البيتين:

اذا فَتحت دوآه العز والنعم فاجعل مدادك مِن جود ومن كرم واكتب بخير إذا ما كنت مقتدرا بذاك شرفت فضلا نسبة القلم
ثم ناولتهم ذَلِك الدرج الورق فطلعوا بِة الي الملك،
فلما تامل الملك ما فِي ذَلِك الدرج لَم يعجبة خط أحد الا خطي،
فقال لاصحابة توجهوا الي صاحب هَذا الخط والبسوة هَذة الحله واركبوة بغله وهاتوة بالنوبه واحضروة بَين يدي فلما سمعوا كلام الملك تبسموا فغضب مِنهم ثُم قال كَيف امركم بامر فتضحكون علي،
فقالوا ايها الملك ما نضحك علي كلامك،
بل الَّذِي كتب هَذا الخط قرد وليس هُو ادميا وهو مَع ريس المركب.
فتعجب الملك مِن كلامهم واهتز مِن الطرب،
وقال اريد ان اشتري هَذا القرد،
ثم بعث رسلا الي المركب ومعهم البغله والحله وقال لابد ان تلبسوة هَذة الحله وتركبوة البغله وتاتوا به،
فساروا الي المركب واخذوني مِن الريس والبسوني الحله فاندهش الخلائق وصاروا يتفرجون علي،
فلما طلعوا بي للملك ورايتة قَبلت الارض ثلاث مرات فامرني بالجلوس،
فجلست علي ركبتي.
فتعجب الحاضرون مِن ادبي وكان الملك أكثرهم تعجبا ثُم ان الملك امر الخلق بالانصراف فانصرفوا،
ولم يبق الا الملك والطواشي ومملوك صغير وانا،
ثم امر الملك بطعام فقدموا سفره طعام فيها ما تشتهي الانفس وتلذَ الاعين فاشار الي الملك ان كُل فقمت وقبلت الارض بَين يدية سبع مرات وجلست اكل معة وقد ارتفعت السفره وذهبت فغسلت يدي واخذت الدوآه والقلم والقرطاس وكتبت هذين البيتين:

اتاجر الضان ترياق مِن العلل واصحن الحلو فيها منتهي املي يا لهف قلبي علي مد السماط إذا ماجت كنافتة بالسمن والعسل
ثم قمت وجلست بعيدا انتظر الملك الي ما كتبتة وقراة فتعجب وقال هَذا يَكون عِند قرد هَذة الفصاحه وهَذا الخط واللة ان هَذا مِن اعجب العجب ثُم قدم للملك شطرنج،
فقال لِي الملك اتلعب قلت براسي نعم،
فتقدمت وصففت الشطرنج ولعبت معة مرتين فغلبتة فحار عقل الملك وقال لَو كَان هَذا ادميا لفاق اهل زمانه،
ثم قال لخادمة اذهب الي سيدتك وقل لها: كلمي الملك حتّى تجيء فتتفرج علي هَذا القرد العجيب.
فذهب الطواشي وعاد معة سيدتة بنت الملك،
فلما نظرت الي غطت وجهها،
وقالت يا ابي كَيف طاب علي خاطرك ان ترسل الي فيراني الرجال الاجانب فقال يابنتي ما عندك سوي المملوك الصغير والطواشي الَّذِي رباك وهَذا القرد وانا ابوك فممن تغطين وجهك.
فقالت ان هَذا القرد ابن ملك واسم ابية ايمار،
صاحب جزائر الابنوس الداخله وهو مسحور وسحرة العفريت جرجريس الَّذِي هُو مِن ذَريه ابليس،
وقد قتل زوجتة بنت ملك اقناموس وهَذا الَّذِي تزعم أنة قردا إنما هُو رجل عالم عاقل.
فتعجب الملك مِن ابنتة ونظر الي وقال: احق ما تقول عنك فقلت براسي نعم وبكيت فقال الملك لبنتة مِن أين عرفت أنة مسحور فقالت: يا ابت كَان عندي وانا صغيره عجوز ماكره ساحره علمتني السحر،
وقد حفظتة واتقنتة وعرفت مائه وسبعين بابا مِن ابوابه،
اقل باب مِنها انقل بِة حجاره مدينتك خَلف جبل قاف واجعلها لجه بحر واجعل اهلها سمكا فِي وسَطه.
فقال ابوها: بحق اسم اللة عليك ان تخلصي لنا هَذا الشاب،
حتي اجعلة وزيري وهل فيك هَذة الفضيله ولم اعلم فخلصية حتّى اجعلة وزيري لانة شاب ظريف لبيب،
فقالت لَة حبا وكرامة،
ثم اخذت بيدها سكينا،
وعملت دائرة،
وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

وفي الليله الخامسه عشره قالت بلغني ايها الملك السعيد ان الصعلوك قال للصبيه يا سيدتي،
ثم ان بنت الملك اخذت بيدها سكينا مكتوبا عَليها اسماءَ عبرانية،
وخطت بها دائره فِي وسَط وكتبت فيها اسماءَ وطلاسم وعزمت بِكُلام وقرات كلاما،
لا يفهم،
فبعد ساعه اظلمت علينا جهات القصر،
حتي ظننا ان الدنيا قَد انطبقت علينا واذا بالعفريت قَد تدلي علينا فِي اقبح صفه بايد كالمداري ورجلين كالصواري وعينين كمشعلين يوقدان نارا،
ففزعنا مِنه.
فقالت بنت الملك لا اهلا بك ولا سهلا،
فقال العفريت وهو فِي صوره اسد يا خائنه كَيف خنت اليمين اما تحالفنا علي ان لا يعترض احدنا للاخر فقالت لَة يا لعين ومن أين لك يمين فقال العفريت خذي ما جاءك ثُم انقلب اسدا وفَتح فاة وهجم علي الصبية.
فاسرعت واخذت شعره مِن شعرها بيدها،
وهمهمت بشفتيها فصارت الشعره سيفا ماضيا وضربت ذَلِك الاسد فقطعتة نصفين،
فصارت راسة عقربا،
وانقلبت الصبيه حيه عظيمه وهمهمت علي هَذا اللعين وهو فِي صفه عقرب،
فتقاتلا قتالا شديدا،
ثم انقلب العقرب عقابا فانقلبت الحيه نسرا وصارت وراءَ العقاب واستمرا ساعه زمانيه ثُم انقلب العقاب قطا اسود،
فانقلبت الصبيه ذَئبا فتشاحنا فِي القصر ساعه زمانيه وتقاتلا قتالا شديدا فراي القط نفْسة مغلوبا فانقلب وصار رمانه حمراءَ كبيره ووقعت تلك الرمانه فِي بركه وانتثر الحب كُل حبه وحدها وامتلات ارض القصر حبا فانقلب ذَلِك الذئب ديكا لاجل ان يلتقط ذَلِك الحب حتّى لا يترك مِنة حبه فبالامر المقدر،
دارت حبه فِي جانب الفسقيه فصار الديك يصيح ويرفرف باجنحتة ويشير الينا بمنقارة ونحن لا نفهم ما يقول،
ثم صرخ علينا صرخه تخيل لنا مِنها ان القصر قَد انقلب علينا ودار فِي ارض القصر كلها حتّى راي الحبه الَّتِي تدارت فِي جانب الفسقيه فانقض عَليها ليلتقطها واذا بالحبه سقطت فِي الماءَ فانقلب الديك حمارا كبيرا ونزل خَلفها وغاب ساعه واذا بنا قَد سمعنا صراخا عاليا فارتجفنا.
وبعد ذَلِك طلع العفريت وهو شعله نار فالقي مِن فمة نارا ومن عينية ومنخرية نارا ودخانا وانقلبت الصبيه لجه نار فاردنا ان نغطس فِي ذَلِك الماءَ خوفا علي انفسنا مِن الحريق فما شعرنا الا العفريت قَد صرخ مِن تَحْت النيران وصار عندنا فِي الليوان ونفخ فِي وجوهنا بالنار فلحقتة الصبيه ونفخت فِي وجهة بالنار أيضا فاصابنا الشر مِنها ومنه،
فاما شررها فلم يؤذينا واما شررة فلحقني مِنة شراره فِي عيني فاتلفتها وانا فِي صوره القرد ولحق الملك شراره مِنة فِي وجهة فاحرقت نصفة التحتاني بذقنة وحنكة ووقفت اسنانة التحتانيه ووقعت شراره فِي صدر الطواشي فاحترق ومات مِن وقْتة وساعتة فايقنا بالهلاك وقطعنا رجائنا مِن الحياة.
فبينما نحن كذلِك واذا بقائل يقول: اللة اكبر اللة اكبر قَد فَتح ربي ونصر وخذل مِن كفر بدين محمد سيد البشر واذا بالقائل بنت الملك قَد احضرت العفريت فنظرنا الية فرايناة قَد صار كوم رماد،
ثم جاءت الصبيه وقالت الحقوني بطاسه ماءَ فجاؤوا بها فتكلمت عَليها بِكُلام لا نفهمة ثُم رشتني بالماءَ وقالت اخلص بحق الحق وبحق اسم اللة الاعظم الي صورتك الاولي فصرت بشرا كَما كنت اولا ولكن تلفت عيني.
فقالت الصبيه النار يا والدي ثُم أنها لَم تزل تستغيث مِن النار واذا بشرر اسود قَد طلع الي صدرها وطلع الي وجهها فلما وصل الي وجهها بكت وقالت اشهد ان لا الة الا اللة واشهد ان محمدا رسول الله.
ثم نظرنا اليها فرايناها كوم رماد بجانب كوم العفريت فحزنا عَليها وتمنيت لَو كنت مكأنها ولا اري ذَلِك الوجة المليح الَّذِي عمل فِي هَذا المعروف يصير رمادا ولكن حكم اللة لا يرد.
فلما راي الملك ابنتة صارت كوم رماد نتف لحيتة ولطم علي وجهة وشق ثيابة وفعلت كَما فعل وبكينا عَليها ثُم جاءَ الحجاب وارباب الدوله فوجدوا السلطان فِي حاله العدَم وعندة كوم رماد فتعجبوا وداروا حَول الملك ساعه فلما افاق اخبرهم بما جري لابنتة مَع العفريت فعظمت مصيبتهم وصرخ النساءَ والجواري وعملوا العزاءَ سبعه ايام.
ثم ان الملك امر ان يبني علي رماد ابنتة قبه عظيمه واوقد فيها الشموع والقناديل واما رماد العفريت فانهم اذروة فِي الهواءَ الي لعنه اللة ثُم مرض السلطان مرضا اشرف مِنة علي الموت واستمر مرضة شهرا وعادت الية العافيه فطلبني وقال لِي يا فتى قَد قضينا زماننا فِي اهنا عيش امنين مِن نوائب الزمان حتّى جئنا فاقبلت علينا الاكدار فليتنا ما رايناك ولا راينا طلعتك القبيحه الَّتِي لسببها صرنا فِي حاله العدم.
فاولا عدمت ابنتي الَّتِي كَانت تساوي مائه رجل وثانيا جري لِي مِن الحريق ما جري وعدَم اضراسي ومات خادمي ولكن ما بيدك حيله بل جري قضاءَ اللة علينا وعليك والحمد للة حيثُ خلصتك ابنتي واهلكت نفْسها،
فاخرج يا ولدي مِن بلدي وكفي ما جري بسببك وكل ذَلِك مقدر علينا وعليك،
فاخرج بسلام.
فخرجت يا سيدتي مِن عندة وما صدقت بالنجآه ولا ادري أين اتوجه،
وخطر علي قلبي ما جري لِي وكيف خلوني فِي الطريق سالما مِنهم ومشيت شهرا وتذكرت دخولي فِي المدينه واجتماعي بالخياط واجتماعي بالصبيه تَحْت الارض وخلاصي مِن العفريت بَعد ان كَان عازما علي قتلي وتذكرت ما حصل لِي مِن المبدا الي المنتهي فحمدت اللة وقلت بعيني ولا بروحي ودخلت الحمام قَبل ان اخرج مِن المدينه وحلقت ذَقني وجئت يا سيدتي وفي كُل يوم ابكي واتفكر المصائب الَّتِي عاقبتها تلف عيني،
وكلما اتذكر ما جري لِي ابكي وانشد هَذة الابيات:

تحيرت والرحمن لاشك فِي امري وحلت بي الاحزان مِن حيثُ لا ادري
ساصبر حتّى يعلم الناس انني صبرت علي شيء امر مِن الصبر

وما احسن الصبر الجميل مَع التقي وما قدر المولي علي خلقة يجري

سرائر سري ترجمان سريرتي إذا مان سر السر سرك فِي سري

ولو ان ما بي بالجبال لهدمت وبالنار اطفاها والريح لَم يسر

ومن قال ان الدهر فية حلاوه فلا بد مِن يوم امر مِن المر
ثم سافرت الاقطار ووردت الامصار وقصدت دار السلام بغداد لعلي اتوصل الي امير المؤمنين واخبرة بما جرى،
فوصلت الي بغداد هَذة اليله فوجدت اخي هَذا الاول واقفا متحيرا فقلت السلام عليك وتحدثت معة واذا باخينا الثالث قَد اقبل علينا وقال السلام عليكم أنا رجل غريب فقلنا ونحن غريبان وقد وصلنا هَذة الليله المباركة.
فمشينا نحن الثلاثه وما فينا أحد يعرف حكايه أحد فساقتنا المقادير الي هَذا الباب ودخلنا عليكم وهَذا سَبب حلق ذَقني وتلف عيني فقالت لَة ان كَانت حكايتك غريبه فامسح علي راسك واخرج فِي حال سبيلك،
فقال لا اخرج حتّى اسمع حديث رفيقي.
فتقدم الصعلوك الثالث وقال ايتها السيده الجليله ما قصتي مِثل قصتهما بل قصتي اعجب وذلِك ان هذين جاءهما القضاءَ والقدر واما أنا فسَبب حلق ذَقني وتلف عيني انني جلبت القضاءَ لنفسي والهم لقلبي وذلِك اني كنت ملكا ابن ملك،
ومات والدي واخذت الملك مِن بَعدة وحكمت وعدلت واحسنت للرعيه وكان لِي محبه فِي السفر فِي البحر وكَانت مدينتي علي البحر والبحر متسع وحولنا جزائر معده للقتال.
فاردت ان اتفرج علي الجزائر فنزلت فِي عشره مراكب واخذت معي مؤونه شهر وسافرت عشرين يوما.
ففي ليله مِن الليالي هبت علينا رياح مختلفه الي ان لاح الفجر فهدا الريح وسكن البحر حتّى اشرقت الشمس،
ثم اننا اشرفنا علي جزيره وطلعنا الي البر وطبخنا شيئا ناكلة فاكلنا ثُم اقمنا يومين وسافرنا عشرين يوما فاختلفت علينا المياة وعلي الريس استغرب الريس البحر فقلنا للناطور: انظر البحر بتامل،
فطلع علي الصاري ثُم نزل الناطور وقال للريس: رايت عَن يميني سمكا علي وجة الماءَ ونظرت الي وسَط البحر فرايت سوادا مِن بعيد يلوح تاره اسود وتاره ابيض.
فلما سمع الريس كلام الناطور ضرب الارض بعمامتة ونتف لحيتة وقال للناس ابشروا بهلاكنا جميعا ولا يسلم منا احد،
وشرع يبكي وكذلِك نحن الجميع نبكي علي انفسنا فقلت ايها الريس اخبرنا بما راي الناطور فقال يا سيدي اعلم اننا تهنا يوم جاءت علينا الرياح المختلفه ولم يهدا الريح الا بكره النهار ثُم اقمنا يومين فتهنا فِي البحر ولم نزل تائهين أحد عشر يوما مِن تلك الليله وليس لنا ريح يرجعنا الي ما نحن قاصدون آخر النهار وفي غد نصل الي جبل مِن حجر اسود يسمي حجر المغناطيس ويجرنا المياة غصبا الي جهته.
فيتمزق المركب ويروح كُل مسمار فِي المركب الي الجبل ويلتصق بِة ان اللة وَضع حجر المغناطيس سرا وهو ان جميع الحديد يذهب الية وفي ذَلِك الجبل حديد كثِير لا يعلمة الا اللة تعالي حتّى أنة تكسر مِن قديم الزمان مراكب كثِيره بسَبب ذَلِك الجبل ويلي ذَلِك البحر قبه مِن النحاس الاصفر معموده علي عشره اعمده وفوق القبه فارس علي فرس مِن نحاس وفي يد ذَلِك الفارس رمح مِن النحاس ومعلق فِي صدر الفارس لوح مِن رصاص منقوش عَلية اسماءَ وطلاسم فيها ايها الملك ما دام هَذا الفارس راكبا علي هَذة الفرس تنكسر المراكب الَّتِي تفوت مِن تَحْتة ويهلك ركابها جميعا ويلتصق جميع الحديد الَّذِي فِي المركب بالجبل وما الخلاص الا إذا وقع هَذا الفارس مِن فَوق تلك الفرس،
ثم ان الريس يا سيدتي بكي بكاءَ شديد فَتحققنا اننا هالكون لا محاله وكل منا ودع صاحبه.
فلما جاءَ الصباح قربنا مِن تلك الجبل وساقتنا المياة الية غصبا،
فلما صارت المياة تَحْتة انفتحت وفرت المسامير مِنها وكل حديد فيها نحو حجر المغناطيس ونحن دائرون حولة فِي آخر النهار وتمزقت المراكب فمنا مِن غرق ومنا مِن سلم ولكن أكثرنا غرق والذين سلموا لَم يعلموا ببعضهم لان تلك الامواج واختلاف الارياح ادهشتهم.
واما أنا يا سيدتي فنجاني اللة تعالي لما ارادة مِن مشقتي وعذابي وبلوتي،
فطلعت علي لوح مِن الالواح فالقاة الريح والموج الي جبل فاصبت طريقا متطرفا الي اعلاة علي هيئه السلالم منقوره فِي الجبل فسميت اللة تعالي وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

وفي الليله السادسه عشره قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الصعلوك الثالث قال للصبيه والجماعه مكتفون والعبيد واقفين بالسيوف علي رؤوسهم،
ثم اني سميت اللة ودعوتة وابتهلت الية وحاولت الطلوع علي الجبل وصرت اتمسك بالنقر الَّتِي فية حتّى اسكن اللة الريح فِي تلك الساعه واعانني علي الطلوع فطلعت سالما علي الجبل وفرحت بسلامتي غايه الفرح ولم يكن لِي داب الا القبه فدخلتها وصليت فيها ركعتين شكرا للة علي سلامتي ثُم اني نمت تَحْت القبة.
فسمعت قائلا يقول يا ابن خصيب إذا انتهيت مِن منامك،
فاحفر تَحْت رجليك قوسا مِن نحاس وثلاث نشابات مِن رصاص منقوشا عَليها طلاسم فخذَ القوس والنشابات وارم للفارس الَّذِي علي القبه وارح الناس مِن هَذا البلاءَ العظيم فاذا رميت الفارس يقع فِي البحر ويقع القوس مِن يدك فخذَ القوس،
وادفنة فِي موضعه.
فاذا فعلت ذَلِك يطفو البحر ويعلو حتّى يساوي الجبل،
ويطلع عَلية زورق فية شخص غَير الَّذِي رميتة فيجيء غلية وفي يدة مجذاف،
فاركب معة ولا تسم اللة تعالي فانة يحملك ويسافر بك مده عشره ايام الي ان يوصلك الي بلدك وهَذا غنما يتِم لك ان لَم تسم الله.
ثم استيقظت مِن نومي،
وقمت بنشاط وقصدت الماء،
كَما قال الهاتف وضربت الفارس فرميتة فَوقع فِي البحر ووقع القوس مِن يدي فاخذت القوس ودفنتة فهاج البحر وعلا حتّى ساوي الجبل الَّذِي أنا عَلية فلم البث غَير ساعه حتّى رايت زورقا فِي وسَط البحر يقصدني فحمدت اللة تعالي فلما وصل الي الزورق وجدت فية شخصا مِن النحاس صدرة لوح مِن الرصاص،
منقوش باسماءَ وطلاسم.
فنزلت فِي الزورق وانا ساكت لا اتكلم فحملني الشخص أول يوم والثاني والثالث الي تمام عشره ايام حتّى جزائر السلامه ففرحت فرحا عظيما ومن شده فرحي ذَكرت اللة وسميت وهللت وكبرت فلما فعلت ذَلِك قذفني مِن الزورق فِي البحر ثُم رجع فِي البحر وكنت اعرف العوم فعمت ذَلِك اليَوم الي الليل حتّى كلت سواعدي وتعبت اكتافي وصرت فِي الهلكات ثُم تشهدت وايقنت بالموت وهاج البحر مِن كثره الرياح فجاءت موجه كالقلعه العظيمة،
فحملتني وقذفتني قذفه صرت بها فَوق البر،
لمل يُريد اللة فطلعت البر وعصرت ثيابي ونشفتها علي الارض وبت.
فلما اصبحت لبست ثيابي وقمت انظر أين امشي فوجدت غوطه فجئتها ودرت حولها فوجدت الموضع الَّذِي فية جزيره صغيرة،
والبحر محيط بها،
فقلت فِي نفْسي كلما اخلص مِن بليه اقع فِي اعظم مِنها فبينما أنا متفكر فِي امري اتمني الموت اذَ نظرت مركبا فيها ناس.
فقمت وطلعت علي شجره واذا بالمركب التصقت بالبر وطلع مِنها عشره عبيد معهم مساحي فمشوا حتّى وصلوا الي وسَط الجزيره وحفروا فِي الارض وكشفوا عَن طابق فرفعوا الطابق وفتحوا بابه،
ثم عادوا الي المركب ونقلوا مِنها خبزا ودقيقا وسمنا وعسلا واغناما وجميع ما يحتاج الية الساكن وصار العبيد مترددين بَين المركب وباب الطابق وهم يحولون مِن المركب وينزلون فِي الطابق الي ان نقلوا جميع ما فِي المركب.
ثم بَعد ذَلِك طلع العبيد ومعهم ثياب احسن ما يَكون وفي وسَطهم،
شيخ كبير هرم قَد عمر زمنا طويلا واضعفة الدهر،
حتي صار فانيا ويد ذَلِك الشيخ فِي يد صبي قَد افرغ فِي قالب الجمال والبس حله الكمال حتّى أنة يضرب بحسنة الامثال وهو كالقضيب الرطب يسحر كُل قلب بجمالة ويسلب كُل لب بكمالة فلم يزالوا يا سيدتي سائرين حتّى اتوا الي الطابق ونزلوا فيه،
وغابوا عَن عيني.
فلما توجهوا قمت ونزلت مِن فَوق الشجره ومشيت الي موضع الردم،
ونبشت التراب ونقلتة وصبرت نفْسي حتّى ازلت جميع التراب فانكشف الطابق فاذا هُو خشب مقدار حجر الطاحون فرفعتة فبان مِن تَحْتة سلم معقود مِن حجر فتعجبت مِن ذَلِك ونزلت السلم حتّى انتهيت الي اخرة فوجدت شيئا نظيفا ووجدت بستانا وثانيا الي تمام تسعه وثلاثين وكل بستان اري فية ما يكل عنة الواصفون مِن اشجار وانهار واثمار وذخائر.
ورايت بابا فقلت فِي نفْسي ما الَّذِي فِي هَذا المكان،
فلابد ان افتحة وانظر ما فية ثُم فَتحتة فوجدت فية فرسا مسرجا ملحما مربوطا ففككتة وركبتة فطار بي الي حطني علي سطح وانزلني وضربني بذيلة فاتلف عيني وفر مني فنزلت مِن فَوق السطح فوجدت عشره شبان عور فلما راوني قالوا لا مرحبا بك،
فقلت لهم: اتقبلوني اجلس عندكم.
فقالوا واللة لا تجلس عندنا فخرجت مِن عندهم حزين القلب باكي العين،
وكتب اللة لِي السلامه حتّى وصلت الي بغداد فحاقت ذَقني وصرت صعلوكا فوجدت هذين الاثنين العورين فسلمت عَليهما وقلت لهماانا غريب،
فقالا ونحن غريبان فهَذا سَبب تلف عيني،
وحلق ذَقني،
فقالت لَة امسح علي راسك وروح،
فقال: لا اروح حتّى اسمع قصه هؤلاء.
ثم ان الصبيه التفتت الي الخليفه وجعفر ومسرور وقالت لَهُم اخبروني بخبركم،
فتقدم جعفر وحكي لَها الحكايه الَّتِي قالها للبوابه عِند دخولهم فلما سمعت كلامة قالت وهبت بَعضكم لبعض فخرجوا الي ان صاروا فِي الزقاق فقال الخليفه للصعاليك يا جماعه الي أين تذهبون فقالوا ما ندري أين نذهب فقال لَهُم الخليفه سيروا وبيتوا عندنا وقال لجعفر خذهم واحضرهم لِي غدا،
حتي ننظر ما يكون،
فامتثل جعفر ما امَرة بِة الخليفة.
ثم ان الخليفه طلع الي قصرة ولم يجئة نوم فِي تلك الليله فلما اصبح جلس علي كرسي المملكه ودخلت عَلية ارباب الدولة،
فالتفت الي جعفر بَعد ان طلعت ارباب الدوله وقال ائتني بالثلاث صبايا والكلبتين والصعاليك،
فنهض جعفر واحضرهم بَين يدية فادخل الصبايا تَحْت الاسنار.
والتفت لهن جعفر وقال لهن قَد عفونا عنكن لما اسلفتن مِن الاحسان الينا ولم تعرفنا فها أنا اعرفكن وانتن بَين يدي الخامس مِن بني العباس هارون الرشيد،
فلا تخبرنة الا حقا فلما سمع الصبايا كلام جعفر،
عن لسان امير المؤمنين تقدمت الكبيره وقالت يا امير المؤمنين ان لِي حديثا لَو كتب بالابر علي اماق البصر لكان عبره لمن اعتبر وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

وفي الليله السابعه عشره قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان كبيره الصبايا،
لما تقدمت بَين يدي امير المؤمنين وقالت ان لِي حديثا عجيبا وهو ان هاتين الصبيتين اختاي مِن ابي مِن غَير امي فمات والدنا وخلف خمسه الاف دينار وكنت أنا اصغرهن سنا فتجهزت اختاي وتزوجت كُل واحده برجل ومكثنا مده ثُم ان كُل واحد مِن ازواجهما هيا متجرا واخذَ مِن زوجتة الف دينار وسافروا مَع بَعضهم،
وتركوني فغابوا اربع سنين وضيع زوجاهما المال،
وخسرا وتركاهما فِي بلاد الناس فجاءاني فِي هيئه الشحاتين.
فلما رايتهما ذَهلت عنهما ولم اعرفهما ثُم اني لما عرفتهما،
قلت لهما: ما هَذا الحال،
فقالتا يا اختاة ان الكلام لا يفيد الان،
وقد جري القلم بما حكم اللة فارسلتهما الي الحمام والبست كُل واحده حله وقلت لهما يا اختي انتما الكبيره وانا الصغيره وانتم عوض عَن ابي وامي والارث الَّذِي ناسي معكَما قَد جعل اللة فية البركه فكلا مِن زكاتة واحوالي جليله وانا وانتما سواءَ واحسنت اليهما غايه الاحسان فمكثا عندي مده سنه كامله وصار لهما مال مِن مالي فقالتا لِي ان الزواج خير لنا وليس لنا صبر عنه.
فقلت لهما يا اختي لَم تريا فِي الزواج خيرا فإن الرجل الجيد قلِيل فِي هَذا الزمان وقد اخترتما الزواج فلم يقبلا كلامي،
وتزوجا بغير رضاي فزوجتهما مِن مالي وسترتهما ومضتا مَع زوجيهما فاقاما مده يسيره ولعب عَليهما زوجهما واخذَ ما كَان معهما وسافرا وتركاهما فجاءتا عندي وهما عريانتين واعتذرتا وقالتا لا تؤاخذينا،
فانت اصغر منا سنا واكمل عقلا،
وما بقينا نذكر الزواج ابدا.
فقلت مرحبا بكَما يا اختي ما عندي اعز منكَما وقبلتهما وزدتهما اكراما ولم تزل علي هَذة الحاله سنه كامله فاردت ان اجهز لِي لي مركبا الي البصرة،
فجهزت مركبا كبيره وحملت فيها البضائع والمتاجر وما احتاج الية فِي المركب وقلت يا اختي هَل لكَما ان تقعدوا فِي المنزل حتّى اسافر وارجع أو تسافرا معي،
فقالتا تسافر معك فانا لا نطيق فراقك فاخذتهما وسافرنا،
وكنت قسمت مالي نصفين فاخذت النصف وخبات النصف الثاني وقلت ربما يصيب المركب شيء ويَكون فِي العمر مده فاذا رجعنا نجد شيئا ينفعنا.
ولم نزل مسافرين اياما وليالي،
فتاهت بنا المركب وغفل الريس عَن الطريق ودخلت المركب بحرا غَير البحر الَّذِي نُريدة ولم نعلم بذلِك مدة،
وطاب لنا الريح عشره ايام فلاحت لنا مدينه علي بَعد فقلنا للريس ما اسم هَذة المدينه الَّتِي اشرفنا عَليها فقال واللة لا اعلم ولا رايتها قط،
ولا سلكت عمري هَذا البحر،
ولكن جاءَ الامر بسلامه فما بقي الا ان تدخلوا هَذة المدينه وتخرجوا بضائعكم فإن حصل لكُم بيع فبيعوا وغاب ساعة.
ثم جاءنا وقال قوموا الي المدينه وتعجبوا مِن صنع اللة فِي خلقة واستعيذوا مِن سخطة فطلعنا المدينه فوجدنا كُل مِن فيها مسخوطا حجاره سوداء،
فاندهشنا مِن ذَلِك ومشينا فِي الاسواق فوجدنا البضائع باقيه والذهب والفضه باقيين علي حالهما ففرحنا وقلنا لعل هَذا يَكون لَة امر عجيب،
وتفرقنا فِي شوارع المدينه وكل واحد اشتغل عَن رفيقة بما فيها مِن المال والقماش.
واما أنا فطلعت الي القلعه فوجدتها محكمه فدخلت قصر الملك فوجدت فية جميع الاواني مِن الذهب والفضه ثُم رايت الملك جالسا وعندة حجابة ونوابة ووزرائة وعلية مِن الملابس شيء يتحير فية الفكر فلما قربت مِن الملك وجدتة جالسا علي كرسي مرصع بالدر والجواهر فية كُل دره تضيء كالنجمه وعلية حله مزركشه بالذهب وواقفا حولة خمسون مملوكا بَين انواع الحرير،
وفي ايديهم السيوف مجردة.
فلما نظرت لذلِك دهش عقلي ثُم مشيت ودخلت قاعه الحريم،
فوجدت فِي حيطأنها ستائر مِن الحرير ووجدت الملكه عَليها حله مزركشه بالؤلؤ الرطب وعلي راسها تاج مكلل بانواع الجواهر وفي عنقها قلائد وعقودا وجميع ما عَليها مِن الملبوس والمصاغ باق علي حالة وهي ممسوخه حجر اسود ووجدت بابا مفتوحا فدخلتة ووجدت فية سلما بسبع درج فصعدته،
فرايت مكانا مرخما مفروشا بالبسط المذهبه ووجدت فية سرير مِن المرمر مرصعا بالدر والجواهر ونظرت نورا لامعا فِي جهه فقصدتها فوجدت فيها جوهره مضيئه قدر بيض النعامه علي كرسي صغير،
وهي تضيء كالشمعة،
ونورها ساطع ومفروش علي ذَلِك السرير مِن انواع الحرير ما يحير الناظر.
فلما نظرت الي ذَلِك تعجبت ورايت فِي ذَلِك المكان شموعا موقده فقلت فِي نفْسي لابد ان احدا اوقد هَذة الشموع،
ثم اني مشيت حتّى دخلت موضعا غَيرة وصرت افتش فِي تلك

الاماكن ونسيت نفْسي مما ادهشني مِن التعجب مِن تلك الاحوال،
واستغرق فكري الي ان دخل الليل فاردت الخروج فلم اعرف الباب وتهت عنة فعدت الي الجهه الَّتِي فيها الشموع الموقده وجلست علي السرير وتغطيت بلحاف بَعد ان قرات شيئا مِن القران واوردت النوم فلم استطع ولحقني القلق.
فلما انتصف الليل سمعت تلاوه القران بصوت حسن رقيق فالتفت الي مخدع فرايت بابة مفتوحا فدخلت الباب ونظرت المكان فاذا هُو معبد وفية قناديل معلقه موقده وفية سجاده مفروشه جالس عَليها شاب حسن المنظر فتعجبت كَيف هُو سالم دون اهل المدينه فدخلت وسلمت عَلية فرفع بصرة ورد علي السلام فقلت لَة اسالك بحق ما تتلوة مِن كتاب اللة ان تجيبني عَن سؤالي.
فتبسم وقال اخبرني عَن سَبب دخولك هَذا المكان وانا اخبرك بجواب ما تسالينة عنة فاخبرتة بخبري فتعجب مِن ذَلك،
ثم انني سالتة عَن خبر هَذة المدينه فقال امهليني ثُم طبق المصحف وادخلة كيس مِن الاطلس واجلسني بجنبة فنظرت الية فاذا هُو كالبدر حسن الاوصاف لين الاعطاف بهي المنظر رشيق القد اسيل الخد زهي الجنات كَانة المقصود مِن هَذة الابيات:

رصد النجم ليلة فبدا لَة قَد المليح يميس فِي برديه
وامد زحل سواد ذَوائب والمسك هادي الخال فِي خديه

وغدت مِن المربح حمَره خدة والقوس يرمي النبل مِن جفنيه

وعطارد اعطاة فرط ذَكائة وابي السها نظر الوشآه اليه

فغدا المنجم حائرا مما راي والبدر باس الارض بَين يديه
فنظرت لَة نظره اعقبتني الف حسره واوقدت بقلبي كُل جمَره فقلت لَة يا مولاي اخبرني عما سالتك فقال سمعا وطاعة.
اعلمي ان هَذة المدينه مدينه والدي وجميع اهلة وقومة وهو الملك الَّذِي رايتة علي الكرسي ممسوخا حجرا واما الملكه الَّتِي رايتها فَهي امي وقد كَانوا مجوسا يعبدون النار دون الملك الجبار وكانوا يقسمون بالنار والنور والظل والخرور والفلك الَّذِي يدور وكان ابي ليس لَة ولد فرزق بي فِي آخر عمَرة فرباني حتّى نشات وقد سبقت لِي السعادة،
وكان عندنا عجوز طاعنه فِي السن مسلمه تؤمن باللة ورسولة فِي الباطن وتوافق اهلي فِي الظاهر وكان ابي يعتقد فيها لما يري عَليها مِن الامانه والعفه وكان يكرمها ويزيد فِي اكرامها وكان يعتقد أنها علي دينه.
فلما كبرت سلمني ابي اليها وقال: خذية وربية وعلمية احوال ديننا واحسني تربيتة وقومي بخدمتة فاخذتني العجوز وعلمتني دين الاسلام مِن الطهاره والوضوء والصلآه وحفظتني القران فلما اتمت ذَلِك قالت لِي يا ولدي اكتم هَذا الامر عَن ابيك ولا تعلمة بِة لئلا يقتلك فكتمتة عنة ولم ازل علي هَذا الحال مده ايام قلائل وقد ماتت العجوز وزاد اهل المدينه فِي كفرهم وعتوهم وضلالهم.
فبينما هُم علي ما هُم فية اذَ سمعوا مناديا ينادي باعلي صوتة مِثل الرعد القاصف سمعة القريب والبعيد يقول يا اهل المدينه ارجعوا عَن عباده النار واعبدوا الملك الجبار فحصل عِند اهل المدينه فزع واجتمعوا عِند ابي وهو ملك المدينه وقالوا له: ما هَذا الصوت المزعج الَّذِي سمعناة فاندهشنا مِن شده هولة فقال لَهُم لايهولنكم الصوت ولا يردعنكم عَن دينكم.
فمالت قلوبهم الي قول ابي ولم يزالوا مكبين علي عباده النار واستمروا علي طغيانهم مده سنه حتّى جاءَ ميعاد ما سمعوا الصوت الاول فظهر لَهُم ثانيا فسمعوا ثلاث مرات علي ثلاث سنين فِي كُل سنه مَره فلم يزالوا عاكفين علي ما هُم عَلية حتّى نزل عَليهم المقت والسخط مِن السماءَ بَعد طلوع الفجر،
فمسخوا حجاره سودا وكذلِك دوابهم وانعامهم ولم يسلم مِن اهل هَذة المدينه غَيري،
ومن يوم ما جرت هَذة الحادثه وانا علي هَذة الحاله فِي صلآه وصيام وتلاوه قران وقد يئست مِن الوحده وما عندي مِن يؤنسني.
فعِند ذَلِك قلت لَة ايها الشاب هَل لك ان تروح معي الي مدينه بغداد وتنظر الي العلماءَ والي الفقهاءَ فتزداد علما وفقها واكون أنا جاريتك مَع اني سيده قومي وحاكمه علي رجال وخدم وغلمان،
وعندي مركب مشحون بالمتجر وقد رمتنا المقادير علي هَذة المدينه حتّى كَان ذَلِك سَببا فِي اطلاعنا علي هَذة الامور وكان النصيب فِي اجتماعنا ولم ازل ارغبة فِي التوجة حتّى اجابني اليه.
وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

و فِي الليله الثامنه عشره قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الصبيه ما زالت تحسن للشاب التوجة معها حتّى غلب عَليها النوم فنامت تلك الليله تَحْت رجلية وهي لا تصدق بما هِي فية مِن الفرح،
ثم قالت فلما اصبح الصباح قمنا ودخلنا الي الخزائن واخذنا ما خف حملة وغلا ثمنة ونزلنا مِن القلعه الي المدينه فقابلنا العبيد والريس وهم يفتشون علي فلما راوني فرحوا بي وسالوني عَن سَبب غيابي فاخبرتهم بما رايت وحكيت لَهُم قصه الشاب وسَبب مسخ اهل هَذة المدينه وما جري لَهُم فتعجبوا مِن ذَلك.

فلما راتني اختاي ومعي ذَلِك الشاب حسدتاني عَلية وصارتا فِي غيظ واضمرتا المكر لي.
ثم نزلنا المركب وانا بغايه الفرح وأكثر فرحي بصحبه هَذا الشاب واقمنا ننتظر الريح حتّى طابت لنا الريح فنشرنا القلوع وسافرنا فقعدت اختاي عندنا وصارت تتحدثان فقالتا لِي يا اختاة ما تصنعين بهَذا الشاب الحسن فقلت لهما قصدي ان اتخذة بعلا،
ثم التفت الية واقبلت عَلية وقلت يا سيدي أنا اقصد ان اقول لك شيئا فلا تخالفني فيه.
فقال سمعا وطاعة.
ثم التفت الي اختاي وقلت لهما يكفيني هَذا الشاب وجميع هَذة الاموال لكَما فقالتا نعم ما فعلت ولكنهما اضمرتا لِي الشر ولم نزل سائرين مَع اعتدال الريح حتّى خرجنا مِن بحر الخوف ودخلنا بحر الامان وسافرنا اياما قلائل الي ان قربنا مِن مدينه البصره ولاحت لنا ابنيتها،
فادركنا المساءَ فلما اخذنا النوم قامت اختاي وحملتاني أنا والغلام ورمتانا فِي البحر،
فاما الشاب فانة كَان لا يحسن العوم فغرق وكتبة اللة مِن الشهداء.
واما أنا فكنت مِن السالمين،
فلما سقطت فِي البحر رزقني اللة بقطعه مِن خشب فركبتها وضربتني الامواج الي ان رمتني علي ساحل جزيره فلم ازل امشي فِي الجزيره باقي ليلتي فلما اصبح الصباح رايت طريقا فية اثر مشي علي قدر ابن ادم وتلك الطريق متصله مِن الجزيره الي البر وقد طلعت الشمس فنشفت ثيابي فيها وسرت فِي الطريق ولم ازل سائره الي ان قربت مِن البر الَّذِي فية المدينه واذا بحيه تقصدني وخلفها ثعبان يُريد هلاكها وقد تدلي لسأنها مِن شده التعب.
فاخذتني الشفقه عَليها فقعدت الي حجر والقيتة علي راس الثعبان فمات مِن وقْتة فنشرت الحيه جناحين وصارت فِي الجو فتعجبت مِن ذَلِك وقد تعبت فنمت فِي موضعي ساعة،
فلما افقت وجدت تَحْت رجلي جاريه وهي تكبس رجلي فجلست واستحيت مِنها وقلت لَها مِن أنت وما شانك فقالت ما اسرع ما نسيتني أنت الَّتِي فعلت معي الجميل وقْتلت عدوي،
فاني الحيه الَّتِي خلصتيني مِن الثعبان جني وهو عدوي وما نجاني مِنة الا انت.
فلما نجيتني مِنة طرت فِي الريح وذهبت الي المركب الَّتِي رماك مِنها اختاك ونقلت جميع ما فيها الي بيتك واحرقتها واما اختاك فاني سحرتهما كلبتين مِن الكلاب السود،
فاني عرفت جميع ما جري لك معهما،
واما الشاب فانة غرق ثُم حملني أنا والكلبتين والقتنا فَوق سطح داري فرايت جميع ما كَان فِي المركب مِن الاموال فِي وسَط بيتي ولم يضع مِنة شيء،
ثم ان الحيه قالت لِي وحق النقش الَّذِي علي خاتم سليمان إذا لَم تضربي كُل واحده مِنها فِي كُل يوم ثلاثمائه سوط لاتين اجعلك مِثلهما فقلت سمعا وطاعة.
فلم ازل يا امير المؤمنين اضربها ذَلِك الضرب واشفق عَليهما،
فتعجب الخليفه مِن ذَلِك ثُم قال للصبيه الثانية: وانت ما سَبب الضرب الَّذِي علي جسدك فقالت: يا امير المؤمنين اني كَان لِي والد مات وخلف مالا كثِيرا،
فاقمت بَعدة مده يسيره وتزوجت برجل اسعد اهل زمانة فاقمت معة سنه كامله ومات فورثت مِنة ثمانين الف دينار،
فبينما أنا جالسه فِي يوم مِن الايام اذَ دخلت علي عجوز بوجة مسقوط وحاجب ممغوط وعيونها مفجره واسنأنها مكسره ومخاطها سائل وعنقها مائل كَما قال فيها الشاعر:

عجوز النحس ابليس يراها تعلمة الخديعه مِن سكوت تقود مِن السياسه الف بغل إذا انفردوا بخيط العنكبوت
فلما دخلت العجوز علمت علي وقالت ان عندي بنتا يتيمه والليله عملت عرسها وانا قصدي لك الاجر والثواب فاحضري عرسها فأنها مكسوره الخاطر ليس لَها الا اللة تعالي ثُم بكت وقبلت رجلي فاخذتني الرحمه والرافه فقلت سمعا وطاعه فقالت جهزي نفْسك فاني وقْت العشاءَ اجي واخذك ثُم قَبلت يدي وذهبت فقمت وهيات نفْسي وجهزت حالي واذا بالعجوز قَد اقبلت وقالت يا سيدتي ان سيدات البلد قَد حضرن واخبرتهن بحضورك ففرحن وهن فِي انتظارك،
فقمت وتهيات واخذت جواري معي وسرت حتّى اتينا الي زقاق هب فية النسيم وراق فراينا بوابه مقنطره قبه مِن الرخام مشيده البنيان وفي داخِلها قصر قَد قام مِن التراب وتعلق بالسحاب فلما وصلنا الي الباب طرقتة العجوز ففَتح لنا ودخلنا فوجدنا دهليزا مفروشا بالبسط معلقا فية قناديل موقده وشموع مضيئه وفية الجواهر والمعادن معلقه فمشينا فِي الدهليز الي ان دخلنا القاعه فلم يُوجد لَها نظير مفروشه بالفراش الحرير معلقا فيها القناديل الموقده والشموع المضيئه وفي صدر القاعه سرير مِن المرمر مرصع بالدر والجوهر وعلية ناموسيه مِن الاطلس واذا بصبيه خرجت مِن الناموسيه مِثل القمر فقالت لِي مرحبا واهلا وسهلا يا اختي انستيني وجبرت خاطري وانشدت تقول:

لو تعلم الدار مِن زارها فرحت واستبشرت ثُم باست موضع القدم واعلنت بلسان الحال قائله اهلا وسهلا باهل الجود والكرم
ثم جلست وقالت يا اختي ان لِي اخا وقد راك فِي الافراح وهو شاب احسن مني وقد احبك قلبة حبا شديدا واعطي هَذة العجوز دراهم حتّى اتتك وعملت الحيله لاجل اجتماعة بك ويريد اخي ان يتزوجك بسنه اللة ورسولة وما فِي الحلال مِن عيب فلما سمعت كلامها ورايت نفْسي قَد انحجزت فِي الدار فقلت للصبيه سمعا وطاعه ففرحت وصفقت بيدها وفتحت بابا،
فخرج مِنة شاب مِثل القمر كَما قال الشاعر:

قد زاد حسنا تبارك اللة جل الَّذِي صاغة وسواه
قد حاز كُل الجمال منفردا كُل الوري فِي جمالة تهواه

قد كتب الحسن فَوق وجنتة اشهد ان لا مليح الا هو
فلما نظرت الية مال قلبي لَة ثُم جاءَ وجلس واذا بالقاضي قَد دخل ومعة اربعه شهود فسلموا وجلسوا،
ثم أنهم كتبوا كتابي علي ذَلِك الشاب وانصرفوا فالتفت الشاب الي وقال ليلتنا مباركة،
ثم قال يا سيدتي اني شارط عليك شرطا فقلت يا سيدي وما الشرط فقام واحضر لِي مصحفا وقال احلفي لِي انك لا تختاري احدا غَيري ولا تميلي الية فحلفت لَة علي ذَلِك ففرح فرحا شديدا وعانقني فاخذت محبتة بمجامح قلبي وقدموا لنا السماط فاكلنا وشربنا حتّى اكتفينا فدخل علينا الليل.
فاخذني ونام معي علي الفراش وبتنا فِي عناق الي الصباح،
ولم نزل علي هَذة الحاله مده شهر،
ونحن فِي هناءَ وسرور وبعد الشهر استاذنتة فِي ان اسير الي السوق واشتري بَعض قماش فاذن لِي فِي الرواح،
فلبست ثيابي واخذت العجوز معي ونزلت فِي السوق فجلست علي دكان تاجر تعرفة العجوز وقالت لِي هَذا ولد صغير مات ابوة وخلف مالا كثِيرا ثُم قالت لَة هات اعز ما عندك مِن القماش لهَذة الصبية.
فقال لَها سمعا وطاعه فصارت العجوز تثني عَلية فقلت ما لنا حاجه بثنائك عَلية لان مرادنا ان ناخذَ حاجتنا مِنة ونعود الي منزلنا فاخرج لنا ما طلبناة واعطيناة الدراهم فابي ان ياخذَ شيئا وقال هَذة ضيافتكَما اليَوم عندي فقلت للعجوز ان لَم ياخذَ الدراهم اعطة قماشه.
فقال: واللة لا اخذَ شيئا والجميع هديه مِن عندي فِي قَبله واحده فأنها عندي احسن مِن ما فِي دكاني.
فقالت العجوز ما الَّذِي يفيدك مِن القبله ثُم قالت يا بنتي قَد سمعت ما قال هَذا الشاب وما يصيبك شيء اخذَ منك قَبله وتاخذين ما تطلبينة فقلت لَها اما تعرفين اني حالفه فقالت دعية يقبلك وانت ساكته ولا عليك شيء وتاخذين هَذة الدراهم ولازالت تحسن لِي الامر حتّى ادخلت راسي فِي الجراب ورضيت بذلِك ثُم اني غطيت عيني وداريت بطرف ازاري مِن الناس وحط فمة تَحْت ازاري علي خدي فما ان قَبلني حتّى عضني عضه قوية،
حتي قطع اللحم مِن خدي فغشي علي ثُم اخذتني العجوز فِي حضنها.
فلما افقت وجدت الدكان مقفوله والعجوز تظهر لِي الحزن،
وتقول ما دفع اللة كَان اعظم ثُم قالت لِي قومي بنا الي البيت واعملي نفْسك ضعيفه وانا اجيء اليك بدواءَ تداوين بِة هَذة العضه فتبرئين سريعا فبعد ساعه قمت مِن مكاني وانا فِي غايه الفكر واشتداد الخوف،
فمشيت حتّى وصلت الي البيت واظهرت حاله المرض واذا بزوجي داخِل وقال ما الَّذِي اصابك يا سيدتي فِي هَذا الخروج فقلت لَة ما أنا طيبه فنظر الي وقال لِي ما هَذا الجرح الَّذِي بخدك وهو فِي المكان الناعم.
فقلت لما استاذنتك وخرجت فِي هَذا النهار لاشتري القماش زاحمني جمل حامل حطبا فشرط نقابي وجرح خدي كَما تري فإن الطريق ضيق فِي هَذة المدينه فقال غدا اروح للحاكم واشكوا لَة فيشنق كُل حطاب فِي المدينه فقلت باللة عليك لا تتحمل خطيئه أحد فاني ركبت حمارا نفر بي فَوقعت علي الارض فصادفني عود فخدش خدي وجرحني،
فقال غدا اطلع لجعفر البرمكي واحكي لَة الحكايه فيقتل كُل حمار فِي هَذة المدينه فقلت هَل أنت تقتل الناس كلهم بسببي وهَذا الَّذِي جري لِي بقضاءَ اللة وقدره.
فقال لابد مِن ذَلِك وشدد علي ونهض قائما وصاح صيحه عظيمه فانفَتح الباب وطلع مِنة سبعه عبيد سود فسحبوني مِن فراشي ورموني فِي وسَط الدار ثُم امر عبدا مِنهم ان يمسكني مِن اكتافي،
ويجلس علي راسي وامر الثاني ان يجلس علي ركبتي ويمسك رجلي وجاءَ الثالث وفي يدة سيف فقال يا سيدي اضربها بالسيف فاقسمها نصفين وكل واحد ياخذَ قطعه يرميها فِي بحر الدجله فياكلها السمك وهَذا جزاءَ مِن يخون الايمان الموده وانشد هَذا الشعر:

اذا كَان لِي فيمن احب مشارك مَنعت الهوي روحي ليتلفني وجدي وقلت لَها يا نفْس موتي كريهه فلا خير فِي حب يَكون مَع الضد
ثم قال للعبد اضربها يا سعد فجرد السيف وقال اذكري الشهاده وتذكري ما كَان لك مِن الحوائج واوصي ثُم رفعت راسي ونظرت الي حالي وكيف صرت فِي الذل بَعد العجز فجرت عبرتي وبكيت انشدت هَذة الابيات:

اقمتم فؤادي فِي الهوي وقعدتم واسهرتم جفني القريح ونمتم
ومنزلكُم بَين الفؤاد وناظري فلا القلب يسلوكم ولا الدمع يكتم

وعاهدتموني ان تقيموا علي الوفا فلما تملكتم فؤادي غدرتم

ولم ترحموا وجدي بكم وتلهفي اانتم صروف الحادثات امنتم

سالتكم باللة ان مت فاكتبوا علي لوح قبري ان هَذا متيم

لعل شجيا عارفا لوعه الهوي يمر علي قبر المحب فيرحم
فلما فرغت مِن شعري بكيت فلما سمع الشعر ونظر الي بكائي ازداد غيظا علي غيظة وانشد هذين البيتين:

تركت حبيب القلب لاعن ملاله ولكن جني ذَنبا يؤدي الي الترك إذا اري شريكا فِي المحبه بيننا وايمان قلبي لا يميل الي الشرك
فلما فرغ مِن شعرة بكيت واستعطفته،
واذا بالعجوز قَد دخلت ورمت نفْسها علي اقدام الشاب وقبلتها وقالت يا ولدي بحق تربيتي لك تعفوا عَن هَذة الصبيه فأنها ما فعلت ذَنبا يوجب ذَلِك وانت شاب صغير فاخاف عليك مِن دعائها ثُم بكت العجوز،
ولم تزل تلح عَلية حتّى قال عفوت عنها،
ولكن لابد لِي ان اعمل فيها اثرا يظهر عَليها بقيه عمرها،
ثم امر العبيد فجذبوني مِن ثيابي واحضر قضيبا مِن سفرجل ونزل بِة علي جسدي بالضرب،
ولم يزل يضربني ذَلِك الشاب علي ظهري وجنبي حتّى غبت عَن الدنيا مِن شده الضرب وقد يئست مِن حياتي ثُم امر العبيد أنة إذا دخل الليل يحملونني وياخذون العجوز معهم ويرمونني فِي بيتي الَّذِي كنت فية سابقا.
ففعلوا ما امرهم بِة سيدهم ورموني فِي بيتي،
فتعاهدت نفْسي وتداويت فلما شفيت بقيت اضلاعي كَأنها مضروبه بالمقارع،
كَما تري فاستمريت فِي مداوآه نفْسي اربعه اشهر حتّى شفيت،
ثم جئت الي الدار الَّتِي جرت لِي فيها ذَلِك الامر فوجدتها خربه ووجدت الزقاق مهد وما مِن اولة الي اخرة ووجدت فِي موقع الدار كيما ولم اعلم سَبب ذَلِك فجئت الي اختي هَذة الَّتِي مِن ابي فوجدت عندها هاتين الكلبتين فسلمت عَليها واخبرتها بخبري وبجميع ما جري لي.
فقالت مِن ذَا الَّذِي مِن نكبات الزمان،
سلم الحمد للة الَّذِي جعل الامر بسلامه ثُم اخبرتني بخبرها وبجميع ما جري لَها مِن اختيها وقعدت أنا وهي لا نذكر خبر الزواج علي السنتنا ثُم صاحبتنا هَذة الصبيه الدلاله فِي كُل يوم تخرج فتشتري لنا ما نحتاج الية مِن المصالح علي جري علاتها،
فوقع لنا ما وقع مِن مجيء الجمال والصعاليك ومن مجيئكم فِي صفه تجار فلما صرنا فِي هَذا اليَوم ولم نشعر الا نحن بَين يديك وهَذة حكايتنا،
فتعجب الخليفه مِن هَذة الحكايه وجعلها تاريخها مثبتا فِي خزانتة وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

وفي الليله التاسعه عشره قالت: بلغني ايها الملك السعيد ان الخليفه امر ان تكتب هَذة القصه فِي الدواوين ويجعلوها فِي خزانه الملك ثُم أنة قال للصبيه الاولي هَل عندك خبر بالعفريته الَّتِي سحرت اختيك،
قالت يا امير المؤمنين أنها اعطتني سيئا مِن شعرها،
وقالت ان اردت حضوري فاحرقي مِن هَذا الشعر شيئا فاحضر اليك عاجلا ولو كنت خَلف جبل قاف.
فقال الخليفه احضري لِي الشعر فاحضرتة الصبيه فاخذة الخليفة،
واحرق مِنة شيئا فلما فاحت مِنة رائحه اهتز القصر وسمعوا دويا وصلصله واذا بالجنيه حضرت وكَانت مسلمه فقالت السلام عليكم يا خليفه فقال: وعليكم السلام ورحمه اللة وبركاته،
فقالت اعلم ان هَذة الصبيه صنعت معي جميلا ولا اقدر ان اكافئها عَلية فَهي انقذتني مِن الموت وقْتلت عدوي ورايت ما فعلة معها اختاها فما رايت الا اني انتقم مِنهما فسحرتهما كلبتين بَعد ان اردت قتلهما فخشيت ان يصعب عَليها،
وان اردت خلاصهما،
يا امير المؤمنين اخلصهما كرامه لك ولها فاني مِن المسلمين.
فقال لَها خلصيهما وبعد ذَلِك نشرع فِي امر الصبيه المضروبة،
وتفحص عَن حالها فاذا ظهر لِي صدقها اخذت ثارها ممن ظلمها فقالت العفريته يا امير المؤمنين أنا ادلك علي ما فعل بهَذة الصبيه هَذا الفعل وظلمها واخذَ مالها وهو اقرب الناس اليك،
ثم ان العفريته اخذت طاسه مِن الماءَ وعزمت عَليها،
ورشت وجة الكلبتين،
وقالت لهما عودا الي صورتكَما الاولي البشريه فعادتا صبيتين سبحان خالقهما،
ثم قالت يا امير المؤمنين ان الَّذِي ضرب الصبية،
ولدك الامين فانة كَان يسمع بحسنها وجمالها،
وحكت لَة العفريته جميع ما جري للصبيه فتعجب وقال الحمد للة خلاص هاتين الكلبتين علي يدي.

ثم ان الخليفه احضر ولدة الامين بَين يدية وسالة عَن قصه الصبيه الاولي فاخبرة علي وجة الحق فاحضرة الخليفه القضآه والشهود والصعاليك الثلاثة،
واحضر الصبيه الاولي واختيها اللتين كَانتا مسحورتين فِي صوره كلبتين،
وزوج الثلاثه للثلاثه الصعاليك الَّذِين اخبروة أنهم كَانوا ملوكا وعملهم حجابا عندة واعطاهم ما يحتاجون الية وانزلهم فِي قصر بغداد ورد الصبيه المضروبه لولدة الامين واعطاها مالا كثِيرا وامر ان تبني الدار احسن ما كَانت ثُم ان الخليفه تزوج بالدلاله ورقد فِي تلك الليله معها.
فلما اصبح افرد لَها بيتا وجواري يخدمِنها ورتب لَها راتبا،
وشيد لَها قصرا ثُم قال لجعفر ليله مِن الليالي اني اريد ان ننزل فِي هَذة الليله الي المدينه ونسال عَن احوال الحكام والمتولين وكل مِن شكا مِنة أحد عزلناة فقال جعفر ومسرور نعم،
وساروا فِي المدينه ومشوا فِي الاسواق مروا بزقاق،
فراوا شيخا كبيرا علي راسة شبكه وقفه وفي يدة عصا وهو ماش علي مهله.

ثم ان الخليفه تقدم الية وقال لَة يا شيخ ما حرفتك قال يا سيدي صياد وعندي عائله وخرجت مِن بيتي مِن نصف النهار الي هَذا الوقت ولم يقسم اللة لِي شيئا اقوت بِة عيالي وقد كرهت نفْسي وتمنيت الموت.
فقال لَة الخليفه هَل لك ان ترجع معنا الي البحر وتقف علي شاطئ الدجله وترمي شبكتك علي بختي وكل ما طلع اشتريتة منك بمائه دينار.
ففرح الرجل لما سمع هَذا الكلام وقال علي راسي ارجع معكم.
ثم ان الصياد ورجع الي البحر ورمي شبكتة وصبر عَليها،
ثم أنة جذب الخيط وجر الشبكه الية فطلع فِي الشبكه صندوق مقفول ثقيل الوزن فلما نظر الخليفه وجدة ثقيلا فاعطي الصياد مائه دينار وانصرف وحمل الصندوق مسرور هُو وجعفر وطلعا بِة مَع الخليفه الي القصر واوقد الشموع والصندوق بَين يدي الخليفه فتقدم جعفر ومسرور وكسروا الصندوق فوجدوا فية قفه خوص محيطه بصوت احمر فقطعوا الخياطه فراوا فيها قطعه بساط فرفعوها فوجدوا تَحْتها ازار فرفعوا الازار فوجدوا تَحْتها صبيه كَأنها سبيكه مقتوله ومقطوعة.
فلما نظرها الخليفه جرت دموعة علي خدة والتفت الي جعفر وقال: يا كلب الوزراءَ اتقتل القتلي فِي زمني ويرمون فِي البحر ويصيرون متعلقين بذمتي واللة لابد ان اقتص لهَذة الصبيه ممن قتلها واقتلة وقال لجعفر وحق اتصال نسبي بالخلفاءَ مِن بني العباس ان لَم تاتيني بالذي قتل هَذة لانصفها مِنة لاصلبنك علي باب قصري أنت واربعين مِن بني عمك،
واغتاظ الخليفة.
فقال جعفر امهلني ثلاثه ايام قال امهلتك.
ثم خرج جعفر مِن بَين يدية ومشي فِي المدينه وهو حزين وقال فِي نفْسة مِن اعرف مِن قتل هَذة الصبيه حتّى احضرة للخليفه وان احضرت لَة غَيرة يصير معلقا بذمتي ولا ادري ما اصنع.
ثم ان جعفر جلس فِي بيتة ثلاثه ايام وفي اليَوم الرابع ارسل لَة الخليفه يطلبة فلما تمثل بَين يدية قال لَة أين قاتل الصبيه قال جعفر يا امير المؤمنين أنا اعلم الغيب حتّى اعرف قاتلها،
فاغتاظ الخليفه وامر بصلبة علي باب قصرة وامر مناديا ينادي فِي شوارع بغداد مِن اراد الفرجه علي صلب جعفر البرمكي وزير الخليفه وصلب اولاد عمة علي باب قصر الخليفه ليخرج ليتفرج.
فخرج الناس مِن جميع الحارات ليتفرجوا علي صلب جعفر وصلب اولاد عمة ولم يعلموا سَبب ذَلِك ثُم امر بنصب الخشب فنصبوة واوقفهم تَحْتة لاجل الصلب وصاروا ينتظرون الاذن مِن الخليفه وصار الخلق يتباكون علي جعفر وعلي اولاد عمه.
فبينما هُم كذلِك واذا بشاب حسن نقي الاثواب يمشي بَين الناس مسرعا الي ان وقف بَين يدي الوزير وقال له: سلامتك مِن هَذة الوقفه يا سيد الامراءَ وكهف الفقراء،
انا الَّذِي قتلت القتيله الَّتِي وجدتموها فِي الصندوق،
فاقتلني فيها واقتص مني.
فلما سمع جعفر كلام الشاب وما ابداة مِن الخطاب فرح بخلاص نفْسة وحزن علي الشاب.
فبينما هُم فِي الكلام واذا بشيخ كبير يفسح الناس ويمشي بينهم بسرعه الي ان وصل الي جعفر والشاب فسلم عَليهما ثُم قال ايها الوزير لا تصدق كلام هَذا الشاب فانة ما قتل هَذة الصبيه الا أنا فاقتص لَها مني.
فقال الشاب ايها الوزير،
ان هَذا الشيخ كبير خرفان لا يدري ما يقول وانا الَّذِي قتلتها فاقتص مني.
فقال الشيخ،
يا ولدي أنت صغير تشتهي الدنيا وانا كبير شبعت مِن الدنيا وانا افديك وافدي الوزير وبني عمة وما قتل الصبيه الا انا،
فباللة عليك ان تعجل بالاقتصاص مني،
فلما نظر الي ذَلِك الامر تعجب مِنة واخذَ الشاب والشيخ وطلع بهما عِند الخليفه وقال يا امير المؤمنين قَد حضر قاتل الصبيه فقال الخليفه أين هو،
فقال ان هَذا الشاب يقول أنا القاتل وهَذا الشيخ يكذبة ويقول لا بل أنا القاتل.
فنظر الخليفه الي الشيخ والشاب وقال مِن منكَما قتل هَذة الصبيه فقال الشاب ما قتلتها الا أنا وقال الشيخ ما قتلها الا انا.
فقال الخليفه لجعفر خذَ الاثنين واصلبهما فقال جعفر إذا كَان القاتل واحد فقتل الثاني ظلم،
فقال الشاب: وحق مِن رفع السماءَ وبسط الارض اني أنا الَّذِي قتلت الصبيه وهَذة اماره قتلها،
ووصف ما وجدة الخليفه فَتحقق عِند الخليفه ان الشاب هُو الَّذِي قتل الصبيه فتعجب الخليفه وقال: وما سَبب اقرارك بالقتل مِن غَير ضرب وقولك اقتصوا لَها مني.
فقال الشاب: اعلم يا امير المؤمنين ان هَذة الصبيه زوجتي وبنت عمي وهَذا الشيخ ابوها وهو عمي وتزوجت بها وهي بكر فرزقني اللة مِنها ثلاثه اولاد ذَكور وكَانت تحبني وتخدمني ولم ار عَليها شيئا،
فلما كَان أول هَذا الشهر مرضت مرضا شديدا فاحضرت لَها الاطباءَ حتّى حصلت لَها العافيه فاردت ان ادخلها الحمام فقالت اني اريد شيئا قَبل دخول الحمام لاني اشتهية فقلت لَها وما هُو فقالت: اني اشتهي تفاحه اشمها واعض مِنها عضة.
فطلعت مِن ساعتي الي المدينه وفتشت علي التفاح ولو كَانت الواحده بدينار فلم اجدة فبت تلك الليله وانا متفكر فلما اصبح الصباح خرجت مِن بيتي ودرت علي البساتين واحد واحد فلم اجدة فيها فصادفني خولي كبير فسالتة عَن التفاح فقال: يا ولدي هَذا شيء قل ان يُوجد لانة معدوم ولا يُوجد الا فِي بستان امير المؤمنين الَّذِي فِي البصره وهو عِند خولي يدخرة للخليفه فجئت الي زوجتي وقد حملتني محبتي اياها علي ان هيات نفْسي وسافرت يوما ليلا ونهارا فِي الذهاب والاياب وجئت لَها بثلاث تفاحات اشتريتها مِن خولي البصره بثلاثه دنانير،
ثم اني دخلت وناولتها اياها فلم تفرح بها بل تركتها فِي جانبها وكان مرض الحمي قَد اشتد بها،
ولم تزل فِي ضعفها الي ان مضي لَها عشره ايام وبعد ذَلِك عوفيت فخرجت مِن البيت وذهبت الي دكاني وجلست فِي بيعي وشرائي.
فبينما أنا جالس فِي وسَط النهار واذا بعبد اسود مر علي وفي يدة تفاحه يلعب بها فقلت له: مِن أين هَذة التفاحه حتّى اخذَ مِثلها فضحك وقال اخذتها مِن حبيبتي وانا كنت غائبا وجئت فوجدتها ضعيفه وعندها ثلاث تفاحات فقالت ان زوجي الديوث سافر مِن شأنها الي البصره فاشتراها بثلاثه دنانير فاخذت مِنها هَذة التفاحة،
فلما سمعت كلام العبد يا امير المؤمنين اسودت الدنيا فِي وجهي وقفلت دكاني وجئت الي البيت وانا فاقد العقل مِن شده الغيظ فلم اجد التفاحه الثالثه فقلت لها: أين التفاحه الثالثه فقالت لا ادري ولا اعرف أين ذَهبت.
فتحققت قول العبد وقمت واخذت سكينا وركبت علي صدرها ونحرتها بالسكين وقطعت راسها واعضائها ووضعتها فِي القفه بسرعه وغطيتها بالازار ووضعت عَليها شقه بساط وانزلتها فِي الصندوق وقفلتة وحملتها علي بغلتي ورميتها فِي الدجله بيدي.
فباللة عليك يا امير المؤمنين ان تعجل بقتلي قصاصا لَها فاني خائف مِن مطالبتها يوم القيامه فاني لما رميتها فِي بحر الدجله ولم يعلم بها أحد رجعت الي البيت فوجدت ولدي الكبير يبكي ولم يكن لَة علم بما فعلت فِي امه.
فقلت لَة ما يبكيك فقال اني اخذت تفاحه مِن التفاح الَّذِي عِند امي ونزلت بها الي الزقاق العب مَع اخوتي واذا بعبد طويل خطفها مني وقال لِي مِن أين جاءتك هَذة فقلت لَة هَذة سافر ابي وجاءَ بها مِن البصره مِن اجل امي وهي ضعيفه واشتري ثلاث تفاحات بثلاثه دنانير فاخذها مني وضربني وراح بها فخفت مِن امي ان تضربني مِن شان التفاحة.
فلما سمعت كلام الولد علمت ان العبد هُو الَّذِي افتري الكلام الكذب علي بنت عمي وتحققت أنها قتلت ظلما ثُم اني بكيت بكاءَ شديدا واذا بهَذا الشيخ وهو عمي والدها قَد اقبل فاخبرتة بما كَان فجلس بجانبي وبكي ولم نزل نبكي الي نصف الليل واقمنا العزاءَ خمسه ايام ولم نزل الي هَذا اليَوم ونحن نتاسف علي قتلها،
فبحرمه اجدادك ان تعجل بقتلي وتقتص مني.
فلما سمع الخليفه كلام الشاب تعجب وقال واللة لا اقتل الا العبد الخبيث ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.

  • قصص هاتي زنبورك
272 views

قصص الف ليلة وليلة كاملة