8:38 مساءً السبت 22 سبتمبر، 2018

قصص الف ليلة وليلة كاملة


 

صوره قصص الف ليلة وليلة كاملة

حكايات الملك شهريار واخيه الملك شاه زمان[عدل] ..

حكي والله اعلم انه كان فيما مضى من قديم الزمان وسالف العصر والاوان ملك من ملوك ساسان بمغرب الهند والسند صاحب جند واعوان وخدم وحشم له ولدان احدهما كبير والاخر صغير،

وفي يوم من الايام اشتاق الكبير الى اخيه الصغير فامر وزيره ان يسافر اليه ويحضر به فاجابه بالسمع والطاعه وسافر حتى وصل بالسلامة ودخل على اخيه وبلغه السلام واعلمه ان اخاه مشتاق اليه وقصده ان يزوره فاجابه بالسمع والطاعه وتجهز واخرج خيامه وبغاله وخدمه واعوانه واقام وزيره حاكما في بلاده وخرج طالبا بلاد اخيه.

فلما كان في نصف الليل تذكر حاجة نسيها في قصره فرجع ودخل قصره فوجد زوجته راقده في فراشه معانقه عبدا اسود من العبيد فلما راى هذا اسودت الدنيا في وجهه وقال في نفسه:

اذا كان هذا الامر قد وقع وانا ما فارقت المدينه فكيف حال هذه العاهره اذا غبت عند اخي مدة ثم انه سل سيفه وضرب الاثنين فقتلهما في الفراش ورجع من وقته وساعته وسار الى ان وصل الى مدينه اخيه ففرح اخوه بقدومه ثم خرج اليه ولاقاه وسلم عليه والاخر صغير وكانا بطلين وكان الكبير افرس من الصغير وقد ملك البلاد وحكم بالعدل بين العباد واحبه اهل بلاده ومملكته وكان اسمه الملك شهريار وكان اخوه الصغير اسمه الملك شاه زمان وكان ملك سمرقند العجم ولم يزل الامر مستقيما في بلادهما وكل واحد منهما في مملكته حاكم عادل في رعيته مدة عشرين سنه وهم في غايه البسط والانشراح.

لم يزالا على هذه الحالة الى ان اففرح به غايه الفرح وزين له المدينه وجلس معه يتحدث بانشراح فتذكر الملك شاه زمان ما كان من امر زوجته فحصل عنده غم زائد واصفر لونه وضعف جسمه فلما راه اخوه على هذه الحالة ظن في نفسه ان ذلك بسبب مفارقته بلاده وملكه فترك سبيله ولم يسال عن ذلك.

ثم انه قال له في بعض الايام:

يا اخي انا في باطني جرح ولم يخبره بما راى من زوجته فقال:

اني اريد ان تسافر معي الى الصيد والقنص لعله ينشرح صدرك فابى ذلك فسافر اخوه وحده الى الصيد.

وكان في قصر الملك شبابيك تطل على بستان اخيه فنظروا واذا بباب القصر قد فتح وخرج منه عشرون جاريه وعشرون عبدا وامراه اخيه تمشي بينهم وهي غايه في الحسن والجمال حتى وصلوا الى فسقيه وخلعوا ثيابهم وجلسوا مع بعضهم واذا بامراه الملك قالت:

يا مسعود فجاءها عبد اسود فعانقها وعانقته وواقعها وكذلك باقي العبيد فعلوا بالجواري ولم يزالوا في بوس وعناق ونحو ذلك حتى ولى النهار.

فلما راى اخو الملك فقال:

والله ان بليتي اخف من هذه البليه وقد هان ما عنده من القهر والغم وقال:

هذا اعظم مما جرى لي ولم يزل في اكل وشرب.

وبعد هذا جاء اخوه من السفر فسلما على بعضهما ونظر الملك شهريار الى اخيه الملك شاه زمان وقد رد لونه واحمر وجهه وصار ياكل بشهيه بعدما كان قليل الاكل فتعجب من ذلك وقال:

يا اخي كنت اراك مصفر الوجه والان قد رد اليك لونك فاخبرني بحالك فقال له:

اما تغير لوني فاذكره لك واعف عني اخبارك برد لوني فقال له:

اخبرني اولا بتغير لونك وضعفك حتى اسمعه.

فقال له:

يا اخي انك لما ارسلت وزيرك الى يطلبني للحضور بين يديك جهزت حالي وقد بررت من مدينتي ثم اني تذكرت الخرزه التي اعطيتها لك في قصري فرجعت فوجدت زوجتي معها عبد اسود وهو نائم في فراشي فقتلتهما وجئت عليك وانا متفكر في هذا الامر فهذا سبب تغير لوني وضعفي واما رد لوني فاعف عني من ان اذكره لك.

فلما سمع اخوه كلامه قال له:

اقسمت عليك بالله ان تخبرني بسبب رد لونك فاعاد عليه كل ما راه فقال شهريار لاخيه شاه زمان:

اجعل انك مسافر للصيد والقنص واختف عندي وانت تشاهد ذلك وتحققه عيناك فنادى الملك من ساعته بالسفر فخرجت العساكر والخيام الى ظاهر المدينه وخرج الملك ثم انه جلس في الخيام وقال لغلمانه لا يدخل علي احد ثم انه تنكر وخرج مختفيا الى القصر الذي فيه اخوه وجلس في الشباك المطل على البستان ساعة من الزمان واذا بالجواري وسيدتهم دخلوا مع العبيد وفعلوا كما قال اخوه واستمروا كذلك الى العصر.

فلما راى الملك شهريار ذلك الامر طار عقله من راسه وقال لاخيه شاه زمان:

قم بنا نسافر الى حال سبيلنا وليس لنا حاجة بالملك حتى ننظر هل جرى لاحد مثلنا او لا فيكون موتنا خير من حياتنا فاجابه لذلك.

ثم انهما خرجا من باب سري في القصر ولم يزالا مسافرين اياما وليالي الى ان وصلا الى شجره في وسط مرج عندها عين بجانب البحر المالح فشربا من تلك العين وجلسا يستريحان.

فلما كان بعد ساعة مضت من النهار واذا هم بالبحر قد هاج وطلع منه عمود اسود صاعد الى السماء وهو قاصد تلك المرجه.

فلما رايا ذلك خافا وطلعا الى اعلى الشجره وكانت عاليه وصارا ينظران ماذا يكون الخبر واذا بجني طويل القامه عريض الهامه واسع الصدر على راسه صندوق فطلع الى البر واتى الشجره التي هما فوقها وجلس تحتها وفتح الصندوق واخرج منه علبه ثم فتحها فخرجت منها صبيه بهيه كانها الشمس المضيئه كما قال الشاعر:

اشرقت في الدجى فلاح النهار واستنارت بنورها الاسحار
تسجد الكائنات بين يديها حين تبدو وتهتك الاستار

واذا اومضت بروق حماها هطلت بالمدامع الامطار
قال:

فلما نظر اليها الجني قال:

يا سيده الحرائر التي قد اختطفتك ليلة عرسك اريد ان انام قليلا ثم ان الجني وضع راسه على ركبتيها ونام فرفعت راسها الى اعلى الشجره فرات الملكين وهما فوق تلك الشجره فرفعت راس الجني من فوق ركبتيها ووضعته على الارض ووقفت تحت الشجره وقالت لهما بالاشاره انزلا ولا تخافا من هذا العفريت فقالا لها:

بالله عليك ان تسامحينا من هذا الامر فقالت لهما بالله عليكما ان تنزلا والا نبهت عليكما العفريت فيقتلكما شر قتله فخافا ونزلا اليها فقامت لهما وقالت ارصعا رصعا عنيفا والا انبه عليكما العفريت فمن خوفهما قال الملك شهريار لاخيه الملك شاه زمان:

يا اخي افعل ما امرتك به فقال:

لا افعل حتى تفعل انت قبلي واخذا يتغامزان على نكاحها فقالت لهما ما اراكما تتغامزان فان لم تتقدما وتفعلا والا نبهت عليكما العفريت فمن خوفهما من الجني فعلا ما امرتهما به فلما فرغا قالت لهما اقفا واخرجت لهما من جيبها كيسا واخرجت لهما منه عقدا فيه خمسمائه وسبعون خاتما فقالت لهما:

اتدرون ما هذه فقالا لها:

لا ندري فقالت لهما اصحاب هذه الخواتم كلهم كانوا يفعلون بي على غفله قرن هذا العفريت فاعطياني خاتميكما انتما الاثنان الاخران فاعطاها من يديهما خاتمين فقالت لهما ان هذا العفريت قد اختطفني ليلة عرسي ثم انه وضعني في علبه وجعل العلبه داخل الصندوق ورمى على الصندوق سبعه اقفال وجعلني في قاع البحر العجاج المتلاطم بالامواج ويعلم ان المرأة منا اذا ارادت امر لم يغلبها شيء كما قال بعضهم:

لا تامنن الى النساء ولا تثق بعهودهن
فرضاؤهن وسخطهن معلق بفروجهن

يبدين ودا كاذبا والغدر حشو ثيابهن

بحديث يوسف فاعتبر متحذرا من كيدهن

او ما ترى ابليس اخرج ادما من اجلهن
فلما سمعا منها هذا الكلام تعجبا غايه العجب وقالا لبعضهما:

اذا كان هذا عفريتا وجرى له اعظم مما جرى لنا فهذا شيء يسلينا.

ثم انهما انصرفا من ساعتهما ورجعا الى مدينه الملك شهريار ودخلا قصره.

ثم انه رمى عنق زوجته وكذلك اعناق الجواري والعبيد وصار الملك شهريار كلما ياخذ بنتا بكرا يزيل بكارتها ويقتلها من ليلتها ولم يزل على ذلك مدة ثلاث سنوات فضجت الناس وهربت ببناتها ولم يبق في تلك المدينه بنت تتحمل الوطء.

ثم ان الملك امر الوزير ان ياتيه بنت على جري عادته فخرج الوزير وفتش فلم يجد بنتا فتوجه الى منزله وهو غضبان مقهور خائف على نفسه من الملك.

وكان الوزير له بنتان ذاتا حسن وجمال وبهاء وقد واعتدال الكبيرة اسمها شهرزاد والصغيرة اسمها دنيازاد وكانت الكبيرة قد قرات الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين واخبار الامم الماضيين.

قيل انها جمعت الف كتاب من كتب التواريخ المتعلقه بالامم السالفه والملوك الخاليه والشعراء فقالت لابيها:

مالي اراك متغيرا حامل الهم والاحزان وقد قال بعضهم في المعنى شعرا:

قل لمن يحمل هما ان هما لا يدوم

مثل ما يفنى السرور هكذا تفنى الهموم
فلما سمع الوزير من ابنته هذا الكلام حكى لها ما جرى له من الاول الى الاخر مع الملك فقالت له:

بالله يا ابت زوجني هذا الملك فاما ان اعيش واما ان اكون فداء لبنات المسلمين وسببا لخلاصهن من بين يديه فقال لها:

بالله عليك لا تخاطري بنفسك ابدا فقالت له:

لا بد من ذلك فقال:

اخشى عليك ان يحصل لك ما حصل للحمار والثور مع صاحب الزرع فقالت له:

وما الذي جرى لهما يا ابت؟

حكايه الحمار والثور مع صاحب الزرع[عدل] قال:

اعلمي يا ابنتي انه كان لاحد التجاراموال ومواش وكان له زوجه واولاد وكان الله تعالى اعطاه معرفه السن الحيوانات والطير وكان مسكن ذلك التاجر الارياف وكان عنده في داره حمار وثور فاتى يوما الثور الى مكان الحمار فوجده مكنوسا مرشوشا وفي معلفه شعير مغربل وتبن مغربل وهو راقد مستريح وفي بعض الاوقات ركبه صاحبه لحاجة تعرض له ويرجع على حالة فلما كان في بعض الايام سمع التاجر الثور وهو يقول للحمار:

هنيئا لك ذلك انا تعبان وانت مستريح تاكل الشعير مغربلا ويخدمونك وفي بعض الاوقات يركبك صاحبك ويرجع وانا دائما للحرث.

فقال له الحمار:

اذا خرجت الى الغيط ووضعوا على رقبتك الناف فارقد ولا تقم ولو ضربوك فان قمت فارقد ثانيا فاذا رجعوا بك ووضعوا لك الفول فلا تاكله كانك ضعيف وامتنع عن الاكل والشرب يوما او يومين او ثلاثه فانك تستريح من التعب والجهد وكان التاجر يسمع كلامهما فلما جاء السواق الى الثور بعلفه اكل منه شيئا يسيرا فاصبح السواق ياخذ الثور الى الحرث فوجده ضعيفا فقال له التاجر:

خذ الحمار وحرثه مكانه اليوم كله فلما رجع اخر النهار شكره الثور على تفضلاته حين اراحه من التعب في ذلك اليوم فلم يرد عليه الحمار جوابا وندم اشد الندامه فلما رجع كان ثاني يوم جاء المزارع واخذ الحمار وحرثه الى اخر النهار فلم يرجع الا مسلوخ الرقبه شديد الضعف فتامله الثور وشكره ومجده فقال له الحمار:

اعلم اني لك ناصح وقد سمعت صاحبنا يقول:

ان لم يقم الثور من موضعه فاعطوه للجزار ليذبحه ويعمل جلده قطعا وانا خائف عليك ونصحتك والسلام.

فلما سمع الثور كلام الحمار شكره وقال في غد اسرح معهم ثم ان الثور اكل علفه بتمامه حتى لحس المذود بلسانه كل ذلك وصاحبهما يسمع كلامهما فلما طلع النهار وخرج التاجر وزوجه الى دار البقر وجلسا فجاء السواق واخذ الثور وخرج فلما راى الثور صاحبه حرك ذنبه وظرط وبرطع فضحك التاجر حتى استلقى على قفاه.

فقالت له زوجته:

من اي شيء تضحك فقال لها:

شيء رايته وسمعته ولا اقدر ان ابيح به فاموت فقالت له:

لا بد ان تخبرني بذلك وما سبب ضحكك ولو كنت تموت فقال لها:

ما اقدر ان ابوح به خوفا من الموت فقالت له:

انت لم تضحك الا علي.

ثم انها لم تزل تلح عليه وتلح في الكلام الى ان غلبت عليه فتحير احضر اولاده وارسل احضر القاضي والشهود واراد ان يوصي ثم يبوح لها بالسر ويموت لانه كان يحبها محبه عظيمه لانها بنت عمه وام اولاده وكان ثم انه ارسل واحضر كل اهلها واهل جارته وقال لهم حكايته وانه متى قال لاحد على سره مات فقال لها كل الناس ممن حضر:

بالله عليك اتركي هذا الامر لئلا يموت زوجك ابو اولادك فقالت لهم:

لا ارجع عنه حتى يقول لي ولو يموت.

فسكتوا عنها.

ثم ان التاجر قام من عندهم وتوجه الى دار الدواب ليتوضا ثم يرجع يقول لهم ويموت.

وكان عنده ديك تحته خمسون دجاجة وكان عنده كلب فسمع التاجر الكلب وهو ينادي الديك ويسبه ويقول له:

انت فرحان وصاحبنا رايح يموت فقال الديك للكلب:

وكيف ذلك الامر فاعاد الكلب عليه القصة فقال له الديك:

والله ان صاحبنا قليل العقل.

انا لي خمسون زوجه ارضي هذه واغضب هذه وهو ما له الا زوجه واحده ولا يعرف صلاح امره معها فما له لا ياخذ لها بعضا من عيدان التوت ثم يدخل الى حجرتها ويضربها حتى تموت او تتوب ولا تعود تساله عن شيء.

قال:

فلما سمع التاجر كلام الديك وهو يخاطب الكلب رجع الى عقله وعزم على ضربها ثم قال الوزير لابنته شهرزاد ربما فعل بك مثل ما فعل التاجر بزوجته فقالت له:

ما فعل قال:

دخل عليها الحجره بعدما قطع لها عيدان التوت وخباها داخل الحجره وقال لها:

تعالي داخل الحجره حتى اقول لك ولا ينظرني احد ثم اموت فدخلت معه ثم انه قفل باب الحجره عليهما ونزل عليها بالضرب الى ان اغمي عليها فقالت له:

تبت ثم انها قبلت يديه ورجليه وتابت وخرجت واياه وفرح الجماعة واهلها وقعدوا في اسر الاحوال الى الممات.

فلما سمعت ابنه الوزير مقاله ابيها قالت له:

لا بد من ذلك فجهزها وطلع الى الملك شهريار وكانت قد اوصت اختها الصغيرة وقالت لها:

اذا توجهت الى الملك ارسلت اطلبك فاذا جئت عندي ورايت الملك قضى حاجته مني قولي يا اختي حدثينا حديثا غريبا نقطع به السهر وانا احدثك حديثا يكون فيه الخلاص ان شاء الله.

ثم ان اباها الوزير طلع بها الى الملك فلما راه فرح وقال:

اتيت بحاجتي فقال:

نعم فلما اراد ان يدخل عليها بكت فقال لها:

ما بك فقالت:

ايها الملك ان لي اختا صغيرة اريد ان اودعها فارسلها الملك اليها فجاءت الى اختها وعانقتها وجلست تحت السرير فقام الملك واخذ بكارتها ثم جلسوا يتحدثون فقالت لها اختها الصغيره:

بالله عليك يا اختي حدثينا حديثا نقطع به سهر ليلتنا فقالت:

حبا وكرامه ان اذن الملك المهذب فلما سمع ذلك الكلام وكان به قلق ففرح بسماع الحديث.

حكايه التاجر مع العفريت[عدل] ففي الليلة الاولى قالت:

بلغني ايها الملك السعيد انه كان تاجر من التجار كثير المال والمعاملات في البلاد قد ركب يوما وخرج يطالب في بعض البلاد فاشتد عليه الحر فجلس تحت شجره وحط يده في خرجه واكل كسره كانت معه وتمره فلما فرغ من اكل التمره رمى النواه واذا هو بعفريت طويل القامه وبيده سيف فدنا من ذلك التاجر وقال له:

قم حتى اقتلك مثل ما قتلت ولدي فقال له التاجر:

كيف قتلت ولدك قال له:

لما اكلت التمره ورميت نواتها جاءت النواه في صدر ولدي فقضي عليه ومات من ساعته فقال التاجر للعفريت:

اعلم ايها العفريت اني على دين ولي مال كثير واولاد وزوجه وعندي رهون فدعني اذهب الى بيتي واعطي كل ذي حق حقه ثم اعود اليك ولك علي عهد وميثاق اني اعود اليك فتفعل بي ما تريد والله على ما اقول وكيل.

فاستوثق منه الجني واطلقه فرجع الى بلده وقضى كل تعلقاته واوصل الحقوق الى اهلها واعلم زوجته واولاده بما جرى له فبكوا وكذلك كل اهله ونساءه واولاده واوصى وقعد عندهم الى تمام السنه ثم توجه واخذ كفنه تحت ابطه وودع اهله وجيرانه وجميع اهله وخرج رغما عن انفه واقيم عليه العياط والصراخ فمشي الى ان وصل الى ذلك البستان وكان ذلك اليوم اول السنه الجديدة فبينما هو جالس يبكي على ما يحصل له واذا بشيخ كبير قد اقبل عليه ومعه غزاله مسلسله فسلم على هذا التاجر وحياة وقال له:

ما سبب جلوسك في هذا المكان وانت منفرد وهو ماوى الجن فاخبره التاجر بما جرى له مع ذلك العفريت وبسبب قعوده في هذا المكان فتعجب الشيخ صاحب الغزاله وقال:

والله يا اخي ما دينك الا دين عظيم وحكايتك حكايه عجيبة لو كتبت بالابر على افاق البصر لكانت عبره لمن اعتبر ثم انه جلس بجانبه وقال والله يا اخي لا ابرح من عندك حتى انظر ما يجري لك مع ذلك العفريت ثم انه جلس عنده يتحدث معه فغشي على ذلك التاجر وحصل له الخوف والفزع والغم الشديد والفكر المزيد وصاحب الغزاله بجانبه فاذا بشيخ ثان قد اقبل عليهما ومعه كلبتان سلاقيتان من الكلاب السود.

فسالهما بعد السلام عليهما عن سبب جلوسهما في هذا المكان وهو ماوى الجان فاخبراه بالقصة من اولها الى اخرها فلم يستقر به الجلوس حتى اقبل عليهم شيخ ثالث ومعه بغله زرزوريه فسلم عليهم وسالهم عن سبب جلوسهم في هذا المكان فاخبروه بالقصة من اولها الى اخرها وبينما كذلك اذا بغبره هاجت وزوبعه عظيمه قد اقبلت من وسط تلك البريه فانكشفت الغبره واذا بذلك الجني وبيده سيف مسلول وعيونه ترمي بالشرر فاتاهم وجذب ذلك التاجر من بينهم وقال له:

قم اقتلك مثل ما قتلت ولدي وحشاشه كبدي فانتحب ذلك التاجر وبكى واعلن الثلاثه شيوخ بالبكاء والعويل والنحيب فانتبه منهم الشيخ الاول وهو صاحب الغزاله وقبل يد ذلك العفريت وقال له:

يا ايها الجني وتاج ملوك الجان اذا حكيت لك حكايتي مع هذه الغزاله ورايتها عجيبة اتهب لي ثلث دم هذا التاجر قال:

نعم.

يا ايها الشيخ اذا انت حكيت لي الحكايه ورايتها عجيبة وهبت لك ثلث دمه فقال ذلك الشيخ الاول:

اعلم يا ايها العفريت ان هذه الغزاله هي بنت عمي ومن لحمي ودمي وكنت تزوجت بها وهي صغيرة السن واقمت معها نحو ثلاثين سنه فلم ارزق منها بولد فاخذت لي سريه فرزقت منها بولد ذكر كانه البدر اذا بدا بعينين مليحتين وحاجبين مزججين واعضاء كاملة فكبر شيئا فشيئا الى ان صار ابن خمس عشره سنه فطرات لي سفره الى بعض المدائن فسافرت بمتجر عظيم وكانت بنت عمي هذه الغزاله تعلمت السحر والكهانه من صغرها فسحرت ذلك الولد عجلا وسحرت الجاريه امه بقره وسلمتها الى الراعي ثم جئت انا بعد مدة طويله من السفر فسالت عن ولدي وعن امه فقالت لي جاريتك ماتت وابنك هرب ولم اعلم اين راح فجلست مدة سنه وانا حزين القلب باكي العين الى ان جاء عيد الضحيه فارسلت الى الراعي ان يخصني ببقره سمينه وهي سريتي التي سحرتها تلك الغزاله فشمرت ثيابي واخذت السكين بيدي وتهيات لذبحها فصاحت وبكت بكاء شديدا فقمت عنها وامرت ذلك الراعي فذبحها وسلخها فلم يجد فيها شحما ولا لحما غير جلد وعظم فندمت على ذبحها حيث لا ينفعني الندم واعطيتها للراعي وقلت له:

ائتني بعجل سمين فاتاني بولدي المسحور عجلا فلما راني ذلك العجل قطع حبله وجاءني وتمرغ علي وولول وبكى فاخذتني الرافه عليه وقلت للراعي ائتني ببقره ودع هذا.

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

فقالت لها اختها:

ما اطيب حديثك والطفه والذه واعذبه فقالت:

واين هذا مما احدثكم به الليلة القابله ان عشت وابقاني الملك فقال الملك في نفسه:

والله ما اقتلها حتى اسمع بقيه حديثها ثم انهم باتوا تلك الليلة الى الصباح متعانقين فخرج الملك الى محل حكمه وطلع الوزير بالكفن تحت ابطه ثم حكم الملك وولي وعزل الى اخر النهار ولم يخبر الوزير بشيء من ذلك فتعجب الوزير غايه العجب ثم انفض الديوان ودخل الملك شهريار قصره.

و في الليلة الثانية قالت دنيازاد لاختها شهرزاد:

يا اختي اتممي لنا حديثك الذي هو حديث التاجر والجني.

قالت حبا وكرامه ان اذن لي الملك في ذلك فقال لها الملك:

احكي فقالت:

بلغني ايها الملك السعيد ذو الراي الرشيد انه لما راى بكاء العجل حن قلبه اليه وقال للراعي:

ابق هذا العجل بين البهائم.

كل ذلك والجني يتعجب من حكايه ذلك الكلام العجيب ثم قال صاحب الغزاله:

يا سيد ملوك الجان كل ذلك جرى وابنه عمي هذه الغزاله تنظر وترى وتقول اذبح هذا العجل فانه سمين فلم يهن علي ان اذبحه وامرت الراعي ان ياخذه وتوجه به ففي ثاني يوم وانا جالس واذا بالراعي اقبل علي وقال:

يا سيدي اني اقول شيئا تسر به ولي البشاره.

فقلت:

نعم فقال:

ايها التاجر ان لي بنتا كانت تعلمت السحر في صغرها من امراه عجوز كانت عندنا فلما كنا بالامس واعطيتني العجل دخلت به عليها فنظرت اليه ابنتي وغطت وجهها وبكت ثم انها ضحكت وقالت:

يا ابي قد خس قدري عندك حتى تدخل علي الرجال الاجانب.

فقلت لها:

واين الرجال الاجانب ولماذا بكيت وضحكت فقالت لي ان هذا العجل الذي معك ابن سيدي التاجر ولكنه مسحور وسحرته زوجه ابيه هو وامه فهذا سبب ضحكي واما سبب بكائي فمن اجل امه حيث ذبحها ابوه فتعجبت من ذلك غايه العجب وما صدقت بطلوع الصباح حتى جئت اليك لاعلمك فلما سمعت ايها الجني كلام هذا الراعي خرجت معه وانا سكران من غير مدام من كثرة الفرح والسرور والذي حصل لي الى ان اتيت الى داره فرحبت بي ابنه الراعي وقبلت يدي ثم ان العجل جاء الى وتمرغ علي فقلت لابنه الراعي:

احق ما تقولينه عن ذلك العجل فقالت:

نعم يا سيدي ايه ابنك وحشاشه كبدك فقلت لها:

ايها الصبيه ان انت خلصتيه فلك عندي ما تحت يد ابيك من المواشي والاموال فتبسمت وقالت:

يا سيدي ليس لي رغبه في المال الا بشرطين:

الاول:

ان تزوجني به والثاني:

ان اسر من سحرته واحبسها والا فلست امن مكرها فلما سمعت ايها الجني كلام بنت الراعي قلت



ولك فوق كل ما تحت يد ابيك من الاموال زياده واما بنت عمي فدمها لك مباح.

فلما سمعت كلامي اخذت طاسه وملاتها ماء ثم انها عزمت عليها ورشت بها العجل وقالت:

ان كان الله خلقك عجلا فدم على هذه الصفه ولا تتغير وان كنت مسحورا فعد الى خلقتك الاولى باذن الله تعالى واذا به انتفض ثم صار انسانا فوقعت عليه وقلت له:

بالله عليك احك لي كل ما صنعت بك وبامك بنت عمي فحكى لي كل ما جرى لهما فقلت:

يا ولدي قد قيض الله لك من خلصك وخلص حقك ثم اني ايها الجني زوجته ابنه الراعي ثم انها سحرت ابنه عمي هذه الغزاله وجئت الى هنا فرايت هؤلاء الجماعة فسالتهم عن حالهم فاخبروني بما جرى لهذا التاجر فجلست لانظر ما يكون وهذا حديثي فقال الجني:

هذا حديث عجيب وقد وهبت لك ثلث دمه فعند ذلك تقدم الشيخ صاحب الكلبتين السلاقيتين وقال له:

اعلم يا سيد ملوك الجان ان هاتين الكلبتين اخوتي وانا ثالثهم ومات والدي وخلف لنا ثلاثه الاف دينار ففتحت دكانا ابيع فيه واشتري وسافر اخي بتجارته وغاب عنا مدة سنه مع القوافل ثم اتى وما معه شيء فقلت له:

يا اخي اما اشرت عليك بعدم السفر فبكى وقال:

يا اخي قدر الله عز وجل علي بهذا ولم يبق لهذا الكلام فائده ولست املك شيئا فاخذته وطلعت به الى الدكان ثم ذهبت به الى الحمام والبسته حله من الملابس الفاخره واكلت انا واياه وقلت له:

يا اخي اني احسب ربح دكاني من السنه الى السنه ثم اقسمه دون راس المال بيني وبينك ثم اني عملت حساب الدكان من بربح مالي فوجدته الفي دينار فحمدت الله عز وجل وفرحت غايه الفرح وقسمت الربح بيني وبينه شطرين واقمنا مع بعضنا اياما ثم ان اخوتي طلبوا السفر ايضا وارادوا ان اسافر معهم فلم ارض وقلت لهم:

اي شيء كسبتم من سفركم حتى اكسب انا فالحوا علي ولم اطعهم بل اقمنا في دكاكيننا نبيع ونشتري سنه كاملة وهم يعرضون علي السفر وانا لم ارض حتى مضت ست سنوات كوامل.

ثم وافقتهم على السفر وقلت لهم:

يا اخوتي اننا نحسب ما عندنا من المال فحسبناه فاذا هو سته الاف دينار فقلت:

ندفن نصفها تحت الارض لينفعا اذا اصابنا امر وياخذ كل واحد منا الف دينار ونتسبب فيها قالوا:

نعم الراي فاخذت المال وقسمته نصفين ودفنت ثلاثه الاف دينار.

واما الثلاثه الاف الاخرى فاعطيت كل واحد منهم الف دينار وجهزنا بضائع واكترينا مركبا ونقلنا فيها حوائجنا وسافرنا مدة شهر كامل الى ان دخلنا مدينه وبعنا بضائعنا فربحنا في الدينار عشره دنانير ثم اردنا السفر فوجدنا على شاطئ البحر جاريه عليها خلق مقطع فقبلت يدي وقالت:

يا سيدي هل عندك احسان ومعروف اجازيك عليهما قلت:

نعم ان عندي الاحسان والمعروف ولو لم تجازيني فقالت:

يا سيدي تزوجني وخذني الى بلادك فاني قد وهبتك نفسي فافعل معي معروفا لاني ممن يصنع معه المعروف والاحسان ويجازي عليهما ولا يغرنك حالي.

فلما سمعت كلامها حن قلبي اليها لامر يريده الله عز وجل فاخذتها وكسوتها وفرشت لها في المركب فرشا حسنا واقبلت عليها واكرمتها ثم سافرنا وقد احبها قلبي محبه عظيمه وصرت لا افارقها ليلا ولا نهارا او اشتغلت بها عن اخوتي فغاروا مني وحسدوني على مالي وكثرت بضاعتي وطمحت عيونهم في المال جميعه وتحدثوا بقتلي واخذ مالي وقالوا:

نقتل اخانا ويصير المال جميعه لنا وزين لهم الشيطان اعمالهم فجاؤوني وانا نائم بجانب زوجتي ورموني في البحر فلما استيقظت زوجتي انتفضت فصارت عفريته وحملتني واطلعتني على جزيره وغابت عني قليلا وعادت الى عند الصباح وقالت لي:

انا زوجتك التي حملتك ونجيتك من القتل باذن الله تعالى واعلم اني جنيه رايتك فحبك قلبي وانا مؤمنه بالله ورسوله فجئتك بالحال الذي رايتني فيه فتزوجت بي وها انا قد نجيتك من الغرق وقد غضبت على اخوتك ولا بد ان اقتلهم.

فلما سمعت حكايتها تعجبت وشكرتها على فعلها وقلت لها اما هلاك اخوتي فلا ينبغي ثم حكيت لها ما جرى لي معهم من اول الزمان الى اخره.

فلما سمعت كلامي قالت:

انا في هذه الليلة اطير اليهم واغرق مراكبهم واهلكهم فقلت لها:

بالله لا تفعلي فان صاحب المثل يقول:

يا محسنا لمن اساء كفي المسيء فعله وهم اخوتي على كل حال قالت لا بد من قتلهم فاستعطفتها ثم انها حملتني وطارت فوضعتني على سطح داري ففتحت الابواب واخرجت الذي خباته تحت الارض وفتحت دكاني بعد ما سلمت على الناس واشتريت بضائع فلما كان الليل دخلت داري فوجدت هاتين الكلبتين مربوطتين فيها فلما راياني قاما الى وبكيا وتعلقا بي فلم اشعر الا وزوجتي قالت هؤلاء اخوتك فقلت من فعل بهم هذا الفعل قالت انا ارسلت الى اختي ففعلت بهم ذلك وما يتخلصون الا بعد عشر سنوات فجئت وانا سائر اليها تخلصهم بعد اقامتهم عشر سنوات في هذا الحال فرايت هذا الفتى قال الجني:

انها حكايه عجيبة وقد وهبت لك ثلث دمه في جنايته فعند ذلك تقدم الشيخ الثالث صاحب البغله وقال للجني انا احكي لك حكايه اعجب من حكايه الاثنين وتهب لي باقي دمه وجنايته فقال الجني نعم فقال الشيخ ايها السلطان ورئيس الجان ان هذه البغله كانت زوجتي سافرت وغبت عنها سنه كاملة ثم قضيت سفري وجئت اليها في الليل فرايت عبد اسود راقد معها في الفراش وهما في كلام وغنج وضحك وتقبيل وهراش فلما راتني عجلت وقامت الى بكوز فيه ماء فتكلمت عليه ورشتني وقالت اخرج من هذه الصورة الى صورة كلب فصرت في الحال كلبا فطردتني من البيت فخرجت من الباب ولم ازل سائرا حتى وصلت دكان جزار فتقدمت وصرت اكل من العظام.

فلما راني صاحب الدكان اخذني ودخل بي بيته فلما راتني بنت الجزار غطت وجهها مني فقالت اتجيء لنا برجل وتدخل علينا به فقال ابوها اين الرجل قالت ان هذا الكلب سحرته امراه وانا اقدر على تخليصه فلما سمع ابوها كلامها قال:

بالله عليك يا بنتي خلصيه فاخذت كوزا فيه ماء وتكلمت عليه ورشت علي منه قليلا وقالت:

اخرج من هذه الصورة الى صورتك الاولى فصرت الى صورتي الاولى فقبلت يدها وقلت لها:

اريد ان تسحري زوجتي كما سحرتني فاعطتني قليلا من الماء وقالت اذا رايتها نائمه فرش هذا الماء عليها فانها تصير كما انت طالب فوجدتها نائمه فرششت عليها الماء وقلت اخرجي من هذه الصورة الى صورة بغله فصارت في الحال بغله وهي هذه التي تنظرها بعينك ايها السلطان ورئيس ملوك الجان ثم التفت اليها وقال:

اصحيح هذا فهزت راسها وقالت بالاشاره نعم هذا صحيح فلما فرغ من حديثه اهتز الجني من الطرب ووهب له باقي دمه وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

فقالت لها اختها:

يا اختي ما احلى حديثك واطيبه والذه واعذبه فقالت:

اين هذا مما احدثكم به الليلة القابله ان عشت وابقاني الملك فقال الملك:

والله لا اقتلها حتى اسمع بقيه حديثها لانه عجيب ثم باتوا تلك الليلة متعانقين الى الصباح فخرج الملك الى محل حكمه ودخل عليه الوزير والعسكر واحتبك الديوان فحكم الملك وولى وعزل ونهى وامر الى اخر النهار ثم انفض الديوان ودخل الملك شهريار الى قصره.

‘وفي الليلة الثالثة قالت لها اختها دنيا زاد



يا اختي اتمي لنا حديثك فقالت حبا وكرامه بلغني ايها الملك السعيد ان التاجر اقبل على الشيوخ وشكرهم هنوه بالسلامة ورجع كل واحد الى بلده وما هذه باعجب من حكايه الصياد فقال لها الملك:

وما حكايه الصياد؟

حكايه الصياد مع العفريت[عدل] قالت:

بلغني ايها الملك السعيد انه كان رجل صياد وكان طاعنا في السن وله زوجه وثلاثه اولاد وهو فقير الحال وكان من عادته انه يرمي شبكته كل يوم اربع مرات لا غير ثم انه خرج يوما من الايام في وقت الظهر الى شاطئ البحر وحط معطفه وطرح شبكته وصبر الى ان استقرت في الماء ثم جمع خيطانها فوجدها ثقيله فجذبها فلم يقدر على ذلك فذهب بالطرف الى البر ودق وتدا وربطها فيه ثم عرى وغطس في الماء حول الشبكه وما زال يعالج حتى اطلعها ولبس ثيابه واتى الى الشبكه فوجد فيها حمارا ميتا فلما راى ذلك حزن وقال لا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم ثم قال ان هذا الرزق عجيب وانشد يقول:

يا خائضا في ظلام الله والهلكه…….اقصر عنك فليس الرزق بالحركه

ثم ان الصياد لما راى الحمار ميت خلصه من الشبكه وعصرها،

فلما فرغ من عصرها نشرها وبعد ذلك نزل البحر،

وقال بسم الله وطرحها فيه وصبر عليها حتى استقرت ثم جذبها فثقلت ورسخت اكثر من الاول فظن انه سمك فربط الشبكه وتعرى ونزل وغطس،

ثم عالج الى ان خلصها واطلعها الى البر فوجد فيها زيرا كبيرا،

وهو ملان برمل وطين فلما راى ذلك تاسف وانشد قول الشاعر:

ياحرقه الدهر كفي ان لم تكفي فعفي فلا يحظى اعطي
ولا يصنعه كفي خرجت اطلب رزقي وجدت رزقي توفي

كم جاهل في ظهور وعالم متخفي
ثم انه رمى الزير وعصر شبكته ونظفها واستغفر الله وعاد الى البحر ثالث مره ورمى الشبكه وصبر عليها حتى استقرت وجذبها فوجد فيها شفافه وقوارير فانشد قول الشاعر:

هو الرزق لا حل لديك ولا ربط ولا قلم يجدي عليك ولا خط.

ثم انه رفع راسه الى السماء وقال اللهم انك تعلم اني لم ارم شبكتي غير اربع مرات وقد رميت ثلاثا،

ثم انه سمى الله ورمى الشبكه في البحر وصبر الى ان استقرت وجذبها فلم يطق جذبها واذا بها اشتبكت في الارض فقال:

لا حول ولا قوه الا بالله فتعرى وغطس عليها وصار يعالج فيها الى ان طلعت على البحر وفتحها فوجد فيها قمقما من نحاس اصفر ملان وفمه مختوم برصاص عليه طبع خاتم سيدنا سليمان.

فلما راه الصياد فرح وقال هذا ابيعه في سوق النحاس فانه يساوي عشره دنانير ذهبا ثم انه حركة فوجده ثقيلا فقال:

لا بد اني افتحه وانظر ما فيه وادخره في الخرج ثم ابيعه في سوق النخاس ثم انه اخرج سكينا،

وعالج في الرصاص الى ان فكه من القمقم وحطه على الارض وهزه لينكت ما فيه فلم ينزل منه شيء ولكن خرج من ذلك القمقم دخان صعد الى السماء ومشي على وجه الارض فتعجب غايه العجب وبعد ذلك تكامل الدخان،

واجتمع ثم انتفض فصار عفريتا راسه في السحاب ورجلاه في التراب براس كالقبه وايدي كالمداري ورجلين كالصواري،

وفم كالمغاره،

واسنان كالحجاره،

ومناخير كالابريق،

وعينين كالسراجين،

اشعث اغبر.

فلما راى الصياد ذلك العفريت ارتعدت فرائصه وتشبكت اسنانه،

ونشف ريقه وعمي عن طريقة فلما راه العفريت قال لا اله الا الله سليمان نبي الله،

ثم قال العفريت:

يا نبي الله لا تقتلني فاني لا عدت اخالف لك قولا واعصي لك امرا،

فقال له الصياد:

ايها المارد اتقول سليمان نبي الله،

وسليمان مات من مدة الف وثمانمائه سنه،

ونحن في اخر الزمان فما قصتك،

وما حديثك وما سبب دخولك الى هذا القمقم.

فلما سمع المارد كلام الصياد قال:

لا اله الا الله ابشر يا صياد،

فقال الصياد:

بماذا تبشرني فقال بقتلك في هذه الساعة اشر القتلات قال الصياد:

تستحق على هذه البشاره يا قيم العفاريت زوال الستر عنك،

يا بعيد لاي شيء تقتلني واي شيء يوجب قتلي وقد خلصتك من القمقم ونجيتك من قرار البحر،

واطلعتك الى البر فقال العفريت:

تمن علي اي موته تموتها،

واي قتله تقتلها فقال الصياد ما ذنبي حتى يكون هذا جزائي منك.

فقال العفريت اسمع حكايتي يا صياد،

قال الصياد:

قل واوجز في الكلام فان روحي وصلت الى قدمي.

قال اعلم اني من الجن المارقين،

وقد عصيت سليمان بن داود وانا صخر الجني فارسل لي وزيره اصف ابن برخيا فاتى بي مكرها وقادني اليه وانا ذليل على رغم انفي واوقفني بين يديه فلما راني سليمان استعاذ مني وعرض علي الايمان والدخول تحت طاعته فابيت فطلب هذا القمقم وحبسني فيه وختم علي بالرصاص وطبعه بالاسم الاعظم،

وامر الجن فاحتملوني والقوني في وسط البحر فاقمت مائه عام وقلت في قلبي كل من خلصني اغنيته الى الابد فمرت المائه عام ولم يخلصني احد،

ودخلت مائه اخرى فقلت كل من خلصني فتحت له كنوز الارض،

فلم يخلصني احد فمرت علي اربعمائه عام اخرى فقلت كل من خلصني اقضي له ثلاث حاجات فلم يخلصني احد فغضبت غضبا شديدا وقلت في نفسي كل من خلصني في هذه الساعة قتلته ومنيته كيف يموت وها انك قد خلصتني ومنيتك كيف تموت.

فلما سمع الصياد كلام العفريت قال:

يا الله العجب انا ما جئت اخلصك الا في هذه الايام،

ثم قال الصياد للعفريت،

اعف عن قتلي يعف الله عنك،

ولا تهلكني،

يسلط الله عليك،

من يهلكك.

فقال لا بد من قتلك،

فتمن علي اي موته تموتها فلما تحقق ذلك منه الصياد راجع العفريت وقال اعف عني اكراما لما اعتقتك،

فقال العفريت:

وانا ما اقتلك الا لاجل ما خلصتني،

فقال الصياد:

يا شيخ العفاريت هل اصنع معك مليح،

فتقابلني بالقبيح ولكن لم يكذب المثل حيث قال:

فعلنا جميلا قابلونا بضده وهذا لعمري من فعال الفواجر

ومن يفعل المعروف مع غير اهله يجازى كما جوزي مجير ام عامر

فلما سمع العفريت كلامه قال لا تطمع فلا بد من موتك،

فقال الصياد هذا جني،

وانا انسي وقد اعطاني الله عقلا كاملا وها انا ادبر امرا في هلاكه،

بحيلتي وعقلي وهو يدبر بمكره وخبثه،

ثم قال للعفريت:

هل صممت على قتلي قال نعم،

فقال له بالاسم الاعظم المنقوش على خاتم سليمان اسالك عن شيء وتصدقني فيه،

قال نعم،

ثم ان العفريت لما سمع ذكر الاسم الاعظم اضطرب واهتز وقال:

اسال واوجز،

فقال له:

كيف كنت في هذا القمقم،

والقمقم لا يسع يدك ولا رجلك فكيف يسعك كلك،

فقال له العفريت:

وهل انت لا تصدق انني كنت فيه فقال الصياد لا اصدق ابدا حتى انظرك فيه بعيني،

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الرابعة قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الصياد لما قال للعفريت لا اصدقك ابدا حتى انظرك بعيني في القمقم فانتفض العفريت وصار دخانا صاعدا الى الجو،

ثم اجتمع ودخل في القمقم قليلا،

حتى استكمل الدخان داخل القمقم واذا بالصياد اسرع واخذ سداده الرصاص المختومه وسد بها فم القمقم ونادى العفريت،

وقال له:

تمن علي اي موته تموتها لارميك في هذا البحر وابني لي هنا بيتا وكل من اتى هنا امنعه ان يصطاد واقول له هنا عفريت وكل من اطلعه يبين له انواع الموت يخبره بينها.

فلما سمع العفريت كلام الصياد اراد الخروج فلم يقدر وراى نفسه محبوسا وراى عليه طابع خاتم سليمان وعلم ان الصياد سجنه وسجن احقر العفاريت واقذرها واصغرها،

ثم ان الصياد ذهب بالقمقم الى جهه البحر،

فقال له العفريت لا،

لا فقال الصياد:

لا بد لا بد فلطف المارد كلامه وخضع وقال ما تريد ان تصنع بي يا صياد،

قال:

القيك في البحر ان كنت اقمت فيه الفا وثمانمائه عام فانا اجعلك تمكث الى ان تقوم الساعه،

اما قلت لك ابقيني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله فابيت قولي وما اردت الا غدري فالقاك الله في يدي فغدرت بك،

فقال العفريت افتح لي حتى احسن اليك فقال له الصياد تكذب يا ملعون،

انا مثلي ومثلك مثل وزير الملك يونان والحكيم رويان،

فقال العفريت:

وما شان وزير الملك يونان والحكيم رويان وما قصتهما.

حكايه الملك يونان والحكيم رويان[عدل] قال الصياد:

اعلم ايها العفريت،

انه كان في قديم الزمان وسالف العصر والاوان في مدينه الفرس وارض رومان ملك يقال له الملك يونان وكان ذا مال وجنود وباس واعوان من سائر الاجناس،

وكان في جسده برص قد عجزت فيه الاطباء والحكماء ولم ينفعه منه شرب ادويه ولا سفوف ولا دهان ولم يقدر احد من الاطباء ان يداويه.

وكان قد دخل مدينه الملك يونان حكيم كبير طاعن في السن يقال له الحكيم رويان وكان عارفا بالكتب اليونانيه والفارسيه والروميه والعربية والسريانيه وعلم الطب والنجوم وعالما باصول حكمتها وقواعد امورها من منفعتها ومضرتها.

عالما بخواص النباتات والحشائش والاعشاب المضره والنافعه فقد عرف علم الفلاسفه وجاز كل العلوم الطبيه وغيرها،

ثم ان الحكيم لما دخل المدينه واقام بها ايام قلائل سمع خبر الملك وما جرى له في بدنه من البرص الذي ابتلاه الله به وقد عجزت عن مداواته الاطباء واهل العلوم.

فلما بلغ ذلك الحكيم بات مشغولا،

فلما اصبح الصباح لبس افخر ثيابه ودخل على الملك يونان وقبل الارض ودعا له بدوام العز والنعم واحسن ما به تكلم واعلمه بنفسه فقال:

ايها الملك:

بلغني ما اعتراك من هذا الذي في جسدك وان كثيرا من الاطباء لم يعرفوا الحيله في زواله وها انا اداويك ايها الملك ولا اسقيك دواء ولا ادهنك بدهن.

فلما سمع الملك يونان كلامه تعجب وقال له:

كيف تفعل،

فو الله لو براتني اغنيك لولد الولد وانعم عليك،

ما تتمناه فهو لك وتكون نديمي وحبيبي.

ثم انه خلع عليه واحسن اليه وقال له ابرئني من هذا المرض بلا دواء ولا دهان

قال نعم ابرئك بلا مشقه في جسدك.

فتعجب الملك غايه العجب ثم قال له:

ايها الحكيم الذي ذكرته لي يكون في اي الاوقات وفي اي الايام،

فاسرع يا ولدي؛

قال له سمعا وطاعه،

ثم نزل من عند الملك واكترى له بيتا حط فيه كتبه وادويته وعقاقيره ثم استخرج الادويه والعقاقير وجعل منها صولجانا وجوفه وعمل له قصبه وصنع له كره بمعرفته.

فلما صنع الكل وفرغ منها طلع الى الملك في اليوم الثاني ودخل عليه وقبل الارض بين يديه وامره ان يركب الى الميدان وان يلعب بالكره والصولجان وكان معه الامراء والحجاب والوزراء وارباب الدوله،

فما استقر بين الجلوس في الميدان حتى دخل عليه الحكيم رويان وناوله الصولجان وقال له:

خذ هذا الصولجان واقبض عليه مثل هذه القبضه وامش في الميدان واضرب به الكره بقوتك حتى يعرق كفك وجسدك فينفذ الدواء من كفك فيسري في سائر جسدك فاذا عرقت واثر الدواء فيك فارجع الى قصرك وادخل الحمام واغتسل ونم فقد برئت والسلام.

فعند ذلك اخذ الملك يونان ذلك الصولجان من الحكيم ومسكه بيده وركب الجواد وركب الكره بين يديه وساق خلفها حتى لحقها وضربها بقوه وهو قابض بكفه على قصبه الصولجان،

وما زال يضرب به الكره حتى عرق كفه وسائر بدنه وسرى له الدواء من القبضه.

وعرف الحكيم رويان ان الدواء سرى في جسده فامره بالرجوع الى قصره وان يدخل الحمام من ساعته،

فرجع الملك يونان من وقته وامر ان يخلو له الحمام فاخلوه له،

وتسارعت الفراشون وتسابقت المماليك واعدوا للملك قماشه ودخل الحمام واغتسل غسيلا جيدا ولبس ثيابه داخل الحمام ثم خرج منه وركب الى قصره ونام فيه.

هذا ما كان من امر الملك يونان،

واما ما كان من امر الحكيم رويان فانه رجع الى داره وبات،

فلما اصبح الصباح طلع الى الملك واستاذن عليه فاذن له في الدخول فدخل وقبل الارض بين يديه واشار الى الملك بهذه الابيات:

زهت الفصاحه اذا ادعيت لها ابا واذا دعت يوما سواك لها ابى
يا صاحب الوجه الذي انواره تمحوا من الخطب الكريه غياهبا

ما زال وجهك مشرقا متهللا فلا ترى وجه الزمان مقطبا

اوليتني من فضلك المنن التي فعلت بنا فعل السحاب مع الربا

وصرفت جل الملا في طلب العلا حتى بلغت من الزمان ماربا
فلما فرغ من شعره نهض الملك قائما على قدميه وعانقه واجلسه بجانبه وخلع لعيه الخلع السنيه.

ولما خرج الملك من الحمام نظر الى جسده فلم يجد فيه شيئا من البرص وصار جسده نقيا مثل الفضه البيضاء ففرح بذلك غايه الفرح واتسع صدره وانشرح،

فلما اصبح الصباح دخل الديوان وجلس على سرير ملكه ودخلت عليه الحجاب واكابر الدوله ودخل عليه الحكيم رويان،

فلما راه قام اليه مسرعا واجلسه بجانبه واذا بموائد الطعام قد مدت فاكل صحبته وما زال عنده ينادمه طول نهاره.

فلما اقبل الليل اعطى الحكيم الفي دينار غير الخلع والهدايا واركبه جواده وانصرف الى داره والملك يونان يتعجب من صنعه ويقول:

هذا داواني من ظاهر جسدي ولم يدهنني بدهان،

فو الله ما هذه الا حكمه بالغه،

فيجب علي لهذا الرجل الانعام والاكرام وان اتخذه جليسا وانيسا مدى الزمان.

وبات الملك يونان مسرورا فرحا بصحة جسمه وخلاصه من مرضه.

فلما اصبح الملك وجلس على كرسيه ووقفت ارباب دولته وجلست الامراء والوزراء على يمينه ويساره ثم طلب الحكيم رويان فدخل عليه وقبل الارض بين يديه فقام الملك واجلسه بجانبه واكل معه وحياة وخلع عليه واعطاه،

ولم يزل يتحدث معه الى ان اقبل الليل فرسم له بخمس خلع والف دينار،

ثم انصرف الحكيم الى داره وهو شاكر للملك.

فلما اصبح الصباح خرج الملك الى الديوان وقد احدقت به الامراء والوزراء والحجاب،

وكان له وزير من وزرائه بشع المنظر نحس الطالع لئيم بخيل حسود مجبول على الحسد والمقت.

فلما راى ذلك الوزير ان الملك قرب الحكيم رويان واعطاه هذه الانعام حسده عليه واضمر له الشر كما قيل في المعنى:

ما خلا جسد من حسد.

وقيل في المعنى:

الظلم كمين في النفس القوه تظهره والعجز يخفيه.

ثم ان الوزير تقدم الى الملك يونان وقبل الارض بين يديه وقال له:

يا ملك العصر والاوان:

انت الذي شمل الناس احسانك ولك عندي نصيحه عظيمه فان اخفيتها عنك اكون ولد زنا،

فان امرتني ان ابديها ابديتها لك.

فقال الملك وقد ازعجه كلام الوزير:

وما نصيحتك

فقال:

ايها الملك الجليل:

قد قالت القدماء من لم ينظر في العواقب فما الدهر له بصاحب،

وقد رايت الملك على غير صواب حيث انعم على عدوه وعلى من يطلب زوال ملكه وقد احسن اليه واكرمه غايه الاكرام وقربه غايه القرب،

وانا اخشى على الملك من ذلك.

فانزعج الملك وتغير لونه وقال له:

من الذي تزعم انه عدوي واحسنت اليه

فقال له:

ايها الملك ان كنت نائما فاستيقظ فانا اشير الى الحكيم رويان.

فقال له الملك:

ان هذا صديقي وهو اعز الناس عندي لانه داواني بشيء قبضته بيدي وابراني من مرضي الذي عجز فيه الاطباء وهو لا يوجد مثله في هذا الزمان في الدنيا غربا وشرقا،

فكيف انت تقول عليه هذا المقال وانا من هذا اليوم ارتب له الجوامك والجرايات واعمل له في كل شهر الف دينار ولو قاسمته في ملكي وان كان قليلا عليه.

وما اظن انك تقول ذلك الا حسدا كما بلغني عن الملك يونان ذكر والله اعلم.

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح،

فقالت لها اختها:

يا اختي ما احلى حديثك واطيبه والذه واعذبه فقالت لها:

واين هذا مما احدثكم به الليلة المقبله ان عشت وابقاني الملك.

فقال الملك في نفسه:

والله لا اقتلها حتى اسمع بقيه حديثها لانه حديث عجيب.

ثم انهم باتوا تلك الليلة متعانقين الى الصباح.

ثم خرج الملك الى محل حكمه واحتبك الديوان فحجم وولى وامر ونهى الى اخر النهار،

ثم انفض الديوان فدخل الملك عصره واقبل الليل وقضى حاجته من بنت الوزير شهرزاد.

وفي الليلة الخامسة قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الملك يونان قال لوزيره انت داخلك الحسد من اجل هذا الحكيم فتريد ان اقتله وبعد ذلك اندم كما ندم السندباد على قتل البازي.

فقال الوزير:

وكيف كان ذلك

فقال الملك:

ذكر انه كان ملك ملوك الفرس يحب الفرجه والتنزه والصيد والقنص وكان له بازي رباه ولا يفارقه ليلا ولا نهارا ويبيت طوال الليل حامله على يده واذا طلع الى الصيد ياخذه معه وهو عامل له طاسه من الذهب معلقه في رقبته يسقيه منها.

فبينما الملك جالس واذا بالوكيل على طير الصيد يقول:

يا ملك الزمان هذا اوان الخروج الى الصيد،

فاستعد الملك للخروج واخذ البازي على يده وساروا الى ان وصلوا الى واد ونصبوا شبكه الصيد اذا بغزاله وقعت في تلك الشبكه فقال الملك:

كل من فاتت الغزاله من جهته قتلته،

فضيقوا عليها حلقه الصيد واذا بالغزاله اقبلت على الملك وشبت على رجليها وحطت يديها على صدرها كانها تقبل الارض للملك فطاطا الملك للغزاله ففرت من فوق دماغه وراحت الى البر.

فالتفت الملك الى المعسكر فراهم يتغامزون عليه،

فقال:

يا وزيري ماذا يقول العساكر فقال:

يقولون انك قلت كل من فاتت الغزاله من جهته يقتل فقال الملك:

وحياة راسي لاتبعنها حتى اجيء بها،

ثم طلع الملك في اثر الغزاله ولم يزل وراءها وصار البازي يلطشها على عينها الى ان اعماها ودوخها فسحب الملك دبوسا وضربها فقلبها ونزل فذبحها وسلخها وعلقها في قربوس السرج.

وكانت ساعة حر وكان المكان قفرا لم يوجد فيه ماء فعطش الملك وعطش الحصان.

فالتفت الملك فراى شجره ينزل منها ماء مثل السمن،

وكان الملك لابسا في كفه جلدا فاخذ الطاسه في قبه البازي وملاها من ذلك الماء ووضع الماء قدامه واذا بالبازي لطش الطاسه فقلبها،

فاخذ الملك الطاسه ثانيا،

وملاها وظن ان البازي عطشان فوضعها قدامه فلطشها ثانيا وقلبها فغضب الملك من البازي واخذ الطاسه ثالثا وقدمها للحصان فقلبها البازي بجناحه فقال الملك الله يخيبك يا اشام الطيور واحرمتني من الشرب واحرمت نفسك واحرمت الحصان ثم ضرب البازي بالسيف فرمى اجنحته.

فصار البازي يقيم راسه ويقول بالاشاره انظر الذي فوق الشجره فرفع الملك عينه فراى فوق الشجره حيه والذي يسيل سمها فندم الملك على قص اجنحه البازي ثم قام وركب حصانه وسار ومعه الغزاله حتى وصل الملك على الكرسي والبازي على يده فشهق البازي ومات فصاح الملك حزنا واسفا على قتل البازي،

حيث خلصه من الهلاك،

هذا ما كان من حديث الملك السندباد.

فلما سمع الوزير كلام الملك يونان قال له:

ايها الملك العظيم الشان وما الذي فعلته من الضروره ورايت منه سوء انما فعل معك هذا شفقه عليك وستعلم صحة ذلك فان قبلت مني نجوت والا هلكت كما هلك وزير كان احتال على ابن ملك من الملوك،

وكان لذلك الملك ولد مولع بالصيد والقنص وكان له وزيرا،

فامر الملك ذلك الوزير ان يكون مع ابنه اينما توجه فخرج يوما من الايام،

الى الصيد والقنص وخرج معه وزير ابيه فسارا جميعا فنظر الى وحش كبير فقال الوزير لابن الملك دونك هذا الوحش فاطلبه فقصده ابن الملك،

حتى غاب عن العين وغاب عنه الوحش في البريه،

وتحير ابن الملك فلم يعرف اين يذهب واذا بجاريه على راس الطريق وهي تبكي فقال لها ابن الملك من انت:

قال بنت ملك من ملوك الهند وكنت في البريه فادركني النعاس،

فوقعت من فوق الدابه ولم اعلم بنفسي فصرت حائره.

فلما سمع ابن الملك كلامها رق لحالها وحملها على ظهر جابته واردفها وسار حتى مر بجزيره فقالت له الجاريه:

يا سيد اريد ان ازيل ضروره فانزلها الى الجزيره ثم تعوقت فاستبطاها فدخل خلفها وهي لا تعلم به،

فاذا هي غوله وهي تقول لاولادها يا اولادي قد اتيتكم اليوم بغلام سمين فقالوا لها اتينا به يا امنا ناكله في بطوننا.

فلما سمع ابن الملك كلامهم ايقن بالهلاك وارتعد فرائضه وخشي على نفسه ورجع فخرجت الغوله فراته كالخائف الوجل وهو يرتعد فقالت له:

ما بالك خائفا،

فقال لها ان لي عدوا،

وانا خائف منه فقالت الغوله انك تقول انا ابن الملك قال لها نعم،

قالت له مالك لا تعطي عدوك شيئا من المال،

فترضيه به،

فقال لها انه لا يرضى بمال ولا يرضى الا بالروح وانا خائف منه،

وانا رجل مظلوم فقالت له:

ان كنت مظلوما كما تزعم فاستعن بالله عليه بانه يكفيك شره وشر كل ما تخافه.

فرفع ابن الملك راسه الى السماء وقال:

يا من يجيب دعوه المضطر،

اذا دعاه ويكشف السوء انصرني على عدوي واصرفه عني،

انك على ما تشاء قدير فلما سمعت الغوله دعاءه،

انصرفت عنه وانصرف ابن الملك الى ابيه،

وحدثه بحديث الوزير وانت ايها الملك متى امنت لهذا الحكيم قتلك اقبح القتلات،

وان كنت احسنت اليه وقربته منك فانه يدبر في هلاكك،

اما ترى انه ابراك من المرض من ظاهر الجسد بشيء امسكته بيدك،

فلا تامن ان يهلكك بشيء تمسكه ايضا.

فقال الملك يونان:

صدقت فقد يكون كما ذكرت ايها الوزير الناصح،

فلعل هذا الحكيم اتى جاسوسا في طلب هلاكي،

واذا كان ابراني بشيء امسكته بيدي فانه يقدر ان يهلكني بشيء اشمه،

ثم ان الملك يونان قال لوزيره:

ايها الوزير كيف العمل فيه،

فقال له الوزير:

ارسل اليه في هذا الوقت واطلبه،

فان حضر فاضرب عنقه فتكفي شره وتستريح منه واغدر به قبل ان يغدر بك،

فقال الملك يونان صدقت ايها الوزير ثم ان الملك ارسل الى الحكيم،

فحضر وهو فرحان ولا يعلم ما قدره الرحمن كما قال بعضهم في المعنى:

يا خائفا من دهره كن امنا وكل الامور الى الذي بسط الثرى ان المقدر كان لا يمحى ولك الامان من الذي ما قدرا
وانشد الحكيم مخاطبا قول الشاعر:

اذا لم اقم يوما لحقك بالشكر فقل لي ان اعددت نظمي معا لنثر
لقد جددت لي قبل السؤال بانعم اتتني بلا مطل لديك ولا عذر

فمالي لا اعطي ثناءك حقه واثني على علياك السر والجهر

ساشكر ما اوليتني من صنائع يخف لها فمي وان اثقلت ظهري
فلما حضر الحكيم رويان قال له الملك:

اتعلم لماذا احضرتك،

فقال الحكيم:

لا يعلم الغيب الا الله تعالى،

فقال له الملك:

احضرتك لاقتلك واعدمك روحك،

فتعجب الحكيم رويان من تلك المقاله غايه العجب،

وقال ايها الملك لماذا تقتلني

واي ذنب بدا مني فقال له الملك:

قد قيل لي انك جاسوس وقد اتيت لتقتلني وها انا اقتلك قبل ان تقتلني ثم ان الملك صاح على السياف،

وقال له اضرب رقبه هذا الغدار،

وارحنا من شره،

فقال الحكيم ابقني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله،

ثم انه كرر عليه القول مثلما قلت لك ايها العفريت وانت لا تدعي بل تريد قتلي فقال الملك يونان للحكيم رويان،

اني لا امن الا ان اقتلك فانك براتني بشيء امسكته بيدي فلا امن ان تقتلني بشيء اشمه او غير ذلك فقال الحكيم ايها الملك اهذا جزائي منك،

تقابل المليح بالقبيح فقال الملك:

لا بد من قتلك من غير مهله فلما تحقق الحكيم ان الملك قاتله لا محالة بكى وتاسف على ما صنع من الجميل مع غير اهله،

كما قيل في المعنى:

ميمونه من سمات العقل عاريه لكن ابوها من الالباب قد خلقا لم يمش من يابس يوما ولا وحل الا بنور هداه تقى الزلقا
بعد ذلك تقدم السياف وغمي عينيه وشهر سيفه وقال ائذن والحكيم يبكي ويقول للملك:

ابقني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله،

وانشد قول الشاعر:

نصحت فلم افلح وغشوا فافلحوا فاوقعني نصحي بدار هوان فان عشت فلم انصح وان مت فانع لي ذوي النصح من بعدي بك لسان
ثم ان الحكيم قال للملك ايكون هذا جزائي منك،

فتجازيني مجازاه التمساح قال الملك:

وما حكايه التمساح،

فقال الحكيم لا يمكنني ان اقولها،

وانا في هذا الحال فبالله عليك ابقني يبقيك الله،

ثم ان الحكيم بكى بكاء شديدا فقام بعض خواص الملك وقال ايها الملك هب لنا دم هذا الحكيم،

لاننا ما رايناه فعل معك ذنبا الا ابراك من مرضك الذي اعيا الاطباء والحكماء.

فقال لهم الملك لم تعرفوا سبب قتلي لهذا الحكيم وذلك لاني ان ابقيته فانا هالك لا محالة ومن ابراني من المرض الذي كان بي بشيء امسكته بيدي فيمكنه ان يقتلني بشيء اشمه،

فانا اخاف ان يقتلني وياخذ علي جعاله لانه ربما كان جاسوسا وما جاء الا ليقتلني فلا بد من قتله وبعد ذلك امن على نفسي فقال الحكيم ابقني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله.

فلما تحقق الحكيم ايها العفريت ان الملك قاتله لا محالة قال له ايها الملك ان كان ولا بد من قتلي فامهلني حتى انزل الى داري فاخلص نفسي واوصي اهلي وجيراني ان يدفنوني واهب كتب الطب وعندي كتاب خاص الخاص اهبه لك هديه تدخره في خزانتك،

فقال الملك للحكيم وما هذا الكتاب قال:

فيه شيء لا يحصى واقل ما فيه من الاسرار اذا قطعت راسي وفتحته وعددت ثلاث ورقات ثم تقرا ثلاث اسطر من الصحيفة التي على يسارك فان الراس تكلمك وتجاوبك عن كل ما سالتها عنه.

فتعجب الملك غايه العجب واهتز من الطرب وقال له ايها الحكيم:

وهل اذا قطعت راسك تكلمت فقال نعم ايها الملك وهذا امر عجيب،

ثم ان الملك ارسله مع المحافظة عليه،

فنزل الحكيم الى داره وقضى اشغاله في ذلك اليوم وفي اليوم الثاني طلع الحكيم الى الديوان وطلعت الامراء والوزراء والحجاب والنواب وارباب الدوله جميعا وصار الديوان كزهر البستان واذا بالحكيم دخل الديوان،

ووقف قدام الملك ومعه كتاب عتيق ومكحله فيها ذرور،

وجلس وقال ائتوني بطبق،

فاتوه بطبق وكتب فيه الذرور وفرشه وقال:

ايها الملك خذ هذا الكتاب ولا تعمل به،

حتى تقطع راسي فاذا قطعتها فاجعلها في ذلك الطبق وامر بكبسها على ذلك الذرور فاذا فعلت ذلك فان دمها ينقطع،

ثم افتح الكتاب ففتحه الملك فوجده ملصوقا فحط اصبعه في فمه وبله بريقه وفتح اول ورقه والثانية والثالثة والورق ما ينفتح الا بجهد،

ففتح الملك ست ورقات ونظر فيها فلم يجد كتابة فقال الملك:

ايها الحكيم ما فيه شيء مكتوب فقال الحكيم قلب زياده على ذلك فقلب فيه زياده فلم يكن الا قليلا من الزمان حتى سرى فيه السم لوقته وساعته فان الكتاب كان مسموما فعند ذلك تزحزح الملك وصاح وقد قال:

سرى في السم،

فانشد الحكيم رويان يقول:

تحكموا فاستطالوا في حكومتهم وعن قليل كان الحكم لم يكن
لو انصفوا انصفوا لكن بغوا فبغى عليهم الدهر بالافات والمحن

واصبحوا ولسان الحال يشدهم هذا بذاك ولا عتب على الزمن
فلما فرغ رويان الحكيم من كلامه سقط الملك ميتا لوقته،

فاعلم ايها العفريت ان الملك يونان لو ابقى الحكيم رويان لابقاه الله،

ولكن ابى وطلب قتله فقتله الله وانت ايها العفريت لو ابقيتني لابقاك الله.

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح،

فقالت لها اختها دنيازاد:

ما احلى حديثك فقالت:

واين هذا مما احدثكم به الليلة القابله ان عشت وابقاني الملك،

وباتوا الليلة في نعيم وسرور الى الصباح،

ثم اطلع الملك الى الديوان ولما انفض الديوان دخل قصره واجتمع باهله.

ففي الليلة السادسة قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الصياد لما قال للعفريت لو ابقيتني كنت ابقيتك،

لكن ما اردت الا قتلي فانا اقتلك محبوسا في هذا القمقم،

والقيك في هذا البحر ثم صرخ المارد وقال بالله عليك ايها الصياد لا تفعل وابقني كرما ولا تؤاخذني بعملي،

فاذا كنت انا مسيئا كن انت محسنا،

وفي الامثال السائره يا محسنا لمن اساء كفي المسيء فعله ولا تعمل عمل امامه مع عاتكه.

قال الصياد وما شانهما،

فقال العفريت ما هذا وقت حديث وانا في السجن حتى تطلعني منه وانا احدثك بشانهما فقال الصياد لا بد من القائك في البحر ولا سبيل الى اخراجك منه فاني كنت استعطفك واتضرع اليك وانت لا تريد الا قتلي من غير ذنب استوجبته منك،

ولا فعلت معك سوءا قط ولم افعل معك الا خيرا،

لكوني اخرجتك من السجن،

فلما فعلت معي ذلك،

علمت انك رديء الاصل،

واعلم انني ما رميتك في هذا البحر،

الا لاجل ان كل من اطلعك اخبره بخبرك،

واحذره منك فيرميك فيه،

ثانيا فنقيم في هذا البحر الى اخر الزمان حتى ترى انواع العذاب.

فقال العفريت:

اطلقني فهذا وقت المروءات وانا اعاهدك اني لم اسؤك ابدا بل انفعك بشيء يغنيك دائما،

فاخذ الصياد عليه العهد انه اذا اطلقه لا يؤذيه ابدا بل يعمل معه الجميل فلما استوثق منه بالايمان والعهود وحلفه باسم الله الاعظم فتح له الصياد فتصاعد الدخان حتى خرج وتكامل فصار عفريتا مشوه الخلقه ورفس القمقم في البحر.

فلما راى الصياد انه رمى القمقم في البحر ايقن بالهلاك وبال في ثيابه،

وقال هذه ليست علامه خير،

ثم انه قوى قلبه وقال:

ايها العفريت قال الله تعالى:

واوفوا العهد،

ان العهد كان مسؤولا وانت قد عاهدتني وحلفت انك لا تغدر بي فان غدرت بي يجرك الله فانه غيور يمهل ولا يهمل،

وانا قلت لك مثل ما قاله الحكيم رويان للملك يونان ابقني يبقيك الله.

فضحك العفريت ومشي قدامه،

وقال ايها الصياد اتبعني فمشي الصياد وراءه وهو لم يصدق بالنجاه الى ان خرجا من ظاهر المدينه وطلعا على جبل ونزلا الى بريه متسعه واذا في وسطها بركة ماء،

فوقف العفريت عليها وامر الصياد ان يطرح الشبكه ويصطاد،

فنظر الصياد الى البركه،

واذا بهذا السمك الوانا،

الابيض والاحمر والازرق والاصفر،

فتعجب الصياد من ذلك ثم انه طرح شبكته وجذبها فوجد فيها اربع سمكات،

كل سمكه بلون،

فلما راها الصياد فرح.

فقال له العفريت ادخل بها الى السلطان وقدمها اليه،

فانه يعطيك ما يغنيك وبالله اقبل عذري فانني في هذا الوقت لم اعرف طريقا وانا في هذا البحر مدة الف وثمانمائه عام،

ما رايت ظاهر الدنيا الا في هذه الساعة ولا تصطد منها كل يوم الا مره واحده واستودعتك الله،

ثم دق الارض بقدميه فانشقت وابتلعته ومضى الصياد الى المدينه متعجب مما جرى له مع هذا العفريت ثم اخذ السمك ودخل به منزله واتى بماجور ثم ملاه ماء وحط فيه السمك فاختبط السمك من داخل الماجور في الماء ثم حمل الماجور فوق راسه وقصد به قصر الملك كما امره العفريت.

فلما طلع الصياد الى الملك وقدم له السمك تعجب الملك غايه العجب من ذلك السمك الذي قدمه اليه الصياد لانه لم ير في عمره مثله صفه ولا شكلا،

فقال:

القوا هذا السمك للجاريه الطباخه،

وكانت هذه الجاريه قد اهداها له ملك الروم منذ ثلاثه ايام وهو لم يجربها في طبيخ فامرها الوزير ان تقليه،

وقال لها يا جاريه ان الملك يقول لك ما ادخرت دمعتي الا لشدتي ففرجينا اليوم على طهيك وحسن طبيخك فان السلطان جاء اليه واحد بهديه ثم رجع الوزير بعدما اوصاها فامره الملك ان يعطي الصياد اربعمائه دينار فاعطاه الوزير اياها فاعطاها فاخذها الوزير في حجره وتوجه الى منزله لزوجته،

وهو فرحان مسرور ثم اشترى لعياله ما يحتاجون اليه هذا ما كان من امر الصياد.

واما ما كان من امر الجاريه فانها اخذت السمك ونظفته ورصته،

في الطاجن ثم انها تركت السمك حتى استوى وجهه وقلبته على الوجه الثاني،

واذا بحائط المطبخ قد انشقت وخرجت منها صبيه رشيقه القد اسيله الخد كاملة الوصف كحيله الطرف بوجه مليح وقد رجيح لابسه كوفيه من خز ازرق وفي اذنيها حلق وفي معاصمها اساور وفي اصابعها خواتيم بالفصوص المثمنه وفي يدها قضيب من الخيزران فغرزت القضيب في الطاجن وقالت:

يا سمك يا سمك هل انت على العهد القديم مقيم،

فلما رات الجاريه هذا غشي عليها وقد اعادت الصبيه القول ثانيا وثالثا فرفع السمك راسه في الطاجن وقال:

نعم،

نعم ثم قال جميعه هذا البيت:

ان عدت عدنا وان وافيت وافينا وان هجرت فانا قد تكافينا
فعند ذلك قلبت الصبيه الطاجن وخرجت من الموضع الذي دخلت منه والتحمت حائط المطبخ ثم اقامت الجاريه فرات الاربع سمكات محروقه مثل الفحم الاسود،

فقالت تلك الجاريه من اول غزوته حصل كسر عصبته فبينما هي تعاتب نفسها،

واذا بالوزير واقف على راسها،

وقال لها هاتي السمك للسلطان فبكت الجاريه واعلمت الوزير بالحال انه ارسل الى الصياد فاتوا به اليه،

فقال له ايها الصياد لا بد ان تجيب لنا باربع سمكات مثل التي جئت بها اولا.

فخرج الصياد الى البركة وطرح شبكته ثم جذبها واذا باربع سمكات،

فاخذها وجاء بها الى الوزير،

فدخل بها الوزير الى الجاريه وقال لها قومي اقليها قدامي،

حتى ارى هذه القضية فقامت الجاريه اصلحت السمك،

ووضعته في الطاجن على النار فما استقر الا قليلا واذا بالحائط قد انشقت،

والصبيه قد ظهرت وهي لابسه ملبسها وفي يدها القضيب فغرزته في الطاجن وقالت:

يا سمك هل انت على العهد القديم مقيم،

فرفعت السمكات رؤوسها وانشدت هذا البيت:

ان عدت عدنا وان وافيت وافينا وان هجرت فانا قد تكافينا
وفي الليلة السابعة قالت:

بلغني ايها الملك السعيد انه لما تكلم السمك قلبت الصبيه الطاجن بالقضيب وخرجت من الموضع الذي جاءت منه والتحم الحائط،

فعند ذلك قام الوزير وقال:

هذا امر لا يمكن اخفاؤه عن الملك،

ثم انه تقدم الى الملك واخبره بما جرى قدامه فقال:

لا بد ان انظر بعين،

فارسل الى الصياد وامره ان ياتي باربع سمكات مثل الاول وامهله ثلاثه ايام.

فذهب الصياد الى البركة واتاه بالسمك في الحال.

فامر الملك ان يعطوه اربعمائه دينار.

ثم التفت الملك الى الوزير وقال له:

سو انت السمك ههنا قدامي فقال الوزير سمعا وطاعه،

فاحضر الطاجن ورمى فيه السمك بعد ان نظفه ثم قلبه واذا بالحائط قد انشق وخرج منه عبد اسود كانه ثور من الثيران او من قوم عاد وفي يده قرع من شجره خضراء وقال بكلام فصيح مزعج:

يا سمك يا سمك هل انت على العهد القديم مقيم

فرفع السمك راسه من الطاجن وقال:

نعم وانشد هذا البيت:

ان عدت عدنا وان وافيت وافينا وان هجرت فانا قد تكافينا
ثم اقبل العبد على الطاجن وقلبه بالفرع الى ان صار فحما اسود،

ثم ذهب العبد من حيث اتى،

فلما غاب العبد عن اعينهم قال الملك:

هذا امر لا يمكن السكوت عنه،

ولا بد ان هذا السمك له شان غريب،

فامر باحضار الصياد،

فلما حضر قال له:

من اين هذا السمك فقال له من بركة بين اربع جبال وراء هذا الجبل الذي بظاهر مدينتك،

فالتفت الملك الى الصياد وقال له:

مسيره كم يوم،

قال له يا مولاننا السلطان مسيره نصف ساعه.

فتعجب السلطان وامر بخروج العسكر من وقته مع الصياد فصار الصياد يلعن العفريت وساروا الى ان طلعوا الجبل ونزلوا منه الى بريه متسعه لم يروها مدة اعمارهم والسلطان وجميع العسكر يتعجبون من تلك البريه التي نظروها بين اربع جبال والسمك فيها على اربعه الوان ابيض واحمر واصفر وازرق.

فوقف الملك متعجبا وقال للعسكر ولمن حضر:

هل احد منكم راى هذه البركة في هذا المكان،

فقالوا كلهم لا،

فقال الملك:

والله لا ادخل مدينتي ولا اجلس على تخت ملكي حتى اعرف حقيقة هذه البركة وسمكها.

ثم امر الناس بالنزول حول هذه الجبال فنزلوا،

ثم دعا بالوزير وكان وزيرا عاقلا عالما بالامور،

فلما حضر بين يديه قال له:

اني اردت ان اعمل شيئا فاخبرك به وذلك انه خطر ببالي ان انفرد بنفسي في هذه الليلة وابحث عن خبر هذه البركة وسمكها،

فاجلس على باب خيمتي وقل للامراء والوزراء والحجاب ان السلطان متشوش وامرني ان لا اؤذن لاحد في الدخول عليه ولا تعلم احد بقصدي،

فلم يقدر الوزير على مخالفته.

ثم ان الملك غير حالته وتقلد سيفه وانسل من بينهم ومشي بقيه ليلة الى الصباح،

فلم يزل سائرا حتى اشتد عليه الحر فاستراح ثم مشي بقيه يومه وليلته الثانية الى الصباح فلاح له سواد من بعد ففرح وقال:

لعلي اجد من يخبرني بقضية البركة وسمكها،

فلما قرب من السواد وجده قصرا مبنيا بالحجاره السود مصفحا بالحديد واحد شقي بابه مفتوح والاخر مغلق.

ففرح الملك ووقف على الباب ودق دقا لطيفا فلم يسمع جوابا،

فدق ثانيا وثالثا فلم يسمع جوابا،

فدق رابعا دقا مزعجا فلم يجبه احد،

فقال لا بد انه خال،

فشجع نفسه ودخل من باب القصر الى دهليز ثم صرخ وقال:

يا اهل القصر اني رجل غريب وعابر سبيل،

هل عندكم شيء من الزاد

واعاد القول ثانيا وثالثا فلم يسمع جوابا،

فقوي قلبه وثبت نفسه ودخل من الدهليز الى وسط القصر فلم يجد فيه احد،

غير انه مفروش وفي وسطه فسقيه عليها اربع سباع من الذهب تلقي الماء من افواهها كالدر والجواهر وفي دائره طيور وعلى ذلك القصر شبكه تمنعها من الطلوع،

فتعجب من ذاك وتاسف حيث لم ير فيه احد يستخبر منه عن تلك البركة والسمك والجبال والقصر،

ثم جلس بين الابواب يتفكر واذا هو بالين من كبد حزين فسمعه يترنم بهذا الشعر:

لما خفيت ضنى ووجدي قد ظهر والنوم من عيني تبدل بالسهر ناديت وجدا قد تزايد بي الفكر يا وجد لا تبقى علي ولا تذر
ها مهجتي بين المشقه والخطر

فلما سمع السلطان ذلك الانين نهض قائما وقصد جهته فوجد سترا مسبولا على باب مجلس فرفعه فراى خلف الستر شابا جالسا على سرير مرتفع عن الارض مقدار ذراع،

وهو شاب مليح بقد رجيح ولسان فصيح وجبين ازهر وخدا احمر وشامه على كرسي خده كترس من عنبر كما قال الشاعر:

ومهفهف من شعره وجبينه مشت الورى في ظلمه وضياء
ما ابصرت عيناك احسن منظر فيما يرى من سائر الاشياء

كالشامه الخضراء فوق الوجنه الحمراء تحت المقله السوداء
ففرح به الملك وسلم عليه والصبي جالس وعليه قباء حرير بطراز من ذهب لكن عليه اثر الحزن،

فرد السلام على الملك وقال له:

يا سيدي اعذرني عن عدم القيام،

فقال الملك:

ايها الشاب اخبرني عن هذه البركة وعن سمكها الملون وعن هذا القصر وسبب وحدتك فيه وما سبب بكائك

فلما سمع الشاب هذا الكلام نزلت دموعه على خده وبكى بكاء شديدا،

فتعجب الملك وقال:

ما يبكيك ايها الشاب

فقال كيف لا ابكي وهذه حالتي،

ومد يده الى اذياله فاذا نصفه التحتاني الى قدميه حجر ومن صرته الى شعر راسه بشر.

ثم قال الشاب:

اعلم ايها الملك ان لهذا امرا عجيبا لو كتب بالابر على افاق البصر لكان عبره لمن اعتبر،

وذلك يا سيدي انه كان والدي ملك هذه المدينه وكان اسمع محمود الجزائر السود وصاحب هذه الجبال الاربعه اقام في الملك سبعين عاما ثم توفي والدي وتسلطنت بعده وتزوجت بابنه عمي وكانت تحبني محبه عظيمه بحيث اذا غبت عنها لا تاكل ولا تشرب حتى تراني،

فمكثت في عصمتي خمس سنين الى ان ذهبت يوما الى الحمام فامرت الطباخ ان يجهز لنا طعاما لاجل العشاء،

ثم دخلت هذا القصر ونمت في الموضع الذي انا فيه وامرت جاريتين ان يروحا على وجهي فجلست واحده عند راسي والاخرى عند رجلي وقد قلقت لغيابها ولم ياخذني نوم غير ان عيني مغمضه ونفسي يقظانه.

فسمعت التي عند راسي تقول للتي عند رجلي يا مسعوده ان سيدنا مسكين شبابه ويا خسارته مع سيدتنا الخبيثه الخاطئه.

فقالت الاخرى:

لعن الله النساء الزانيات ولكن مثل سيدنا واخلاقه لا يصلح لهذه الزانيه التي كل ليلة تبيت في غير فراشه.

فقالت التي عند راسي:

ان سيدنا مغفل حيث لم يسال عنها.

فقالت الاخرى ويلك وهل عند سيدنا علم بحالها او هي تخليه باختياره بل تعمل له عملا في قدح الشراب الذي يشربه كل ليلة قبل المنام فتضع فيه البنج فينام ولم يشعر بما يجري ولم يعلم اين تذهب ولا بما تصنع لانها بعدما تسقيه الشراب تلبس ثيابها وتخرج من عنده فتغيب الى الفجر وتاتي اليه وتبخره عند انفه بشيء فيستيقظ من منامه.

فلما سمعت كلام الجواري صار الضيا في وجهي ظلاما وما صدقت ان الليل اقبل وجاءت بنت عمي من الحمام فمدا السماط واكلنا وجلسنا ساعة زمنيه نتنادم كالعاده ثم دعوت بالشراب الذي اشربه عند المنام فناولتني الكاس فراوغت عنه وجعلت اشربه مثل عادتي ودلقته في عبي ورقدت في الوقت والساعة واذا بها قالت:

نم ليتك لم تقم،

والله كرهتك وكرهت صورتك وملت نفسي من عشرتك.

ثم قامت ولبست اخفر ثيابها وتبخرت وتقلدت سيفا وفتحت باب القصر وخرجت.

فقمت وتبعتها حتى خرجت وشقت في اسواق المدينه الى ان انتهت الى ابواب المدينه فتكلمت بكلام لا افهمه فتساقطت الاقفال وانفتحت الابواب وخرجت وانا خلفها وهي لا تشعر حتى انتهت الى ما بين الكيمان واتت حصنا فيه قبه مبنيه بطين لها باب فدخلته هي وصعدت انا على سطح القبه واشرفت عليها اذا بها قد دخلت على عبد اسود احدى شفتيه غطاء وشفته الثانية وطاء وشفاهه تلقط الرمل من الحصى وهي مبتلي وراقد على قليل من قش القصب فقبلت الارض بين يديه.

فرفع ذلك العبد راسه اليها وقال لها:

ويلك ما سبب قعودك الى هذه الساعة كان عندنا السودان وشربوا الشراب وصار كل واحد بعشيقته وانا ما رضيت ان اشرب من شانك،

فقالت:

يا سيدي وحبيب قلبي اما تعلم اني متزوجه بابن عمي وانا اكره النظر في صورته وابغض نفسي في صحبته،

ولولا اني اخشى على خاطرك لكنت جعلت المدينه خرابا يصبح فيها البوم والغراب وانقل حجارتها الى جبل قاف.

فقال العبد:

تكذبين يا عاهره وانا احلف وحق فتوه السودان والا تكون مروءتنا مروءه البيضان.

ان بقيت تقعدي الى هذا الوقت من هذا اليوم لا اصاحبك ولا اضع جسدي على جسدك،

يا خائنه تغيبين علي من اجل شهوتك يا منتنه يا اخت البيضان.

قال الملك:

فلما سمعت كلامها وانا انظر بعيني ما جرى بينهما صارت الدنيا في وجهي ظلاما ولم اعرف روحي في اي موضع وصارت بنت عمي واقفه تبكي اليه وتتدلل بين يديه وتقول له:

يا حبيبي وثمره فؤادي ما احد غيرك بقي لي فان طردتني يا ويلي يا حبيبي يا نور عيني.

وما زالت تبكي وتضرع له حتى رضي عليها ففرحت قامت وقلعت ثياب ولباسها وقالت له:

يا سيدي هل عندك ما تاكله جاريتك،

فقال لها اكشفي اللقان فان تحتها عظام فيران مطبوخه فكليها ومرمشيها وقومي لهذه القواره تجدين فيها بوظه فاشربيها.

فقامت واكلت وشربت وغسلت يديها،

وجاءت فرقدت مع العبد على قش القصب وتعرت ودخلت معه تحت الهدمه والشرايط فلما نظرت هذه الفعال التي فعلتها بنت عمي وهممت ان اقتل الاثنين فضربت العبد اولا على رقبته فظننت انه قضي عليه.

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح،

فلما اصبح الصباح دخل الملك الى محل الحكم واحتبك الديوان الى اخر النهار،

ثم طلع الملك قصره فقالت لها اختها دنيازاد:

تممي لنا حديثك،

قالت:

حبا وكرامه.

وفي الليلة الثامنة قالت:

بلغني ايها الملك السعيد،

ان الشاب المسحور قال للملك:

لما ضربت العبد لاقطع راسه قطعت الحلقوم والجلد واللحم فظننت اني قتلته فشخر شخيرا عاليا فتحركت بنت عمي وقامت بعد ذهابي فاخذت السيف وردته الى موضعه واتت المدينه ودخلت القصر ورقدت في فراشي الى الصباح،

ورايت بنت عمي في ذلك اليوم قد قطعت شعرها ولبست ثياب الحزن وقالت:

يا ابن عمي لا تلمني فيما افعله،

فانه بلغني ان والدتي توفيت وان والدي قتل في الجهاد،

وان اخوي احدهما مات ملسوعا والاخر رديما فيحق لي ان ابكي واحزن،

فلما سمعت كلامها سكت عنها وقلت لها:

افعلي ما بدا لك فاني لا اخالفك،

فمكثت في حزن وبكاء وعددي سنه كاملة من الحول الى الحول،

وبعد السنه قالت لي اريد ان ابني في قصرك مدفنا مثل القبه وانفرد فيه بالاحزان اسميه بيت الاحزان.

فقلت لهاك افعلي ما بدا لك فبنت لها بيتا للحزن في وسطه قبه ومدفنا مثل الضريح ثم نقلت العبد وانزلته فيه وهو ضعيف جدا لا ينفعها بنافعه لكنه يشرب الشراب،

ومن اليوم الذي جرحته فيه ما تكلم الا انه حي لان اجله لم يفرغ فصارت كل يوم تدخل عليه القبه بكره وعشيا وتبكي عنده،

وتعدد عليه وتسقيه الشراب والمساليق ولم تزل على هذه الحالة صباحا ومساء الى ثاني سنه وانا اطول بالي عليها الى ان دخلت عليها يوما من الايام،

على غفله فوجدتها تبكي وتلطم وجهها وتقول هذه الابيات:

عدمت وجودي في الورى بعد بعدكم فان فؤادي لا يحب سواكم
خذوا كرما جسمي الى اين ترتموا واين حللتم فادفنوني حداكم

وان تذكروا اسمي عند قبري يجيبكم انين عظامي عند صوت نداكم
فلما فرغت من شعرها قلت لها وسيفي مسلول في يدي:

هذا كلام الخائنات اللاتي يسكرن المعشره،

ولا يحفظن الصحة واردت ان اضربها فرفعت يدي في الهواء فقامت وقد علمت اني انا الذي جرح العبد ثم وقعت على قدميها وتكلمت بكلام لا افهمه،

وقالت جعل الله بسحري نصفك حجرا ونصفك الاخر بشرا،

فصرت كما ترى وبقيت لا اقوم ولا اقعد ولا انا ميت ولا انا حي.

فلما صرت هكذا سحرت المدينه وما فيها من الاسواق والغبطان وكانت مدينتنا اربعه اصناف مسلمين ونصارى ويهود ومجوس فسحرتهم سمكا،

فالابيض مسلمون والاحمر مجوس والازرق نصارى والاصفر يهود وسحرت الجزائر الاربعه جبال واحاطتها بالبركه،

ثم انها كل يوم تعذبني،

وتضربني بسوط من الجلد مائه ضربه حتى يسيل الدم ثم تلبسني من تحت هذه الثياب ثوبا من الشعر على نصفي الفوقاني ثم ان الشاب بكى وانشد:

صبرا لحكمك يا اله القضا انا صابر ان كان فيه لك الرضا قد ضقت بالاسر الذي قد نابني فوسيلني ال النبي المرتضى
فعند ذلك التفت الملك الى الشاب وقال له:

ايها الشاب زدتني هما على همي،

ثم قال له:

واين تلك المرأة قال في المدفن الذي فيه العبد راقد في القبه وهي تجيء له كل يوم مره وعند مجيئها تجيء الى وتجردني من ثيابي وتضربني بالسوط مئه ضربه وانا ابكي واصيح ولم يكن في حركة حتى ادفعها عن نفسي ثم بعد ان تعاقبني تذهب الى العبد بالشراب والمسلوقه بكره النهار.

قال الملك:

والله يا فتى لافعلن معك معروفا اذكر به وجميلا يؤرخونه سيرا من بعدي،

ثم جلس الملك يتحدث معه الى ان اقبل الليل ثم قام الملك وصبر الى ان جاء وقت السحر فتجرد من ثيابه وتقلد سيفه ونهض الى المحل الذي فيه العبد فنظر الى الشمع والقناديل وراى البخور والادهان ثم قصد العبد وضربه فقتله ثم حمله على ظهره ورماه في بئر كانت في القصر،

ثم نزل ولبس ثياب العبد وهو داخل القبه والسيف معه مسلول في طوله،

فبعد ساعة اتت العاهره الساحره وعند دخولها جردت ابن عمها من ثيابه واخذت سوطا،

وضربته فقال اه يكفيني ما انا فيه فارحميني فقالت:

هل كنت انت رحمتني وابقيت لي معشوق،

ثم البسته اللباس الشعر والقماش من فوقه ثم نزلت الى العبد ومعها قدح الشراب وطاسه المسلوقه ودخلت عليه القبه وبكت وولولت وقالت:

يا سيدي كلمني يا سيدي حدثني وانشدت تقول:

فالى متى هذا التجنب والجفا ان الذي فعل الغرام لقد كفى كم قد تطيل الهجر لي معتمدا ان كان قصدك حاسدي فقد اشتفى
ثم انها بكت وقالت:

يا سيدي كلمني وحدثني فخفض صوته،

وعوج لسانه وتكلم بكلام السودان وقال:

اه لا حول ولا قوه الا بالله فلما سمعت كلامه صرخت من الفرح وغشي عليها ثم انها استفاقت وقالت لعل سيدي صحيح،

فخفض صوته بضعف وقال:

يا عاهره انت لا تستحقي ان اكلمك،

قالت ما سبب ذلك،

قال سببه انك طول النهار تعاقبين زوجك وهو يصرخ ويستغيث حتى احرمتيني النوم من العشاء الى الصباح،

ولم يزل زوجك يتضرع ويدعو عليك حتى اقلقني صوته ولولا هذا لكنت تعافيت فهذا الذي منعني عن جوابك،

فقالت عن اذنك اخلصه مما هو فيه،

فقال لها:

خلصيه واريحينا فقالت:

سمعا وطاعه.

ثم قامت وخرجت من القبه الى القصر واخذت طاسه ملاتها ماء ثم تكلمت عليها فصار الماء يغلي بالقدر ثم رشته منها وقالت:

بحق ما تلوته ان تخرج من هذه الصورة الى صورتك الاولى:

فانتفض الشاب وقام على قدميه،

وفرح بخلاصه وقال:

اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ثم قالت له:

اخرج ولا ترجع الى هنا والا قتلتك وصرخت في وجهه.

فخرج من بين يديها وعادت الى القبه ونزلت وقالت:

يا سيدي اخرج الى حتى انظرك،

فقال لها بكلام ضعيف اي شيء فعلتيه،

ارحتيني من الفرع ولم تريحيني من الاصل،

فقالت يا حبيبي وما هو الاصل قال:

اهل هذه المدينه والاربع جزائر كل ليله،

اذا انتصف الليل يرفع السمك راسه ويدعو علي وعليك فهو سبب منع العافيه عن جسمي،

فخلصيهم وتعالي خذي بيدي،

واقيميني،

فقد توجهت الى العافيه فلما سمعت كلام الملك وهي تظنه العبد،

قالت له وهي فرحه يا سيدي على راسي وعيني بسم الله،

ثم نهضت وقامت وهي مسروره تجري وخرجت الى البركة واخذت من مائها قليلا،

وادرك شهريار الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

ففي الليلة التاسعة قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الصبيه الساحره،

لما اخذت شيئا من هذه البركة وتكلمت عليه بكلام لا يفهم تحرك السمك،

ورفع راسه وصار ادميين في الحال،

وانفك السحر عن اهل المدينه واصبحت عامره والاسواق منصوبه،

وصار كل واحد في صناعته وانقلبت الجبال جزائر،

كما كانت ثم ان الصبيه الساحره رجعت الى الملك في الحال وهي تظن انه العبد،

وقالت يا حبيبي ناولني يدك الكريمه اقبلها.

فقال الملك بكلام خفي:

تقربي مني،

فدنت منه وقد اخذ صارمه وطعنها به في صدرها حتى خرج من ظهرها ثم ضربها فشقها نصفين وخرج فوجد الشاب المسحور واقفا في انتظاره فهناه بالسلامة وقبل الشاب يده وشكره فقال له الملك:

تقعد مدينتك ان تجيء معي الى مدينتي

فقال الشاب:

يا ملك الزمان اتدري ما بينك وبين مدينتك

فقال يومان ونصف فعند ذلك قال له الشاب:

ان كنت نائما فاستيقظ ان بينك وبين مدينتك سنه للمجد وما اتيت في يومين ونصف الا لان المدينه كانت مسحوره وانا ايها الملك لا افارقك لحظه عين.

ففرح الملك بقوله ثم قال الحمد لله الذي من علي بك فانت ولدي لاني طول عمري لم ارزق ولدا.

ثم تعانقا وفرحا فرحا شديدا،

ثم مشيا حتى وصلا الى القصر واخبر الملك الذي كان مسحورا ارباب دولته انه مسافر الى الحج الشريف فهيئوا له كل ما يحتاج اليه ثم توجه هو والسلطان وقلب السلطان ملتهب على مدينته حيث غاب عنها سنه.

ثم سافر ومعه خمسون مملوكا ومعه الهدايا،

ولم يزالا مسافرين ليلا ونهارا سنه كاملة حتى اقبلا على مدينه السلطان.

فخرج الوزير والعساكر بعدما قطعوا الرجاء منه واقبلت العساكر وقبلت الارض بين يديه وهنؤه بالسلامة فدخل وجلس على الكرسي ثم اقبل على الوزير واعلمه بكل ما جرى على الشاب،

فلما سمع الوزير ما جرى على الشاب هناه بالسلامه.

ولما استقر الحال انعم السلطان على اناس كثيرون،

ثم قال للوزير علي بالصياد الذي اتى بالسمك فارسل الى ذلك الصياد الذي كان سببا لخلاص اهل المدينه فاحضره وخلع عليه وساله عن حالة وهل له اولاد فاخبره ان له ابنا وبنتين فتزوج الملك باحدى بنتيه وتزوج الشاب بالاخرى،.

واخذ الملك الابن عنده وجعله خازندارا،

ثم ارسل الوزير الى مدينه الشاب التي هي الجزائر السود وقلده سلطنتها وارسل معه الخمسين مملوكا الذين جاؤوا معه وكثيرا من الخلع لسائر الامراء.

فقبل الوزير يديه وخرج مسافرا واستقر السلطان والشاب.

واما الصياد فانه قد صار اغنى اهل زمانه وبناته زوجات الملوك الى ان اتاهم الممات،

وما هذا باعجب مما جرى للحمال.

حكايه الحمال مع البنات[عدل] فانه كان انسان من مدينه بغداد وكان حمالا.

فبينما هو في السوق يوما من الايام متكئا على قفصه اذ وقفت عليه امراه ملتفه بازار موصلي من حرير مزركش بالذهب وحاشيتاه من قصب فرفعت قناعها فبان من تحته عيون سوداء باهداب واجفان وهي ناعمه الاطراف كاملة الاوصاف،

وبعد ذلك قالت بحلاوه لفظها:

هات قفصك واتبعني.

فحمل الحمال القفص وتبعها الى ان وقفت على باب دار فطرقت الباب فنزل له رجل نصراني،

فاعطته دينارا واخذت منه مقدارا من الزيتون ووضعته في القفص وقالت له:

احمله واتبعني،

فقال الحمال:

هذا والله نهار مبارك.

ثم حمل القفص وتبعها فوقفت عند دكان فاكهاني واشترت منه تفاحا شاميا وسفرجلا عثمانيا وخوخا عمانيا وياسمينا حلبيا وبنو فراده شقيا وخيارا نيليا وليمونا مصريا وتمر حنا وشقائق النعمان وبنفسجا ووضعت الكل في قفص الحمال وقالت له:

احمل،

فحمل وتبعها حتى وقفت على جزار وقالت له:

اقطع عشره ارطال لحمه فقطع لها،

ولفت اللحم في ورق موز ووضعته في القفص وقالت له:

احمل يا حمال فحمل وتبعها،

ثم وقفت على النقلي واخذت من سائر النقل وقالت للحمال:

احمل واتبعني فحمل القفص وتبعها الى ان وقفت على دكان الحلواني واشترت طبقا وملاته كل ما عنده من مشبك وقطايف وميمونه وامشاط واصابع ولقيمات القاضي ووضعت كل انواع الحلاوه في الطبق ووضعته في القفص.

فقال الحمال:

لو اعلمتني لجئت معي ببغل تحمل عليه هذه الاشياء،

فتبسمت.

ثم وقفت على العطار واشترت منه عشره مياه ماء ورد وماء زهر وخلافه واخذت قدرا من السكر واخذت ماء ورد ممسك وحصى لبان ذكر وعودا عنبر ومسكا واخذت شمعا اسكندرانيا ووضعت الكل في القفص وقالت للحمال:

احمل قفصك واتبعني،

فحمل القفص وتبعها الى ان اتت دارا مليحه وقدامها رحبه فسيحه وهي عاليه البنيان مشيده الاركان بابها صنع من الابنوس مصفح بصفائح الذهب الاحمر،

فوقفت الصبيه على الباب ودقت دقا لطيفا واذا بالباب انفتح بشقتيه.

فنظر الحمال الى من فتح لها الباب فوجدها صبيه رشيقه القد قاعده النهد ذات حسن وجمال وقد واعتدال وجبين كثغره الهلال وعيون كعيون الغزلان وحواجب كهلال رمضان وخدود مثل شقائق النعمان وفم كخاتم سليمان ووجه كالبدر في الاشراق ونهدين كرمانتين وبطن مطوي تحت الثياب كطي السجل للكتاب.

فلما نظر الحمال اليها سلبت عقله وكاد القفص ان يقع من فوق راسه،

ثم قال:

ما رايت عمري ابرك من هذا النهار،

فقالت الصبيه البوابه للدلاله والحمال مرحبا وهي من داخل الباب ومشوا حتى انتهوا الى قاعه فسيحه مزركشه مليحه ذات تراكيب وشاذر واثاث ومصاطب وسدلات وخزائن عليها الستور مرخيات،

وفي وسط القاعه سرير من المرمر مرصع بالدر والجوهر منصوب عليه ناموسيه من الاطلس الاحمر ومن داخله صبيه بعيون بابليه وقامه الفيه ووجه يخجل الشمس المضيئه،

فكانها بعض الكواكب الدريه او عقيله عربية كما قال فيها الشاعر:

من قاس قدك بالغصن الرطيب فقد اضحى القياس به زورا وبهتانا الغصن احسن ما تلقاه مكتسبا وانت احسن ما تلقاه عريانا
فنهضت الصبيه الثالثة من فوق السرير وخطرت قليلا الى ان صارت في وسط القاعه عند اختيها وقالت:

ما وقوفهم،

حطوا عن راس هذا الحمال المسكين،

فجاءت الدلاله من قدامه والبوابه من خلفه،

وساعدتهما الثالثة وحططن عن الحمال وافرغن ما في القفص وصفوا كل شيء في محله واعطين الحمال دينارين وقلن له:

توجه يا حمال،

فنظر الى البنات وما هن فيه من الحسن والطبائع الحسان فلم ير احسن منهن ولكن ليس عندهن رجال.

ونظر ما عندهن من الشراب والفواكه والمشمومات وغير ذلك فتعجب غايه العجب ووقف عن الخروج،

فقالت له الصبيه:

ما بالك لا تروح

هل انت استقللت الاجره،

والتفتت الى اختها وقالت لها:

اعطيه دينارا اخر فقال الحمال:

والله يا سيداتي ان اجرتي نصفان،

وما استقللت الاجره وانما اشتغل قلبي وسري بكن وكيف حالكن وانتن وحدكن وما عندكن رجال ولا احد يؤانسكن وانتن تعرفن ان المناره لا تثبت الا على اربعه وليس لكن رابع،

وما يكمل حظ النساء الا بالرجال كما قال الشاعر:

انظر الى اربع عندي قد اجتمعت جنك وعود وقانون ومزمار
انتن ثلاثه فتفتقرن الى رابع يكون رجلا عاقلا لبيبا حاذقا وللاسرار كاتما فقلن له:

نحن بنات ونخاف ان نودع السر عند من لا يحفظه،

وقد قرانا في الاخبار شعرا:

صن عن سواك السر لا تودعنه من اودع السر فقد ضيعه
فلما سمع الحمال كلامهن قال:

وحياتكن اني رجل عاقل امين قرات الكتب وطالعت التواريخ،

اظهر الجميل واخفي القبيح واعمل بقول الشاعر:

لا يكتم السر الا كل ذي ثقه والسر عند خيار الناس مكتوم السر عندي في بيت له غلق ضاعت الفاتحه والباب مختوم
فلما سمعت البنات الشعر والنظام وما ابداه من الكلام قلن له:

انت تعلم اننا غرمنا على هذا المقام جمله من المال فهل معك شيء تجازينا به،

فنحن لا ندعك تجلس عندنا حتى تغرم مبلغنا من المال لان خاطرك ان تجلس عندنا وتصير نديمنا وتطلع على وجوهنا الصباح الملاح.

فقالت صاحبه الدار:

واذا كانت بغير المال محبه فلا تساوي وزن حبه،

وقالت البوابه ان يكن معك شيء رح بلا شيء فقالت الدلاله يا اختي نكف عنه فوالله ما قصر اليوم معنا ولو كان غيره ما طول روحه علينا ومهما جاء عليه اغرمه عنه.

ففرح الحمال وقال والله ما استفتحت بالدراهم الا منكن،

فقلن له اجلس على الراس والعين وقامت الدلاله وشدت وسطها وصبت القناني وروقت المدام وعملت الخضره على جانب البحر واحضرت ما يحتاجون اليه ثم قدمت وجلست هي واختها وجلس الحمال بينهن وهو يظن انه في المنام.

ولم يزل الحمال معهن في عناق وتقبيل وهذه تكلمه وهذه تجذبه وهذه بالمشموم تضربه وهو معهن حتى لعبت الخمره بعقولهم.

فلما تحكم الشراب معهم قامت البوابه وتجردت من ثيابها وصارت عريانه ثم رمت نفسها في تلك البحيرة ولعبت في الماء واخذت الماء في فمها وبخت الحمال ثم غسلت اعضاءها وما بين فخذيها ثم طلعت من الماء ورمت نفسها في حجر الحمال وقالت له يا حبيبي ما اسم هذا واشارت الى فرجها.

فقال الحمال رحمك،

فقالت يوه اما تستحي ومسكته من رقبته وصارت تصكه فقال فرجك،

فقالت غيره فقال:

كسك،

فقالت غيره فقال زنبورك،

فلم تزل تصكه حتى ذاب قفاه ورقبته من الصك،

ثم قال لها وما اسمه فقالت له:

حبق الجسور،

فقال الحمد لله على السلامة يا حبق الجسور.

ثم انهم اداروا الكاس والطاس.

فقامت الثانية وخلعت ثيابها ورمت نفسها في تلك البحيرة وعملت مثل الاولى وطلعت ورمت نفسها في حجر الحمال،

واشارت الى فرجها وقالت له نور عيني ما اسم هذا قال فرجك،

فقالت له:

ما يقبح عليك هذا الكلام وصكته كفا طن له سائر ما في القاعه فقال حبق الجسور،

فقالت له:

لا،

والضرب والصك من قفاه فقال لها وما اسمه فقالت له السمسم المقشور.

ثم قامت الثالثة وخلعت ثيابها ونزلت تلك البحيرة وفعلت مثل من قبلها ثم لبست ثيابها والقت نفسها في حجر الحمال وقالت له ايضا ما اسم هذا واشارت الى فرجها،

فصار يقول لها كذا وكذا الى ان قال لها وهي تضربه وما اسمه فقالت خان ابي منصور.

ثم بعد ساعة قام الحمال ونزع ثيابه ونزل البحيرة وذكره يسبح في الماء وغسل مثل ما غسلن.

ثم طلع ورمى نفسه في حجر سيدتهن ورمى ذراعيه في حجر البوابه ورمى رجليه في حجر الدلاله ثم اشار الى ايره،

وقال:

يا سيدتي ما اسم هذا فضحك الكل على كلامه حتى انقلبن على ظهورهن وقلن زبك قال لا واخذ من كل واحده عضه قلن ايرك قال لا،

واخذ من كل واحده حضنا.

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

و في الليلة العاشرة قالت لها اختها دنيازاد:

يا اختي اتمي لنا حديثك قالت حبا وكرامه:

قد بلغني ايها الملك السعيد انهن لم يزلن يقلن زبك،

ايرك وهو يقبل ويعانق وهن يتضاحكن الى ان قلن له وما اسمه قال:

اسمه البغل الجسور الذي رعى حبق الجسور ويلعق السمسم المقشور ويبيت في خان ابي منصور فضحكن حتى استلقين على ظهورهن ثم عادوا الى منادمتهم ولم يزالوا كذلك الى ان اقبل الليل عليهم فقلن للحمال توجه وارنا عرض اكتافك.

فقال الحمال والله خروج الروح اهون من الخروج من عندكن،

دعونا نصل الليل بالنهار وكل منا يروح في حال سبيله فقالت الدلاله بحياتي عندكن تدعنه ينام عندنا نضحك عليه فانه خليع ظريف فقلن له:

تبيت عندنا بشرط ان تدخل تحت الحكم ومهما رايته لا تسال عنه ولا عن سببه،

فقالت نعم،

فقلن قم واقرا ما على الباب مكتوبا،

فقام الى الباب فوجد مكتوبا عليه بماء الذهب:

لا تتكلم فيما لا يعنيك تسمع ما لا يرضيك.

فقال الحمال اشهدوا اني لا اتكلم فيما لا يعنيني،

ثم قامت الدلاله وجهزت لهم ماكولا ثم اوقدوا الشمع والعود وقعدوا في اكل وشرب واذا هم سمعوا دق الباب فلم يختل نظامهم فقامت واحده منهن الى الباب ثم عادت وقالت كمل صفاؤنا في هذه الليلة لاني وجدت بالباب ثلاثه اعجام ذقونهم محلوقه وهم عور بالعين الشمال وهذا من اعجب الاتفاق،

وهم ناس غرباء قد حضروا من ارض الروم ولكل واحد منهم شكل وصورة مضحكه،

فان دخلوا نضحك عليهم.

ولم تزل تتلطف بصاحبتيها حتى قالتا لها دعيهم يدخلون واشترطي عليهم ان لا يتكلموا في ما لا يعنيهم فيسمعوا ما لا يرضيهم.

ففرحت وزاحت ثم عادت ومعها الثلاثه العور ذقونهم محلوقه وشواربهم مبرومه ممشوقه وهم صعاليك فسلموا فقام لهم البنات واقعدوهم فنظر الرجال الثلاثه الى الحمال فوجدوه سكران فلما عاينوه ظنوا انه منهم وقالوا:

هو صعلوك مثلنا يؤانسنا.

فلما سمع الحمال هذا الكلام قام وقلب عينيه وقال لهم:

اقعدوا بلا فضول اما قراتم ما على الباب فضحك البنات وقلن لبعضهن اننا نضحك على الصعاليك والحمال،

ثم وضعن الاكل للصعاليك فاكلوا ثم جلسوا يتنادمون والبوابه تسقيهم.

ولما دار الكاس بينهم قال الحمال للصعاليك يا اخواننا هل معكم حكايه او نادره تسلوننا بها فديت فيهم الحراره وطلبوا الات اللهو فاحضرت لهم البوابه فلموصليا وعودا عراقيا وجنكا عجميا فقام الصعاليك واقفين واخذ واحد منهم الدف،

واخذ واحد العود،

واخذ واحد الجنك وضربوا بها وغنت البنات وصار لهم صوت عال.

فبينما هم كذلك واذا بطارق يطرق الباب،

فقامت البوابه لتنظر من بالباب وكان السبب في دق الباب ان في تلك الليلة نزل هارون الرشيد لينظر ويسمع ما يتجدد من الاخبار هو وجعفر وزيره وسياف نقمته،

وكان من عادته ان يتنكر في صفه التجار،

فلما نزل تلك الليلة ومشي في المدينه جاءت طريقهم على تلك الدار فسمعوا الات الملاهي فقال الخليفه جعفر هؤلاء قوم قد دخل السكر فيهم ونخشى ان يصيبنا منهم شر،

فقال لا بد من دخولنا واريد ان نتحيل حتى ندخل عليهم فقال جعفر:

سمعا وطاعه.

ثم تقدم جعفر وطرق الباب فخرجت البوابه وفتحت الباب،

فقال لها:

يا سيدتي نحن تجار من طبريه ولنا في بغداد عشره ايام ومعنا تجاره ونحن نازلون في خان التجار وعزم علينا تاجر في هذه الليلة فدخلنا عنده وقدم لنا طعاما فاكلنا ثم تنادمنا عنده ساعه،

ثم اذن لنا بالانصراف فخرجنا بالليل ونحن غرباء فتهنا عن الخان الذي نحن فيه فنرجو من مكارمكم ان تدخلونا هذه الليلة نبيت عندكم ولكم الثواب فنظرت البوابه اليهم فوجدتهم بهيئه التجار وعليهم الوقار فدخلت لصاحبتيها وشاورتهما فقالتا لها ادخليهم.

فرجعت وفتحت لهم الباب فقالوا ندخل باذنك،

قالت ادخلوا فدخل الخليفه وجعفر ومسرور فلما اتتهم البنات قمن لهم وخدمنهم وقلن مرحبا واهلا وسهلا بضيوفنا،

ولنا عليكم شرط ان لا تتكلموا فيما لا يعنيكم فتسمعوا ما لا يرضيكم قالوا نعم.

وبعد ذلك جلسوا للشراب والمنادمه فنظر الخليفه الى الصعاليك الثلاثه فوجدهم عور العين الشمال فتعجب منهم ونظر الى البنات وما هم فيه من الحسن والجمال فتحير وتعجب،

واستمر في المنادمه والحديث واتين الخليفه بشراب فقال انا حاج وانعزل عنهم.

فقامت البوابه وقدمت له سفره مزركشه ووضعت عليها بمطيه من الصيني وسكبت فيها ماء الخلاف وارخت فيه قطعة من الثلج ومزجته بسكر فشكرها الخليفه وقال في نفسه لا بد ان اجازيها في غد على فعلها من صنيع الخير،

ثم اشتغلوا بمنادمتهم،

فلما تحكم الشراب قامت صاحبه البيت وخدمتهم،

ثم اخذت بيد الدلاله وقالت:

يا اختي قومي بمقتضى ديننا فقالت لها نعم،

فعند ذلك قامت البوابه واطلعت الصعاليك خلف الابواب قدامهن وذلك بعد ان اخلت وسط القاعه ونادين الحمال وقلن له:

ما اقل مودتك ما انت غريب بل انت من اهل الدار.

فقام الحمال وشد اوسطه وقال:

ما تردن فلن تقف مكانك،

ثم قامت الدلاله وقالت للحمال ساعدني،

فراى كلبتين من الكلاب السود في رقبتيهما جنازير فاخذهما الحمال ودخل بهما الى وسط القاعه فقامت صاحبه المنزل وشمرت عن معصميها واخذت سوطا وقالت للحمال قوم كلبه منهما فجرها في الجنزير وقدمها والكلبه تبكي وتحرك راسها الى الصبيه فنزلت عليها الصبيه بالضرب على راسها والكلبه تصرخ وما زالت تضربها حتى كلت سواعدها فرمت السوط من يدها ثم ضمت الكلبه الى صدرها ومسحت دموعها وقبلت راسها ثم قالت للحمال ردها وهات التاليه،

فجاء بها وفعلت بها مثل ما فعلت بالاولى.

فعند ذلك اشتعل قلب الخليفه وضاق صدره وغمز جعفر ان يسالها،

فقال له بالاشاره اسكت،

ثم التفتت صاحبه البيت للبوابه وقالت لها:

قومي لقضاء ما عليك قالت نعم.

ثم ان صاحبه البيت صعدت على سرير من المرمر مصفح بالذهب والفضه وقالت البوابه والدلاله ائتيا بما عندكما،

فاما البوابه فانها صعدت على سرير بجانبها واما الدلاله فانها دخلت مخدعا واخرجت منه كيسا من الاطلس باهداب خضر ووقفت قدام الصبيه صاحبه المنزل ونفضت الكيس واخرجت منه عودا واصلحت اوتاره وانشدت هذه الابيات:

ردوا على جفني النوم الذي سلبا وخبروني بعقلي ايه ذهبا
علمت لما رضيت الحب منزله ان المنام على جفني قد غصبا

قالوا عهدناك من اهل الرشاد فما اغواك قلت اطلبوا من لحظه السببا

اني له عن دمي المسفوك معتذر اقول حملته في سفكه تعبا

القى بمراه فكري شمس صورته فعكسها شب في احشائي اللهبا

من صاغه الله من ماء الحياة وقد اجرى بقيته في ثغره شنبا

ماذا ترى في محب ما ذكرت له الا شكى او بكى او حن او اطربا

يرى خيالك في الماء الذلال اذا رام الشراب فيروى وهو ما شربا
وانشدت ايضا:

سكرت من لحظه لا من مدامته ومال بالنوم عن عيني تمايله
فما السلاف سلتني بل سوالفه وما الشمل شلتني بل شمائله

لوي بعزمي اصداع لوين له و غال عقلي بما نحوى غلائله
فلما سمعت الصبيه ذلك،

قالت طيبك الله،

ثم شقت ثيابها ووقعت على الارض مغشيا عليها،

فلما نكشف جسدها راى الخليفه اثر ضرب المقارع والسياط فتعجب من ذلك غايه العجب فقامت البوابه ورشت الماء على وجهها واتت اليها بحله والبستها اياها،

فقال الخليفه لجعفر اما تنظر الى هذه المرأة وما عليها من اثر الضرب،

فانا لا اقدر ان اسكت على هذا وما استريح الا ان وقفت على حقيقة خبر هذه الصبيه وحقيقة خبر هاتين الكلبتين،

فقال جعفر:

يا مولانا قد شرطوا علينا شرطا وهو ان لا نتكلم فيما لا يعنينا فنسمع ما لا يرضينا،

ثم قامت الدلاله فاخذت العود واسندته الى نهدها،

وغمزته باناملها وانشدت تقول:

ان شكونا الهوى فماذا تقول او تلفنا شوقا فماذا السبيل
او بعثنا رسلا نترجم عنا ما يؤدي شكوى المحب رسول

او صبرنا فما لنا من بقاء بعد فقد الاحباب الا قليل

ليس الا تاسفا ثم حزنا ودموعا على الخدود تسيل

ايها الغائبون عن لمح عيني وعم في الفؤاد مني حلول

هل حفظتم لدى الهوى عهد صب ليس عنه مدى الزمان يحول

ام نسيتم على التباعد صبا شفه فبكم الضنى والنحول

واذا الحشر ضمنا اتمنى من لدن وبنا حسابا يطول
فلما سمعت المرأة الثانية شعر الدلاله شقت ثيابها كما فعلت الاولى وصرخت ثم القت نفسها على الارض مغشيا عليها،

فقامت الدلاله والبستها حله ثانية بعد ان رشت الماء على وجهها ثم قامت المرأة الثالثة وجلست على سرير وقالت للدلاله غني لي لا في ديني فما بقي غير هذا الصوت فاصلحت الدلاله العود وانشدت هذه الابيات:

فالى متى هذا الصدود وذا الجفا فلقد جوى من ادمعي ما قد كفى
كم قد اطلت الهجر لي معتمدا ان كان قصدك حاسدي فقد اشتفى

لو انصف الدهر الخؤون لعاشق ما كان يوم العواذل منصفا

فلمن ابوح بصبوتي يا قاتلي يا خيبه الشاكي اذا فقد الوفا

ويزيد وجدي في هواك تلهفا فمتى وعدت ولا رايتك مخلفا

يا مسلمون خذوا بنار متيم الف الشهاده لديه طرف ما غفا

ايحل في شرع الغرام تذللي ويكون غيري بالوصال مشرفا

ولقد كلفت بحبكم متلذذا وغدا عذولي في الهوى متكلفا
فلما سمعت المرأة الثالثة قصيدتها صرخت وشقت ثيابها والقت نفسها على الارض مغشيا عليها فلما انكشف جسدها ظهر فيه ضرب المقارع،

مثل من قبلها فقال الصعاليك ليتنا ما دخلنا هذه الدار وكنا بتنا على الكيمان،

فقد تكدر مبيتنا هنا بشيء يقطع الصلب فالتفت الخليفه اليهم وقال لهم لم ذلك قالوا قد اشتغل سرنا بهذا الامر فقال الخليفه اما انتم من هذا البيت،

قالوا لا ولا ظننا هذا الموضع الا للرجل الذي عندكم.

فقال الحمال والله ما رايت هذا الموضع الا هذه الليلة وليتني بت على الكيمان ولم ابت فيه.

فقال الكل نحن سبعه رجال وهن ثلاث نسوه وليس لهن رابعة فنسالهن عن حالهن فان لم يجبننا طوعا اجبننا كرها واتفق الكل على ذلك،

فقال جعفر ما هذا راي سديد دعوهن فنحن ضيوف عندهن وقد شرطن علينا،

شرطا فنوفي به ولم يبق من الليل الا القليل وكل منا يمضي الى حال سبيله،

ثم انه غمز الخليفه وقال ما بقي غير ساعه،

وفي غد تحضرهن بين يديك،

فتسالهن عن قصتهن فابى الخليفه وقال لم يبق لي صبر عن خبرهن وقد كثر بينهن القيل والقال،

ثم قالوا ومن يسالهن فقال بعضهم الحمال ثم قال لهم النساء يا جماعة في اي شيء تتكلمون.

فقال الحمال لصاحبه البيت وقال لها يا سيدتي سالتك بالله واقسم عليك به ان تخبرينا عن حال الكلبتين،

واي سبب تعاقبيهما ثم تعودين تبكين،

وتقبليهما وان تخبرينا عن سبب ضرب اختك بالمقارع وهذا سؤالنا والسلام فقالت صاحبه المكان للجماعة ما يقوله عنكم فقال الكل نعم،

الا جعفر فانه سكت.

فلما سمعت الصبيه كلامهم قالت والله لقد اذيتمونا يا ضيوفنا،

الاذيه البالغه،

وتقدم لنا اننا شرطنا عليكم ان من تكلم فيما لا يعنيه،

سمع ما لا يرضيه اما كفا اننا ادخلناكم منزلنا واطعمناكم زادنا ولكن لا ذنب لكم وانما الذنب لمن اوصلكم الينا ثم شمرت عن معصمها وضربت الارض ثلاث ضربات وقالت عجلوا.

واذا بباب خزانه قد فتح وخرج منها سبعه عبيد بايديهم سيوف مسلوله وقالت كتفوا هؤلاء الذين كثر كلامهم واربطوا بعضهم ببعض ففعلوا وقالوا ايتها المخدره ائذني لنا في ضرب رقابهم،

فقالت امهلوهم ساعة حتى اسالهم عن حالهم قبل ضرب رقابهم،

فقال الحمال بالله يا سيدتي لا تقتليني بذنب الغير فان الكل اخطاوا،

ودخلوا في الذنب،

الا انا والله لقد كانت ليلتنا طيبه لو سلمنا من هؤلاء الصعاليك الذين لو دخلوا مدينه عامره لاخربوها،

ثم انشد يقول:

ما احسن الغفران من قادر لا سيما عن غير ذي ناصر بحرمه الود الذي بيننا لا تقتلي الاول بالاخر
فلما فرغ الحمال من كلامه ضحكت الصبيه،

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

والليلة الحاديه عشره قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الصبيه لما ضحكت بعد غيظها،

اقبلت على الجماعة وقالت اخبروني بخبركم فما بقي من عمركم الا ساعة ولولا انتم اعزاء فقال الخليفه ويلك يا جعفر عرفها بنا والا تقتلنا فقال جعفر من بعض ما نستحق،

فقال له الخليفه لا ينبغي الهزل في وقت الجد كل منهم له وقت ثم ان الصبيه اقبلت على الصعاليك،

وقالت لهم هل انتم اخوه فقالوا لا والله ما نحن الا فقراء الحجام.

فقالت لواحد منهم هل انت ولدت اعور فقال لا والله وانما جرى لي امر غريب حيت تلفت عيني ولهذا الامر حكايه لو كتبت بالابر على اماق البصر لكانت عبره لمن اعتبر،

فسالت الثاني والثالث فقالا لها مثل الاول ثم قالوا ان كل منا من بلد وان حديثنا عجيب وامرنا غريب،

فالتفتت الصبيه لهم،

وقالت كل واحد منكم يحكي حكايته وما سبب مجيئه الى مكاننا ثم يملس على راسه ويروح الى حال سبيله فاول من تقدم الحمال،

فقال يا سيدتي انا رجل حمال حملتني هذه الدلاله واتت بي الى هنا وجرى لي معكم ما جرى وهذا حديثي والسلام،

فقالت له ملس على راسك وروح فقال والله ما اروح حتى اسمع حديث رفقائي.

فتقدم الصعلوك الاول وقال لها يا سيدتي،

ان سبب حلق ذقني وتلف عيني ان والدي كان ملكا وله اخ وكان اخوه ملكا على مدينه اخرى واتفق ان امي ولدتني في اليوم الذي ولد فيه ابن عمي،

ثم مضت سنون واعوام،

وايام حتى كبرنا وكنت ازور عمي في بعض السنين واقعد عنده اشهر عديده فزرته مره فاكرمني غايه الاكرام وذبح لي الاغنام وروق لي المدام وجلسنا للشراب فلما تحكم الشراب فينا قال ابن عمي:

يا ابن عمي ان لي عندك حاجة مهمه فاستوثق مني بالايمان العظام ونهض من وقته وساعته وغاب قليلا،

ثم عاد وخلفه امراه مزينه مطيبه وعليها من الحلل ما يساوي مبلغا عظيما.

فالتفت الى والمرأة خلفه،

وقال خذ هذه المرأة واسبقني على الجبانه الفلانيه ووصفها لي فعرفتها وقال ادخل بها التربه وانتظرني هناك فلم يمكني المخالفه ولم اقدر على رد سؤاله لاجل الذي خلفته فاخذت المرأة وسرت الى ان دخلت التربه انا واياها فلما استقر بنا الجلوس جاء ابن عمي ومعه طاسه فيها ماء وكيس فيه جبس وقدوم ثم انه اخذ القدوم وجاء الى قبر في وسط التربه ففكه ونقض احجاره الى ناحيه التربه،

ثم حفر بالقدوم في الارض،

حتى كشف عن طابق قدر الباب الصغير فبان من تحت الطابق سلم معقود.

لم التفت الى المرأة بالاشاره وقال لها دونك وما تختارين به فنزلت المرأة على ذلك السلم،

ثم التفت الى وقال يا ابن عمي تمم المعروف اذا نزلت انا في ذلك الموضع فرد الطابق ورد عليه التراب كما كان وهذا تمام المعروف وهذا الجبس الذي في الكيس وهذا الماء الذي في الطاسه اعجن منه الجبس وجبس القبر في دائر الاحجار كما كان اول حتى لا يعرفه احد ولا يقول هذا فتح جديد وتطيينه عتق لان لي سنه كامله،

وانا اعمل فيه،

وما يعلم به الا الله وهذه حاجتي عندك،

ثم قال لي لا اوحش الله منك،

يا ابن عمي،

ثم نزل على السلم.

فلما غاب عني قمت ورددت الطابق وفعلت ما امرني به حتى صار القبر كما كان ثم رجعت الى قصر عمي،

وكان عمي في الصيد والقنص فنمت تلك الليلة فلما اصبح الصباح تذكرت الليلة الماضيه وما جرى فيها بيني وبين ابن عمي وندمت على ما فعلت معه حيث لا ينفع الندم،

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

و في الليلة الثانية عشره قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الصعلوك قال للصبيه ثم خرجت الى المقابر وفتشت على التربه فلم اعرفها ولم ازل افتش حتى اقبل الليل ولم اهتد اليها فرجعت الى القصر لم اكل ولم اشرب وقد اشتغل خاطري بابن عمي من حيث لا اعلم له حالا فاغتممت غما شديدا وبت ليلتي مغموما،

الى الصباح فجئت ثانيا الى الجبانه وانا اتفكر فيما فعله ابن عمي،

وندمت على سماعي منه وقد فتشت في الترب جميعا فلم اعرف تلك التربه،

ولا رمت التفتيش سبعه ايام فلم اعرف له طريقا.

فزاد بي الوسواس حتى كدت ان اجن فلم اجد فرجا دون ان سافرت،

ورجعت غليه،

فساعة وصولي الى مدينه ابي نهض الى جماعة من باب المدينه وكتفوني فتعجبت كل العجب اني ابن سلطان المدينه وهم خدم ابي وغلماني،

ولحقني منهم خوف زائد،

فقلت في نفسي يا ترى اجرى على والدي وصرت اسال الذين كنفوني عن سبب ذلك فلم يردوا علي جوابا.

ثم بعد حين قال لي بعضهم وكان خادما عندي،

ان اباك قد غدر به الزمان وخانته العساكر وقتله الوزير ونحن نترقب وقوعك،

فاخذوني وانا غائب عن الدنيا بسبب هذه الاخبار التي سمعتها عن ابي فلما تمثلت بين يدي الوزير الذي قتل ابي وكان بيني وبينه عداوه قديمة وسبب تلك العداوه اني كنت مولعا بضر البندقيه فاتفق اني كنت واقفا يوما من الايام على سطح قصر واذا بطائر نزل على سطح قصر الوزير وكان واقفا هناك،

فاردت ان اضرب الطير وغذا بالبندقيه اخطات عين الوزير،

فاتلفتها بالقضاء والقدر كما قال الشاعر:

دع الاقدار تفعل ما تشاء وطب نفسا بما فعل القضاء ولا تفرح ولا تحزن بشيء فان الشيء ليس له بقاء
وكما قال الاخر:

مشينا خطا كتبت علينا ومن كتب عليه خطا مشاها ومن كانت منيته بارض فليس يموت في ارض سواها
ثم قال ذلك الصعلوك:

فلما اتلفت عين الوزير لم يقدر ان يتكلم لان والدي كان ملك المدينه فهذا سبب العداوه التي بيني وبينه فلما وقفت قدامه،

وانا مكتف امر فضرب عنقي فقلت اتقتلني بغير ذنب فقال اي ذنب اعظم من هذا،

واشار الى عينه المتلفه فقلت له:

فعلت ذلك خطا،

فقال ان كنت فعلته خطا فانا افعله بك عمدا ثم قال قدموه بين يدي فقدموني بين يديه،

فمد اصبعه في عيني الشمال فاتلفها فصرت من ذلك الوقت اعور كما تروني،

ثم كتفني ووضعني في صندوق وقال للسياف:

تسلم هذا واشهر حسامك،

وخذه واذهب به الى خارج المدينه واقتله ودعه للوحوش،

تاكله فذهب بي السياف وصار حتى خرج من المدينه،

واخرجني من الصندوق وانا مكتوف اليدين مقيد الرجلين واراد ان يغمي عيني ويقتلني فبكيت وانشدت هذه الابيات:

جعلتكمو درعا حصينا لتمنعوا سهام العدا عني فكنتم نصالها
وكنت ارجي عند كل ملمه تخص يميني ان تكون شمالها

دعوا قصة العذال عني بمعزل وخلوا العدا ترمي الى نبالها

اذا لم تقوا نفسي مكايده العدا فكونوا سكوتا لا عليها ولا لها
وانشدت ايضا هذه الابيات:

واخوان اتخذتهم دروعا فكانوها ولكن للاعادي
رحلتهم سهاما صائبات فكانوا ولكن في فؤادي

و قالوا قد صفت منا قلوب لقد صدقوا و لكن عن ردادي

وقالوا قد سعينا كل سعي لقد صدقوا ولكن في فسادي
فلما سمع السياف شعري وكان سياف ابي ولي عليه احسان،

قال يا سيدي كيف افعل وانا عبد مامور ثم قال لي فر بعمرك ولا تعد الى هذه المدينه فتهلك وتهلكني معك كما قال الشاعر:

ونفسك فر بها ان خفت ضيما وخل الدار تنعي من بناها
فانك واحد ارضا بارض ونفسك لم تجد نفسا سواها

عجبت لمن يعيش بدار ذل وارض الله واسعه فلاها

و من كانت منيته بارض فليس يموت في ارض سواها

وما غلظت رقاب الاسد حتى بانفسها تولت ما عناها
فلما قال ذلك قبلت يديه وما صدقت حتى فررت وهان علي تلف عيني بنجاتي من القتل،

وسافرت حتى وصلت الى مدينه عمي فدخلت عليه واعلمته بما جرى لوالدي،

وبما جرى لي من تلف عيني فبكى بكاء شديدا وقال لقد زدتني هما على همي وغما على غمي،

فان ابن عمكقد فقد منذ ايام ولم اعلم بما جرى له ولم يخبرني احد بخبره وبكى حتى اغمي عليه فلما استفاق قال يا ولدي قد حزنت على ابن عمك حزنا شديدا وانت زدتني بما حصل لك ولابيك،

غما على غمي،

ولكن يا ولدي بعينك ولا بروحك ثم انه لم يمكني السكوت عن ابن عمي الذي هو ولده فاعلمته بالذي جرى له كله ففرح عمي بما قلته له فرحا شديدا عند سماع خبر ابنه،

وقال ارني التربه فقلت والله يا عمي لم اعرف مكانها لاني رجعت بعد ذلك مرات لافتش عليها فلم اعرف مكانها،

ثم ذهبت انا وعمي الى الجبانه،

ونظرت يمينا وشمالا فعرفتها ففرحت انا وعمي فرحا شديدا ودخلت انا واياه التربه وازحنا التراب ورفعنا الطابق ونزلت انا وعمي مقدار خمسين درجه،

فلما وصلنا الى اخر السلم واذا بدخان طلع علينا فغشي ابصارنا،

فقال عمي الكلمه التي لا يخاف قائلها وهي لا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم ثم مشينا واذا نحن بقاعه ممتلئه دقيقا وحبوبا وماكولات وغير ذلك وراينا في وسط القاعه ستاره مسبوله على سرير فنظر عمي الى السرير فوجد ابنه هو والمرأة التي قد نزلت معه صار فحما اسود وهما متعانقان كانهما القيا في جب نار،

فلما نظر عمي بصق في وجهه وقال تستحق يا خبيث فهذا عذاب الدنيا وبقي عذاب الاخره وهو اشد وابقى وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

و في الليلة الثالثة عشره قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الصعلوك قال للصبيه والجماعة والخليفه وجعفر يستمعون الكلام،

ثم ان عمي ضرب ولده بالنعال وهو راقد كالفحم الاسود فتعجبت من ضربه وحزنت على ابن عمي حيث صار هو والصبيه فحما اسود ثم قلت بالله يا عمي خفف الهم عن قلبك،

فقد اشتغل سري وخاطري بما قد جرى لولدك وكيف صار هو والصبيه فحما اسود ما يكفيك ما هو فيه حتى تضربه بالنعال.

فقال يا ابن اخي ان ولدي هذا كان من صغره مولعا بحب اخته وكنت انهاه عنها واقول في نفسي انهما صغيران فلما كبر اوقع بينهما القبيح وسمعت بذلك ولم اصدق ولكن زجرته زجرا بليغا وقلت له احذر من هذه الفعال القبيحه التي لم يفعلها احد قبلك ولا يفعلها احد بعدك والا نبقى بين الملوك بالعار والنقصان الى الممات وتشيع اخبارنا مع الركبان واياك ان تصدر منك هذه الفعال فاني اسخط عليك واقتلك ثم حجبته عنها وحجبتها عنه وكانت الخبيثه تحبه محبه عظيمه وقد تمكن الشيطان منها.

فلما راني حجبته فعل هذا المكان الذي تحت الارض الخفيه.

ونقل فيه الماكول كما تراه واستغفلني لما خرجت الى الصيد واتى الى هذا المكان فغار عليه وعليها الحق سبحانه وتعالى واحرقهما ولعذاب الاخره اشد وابقى،

ثم بكى وبكيت معه وقال لي انت ولدي عوضا عنه ثم اني تفكرت ساعة في الدنيا وحوادثها من قتل الوزير لوالدي واخذ مكانه وتلف عيني،

وما جرى لابن عمي من الحوادث الغريبه.

فبكيت ثم اننا صعدنا ورددنا الطابق والتراب،

وعملنا القبر كما كان،

ثم رجعنا الى منزلنا فلم يستقر بيننا جلوس حتى سمعنا دق طبول وبوقات ورمحت الابطال وامتلات الدنيا بالعجاج والغبار من حوافر الخيل فحارت عقولنا ولم نعرف الخبر فسال الملك عن الخبر فقيل ان وزير اخيك قتله وجمع العسكر والجنود وجاء بعسكره ليهجموا على المدينه واهل المدينه لم يكن لهم طاقة بهم فسلموا اليه فقلت في نفسي متى وقعت انا في يده قتلني.

وتراكمت الاحزان وتذكرت الحوادث التي حدثت لابي وامي ولم اعرف كيف العمل فان ظهرت عرفني اهل المدينه،

وعسكر ابي فيسعون في قتلي وهلاكي فلم اجد شيئا انجو به الا حلق ذقني فحلقتها وغيرت ثيابي وخرجت من المدينه وقصدت هذه المدينه والسلام لعل احدا يوصلني الى امير المؤمنين حتى احكي له قصتي،

وما جرى لي فوصلت الى هذه المدينه في هذه الليله،

فوقفت حائرا ولم ادر اين امضي واذا بهذا الصعلوك واقف.

فسلمت عليه وقلت له انا غريب ايضا،

فبينما نحن كذلك واذا برفيقنا هذا الثالث جاءنا وسلم علينا،

وقال انا غريب،

فقلنا له ونحن غريبان فمشينا وقد هجم علينا الظلام فساقنا القدر اليكم،

وهذا سبب حلق ذقني وتلف عيني فقالت الصبيه ملس على راسك وروح،

فقال لها لا اروح حتى اسمع خبر غيري فتعجبوا من حديثه.

فقال الخليفه لجعفر والله انا ما رايت مثل الذي جرى لهذا الصعلوك،

ثم تقدم الصعلوك الثاني وقبل الارض وقال يا سيدتي انا ما ولدت اعور،

وانما لي حكايه عجيبة لو كتبت بالابر على اماق البصر لكانت عبره لمن اعتبر فانا ملك ابن ملك وقرات القران على سبع روايات وقرات الكتب على اربابها من مشايخ العلم وقرات علم النجوم وكلام الشعراء واجتهدت في سائر العلوم حتى فقت اهل زماني فعظم حظي عند سائر الكتبه وشاع ذكري في سائر الاقاليم والبلدان وشاع خبري عند سائر الملوك.

فسمع بي ملك الهند فارسل يطلبني من ابي وارسل اليه هدايا وتحفا تصلح للملوك فجهزني ابي في ست مراكب وسرنا في البحر مدة شهر كامل حتى وصلنا الى البر واخرجنا حبلا كانت معنا في المركب وحملنا عشره جمال هدايا ومشينا قليلا واذا بغبار قد علا وثار حتى سد الاقطار واستمر ساعة من النهار ثم انكشف قبان من تحته ستون فارسا وهم ليوث وعوانس فتاملناهم واذا هم عرب قطاع طريق فلما راونا ونحن نفر قليل ومعنا عشره اجمال هدايا لملك الهند رمحوا علينا وشرعوا الرماح بين ايديهم نحونا.

فاشرنا اليهم بالاصابع وقلنا لهم:

نحن رسل الى ملك الهند المعظم فلا تؤذونا فقالوا نحن لسنا في ارضه ولا تحت حكمه ثم انهم قتلوا بعض الغلمان وهرب الباقون وهربت انا بعد ان جرحت جرحا بليغا واشتغلت عنا العرب بالمال والهدايا التي كانت معنا فصرت لا ادري اين اذهب،

وكنت عزيزا فصرت ذليلا وسرت الى ان اتيت راس الجبل فدخلت مغاره حتى طلع النهار ثم سرت منها حتى وصلت الى مدينه عامره بالخير وقد ولى عنها الشتاء ببرده واقبل عليها الربيع بورده.

ففرحت بوصولي اليها وقد تعبت من المشي وعلاني الهم والاصفرار فتغيرت حالتي ولا ادري اين اسلك فملت الى خياط في دكان وسلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي وباسطني عن سبب غربتي فاخبرته بما جرى لي من اوله الى اخره،

فاغتم لاجلي وقال يا فتى لا تظهر ما عندك فاني اخاف عليك من ملك المدينه لانه اكبر اعداء ابيك وله عنده ثار.

ثم احضر لي ماكولا ومشروبا فاكلت واكل معي وتحادثت معه في الليل واخلى لي محلا في جانب حانوته واتاني بما احتاج اليه من فراش وغطاء،

فاقمت عنده ثلاثه ايام،

ثم قال لي اما تعرف صنعه تكسب بها فقلت له:

اني فقيه طالب علم كاتب حاسب،

فقال:

ان صنعتك في بلادنا كاسده وليس في مدينتنا من يعرف علما ولا كتابة غير المال.

فقلت والله لا ادري شيئا غير الذي ذكرته لك،

فقال شد وسطك وخذ فاسا وحبلا واحتطب في البريه حطبا تتقوت به الى ان يفرج الله عنك ولا تعرف احدا بنفسك فيقتلوك،

ثم اشترى لي فاسا وحبلا وارسلني مع بعض الحطابين واوصاهم علي،

فخرجت معهم واحتطبت فاتيت بحمل على راسي فبعته بنصف دينار فاكلت ببعضه وابقيت بعضه،

ودمت على هذا الحال مدة سنه.

ثم بعد السنه ذهبت يوما على عادتي الى البريه لاحتطب منها ودخلتها،

فوجدت فيها خميله اشجار فيها حطب كثير فدخلت الخميله،

واتيت شجره وحفرت حولها وازلت التراب عن جدارها فاصطكت الفاس في حلقه نحاس فنظفت التراب واذا هي في طابق من خشب فكشفته فبان تحت سلم فنزلت الى اسفل السلم فرايت بابا فدخلته فرايت قصرا محكم البنيان فوجدت فيه صبيه كالدره السنيه تنفي الى القلب كل هم وغم وبليه.

فلما نظرت اليها سجدت لخالقها لما ابدع فيها من الحسن والجمال فنظرت غلي وقالت لي انت انسي ام جني،

فقلت لها:

انسي،

فقالت:

ومن اوصلك الى هذا المكان الذي لي فيه خمسه وعشرون سنه،

ما رايت فيه انسيا ابدا فلما سمعت كلامها وجدت له عذوبه وقلت لها يا سيدتي اوصلني الله الى منزلك ولعله يزيل همي وغمي وحكيت لها ما جرى لي من الاول الى الاخر.

فصعب عليها حالي وبكت وقالت انا الاخرى اعلمك بقصتي فاعلم اني بنت ملك اقصى الهند صاحب جزيره الابنوس وكان قد زوجني بابن عمي فاختطفني ليلة زفافي عفريت اسمه جرجريس بن رجوس بن ابليس فطار بي الى هذا المكان ونقل فيه كل ما احتاج اليه من الحلى والحلل والقماش والمتاع والطعام والشراب.

في كل عشره ايام يجيئني مره فيبيت هنا ليلة وعاهدني اذا عرضت لي حاجة ليلا او نهارا ان المس بيدي هذين السطرين المكتوبين على القبه فما ارفع يدي حتى اراه عندي ومنذ كان عندي له اليوم اربعه ايام وبقي له سته ايام حتى ياتي فهل لك ان تقيم عندي خمسه ايام،

ثم تنصرف قبل مجيئه بيوم فقلت نعم.

ففرحت ثم نهضت على اقدامها واخذت بيدي وادخلتني من باب مقنطر وانتهت بي الى حمام لطيف ظريف فلما رايته خلعت ثيابي وخلعت ثيابها،

ودخلت فجلست على مرتبه واجلستني معها واتت بسكر ممسك وسقتني،

ثم قدمت لي ماكولا وتحادثنا ثم قالت لي ثم واسترح فانك تعبان،

فنمت يا سيدتي وقد نسيت ما جرى لي،

وشكرتها فلما استيقظت وجدتها تكبس رجلي فدعوت لها وجلسنا نتحادث ساعه،

ثم قالت والله اني كنت ضيقه الصدر وانا تحت الارض وحدي ولم اجد من يحدثني خمسه وعشرين سنه فالحمد لله الذي ارسلك الى ثم انشدت:

لو علمنا مجيئكم لفرشنا مهجه القلب او سواد العيون وفرشنا خدودنا والتقينا لكون المسير فوق الجفون
فلما سمعت شعرها شكرتها وقد تمكنت محبتها في قلبي،

وذهب عني همي وغمي،

ثم جلسنا في منادمه الى الليل،

فبت معها ليلة ما رايت مثلها في عمري واصبحنا مسرورين فقلت لها هل اطلعك من تحت الارض واريحك من هذا الجني فضحكت وقالت اقنع واسكت ففي كل عشره ايام يوم للعفريت وتسعه لك فقلت وقد غلب علي الغرام فانا في هذه اكسر هذه القبه التي عليها النقش المكتوب لعل العفريت يجيء حتى اقتله فاني موعود بقتل العفاريت فلما سمعت كلامي انشدت:

يا طالبا للفراق مهلا بحيله قد كفى اشتياق اصبر فطبع الزمان غدر واخر الصحبه الفراق
فلما سمعت شعرها لم التفت لكلامها بل رفست القبه رفسا قويا وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

ففي الليلة الرابعة عشره قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الصعلوك الثاني قال للصبيه يا سيدتي لما رفست القبه رفسا قويا،

قالت لي المرأة ان العفريت قد وصل الينا اما حذرتك من هذا ولله لقد اذيتني ولكن انج بنفسك واطلع من المكان الذي جئت منه فمن شده خوفي نسيت نعلي وفاسي،

فلما طلعت درجتين التفت لانظرهما فرايت الارض قد انشقت وطلع منها عفريت ومنظر شنيع،

وقال ما هذه الزعجه التي ارعشتني بها فما مصيبتك.

فقالت ما اصابني شيء غير ان صدري ضاق،

فاردت ان اشرب شرابا يشرح صدري فنهضت لاقضي اشغالي فوقعت على القبه،

فقال لها العفريت يا فاجره ونظر في القصر يمينا وشمالا فراى النعل والفاس فقال لها ما هذه الا متاع الانس من جاء اليك فقالت:

ما نظرتهما الا في هذه الساعة ولعلهما تعلقا معك.

فقال العفريت هذا كلام محال لا ينطلي علي يا عاهره،

ثم انه اعراها،

وصلبها بين اربعه اوتاد وجعل يعاقبها ويقررها بما كان فلم يهن علي ان اسمع بكاءها فطلعت من السلم مذعورا من الخوف فلما وصلت الى اعلى الموضع رددت الطابق كما كان وسترته بالتراب وندمت على ما فعلت غايه الندم وتذكرت الصبيه وحسنها وكيف يعاقبها هذا الملعون وهي لها معه خمسه وعشرون سنه وما عاقبها الا بسببي وتذكرت ابي ومملكته وكيف صرت حطابا،

فقلت هذا البيت:

اذا ما اتاك الدهر يوما بنكبه فيوم ترى يسرا ويوم ترى عسرا
ثم مشيت الى ان اتيت رفيقي الخياط فلقيته من اجلي على مقالي النار وهو لي في الانتظار فقال لي:

بت البارحه وقلبي عندك وخفت عليك من وحش او غيره فالحمد لله على سلامتك فشكرته على شفقته علي ودخلت خلوتي،

وجعلت اتفكر فيما جرى لي والوم نفسي على رفسي هذه القبه واذا بصديقي الخياط دخل علي وقال لي في الدكان شخص اعجمي يطلبك ومعه فاسك ونعلك قد جاء بهما الى الخياطين وقال لهم اني خرجت وقت اذان المؤذن،

لاجل صلاه الفجر فعثرت بهما ولم اعلم لمن هما فدلوني على صاحبها،

فدله الخياطون عليك وها هو قاعد في دكاني فاخرج اليه واشكره وخذ فاسك ونعلك.

فلما سمعت هكذا الكلام اصفر لوني وتغير حالي فبينما انا كذلك واذا بارض محلي قد انشقت وطلع منها الاعجمي واذا هو العفريت وقد كان عاقب الصبيه غايه العقاب فلم تقر له بشيء فاخذ الفاس والنعل وقال لها ان كنت جرجريس من ذريه ابليس فانا اجيء بصاحب هذا الفاس والنعل ثم جاء بهذه الحيله الى الخياطين ودخل علي ولم يمهلني بل اختطفني وطار وعلا بي ونزل بي وغاص في الارض وانا لا اعلم بنفسي،

ثم طلع بي القصر الذي كنت فيه فرايت الصبيه عريانه والدم يسيل من جوانبها فقطرت عيناي بالدموع.

فاخذها العفريت وقال لها يا عاهره هذا عشيقك فنظرت الى وقالت له لا اعرفه ولا رايته الا في هذه الساعه،

فقال لها العفريت اهذه العقوبه ولم تقري،

فقالت ما رايته عمري وما يحل من الله ان اكذب عليه،

فقال لها العفريت ان كنت لا تعرفينه،

فخذي هذا السيف واضربي عنقه فاخذت السيف وجاءتني ووقفت على راسي فاشرت لها بحاجبي فنهضت وغمرتني وقالت انت الذي فعلت هذا كله فاشرت لها ان هذا وقت العفو ولسان حالي يقول:

يترجم طرفي عن لساني لتعلموا ويبدو لكم ما كان في صدري يكتم
ولما التقينا والدموع سواجم خرست وطرفي بالهوى يتكلم

تشير لنا عما تقول بطرفها وارمي اليها بالبنان فتفهم

حواجبنا تقضي الحوائج بيننا فنحن سكوت والهوى يتكلم
فلما فهمت الصبيه اشارتي رمت السيف من يدها،

فناولني العفريت السيف وقال لي اضرب عنقها وانا اطلقك ولا انكد عليك،

فقلت نعم،

واخذت السيف وتقدمت نشاط ورفعت يدي،

فقالت لي بحاجبها انا ما قصرت في حقك فهملت عيناي بالدموع ورميت السيف من يدي،

وقلت ايها العفريت الشديد والبطل الصنديد،

اذا كانت امراه ناقصة عقل ودين لم تستحل ضرب عنقي فكيف يحل لي ان اضرب عنقها ولم ارها عمري،

فلا افعل ذلك ابدا ولو سقيت من الموت كاس الردى.

فقال العفريت انتما بينكما موده اخذ السيف وضرب يد الصبيه فقطعها،

ثم ضرب الثانية فقطعها ثم قطع رجلها اليمنى ثم قطع رجلها اليسرى حتى قطع ارباعها باربع ضربات وانا انظر بعيني فايقنت بالموت ثم اشارت الى بعينيها فراها العفريت فقال لها وقد زنيت بعينك ثم ضربها فقطع راسها،

والتفت الى وقال يا انسي نحن في شرعنا اذا زنت الزوجه يحل لنا قتلها،

وهذه الصبيه اختطفتها ليلة عرسها،

وهي بنت اثنتي عشره سنه ولم تعرف احدا غيري وكنت اجيئها في كل عشره ايام ليلة واحده في زي رجل اعجمي.

فلما تحققت انها خانتني فقتلتها واما انت فلم اتحقق انك خنتني فيها،

ولكن لا بد اني اما اخليك في عافيه فتمن علي اي ضرر فرحت يا سيدتي غايه الفرح وطمعت في العفريت وقلت له:

وما اتمناه عليك،

قال تمن علي اي صورة اسحرك فيها اما صورة كلب واما صورة حمار واما صورة قرد فقلت له وقد طمعت انه يعفو عني والله ان عفوت عني يعفو الله عنك،

بعفوك عن رجل مسلم لم يؤذيك وتضرعت اليه غايه التضرع،

وبقيت بين يديه،

وقلت له انا رجل مظلوم.

فقال لي لا تطل علي الكلام اما القتل فلا تخف منه واما العفو عنك فلا تطمع فيه واما سحرك فلا بد منه،

ثم شق الارض وطار بي الى الجو حتى نظرت الى الدنيا حتى كانها قصعه ماء،

ثم حطني على جبل واخذ قليلا من التراب وهمهم عليه وتكلم وقال اخرج من هذه الصورة الى صورة قرد.

فمنذ ذلك الوقت صرت قردا ابن مائه سنه فلما رايت نفسي في هذه الصورة القبيحه بكيت على روحي وصبرت على جور الزمان وعلمت ان الزمان ليس لاحد وانحدرت من اعلى الجبل الى اسفله وسافرت مدة شهر،

ثم ذهبت الى شاطئ البحر المالح،

فوقفت ساعة واذا انا بمركب في وسط البحر قد طاب ريحها وهي قاصده البر،

فاختفيت خلف صخره على جانب البحر وسرت الى ان اتيت وسط المركب.

فقال واحد منهم اخرجوا هذا المشؤوم من المركب،

وقال واحد منهم نقتله،

وقال اخر اقتله بهذا السيف فامسكت طرف السيف وبكيت،

وسالت دموعي فحن علي الريس وقال لهم يا تجار ان هذا القرد استجار بي وقد اجرته وهو في جواري فلا احد يعرض له ولا يشوش عليه،

ثم ان الريس صار يحسن الى ومهما تكلم به افهمه واقضي حوائجه واخدمه في المركب.

وقد طاب لها الريح مدة خمسين يوما فرسينا على مدينه عظيمه،

وفيها عالم كثير لايحصى عددهم الا الله تعالى فساعة وصولنا اوقفنا مركبنا فجاءتنا مماليك من طرف ملك المدينه فنزلوا المركب وهنوا التجار بالسلامه،

وقالوا ان ملكنا يهنئكم بالسلامة وقد ارسل اليكم هذا الدرج الورق وقال كل واحد يكتب فيه سطرا فقمت وانا في صورة القرد وخطفت الدرج من ايديهم،

فخافوا اني اقطعة وارميه في الماء فنهروني وارادوا قتلي فاشرت لهم اني اكتب فقال لهم الريس دعوه يكتب فان لخبط الكتابة طردناه عنا وان احسنها اتخذته ولدا فاني ما رايت قردا افهم منه ثم اخذ القلم واستمديت الحبر وكتبت سطرا بقلم الرقاع ورقمت هذا الشعر:

لقد كتب الدهر فضل الكرام وفضلك للان لايحسب فلا ايتم الله منك الورى لانك للفضل نعم الاب
وكتبت بقلم الثلث هذين البيتين:

وما من كاتب الاسيفنى ويبقي الدهر ما كتبت يداه فلا تكتب بخطك غير شيء يسرك في القيامه ان تراه
وكتبت تحته بقلم المشق هذين البيتين:

اذا فتحت دواه العز والنعم فاجعل مدادك من جود ومن كرم واكتب بخير اذا ما كنت مقتدرا بذاك شرفت فضلا نسبة القلم
ثم ناولتهم ذلك الدرج الورق فطلعوا به الى الملك،

فلما تامل الملك ما في ذلك الدرج لم يعجبه خط احد الا خطي،

فقال لاصحابه توجهوا الى صاحب هذا الخط والبسوه هذه الحله واركبوه بغله وهاتوه بالنوبه واحضروه بين يدي فلما سمعوا كلام الملك تبسموا فغضب منهم ثم قال كيف امركم بامر فتضحكون علي،

فقالوا ايها الملك ما نضحك على كلامك،

بل الذي كتب هذا الخط قرد وليس هو ادميا وهو مع ريس المركب.

فتعجب الملك من كلامهم واهتز من الطرب،

وقال اريد ان اشتري هذا القرد،

ثم بعث رسلا الى المركب ومعهم البغله والحله وقال لابد ان تلبسوه هذه الحله وتركبوه البغله وتاتوا به،

فساروا الى المركب واخذوني من الريس والبسوني الحله فاندهش الخلائق وصاروا يتفرجون علي،

فلما طلعوا بي للملك ورايته قبلت الارض ثلاث مرات فامرني بالجلوس،

فجلست على ركبتي.

فتعجب الحاضرون من ادبي وكان الملك اكثرهم تعجبا ثم ان الملك امر الخلق بالانصراف فانصرفوا،

ولم يبق الا الملك والطواشي ومملوك صغير وانا،

ثم امر الملك بطعام فقدموا سفره طعام فيها ما تشتهي الانفس وتلذ الاعين فاشار الى الملك ان كل فقمت وقبلت الارض بين يديه سبع مرات وجلست اكل معه وقد ارتفعت السفره وذهبت فغسلت يدي واخذت الدواه والقلم والقرطاس وكتبت هذين البيتين:

اتاجر الضان ترياق من العلل واصحن الحلو فيها منتهى املي يا لهف قلبي على مد السماط اذا ماجت كنافته بالسمن والعسل
ثم قمت وجلست بعيدا انتظر الملك الى ما كتبته وقراه فتعجب وقال هذا يكون عند قرد هذه الفصاحه وهذا الخط والله ان هذا من اعجب العجب ثم قدم للملك شطرنج،

فقال لي الملك اتلعب قلت براسي نعم،

فتقدمت وصففت الشطرنج ولعبت معه مرتين فغلبته فحار عقل الملك وقال لو كان هذا ادميا لفاق اهل زمانه،

ثم قال لخادمه اذهب الى سيدتك وقل لها:

كلمي الملك حتى تجيء فتتفرج على هذا القرد العجيب.

فذهب الطواشي وعاد معه سيدته بنت الملك،

فلما نظرت الى غطت وجهها،

وقالت يا ابي كيف طاب على خاطرك ان ترسل الى فيراني الرجال الاجانب فقال يابنتي ما عندك سوى المملوك الصغير والطواشي الذي رباك وهذا القرد وانا ابوك فممن تغطين وجهك.

فقالت ان هذا القرد ابن ملك واسم ابيه ايمار،

صاحب جزائر الابنوس الداخله وهو مسحور وسحره العفريت جرجريس الذي هو من ذريه ابليس،

وقد قتل زوجته بنت ملك اقناموس وهذا الذي تزعم انه قردا انما هو رجل عالم عاقل.

فتعجب الملك من ابنته ونظر الى وقال:

احق ما تقول عنك فقلت براسي نعم وبكيت فقال الملك لبنته من اين عرفت انه مسحور فقالت:

يا ابت كان عندي وانا صغيرة عجوز ماكره ساحره علمتني السحر،

وقد حفظته واتقنته وعرفت مائه وسبعين بابا من ابوابه،

اقل باب منها انقل به حجاره مدينتك خلف جبل قاف واجعلها لجه بحر واجعل اهلها سمكا في وسطه.

فقال ابوها:

بحق اسم الله عليك ان تخلصي لنا هذا الشاب،

حتى اجعله وزيري وهل فيك هذه الفضيله ولم اعلم فخلصيه حتى اجعله وزيري لانه شاب ظريف لبيب،

فقالت له حبا وكرامه،

ثم اخذت بيدها سكينا،

وعملت دائره،

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الخامسة عشره قالت بلغني ايها الملك السعيد ان الصعلوك قال للصبيه يا سيدتي،

ثم ان بنت الملك اخذت بيدها سكينا مكتوبا عليها اسماء عبرانيه،

وخطت بها دائره في وسط وكتبت فيها اسماء وطلاسم وعزمت بكلام وقرات كلاما،

لا يفهم،

فبعد ساعة اظلمت علينا جهات القصر،

حتى ظننا ان الدنيا قد انطبقت علينا واذا بالعفريت قد تدلى علينا في اقبح صفه بايد كالمداري ورجلين كالصواري وعينين كمشعلين يوقدان نارا،

ففزعنا منه.

فقالت بنت الملك لا اهلا بك ولا سهلا،

فقال العفريت وهو في صورة اسد يا خائنه كيف خنت اليمين اما تحالفنا على ان لا يعترض احدنا للاخر فقالت له يا لعين ومن اين لك يمين فقال العفريت خذي ما جاءك ثم انقلب اسدا وفتح فاه وهجم على الصبيه.

فاسرعت واخذت شعره من شعرها بيدها،

وهمهمت بشفتيها فصارت الشعره سيفا ماضيا وضربت ذلك الاسد فقطعته نصفين،

فصارت راسه عقربا،

وانقلبت الصبيه حيه عظيمه وهمهمت على هذا اللعين وهو في صفه عقرب،

فتقاتلا قتالا شديدا،

ثم انقلب العقرب عقابا فانقلبت الحيه نسرا وصارت وراء العقاب واستمرا ساعة زمانيه ثم انقلب العقاب قطا اسود،

فانقلبت الصبيه ذئبا فتشاحنا في القصر ساعة زمانيه وتقاتلا قتالا شديدا فراى القط نفسه مغلوبا فانقلب وصار رمانه حمراء كبيرة ووقعت تلك الرمانه في بركة وانتثر الحب كل حبه وحدها وامتلات ارض القصر حبا فانقلب ذلك الذئب ديكا لاجل ان يلتقط ذلك الحب حتى لا يترك منه حبه فبالامر المقدر،

دارت حبه في جانب الفسقيه فصار الديك يصيح ويرفرف باجنحته ويشير الينا بمنقاره ونحن لا نفهم ما يقول،

ثم صرخ علينا صرخه تخيل لنا منها ان القصر قد انقلب علينا ودار في ارض القصر كلها حتى راى الحبه التي تدارت في جانب الفسقيه فانقض عليها ليلتقطها واذا بالحبه سقطت في الماء فانقلب الديك حمارا كبيرا ونزل خلفها وغاب ساعة واذا بنا قد سمعنا صراخا عاليا فارتجفنا.

وبعد ذلك طلع العفريت وهو شعله نار فالقى من فمه نارا ومن عينيه ومنخريه نارا ودخانا وانقلبت الصبيه لجه نار فاردنا ان نغطس في ذلك الماء خوفا على انفسنا من الحريق فما شعرنا الا العفريت قد صرخ من تحت النيران وصار عندنا في الليوان ونفخ في وجوهنا بالنار فلحقته الصبيه ونفخت في وجهه بالنار ايضا فاصابنا الشر منها ومنه،

فاما شررها فلم يؤذينا واما شرره فلحقني منه شراره في عيني فاتلفتها وانا في صورة القرد ولحق الملك شراره منه في وجهه فاحرقت نصفه التحتاني بذقنه وحنكه ووقفت اسنانه التحتانيه ووقعت شراره في صدر الطواشي فاحترق ومات من وقته وساعته فايقنا بالهلاك وقطعنا رجائنا من الحياه.

فبينما نحن كذلك واذا بقائل يقول:

الله اكبر الله اكبر قد فتح ربي ونصر وخذل من كفر بدين محمد سيد البشر واذا بالقائل بنت الملك قد احضرت العفريت فنظرنا اليه فرايناه قد صار كوم رماد،

ثم جاءت الصبيه وقالت الحقوني بطاسه ماء فجاؤوا بها فتكلمت عليها بكلام لا نفهمه ثم رشتني بالماء وقالت اخلص بحق الحق وبحق اسم الله الاعظم الى صورتك الاولى فصرت بشرا كما كنت اولا ولكن تلفت عيني.

فقالت الصبيه النار يا والدي ثم انها لم تزل تستغيث من النار واذا بشرر اسود قد طلع الى صدرها وطلع الى وجهها فلما وصل الى وجهها بكت وقالت اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله.

ثم نظرنا اليها فرايناها كوم رماد بجانب كوم العفريت فحزنا عليها وتمنيت لو كنت مكانها ولا ارى ذلك الوجه المليح الذي عمل في هذا المعروف يصير رمادا ولكن حكم الله لا يرد.

فلما راى الملك ابنته صارت كوم رماد نتف لحيته ولطم على وجهه وشق ثيابه وفعلت كما فعل وبكينا عليها ثم جاء الحجاب وارباب الدوله فوجدوا السلطان في حالة العدم وعنده كوم رماد فتعجبوا وداروا حول الملك ساعة فلما افاق اخبرهم بما جرى لابنته مع العفريت فعظمت مصيبتهم وصرخ النساء والجواري وعملوا العزاء سبعه ايام.

ثم ان الملك امر ان يبني على رماد ابنته قبه عظيمه واوقد فيها الشموع والقناديل واما رماد العفريت فانهم اذروه في الهواء الى لعنه الله ثم مرض السلطان مرضا اشرف منه على الموت واستمر مرضه شهرا وعادت اليه العافيه فطلبني وقال لي يا فتى قد قضينا زماننا في اهنا عيش امنين من نوائب الزمان حتى جئنا فاقبلت علينا الاكدار فليتنا ما رايناك ولا راينا طلعتك القبيحه التي لسببها صرنا في حالة العدم.

فاولا عدمت ابنتي التي كانت تساوي مائه رجل وثانيا جرى لي من الحريق ما جرى وعدم اضراسي ومات خادمي ولكن ما بيدك حيله بل جرى قضاء الله علينا وعليك والحمد لله حيث خلصتك ابنتي واهلكت نفسها،

فاخرج يا ولدي من بلدي وكفى ما جرى بسببك وكل ذلك مقدر علينا وعليك،

فاخرج بسلام.

فخرجت يا سيدتي من عنده وما صدقت بالنجاه ولا ادري اين اتوجه،

وخطر على قلبي ما جرى لي وكيف خلوني في الطريق سالما منهم ومشيت شهرا وتذكرت دخولي في المدينه واجتماعي بالخياط واجتماعي بالصبيه تحت الارض وخلاصي من العفريت بعد ان كان عازما على قتلي وتذكرت ما حصل لي من المبدا الى المنتهى فحمدت الله وقلت بعيني ولا بروحي ودخلت الحمام قبل ان اخرج من المدينه وحلقت ذقني وجئت يا سيدتي وفي كل يوم ابكي واتفكر المصائب التي عاقبتها تلف عيني،

وكلما اتذكر ما جرى لي ابكي وانشد هذه الابيات:

تحيرت والرحمن لاشك في امري وحلت بي الاحزان من حيث لا ادري
ساصبر حتى يعلم الناس انني صبرت على شيء امر من الصبر

وما احسن الصبر الجميل مع التقى وما قدر المولى على خلقه يجري

سرائر سري ترجمان سريرتي اذا مان سر السر سرك في سري

ولو ان ما بي بالجبال لهدمت وبالنار اطفاها والريح لم يسر

ومن قال ان الدهر فيه حلاوه فلا بد من يوم امر من المر
ثم سافرت الاقطار ووردت الامصار وقصدت دار السلام بغداد لعلي اتوصل الى امير المؤمنين واخبره بما جرى،

فوصلت الى بغداد هذه اليلة فوجدت اخي هذا الاول واقفا متحيرا فقلت السلام عليك وتحدثت معه واذا باخينا الثالث قد اقبل علينا وقال انا رجل غريب فقلنا ونحن غريبان وقد وصلنا هذه الليلة المباركه.

فمشينا نحن الثلاثه وما فينا احد يعرف حكايه احد فساقتنا المقادير الى هذا الباب ودخلنا عليكم وهذا سبب حلق ذقني وتلف عيني فقالت له ان كانت حكايتك غريبة فامسح على راسك واخرج في حال سبيلك،

فقال لا اخرج حتى اسمع حديث رفيقي.

فتقدم الصعلوك الثالث وقال ايتها السيده الجليلة ما قصتي مثل قصتهما بل قصتي اعجب وذلك ان هذين جاءهما القضاء والقدر واما انا فسبب حلق ذقني وتلف عيني انني جلبت القضاء لنفسي والهم لقلبي وذلك اني كنت ملكا ابن ملك،

ومات والدي واخذت الملك من بعده وحكمت وعدلت واحسنت للرعيه وكان لي محبه في السفر في البحر وكانت مدينتي على البحر والبحر متسع وحولنا جزائر معده للقتال.

فاردت ان اتفرج على الجزائر فنزلت في عشره مراكب واخذت معي مؤونه شهر وسافرت عشرين يوما.

ففي ليلة من الليالي هبت علينا رياح مختلفة الى ان لاح الفجر فهدا الريح وسكن البحر حتى اشرقت الشمس،

ثم اننا اشرفنا على جزيره وطلعنا الى البر وطبخنا شيئا ناكله فاكلنا ثم اقمنا يومين وسافرنا عشرين يوما فاختلفت علينا المياه وعلى الريس استغرب الريس البحر فقلنا للناطور:

انظر البحر بتامل،

فطلع على الصاري ثم نزل الناطور وقال للريس:

رايت عن يميني سمكا على وجه الماء ونظرت الى وسط البحر فرايت سوادا من بعيد يلوح تاره اسود وتاره ابيض.

فلما سمع الريس كلام الناطور ضرب الارض بعمامته ونتف لحيته وقال للناس ابشروا بهلاكنا جميعا ولا يسلم منا احد،

وشرع يبكي وكذلك نحن الكل نبكي على انفسنا فقلت ايها الريس اخبرنا بما راى الناطور فقال يا سيدي اعلم اننا تهنا يوم جاءت علينا الرياح المختلفة ولم يهدا الريح الا بكره النهار ثم اقمنا يومين فتهنا في البحر ولم نزل تائهين احد عشر يوما من تلك الليلة وليس لنا ريح يرجعنا الى ما نحن قاصدون اخر النهار وفي غد نصل الى جبل من حجر اسود يسمى حجر المغناطيس ويجرنا المياه غصبا الى جهته.

فيتمزق المركب ويروح كل مسمار في المركب الى الجبل ويلتصق به ان الله وضع حجر المغناطيس سرا وهو ان كل الحديد يذهب اليه وفي ذلك الجبل حديد كثير لا يعلمه الا الله تعالى حتى انه تكسر من قديم الزمان مراكب كثيرة بسبب ذلك الجبل ويلي ذلك البحر قبه من النحاس الاصفر معموده على عشره اعمدة وفوق القبه فارس على فرس من نحاس وفي يد ذلك الفارس رمح من النحاس ومعلق في صدر الفارس لوح من رصاص منقوش عليه اسماء وطلاسم فيها ايها الملك ما دام هذا الفارس راكبا على هذه الفرس تنكسر المراكب التي تفوت من تحته ويهلك ركابها جميعا ويلتصق كل الحديد الذي في المركب بالجبل وما الخلاص الا اذا وقع هذا الفارس من فوق تلك الفرس،

ثم ان الريس يا سيدتي بكى بكاء شديد فتحققنا اننا هالكون لا محالة وكل منا ودع صاحبه.

فلما جاء الصباح قربنا من تلك الجبل وساقتنا المياه اليه غصبا،

فلما صارت المياه تحته انفتحت وفرت المسامير منها وكل حديد فيها نحو حجر المغناطيس ونحن دائرون حوله في اخر النهار وتمزقت المراكب فمنا من غرق ومنا من سلم ولكن اكثرنا غرق والذين سلموا لم يعلموا ببعضهم لان تلك الامواج واختلاف الارياح ادهشتهم.

واما انا يا سيدتي فنجاني الله تعالى لما اراده من مشقتي وعذابي وبلوتي،

فطلعت على لوح من الالواح فالقاه الريح والموج الى جبل فاصبت طريقا متطرفا الى اعلاه على هيئه السلالم منقوره في الجبل فسميت الله تعالى وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة عشره قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الصعلوك الثالث قال للصبيه والجماعة مكتفون والعبيد واقفين بالسيوف على رؤوسهم،

ثم اني سميت الله ودعوته وابتهلت اليه وحاولت الطلوع على الجبل وصرت اتمسك بالنقر التي فيه حتى اسكن الله الريح في تلك الساعة واعانني على الطلوع فطلعت سالما على الجبل وفرحت بسلامتي غايه الفرح ولم يكن لي داب الا القبه فدخلتها وصليت فيها ركعتين شكرا لله على سلامتي ثم اني نمت تحت القبه.

فسمعت قائلا يقول يا ابن خصيب اذا انتهيت من منامك،

فاحفر تحت رجليك قوسا من نحاس وثلاث نشابات من رصاص منقوشا عليها طلاسم فخذ القوس والنشابات وارم للفارس الذي على القبه وارح الناس من هذا البلاء العظيم فاذا رميت الفارس يقع في البحر ويقع القوس من يدك فخذ القوس،

وادفنه في موضعه.

فاذا فعلت ذلك يطفو البحر ويعلو حتى يساوي الجبل،

ويطلع عليه زورق فيه شخص غير الذي رميته فيجيء غليه وفي يده مجذاف،

فاركب معه ولا تسم الله تعالى فانه يحملك ويسافر بك مدة عشره ايام الى ان يوصلك الى بلدك وهذا غنما يتم لك ان لم تسم الله.

ثم استيقظت من نومي،

وقمت بنشاط وقصدت الماء،

كما قال الهاتف وضربت الفارس فرميته فوقع في البحر ووقع القوس من يدي فاخذت القوس ودفنته فهاج البحر وعلا حتى ساوى الجبل الذي انا عليه فلم البث غير ساعة حتى رايت زورقا في وسط البحر يقصدني فحمدت الله تعالى فلما وصل الى الزورق وجدت فيه شخصا من النحاس صدره لوح من الرصاص،

منقوش باسماء وطلاسم.

فنزلت في الزورق وانا ساكت لا اتكلم فحملني الشخص اول يوم والثاني والثالث الى تمام عشره ايام حتى جزائر السلامة ففرحت فرحا عظيما ومن شده فرحي ذكرت الله وسميت وهللت وكبرت فلما فعلت ذلك قذفني من الزورق في البحر ثم رجع في البحر وكنت اعرف العوم فعمت ذلك اليوم الى الليل حتى كلت سواعدي وتعبت اكتافي وصرت في الهلكات ثم تشهدت وايقنت بالموت وهاج البحر من كثرة الرياح فجاءت موجه كالقلعه العظيمه،

فحملتني وقذفتني قذفه صرت بها فوق البر،

لمل يريد الله فطلعت البر وعصرت ثيابي ونشفتها على الارض وبت.

فلما اصبحت لبست ثيابي وقمت انظر اين امشي فوجدت غوطه فجئتها ودرت حولها فوجدت الموضع الذي فيه جزيره صغيره،

والبحر محيط بها،

فقلت في نفسي كلما اخلص من بليه اقع في اعظم منها فبينما انا متفكر في امري اتمنى الموت اذ نظرت مركبا فيها ناس.

فقمت وطلعت على شجره واذا بالمركب التصقت بالبر وطلع منها عشره عبيد معهم مساحي فمشوا حتى وصلوا الى وسط الجزيره وحفروا في الارض وكشفوا عن طابق فرفعوا الطابق وفتحوا بابه،

ثم عادوا الى المركب ونقلوا منها خبزا ودقيقا وسمنا وعسلا واغناما وجميع ما يحتاج اليه الساكن وصار العبيد مترددين بين المركب وباب الطابق وهم يحولون من المركب وينزلون في الطابق الى ان نقلوا كل ما في المركب.

ثم بعد ذلك طلع العبيد ومعهم ثياب احسن ما يكون وفي وسطهم،

شيخ كبير هرم قد عمر زمنا طويلا واضعفه الدهر،

حتى صار فانيا ويد ذلك الشيخ في يد صبي قد افرغ في قالب الجمال والبس حله الكمال حتى انه يضرب بحسنه الامثال وهو كالقضيب الرطب يسحر كل قلب بجماله ويسلب كل لب بكماله فلم يزالوا يا سيدتي سائرين حتى اتوا الى الطابق ونزلوا فيه،

وغابوا عن عيني.

فلما توجهوا قمت ونزلت من فوق الشجره ومشيت الى موضع الردم،

ونبشت التراب ونقلته وصبرت نفسي حتى ازلت كل التراب فانكشف الطابق فاذا هو خشب مقدار حجر الطاحون فرفعته فبان من تحته سلم معقود من حجر فتعجبت من ذلك ونزلت السلم حتى انتهيت الى اخره فوجدت شيئا نظيفا ووجدت بستانا وثانيا الى تمام تسعه وثلاثين وكل بستان ارى فيه ما يكل عنه الواصفون من اشجار وانهار واثمار وذخائر.

ورايت بابا فقلت في نفسي ما الذي في هذا المكان،

فلابد ان افتحه وانظر ما فيه ثم فتحته فوجدت فيه فرسا مسرجا ملحما مربوطا ففككته وركبته فطار بي الى حطني على سطح وانزلني وضربني بذيله فاتلف عيني وفر مني فنزلت من فوق السطح فوجدت عشره شبان عور فلما راوني قالوا لا مرحبا بك،

فقلت لهم:

اتقبلوني اجلس عندكم.

فقالوا والله لا تجلس عندنا فخرجت من عندهم حزين القلب باكي العين،

وكتب الله لي السلامة حتى وصلت الى بغداد فحاقت ذقني وصرت صعلوكا فوجدت هذين الاثنين العورين فسلمت عليهما وقلت لهماانا غريب،

فقالا ونحن غريبان فهذا سبب تلف عيني،

وحلق ذقني،

فقالت له امسح على راسك وروح،

فقال:

لا اروح حتى اسمع قصة هؤلاء.

ثم ان الصبيه التفتت الى الخليفه وجعفر ومسرور وقالت لهم اخبروني بخبركم،

فتقدم جعفر وحكى لها الحكايه التي قالها للبوابه عند دخولهم فلما سمعت كلامه قالت وهبت بعضكم لبعض فخرجوا الى ان صاروا في الزقاق فقال الخليفه للصعاليك يا جماعة الى اين تذهبون فقالوا ما ندري اين نذهب فقال لهم الخليفه سيروا وبيتوا عندنا وقال لجعفر خذهم واحضرهم لي غدا،

حتى ننظر ما يكون،

فامتثل جعفر ما امره به الخليفه.

ثم ان الخليفه طلع الى قصره ولم يجئه نوم في تلك الليلة فلما اصبح جلس على كرسي المملكه ودخلت عليه ارباب الدوله،

فالتفت الى جعفر بعد ان طلعت ارباب الدوله وقال ائتني بالثلاث صبايا والكلبتين والصعاليك،

فنهض جعفر واحضرهم بين يديه فادخل الصبايا تحت الاسنار.

والتفت لهن جعفر وقال لهن قد عفونا عنكن لما اسلفتن من الاحسان الينا ولم تعرفنا فها انا اعرفكن وانتن بين يدي الخامس من بني العباس هارون الرشيد،

فلا تخبرنه الا حقا فلما سمع الصبايا كلام جعفر،

عن لسان امير المؤمنين تقدمت الكبيرة وقالت يا امير المؤمنين ان لي حديثا لو كتب بالابر على اماق البصر لكان عبره لمن اعتبر وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السابعة عشره قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان كبيرة الصبايا،

لما تقدمت بين يدي امير المؤمنين وقالت ان لي حديثا عجيبا وهو ان هاتين الصبيتين اختاي من ابي من غير امي فمات والدنا وخلف خمسه الاف دينار وكنت انا اصغرهن سنا فتجهزت اختاي وتزوجت كل واحده برجل ومكثنا مدة ثم ان كل واحد من ازواجهما هيا متجرا واخذ من زوجته الف دينار وسافروا مع بعضهم،

وتركوني فغابوا اربع سنين وضيع زوجاهما المال،

وخسرا وتركاهما في بلاد الناس فجاءاني في هيئه الشحاتين.

فلما رايتهما ذهلت عنهما ولم اعرفهما ثم اني لما عرفتهما،

قلت لهما:

ما هذا الحال،

فقالتا يا اختاه ان الكلام لا يفيد الان،

وقد جرى القلم بما حكم الله فارسلتهما الى الحمام والبست كل واحده حله وقلت لهما يا اختي انتما الكبيرة وانا الصغيرة وانتم عوض عن ابي وامي والارث الذي ناسي معكما قد جعل الله فيه البركة فكلا من زكاته واحوالي جليلة وانا وانتما سواء واحسنت اليهما غايه الاحسان فمكثا عندي مدة سنه كاملة وصار لهما مال من مالي فقالتا لي ان الزواج خير لنا وليس لنا صبر عنه.

فقلت لهما يا اختي لم تريا في الزواج خيرا فان الرجل الجيد قليل في هذا الزمان وقد اخترتما الزواج فلم يقبلا كلامي،

وتزوجا بغير رضاي فزوجتهما من مالي وسترتهما ومضتا مع زوجيهما فاقاما مدة يسيره ولعب عليهما زوجهما واخذ ما كان معهما وسافرا وتركاهما فجاءتا عندي وهما عريانتين واعتذرتا وقالتا لا تؤاخذينا،

فانت اصغر منا سنا واكمل عقلا،

وما بقينا نذكر الزواج ابدا.

فقلت مرحبا بكما يا اختي ما عندي اعز منكما وقبلتهما وزدتهما اكراما ولم تزل على هذه الحالة سنه كاملة فاردت ان اجهز لي لي مركبا الى البصره،

فجهزت مركبا كبيرة وحملت فيها البضائع والمتاجر وما احتاج اليه في المركب وقلت يا اختي هل لكما ان تقعدوا في المنزل حتى اسافر وارجع او تسافرا معي،

فقالتا تسافر معك فانا لا نطيق فراقك فاخذتهما وسافرنا،

وكنت قسمت مالي نصفين فاخذت النصف وخبات النصف الثاني وقلت ربما يصيب المركب شيء ويكون في العمر مدة فاذا رجعنا نجد شيئا ينفعنا.

ولم نزل مسافرين اياما وليالي،

فتاهت بنا المركب وغفل الريس عن الطريق ودخلت المركب بحرا غير البحر الذي نريده ولم نعلم بذلك مده،

وطاب لنا الريح عشره ايام فلاحت لنا مدينه على بعد فقلنا للريس ما اسم هذه المدينه التي اشرفنا عليها فقال والله لا اعلم ولا رايتها قط،

ولا سلكت عمري هذا البحر،

ولكن جاء الامر بسلامة فما بقي الا ان تدخلوا هذه المدينه وتخرجوا بضائعكم فان حصل لكم بيع فبيعوا وغاب ساعه.

ثم جاءنا وقال قوموا الى المدينه وتعجبوا من صنع الله في خلقه واستعيذوا من سخطة فطلعنا المدينه فوجدنا كل من فيها مسخوطا حجاره سوداء،

فاندهشنا من ذلك ومشينا في الاسواق فوجدنا البضائع باقيه والذهب والفضه باقيين على حالهما ففرحنا وقلنا لعل هذا يكون له امر عجيب،

وتفرقنا في شوارع المدينه وكل واحد اشتغل عن رفيقه بما فيها من المال والقماش.

واما انا فطلعت الى القلعه فوجدتها محكمه فدخلت قصر الملك فوجدت فيه كل الاواني من الذهب والفضه ثم رايت الملك جالسا وعنده حجابه ونوابه ووزرائه وعليه من الملابس شيء يتحير فيه الفكر فلما قربت من الملك وجدته جالسا على كرسي مرصع بالدر والجواهر فيه كل دره تضيء كالنجمه وعليه حله مزركشه بالذهب وواقفا حوله خمسون مملوكا بين انواع الحرير،

وفي ايديهم السيوف مجرده.

فلما نظرت لذلك دهش عقلي ثم مشيت ودخلت قاعه الحريم،

فوجدت في حيطانها ستائر من الحرير ووجدت الملكه عليها حله مزركشه بالؤلؤ الرطب وعلى راسها تاج مكلل بانواع الجواهر وفي عنقها قلائد وعقودا وجميع ما عليها من الملبوس والمصاغ باق على حالة وهي ممسوخه حجر اسود ووجدت بابا مفتوحا فدخلته ووجدت فيه سلما بسبع درج فصعدته،

فرايت مكانا مرخما مفروشا بالبسط المذهبه ووجدت فيه سرير من المرمر مرصعا بالدر والجواهر ونظرت نورا لامعا في جهه فقصدتها فوجدت فيها جوهره مضيئه قدر بيض النعامة على كرسي صغير،

وهي تضيء كالشمعه،

ونورها ساطع ومفروش على ذلك السرير من انواع الحرير ما يحير الناظر.

فلما نظرت الى ذلك تعجبت ورايت في ذلك المكان شموعا موقده فقلت في نفسي لابد ان احدا اوقد هذه الشموع،

ثم اني مشيت حتى دخلت موضعا غيره وصرت افتش في تلك

الاماكن ونسيت نفسي مما ادهشني من التعجب من تلك الاحوال،

واستغرق فكري الى ان دخل الليل فاردت الخروج فلم اعرف الباب وتهت عنه فعدت الى الجهه التي فيها الشموع الموقده وجلست على السرير وتغطيت بلحاف بعد ان قرات شيئا من القران واوردت النوم فلم استطع ولحقني القلق.

فلما انتصف الليل سمعت تلاوه القران بصوت حسن رقيق فالتفت الى مخدع فرايت بابه مفتوحا فدخلت الباب ونظرت المكان فاذا هو معبد وفيه قناديل معلقه موقده وفيه سجاده مفروشه جالس عليها شاب حسن المنظر فتعجبت كيف هو سالم دون اهل المدينه فدخلت وسلمت عليه فرفع بصره ورد علي السلام فقلت له اسالك بحق ما تتلوه من كتاب الله ان تجيبني عن سؤالي.

فتبسم وقال اخبرني عن سبب دخولك هذا المكان وانا اخبرك بجواب ما تسالينه عنه فاخبرته بخبري فتعجب من ذلك،

ثم انني سالته عن خبر هذه المدينه فقال امهليني ثم طبق المصحف وادخله كيس من الاطلس واجلسني بجنبه فنظرت اليه فاذا هو كالبدر حسن الاوصاف لين الاعطاف بهي المنظر رشيق القد اسيل الخد زهي الجنات كانه المقصود من هذه الابيات:

رصد النجم ليلة فبدا له قد المليح يميس في برديه
وامد زحل سواد ذوائب والمسك هادي الخال في خديه

وغدت من المربح حمره خده والقوس يرمي النبل من جفنيه

وعطارد اعطاه فرط ذكائه وابى السها نظر الوشاه اليه

فغدا المنجم حائرا مما راى والبدر باس الارض بين يديه
فنظرت له نظره اعقبتني الف حسره واوقدت بقلبي كل جمره فقلت له يا مولاي اخبرني عما سالتك فقال سمعا وطاعه.

اعلمي ان هذه المدينه مدينه والدي وجميع اهله وقومه وهو الملك الذي رايته على الكرسي ممسوخا حجرا واما الملكه التي رايتها فهي امي وقد كانوا مجوسا يعبدون النار دون الملك الجبار وكانوا يقسمون بالنار والنور والظل والخرور والفلك الذي يدور وكان ابي ليس له ولد فرزق بي في اخر عمره فرباني حتى نشات وقد سبقت لي السعاده،

وكان عندنا عجوز طاعنه في السن مسلمه تؤمن بالله ورسوله في الباطن وتوافق اهلي في الظاهر وكان ابي يعتقد فيها لما يرى عليها من الامانه والعفه وكان يكرمها ويزيد في اكرامها وكان يعتقد انها على دينه.

فلما كبرت سلمني ابي اليها وقال:

خذيه وربيه وعلميه احوال ديننا واحسني تربيته وقومي بخدمته فاخذتني العجوز وعلمتني دين الاسلام من الطهاره والوضوء والصلاة وحفظتني القران فلما اتمت ذلك قالت لي يا ولدي اكتم هذا الامر عن ابيك ولا تعلمه به لئلا يقتلك فكتمته عنه ولم ازل على هذا الحال مدة ايام قلائل وقد ماتت العجوز وزاد اهل المدينه في كفرهم وعتوهم وضلالهم.

فبينما هم على ما هم فيه اذ سمعوا مناديا ينادي باعلى صوته مثل الرعد القاصف سمعه القريب والبعيد يقول يا اهل المدينه ارجعوا عن عباده النار واعبدوا الملك الجبار فحصل عند اهل المدينه فزع واجتمعوا عند ابي وهو ملك المدينه وقالوا له:

ما هذا الصوت المزعج الذي سمعناه فاندهشنا من شده هوله فقال لهم لايهولنكم الصوت ولا يردعنكم عن دينكم.

فمالت قلوبهم الى قول ابي ولم يزالوا مكبين على عباده النار واستمروا على طغيانهم مدة سنه حتى جاء ميعاد ما سمعوا الصوت الاول فظهر لهم ثانيا فسمعوا ثلاث مرات على ثلاث سنين في كل سنه مره فلم يزالوا عاكفين على ما هم عليه حتى نزل عليهم المقت والسخط من السماء بعد طلوع الفجر،

فمسخوا حجاره سودا وكذلك دوابهم وانعامهم ولم يسلم من اهل هذه المدينه غيري،

ومن يوم ما جرت هذه الحادثه وانا على هذه الحالة في صلاه وصيام وتلاوه قران وقد يئست من الوحده وما عندي من يؤنسني.

فعند ذلك قلت له ايها الشاب هل لك ان تروح معي الى مدينه بغداد وتنظر الى العلماء والى الفقهاء فتزداد علما وفقها واكون انا جاريتك مع اني سيده قومي وحاكمه على رجال وخدم وغلمان،

وعندي مركب مشحون بالمتجر وقد رمتنا المقادير على هذه المدينه حتى كان ذلك سببا في اطلاعنا على هذه الامور وكان النصيب في اجتماعنا ولم ازل ارغبه في التوجه حتى اجابني اليه.

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

و في الليلة الثامنة عشره قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الصبيه ما زالت تحسن للشاب التوجه معها حتى غلب عليها النوم فنامت تلك الليلة تحت رجليه وهي لا تصدق بما هي فيه من الفرح،

ثم قالت فلما اصبح الصباح قمنا ودخلنا الى الخزائن واخذنا ما خف حمله وغلا ثمنه ونزلنا من القلعه الى المدينه فقابلنا العبيد والريس وهم يفتشون علي فلما راوني فرحوا بي وسالوني عن سبب غيابي فاخبرتهم بما رايت وحكيت لهم قصة الشاب وسبب مسخ اهل هذه المدينه وما جرى لهم فتعجبوا من ذلك.

فلما راتني اختاي ومعي ذلك الشاب حسدتاني عليه وصارتا في غيظ واضمرتا المكر لي.

ثم نزلنا المركب وانا بغايه الفرح واكثر فرحي بصحبه هذا الشاب واقمنا ننتظر الريح حتى طابت لنا الريح فنشرنا القلوع وسافرنا فقعدت اختاي عندنا وصارت تتحدثان فقالتا لي يا اختاه ما تصنعين بهذا الشاب الحسن فقلت لهما قصدي ان اتخذه بعلا،

ثم التفت اليه واقبلت عليه وقلت يا سيدي انا اقصد ان اقول لك شيئا فلا تخالفني فيه.

فقال سمعا وطاعه.

ثم التفت الى اختاي وقلت لهما يكفيني هذا الشاب وجميع هذه الاموال لكما فقالتا نعم ما فعلت ولكنهما اضمرتا لي الشر ولم نزل سائرين مع اعتدال الريح حتى خرجنا من بحر الخوف ودخلنا بحر الامان وسافرنا اياما قلائل الى ان قربنا من مدينه البصره ولاحت لنا ابنيتها،

فادركنا المساء فلما اخذنا النوم قامت اختاي وحملتاني انا والغلام ورمتانا في البحر،

فاما الشاب فانه كان لا يحسن العوم فغرق وكتبه الله من الشهداء.

واما انا فكنت من السالمين،

فلما سقطت في البحر رزقني الله بقطعة من خشب فركبتها وضربتني الامواج الى ان رمتني على ساحل جزيره فلم ازل امشي في الجزيره باقي ليلتي فلما اصبح الصباح رايت طريقا فيه اثر مشي على قدر ابن ادم وتلك الطريق متصلة من الجزيره الى البر وقد طلعت الشمس فنشفت ثيابي فيها وسرت في الطريق ولم ازل سائره الى ان قربت من البر الذي فيه المدينه واذا بحيه تقصدني وخلفها ثعبان يريد هلاكها وقد تدلى لسانها من شده التعب.

فاخذتني الشفقه عليها فقعدت الى حجر والقيته على راس الثعبان فمات من وقته فنشرت الحيه جناحين وصارت في الجو فتعجبت من ذلك وقد تعبت فنمت في موضعي ساعه،

فلما افقت وجدت تحت رجلي جاريه وهي تكبس رجلي فجلست واستحيت منها وقلت لها من انت وما شانك فقالت ما اسرع ما نسيتني انت التي فعلت معي الجميل وقتلت عدوي،

فاني الحيه التي خلصتيني من الثعبان جني وهو عدوي وما نجاني منه الا انت.

فلما نجيتني منه طرت في الريح وذهبت الى المركب التي رماك منها اختاك ونقلت كل ما فيها الى بيتك واحرقتها واما اختاك فاني سحرتهما كلبتين من الكلاب السود،

فاني عرفت كل ما جرى لك معهما،

واما الشاب فانه غرق ثم حملني انا والكلبتين والقتنا فوق سطح داري فرايت كل ما كان في المركب من الاموال في وسط بيتي ولم يضع منه شيء،

ثم ان الحيه قالت لي وحق النقش الذي على خاتم سليمان اذا لم تضربي كل واحده منها في كل يوم ثلاثمائه سوط لاتين اجعلك مثلهما فقلت سمعا وطاعه.

فلم ازل يا امير المؤمنين اضربها ذلك الضرب واشفق عليهما،

فتعجب الخليفه من ذلك ثم قال للصبيه الثانيه:

وانت ما سبب الضرب الذي على جسدك فقالت:

يا امير المؤمنين اني كان لي والد مات وخلف مالا كثيرا،

فاقمت بعده مدة يسيره وتزوجت برجل اسعد اهل زمانه فاقمت معه سنه كاملة ومات فورثت منه ثمانين الف دينار،

فبينما انا جالسه في يوم من الايام اذ دخلت علي عجوز بوجه مسقوط وحاجب ممغوط وعيونها مفجره واسنانها مكسره ومخاطها سائل وعنقها مائل كما قال فيها الشاعر:

عجوز النحس ابليس يراها تعلمه الخديعه من سكوت تقود من السياسة الف بغل اذا انفردوا بخيط العنكبوت
فلما دخلت العجوز علمت علي وقالت ان عندي بنتا يتيمه والليلة عملت عرسها وانا قصدي لك الاجر والثواب فاحضري عرسها فانها مكسورة الخاطر ليس لها الا الله تعالى ثم بكت وقبلت رجلي فاخذتني الرحمه والرافه فقلت سمعا وطاعه فقالت جهزي نفسك فاني وقت العشاء اجي واخذك ثم قبلت يدي وذهبت فقمت وهيات نفسي وجهزت حالي واذا بالعجوز قد اقبلت وقالت يا سيدتي ان سيدات البلد قد حضرن واخبرتهن بحضورك ففرحن وهن في انتظارك،

فقمت وتهيات واخذت جواري معي وسرت حتى اتينا الى زقاق هب فيه النسيم وراق فراينا بوابه مقنطره قبه من الرخام مشيده البنيان وفي داخلها قصر قد قام من التراب وتعلق بالسحاب فلما وصلنا الى الباب طرقته العجوز ففتح لنا ودخلنا فوجدنا دهليزا مفروشا بالبسط معلقا فيه قناديل موقده وشموع مضيئه وفيه الجواهر والمعادن معلقه فمشينا في الدهليز الى ان دخلنا القاعه فلم يوجد لها نظير مفروشه بالفراش الحرير معلقا فيها القناديل الموقده والشموع المضيئه وفي صدر القاعه سرير من المرمر مرصع بالدر والجوهر وعليه ناموسيه من الاطلس واذا بصبيه خرجت من الناموسيه مثل القمر فقالت لي مرحبا واهلا وسهلا يا اختي انستيني وجبرت خاطري وانشدت تقول:

لو تعلم الدار من زارها فرحت واستبشرت ثم باست موضع القدم واعلنت بلسان الحال قائله اهلا وسهلا باهل الجود والكرم
ثم جلست وقالت يا اختي ان لي اخا وقد راك في الافراح وهو شاب احسن مني وقد احبك قلبه حبا شديدا واعطى هذه العجوز دراهم حتى اتتك وعملت الحيله لاجل اجتماعه بك ويريد اخي ان يتزوجك بسنه الله ورسوله وما في الحلال من عيب فلما سمعت كلامها ورايت نفسي قد انحجزت في الدار فقلت للصبيه سمعا وطاعه ففرحت وصفقت بيدها وفتحت بابا،

فخرج منه شاب مثل القمر كما قال الشاعر:

قد زاد حسنا تبارك الله جل الذي صاغه وسواه
قد حاز كل الجمال منفردا كل الورى في جماله تهواه

قد كتب الحسن فوق وجنته اشهد ان لا مليح الا هو
فلما نظرت اليه مال قلبي له ثم جاء وجلس واذا بالقاضي قد دخل ومعه اربعه شهود فسلموا وجلسوا،

ثم انهم كتبوا كتابي على ذلك الشاب وانصرفوا فالتفت الشاب الى وقال ليلتنا مباركه،

ثم قال يا سيدتي اني شارط عليك شرطا فقلت يا سيدي وما الشرط فقام واحضر لي مصحفا وقال احلفي لي انك لا تختاري احدا غيري ولا تميلي اليه فحلفت له على ذلك ففرح فرحا شديدا وعانقني فاخذت محبته بمجامح قلبي وقدموا لنا السماط فاكلنا وشربنا حتى اكتفينا فدخل علينا الليل.

فاخذني ونام معي على الفراش وبتنا في عناق الى الصباح،

ولم نزل على هذه الحالة مدة شهر،

ونحن في هناء وسرور وبعد الشهر استاذنته في ان اسير الى السوق واشتري بعض قماش فاذن لي في الرواح،

فلبست ثيابي واخذت العجوز معي ونزلت في السوق فجلست على دكان تاجر تعرفه العجوز وقالت لي هذا ولد صغير مات ابوه وخلف مالا كثيرا ثم قالت له هات اعز ما عندك من القماش لهذه الصبيه.

فقال لها سمعا وطاعه فصارت العجوز تثني عليه فقلت ما لنا حاجة بثنائك عليه لان مرادنا ان ناخذ حاجتنا منه ونعود الى منزلنا فاخرج لنا ما طلبناه واعطيناه الدراهم فابى ان ياخذ شيئا وقال هذه ضيافتكما اليوم عندي فقلت للعجوز ان لم ياخذ الدراهم اعطه قماشه.

فقال:

والله لا اخذ شيئا والجميع هديه من عندي في قبله واحده فانها عندي احسن من ما في دكاني.

فقالت العجوز ما الذي يفيدك من القبله ثم قالت يا بنتي قد سمعت ما قال هذا الشاب وما يصيبك شيء اخذ منك قبله وتاخذين ما تطلبينه فقلت لها اما تعرفين اني حالفه فقالت دعيه يقبلك وانت ساكته ولا عليك شيء وتاخذين هذه الدراهم ولازالت تحسن لي الامر حتى ادخلت راسي في الجراب ورضيت بذلك ثم اني غطيت عيني وداريت بطرف ازاري من الناس وحط فمه تحت ازاري على خدي فما ان قبلني حتى عضني عضه قويه،

حتى قطع اللحم من خدي فغشي علي ثم اخذتني العجوز في حضنها.

فلما افقت وجدت الدكان مقفوله والعجوز تظهر لي الحزن،

وتقول ما دفع الله كان اعظم ثم قالت لي قومي بنا الى البيت واعملي نفسك ضعيفه وانا اجيء اليك بدواء تداوين به هذه العضه فتبرئين سريعا فبعد ساعة قمت من مكاني وانا في غايه الفكر واشتداد الخوف،

فمشيت حتى وصلت الى البيت واظهرت حالة المرض واذا بزوجي داخل وقال ما الذي اصابك يا سيدتي في هذا الخروج فقلت له ما انا طيبه فنظر الى وقال لي ما هذا الجرح الذي بخدك وهو في المكان الناعم.

فقلت لما استاذنتك وخرجت في هذا النهار لاشتري القماش زاحمني جمل حامل حطبا فشرط نقابي وجرح خدي كما ترى فان الطريق ضيق في هذه المدينه فقال غدا اروح للحاكم واشكوا له فيشنق كل حطاب في المدينه فقلت بالله عليك لا تتحمل خطيئه احد فاني ركبت حمارا نفر بي فوقعت على الارض فصادفني عود فخدش خدي وجرحني،

فقال غدا اطلع لجعفر البرمكي واحكي له الحكايه فيقتل كل حمار في هذه المدينه فقلت هل انت تقتل الناس كلهم بسببي وهذا الذي جرى لي بقضاء الله وقدره.

فقال لابد من ذلك وشدد علي ونهض قائما وصاح صيحه عظيمه فانفتح الباب وطلع منه سبعه عبيد سود فسحبوني من فراشي ورموني في وسط الدار ثم امر عبدا منهم ان يمسكني من اكتافي،

ويجلس على راسي وامر الثاني ان يجلس على ركبتي ويمسك رجلي وجاء الثالث وفي يده سيف فقال يا سيدي اضربها بالسيف فاقسمها نصفين وكل واحد ياخذ قطعة يرميها في بحر الدجله فياكلها السمك وهذا جزاء من يخون الايمان الموده وانشد هذا الشعر:

اذا كان لي فيمن احب مشارك منعت الهوى روحي ليتلفني وجدي وقلت لها يا نفس موتي كريهه فلا خير في حب يكون مع الضد
ثم قال للعبد اضربها يا سعد فجرد السيف وقال اذكري الشهاده وتذكري ما كان لك من الحوائج واوصي ثم رفعت راسي ونظرت الى حالي وكيف صرت في الذل بعد العجز فجرت عبرتي وبكيت انشدت هذه الابيات:

اقمتم فؤادي في الهوى وقعدتم واسهرتم جفني القريح ونمتم
ومنزلكم بين الفؤاد وناظري فلا القلب يسلوكم ولا الدمع يكتم

وعاهدتموني ان تقيموا على الوفا فلما تملكتم فؤادي غدرتم

ولم ترحموا وجدي بكم وتلهفي اانتم صروف الحادثات امنتم

سالتكم بالله ان مت فاكتبوا على لوح قبري ان هذا متيم

لعل شجيا عارفا لوعه الهوى يمر على قبر المحب فيرحم
فلما فرغت من شعري بكيت فلما سمع الشعر ونظر الى بكائي ازداد غيظا على غيظه وانشد هذين البيتين:

تركت حبيب القلب لاعن ملاله ولكن جنى ذنبا يؤدي الى الترك اذا ارى شريكا في المحبه بيننا وايمان قلبي لا يميل الى الشرك
فلما فرغ من شعره بكيت واستعطفته،

واذا بالعجوز قد دخلت ورمت نفسها على اقدام الشاب وقبلتها وقالت يا ولدي بحق تربيتي لك تعفوا عن هذه الصبيه فانها ما فعلت ذنبا يوجب ذلك وانت شاب صغير فاخاف عليك من دعائها ثم بكت العجوز،

ولم تزل تلح عليه حتى قال عفوت عنها،

ولكن لابد لي ان اعمل فيها اثرا يظهر عليها بقيه عمرها،

ثم امر العبيد فجذبوني من ثيابي واحضر قضيبا من سفرجل ونزل به على جسدي بالضرب،

ولم يزل يضربني ذلك الشاب على ظهري وجنبي حتى غبت عن الدنيا من شده الضرب وقد يئست من حياتي ثم امر العبيد انه اذا دخل الليل يحملونني وياخذون العجوز معهم ويرمونني في بيتي الذي كنت فيه سابقا.

ففعلوا ما امرهم به سيدهم ورموني في بيتي،

فتعاهدت نفسي وتداويت فلما شفيت بقيت اضلاعي كانها مضروبه بالمقارع،

كما ترى فاستمريت في مداواه نفسي اربعه اشهر حتى شفيت،

ثم جئت الى الدار التي جرت لي فيها ذلك الامر فوجدتها خربه ووجدت الزقاق مهد وما من اوله الى اخره ووجدت في موقع الدار كيما ولم اعلم سبب ذلك فجئت الى اختي هذه التي من ابي فوجدت عندها هاتين الكلبتين فسلمت عليها واخبرتها بخبري وبجميع ما جرى لي.

فقالت من ذا الذي من نكبات الزمان،

سلم الحمد لله الذي جعل الامر بسلامة ثم اخبرتني بخبرها وبجميع ما جرى لها من اختيها وقعدت انا وهي لا نذكر خبر الزواج على السنتنا ثم صاحبتنا هذه الصبيه الدلاله في كل يوم تخرج فتشتري لنا ما نحتاج اليه من المصالح على جري علاتها،

فوقع لنا ما وقع من مجيء الجمال والصعاليك ومن مجيئكم في صفه تجار فلما صرنا في هذا اليوم ولم نشعر الا نحن بين يديك وهذه حكايتنا،

فتعجب الخليفه من هذه الحكايه وجعلها تاريخها مثبتا في خزانته وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة عشره قالت:

بلغني ايها الملك السعيد ان الخليفه امر ان تكتب هذه القصة في الدواوين ويجعلوها في خزانه الملك ثم انه قال للصبيه الاولى هل عندك خبر بالعفريته التي سحرت اختيك،

قالت يا امير المؤمنين انها اعطتني سيئا من شعرها،

وقالت ان اردت حضوري فاحرقي من هذا الشعر شيئا فاحضر اليك عاجلا ولو كنت خلف جبل قاف.

فقال الخليفه احضري لي الشعر فاحضرته الصبيه فاخذه الخليفه،

واحرق منه شيئا فلما فاحت منه رائحه اهتز القصر وسمعوا دويا وصلصله واذا بالجنيه حضرت وكانت مسلمه فقالت يا خليفه فقال:

وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته،

فقالت اعلم ان هذه الصبيه صنعت معي جميلا ولا اقدر ان اكافئها عليه فهي انقذتني من الموت وقتلت عدوي ورايت ما فعله معها اختاها فما رايت الا اني انتقم منهما فسحرتهما كلبتين بعد ان اردت قتلهما فخشيت ان يصعب عليها،

وان اردت خلاصهما،

يا امير المؤمنين اخلصهما كرامه لك ولها فاني من المسلمين.

فقال لها خلصيهما وبعد ذلك نشرع في امر الصبيه المضروبه،

وتفحص عن حالها فاذا ظهر لي صدقها اخذت ثارها ممن ظلمها فقالت العفريته يا امير المؤمنين انا ادلك على ما فعل بهذه الصبيه هذا الفعل وظلمها واخذ مالها وهو اقرب الناس اليك،

ثم ان العفريته اخذت طاسه من الماء وعزمت عليها،

ورشت وجه الكلبتين،

وقالت لهما عودا الى صورتكما الاولى البشريه فعادتا صبيتين سبحان خالقهما،

ثم قالت يا امير المؤمنين ان الذي ضرب الصبيه،

ولدك الامين فانه كان يسمع بحسنها وجمالها،

وحكت له العفريته كل ما جرى للصبيه فتعجب وقال الحمد لله خلاص هاتين الكلبتين على يدي.

ثم ان الخليفه احضر ولده الامين بين يديه وساله عن قصة الصبيه الاولى فاخبره على وجه الحق فاحضره الخليفه القضاه والشهود والصعاليك الثلاثه،

واحضر الصبيه الاولى واختيها اللتين كانتا مسحورتين في صورة كلبتين،

وزوج الثلاثه للثلاثه الصعاليك الذين اخبروه انهم كانوا ملوكا وعملهم حجابا عنده واعطاهم ما يحتاجون اليه وانزلهم في قصر بغداد ورد الصبيه المضروبه لولده الامين واعطاها مالا كثيرا وامر ان تبنى الدار احسن ما كانت ثم ان الخليفه تزوج بالدلاله ورقد في تلك الليلة معها.

فلما اصبح افرد لها بيتا وجواري يخدمنها ورتب لها راتبا،

وشيد لها قصرا ثم قال لجعفر ليلة من الليالي اني اريد ان ننزل في هذه الليلة الى المدينه ونسال عن احوال الحكام والمتولين وكل من شكا منه احد عزلناه فقال جعفر ومسرور نعم،

وساروا في المدينه ومشوا في الاسواق مروا بزقاق،

فراوا شيخا كبيرا على راسه شبكه وقفه وفي يده عصا وهو ماش على مهله.

ثم ان الخليفه تقدم اليه وقال له يا شيخ ما حرفتك قال يا سيدي صياد وعندي عائلة وخرجت من بيتي من نصف النهار الى هذا الوقت ولم يقسم الله لي شيئا اقوت به عيالي وقد كرهت نفسي وتمنيت الموت.

فقال له الخليفه هل لك ان ترجع معنا الى البحر وتقف على شاطئ الدجله وترمي شبكتك على بختي وكل ما طلع اشتريته منك بمائه دينار.

ففرح الرجل لما سمع هذا الكلام وقال على راسي ارجع معكم.

ثم ان الصياد ورجع الى البحر ورمى شبكته وصبر عليها،

ثم انه جذب الخيط وجر الشبكه اليه فطلع في الشبكه صندوق مقفول ثقيل الوزن فلما نظر الخليفه وجده ثقيلا فاعطى الصياد مائه دينار وانصرف وحمل الصندوق مسرور هو وجعفر وطلعا به مع الخليفه الى القصر واوقد الشموع والصندوق بين يدي الخليفه فتقدم جعفر ومسرور وكسروا الصندوق فوجدوا فيه قفه خوص محيطه بصوت احمر فقطعوا الخياطه فراوا فيها قطعة بساط فرفعوها فوجدوا تحتها ازار فرفعوا الازار فوجدوا تحتها صبيه كانها سبيكه مقتوله ومقطوعه.

فلما نظرها الخليفه جرت دموعه على خده والتفت الى جعفر وقال:

يا كلب الوزراء اتقتل القتلى في زمني ويرمون في البحر ويصيرون متعلقين بذمتي والله لابد ان اقتص لهذه الصبيه ممن قتلها واقتله وقال لجعفر وحق اتصال نسبي بالخلفاء من بني العباس ان لم تاتيني بالذي قتل هذه لانصفها منه لاصلبنك على باب قصري انت واربعين من بني عمك،

واغتاظ الخليفه.

فقال جعفر امهلني ثلاثه ايام قال امهلتك.

ثم خرج جعفر من بين يديه ومشي في المدينه وهو حزين وقال في نفسه من اعرف من قتل هذه الصبيه حتى احضره للخليفه وان احضرت له غيره يصير معلقا بذمتي ولا ادري ما اصنع.

ثم ان جعفر جلس في بيته ثلاثه ايام وفي اليوم الرابع ارسل له الخليفه يطلبه فلما تمثل بين يديه قال له اين قاتل الصبيه قال جعفر يا امير المؤمنين انا اعلم الغيب حتى اعرف قاتلها،

فاغتاظ الخليفه وامر بصلبه على باب قصره وامر مناديا ينادي في شوارع بغداد من اراد الفرجه على صلب جعفر البرمكي وزير الخليفه وصلب اولاد عمه على باب قصر الخليفه ليخرج ليتفرج.

فخرج الناس من كل الحارات ليتفرجوا على صلب جعفر وصلب اولاد عمه ولم يعلموا سبب ذلك ثم امر بنصب الخشب فنصبوه واوقفهم تحته لاجل الصلب وصاروا ينتظرون الاذن من الخليفه وصار الخلق يتباكون على جعفر وعلى اولاد عمه.

فبينما هم كذلك واذا بشاب حسن نقي الاثواب يمشي بين الناس مسرعا الى ان وقف بين يدي الوزير وقال له:

سلامتك من هذه الوقفه يا سيد الامراء وكهف الفقراء،

انا الذي قتلت القتيله التي وجدتموها في الصندوق،

فاقتلني فيها واقتص مني.

فلما سمع جعفر كلام الشاب وما ابداه من الخطاب فرح بخلاص نفسه وحزن على الشاب.

فبينما هم في الكلام واذا بشيخ كبير يفسح الناس ويمشي بينهم بسرعه الى ان وصل الى جعفر والشاب فسلم عليهما ثم قال ايها الوزير لا تصدق كلام هذا الشاب فانه ما قتل هذه الصبيه الا انا فاقتص لها مني.

فقال الشاب ايها الوزير،

ان هذا الشيخ كبير خرفان لا يدري ما يقول وانا الذي قتلتها فاقتص مني.

فقال الشيخ،

يا ولدي انت صغير تشتهي الدنيا وانا كبير شبعت من الدنيا وانا افديك وافدي الوزير وبني عمه وما قتل الصبيه الا انا،

فبالله عليك ان تعجل بالاقتصاص مني،

فلما نظر الى ذلك الامر تعجب منه واخذ الشاب والشيخ وطلع بهما عند الخليفه وقال يا امير المؤمنين قد حضر قاتل الصبيه فقال الخليفه اين هو،

فقال ان هذا الشاب يقول انا القاتل وهذا الشيخ يكذبه ويقول لا بل انا القاتل.

فنظر الخليفه الى الشيخ والشاب وقال من منكما قتل هذه الصبيه فقال الشاب ما قتلتها الا انا وقال الشيخ ما قتلها الا انا.

فقال الخليفه لجعفر خذ الاثنين واصلبهما فقال جعفر اذا كان القاتل واحد فقتل الثاني ظلم،

فقال الشاب:

وحق من رفع السماء وبسط الارض اني انا الذي قتلت الصبيه وهذه اماره قتلها،

ووصف ما وجده الخليفه فتحقق عند الخليفه ان الشاب هو الذي قتل الصبيه فتعجب الخليفه وقال:

وما سبب اقرارك بالقتل من غير ضرب وقولك اقتصوا لها مني.

فقال الشاب:

اعلم يا امير المؤمنين ان هذه الصبيه زوجتي وبنت عمي وهذا الشيخ ابوها وهو عمي وتزوجت بها وهي بكر فرزقني الله منها ثلاثه اولاد ذكور وكانت تحبني وتخدمني ولم ار عليها شيئا،

فلما كان اول هذا الشهر مرضت مرضا شديدا فاحضرت لها الاطباء حتى حصلت لها العافيه فاردت ان ادخلها الحمام فقالت اني اريد شيئا قبل دخول الحمام لاني اشتهيه فقلت لها وما هو فقالت:

اني اشتهي تفاحه اشمها واعض منها عضه.

فطلعت من ساعتي الى المدينه وفتشت على التفاح ولو كانت الواحده بدينار فلم اجده فبت تلك الليلة وانا متفكر فلما اصبح الصباح خرجت من بيتي ودرت على البساتين واحد واحد فلم اجده فيها فصادفني خولي كبير فسالته عن التفاح فقال:

يا ولدي هذا شيء قل ان يوجد لانه معدوم ولا يوجد الا في بستان امير المؤمنين الذي في البصره وهو عند خولي يدخره للخليفه فجئت الى زوجتي وقد حملتني محبتي اياها على ان هيات نفسي وسافرت يوما ليلا ونهارا في الذهاب والاياب وجئت لها بثلاث تفاحات اشتريتها من خولي البصره بثلاثه دنانير،

ثم اني دخلت وناولتها اياها فلم تفرح بها بل تركتها في جانبها وكان مرض الحمى قد اشتد بها،

ولم تزل في ضعفها الى ان مضى لها عشره ايام وبعد ذلك عوفيت فخرجت من البيت وذهبت الى دكاني وجلست في بيعي وشرائي.

فبينما انا جالس في وسط النهار واذا بعبد اسود مر علي وفي يده تفاحه يلعب بها فقلت له:

من اين هذه التفاحه حتى اخذ مثلها فضحك وقال اخذتها من حبيبتي وانا كنت غائبا وجئت فوجدتها ضعيفه وعندها ثلاث تفاحات فقالت ان زوجي الديوث سافر من شانها الى البصره فاشتراها بثلاثه دنانير فاخذت منها هذه التفاحه،

فلما سمعت كلام العبد يا امير المؤمنين اسودت الدنيا في وجهي وقفلت دكاني وجئت الى البيت وانا فاقد العقل من شده الغيظ فلم اجد التفاحه الثالثة فقلت لها:

اين التفاحه الثالثة فقالت لا ادري ولا اعرف اين ذهبت.

فتحققت قول العبد وقمت واخذت سكينا وركبت على صدرها ونحرتها بالسكين وقطعت راسها واعضائها ووضعتها في القفه بسرعه وغطيتها بالازار ووضعت عليها شقه بساط وانزلتها في الصندوق وقفلته وحملتها على بغلتي ورميتها في الدجله بيدي.

فبالله عليك يا امير المؤمنين ان تعجل بقتلي قصاصا لها فاني خائف من مطالبتها يوم القيامه فاني لما رميتها في بحر الدجله ولم يعلم بها احد رجعت الى البيت فوجدت ولدي الكبير يبكي ولم يكن له علم بما فعلت في امه.

فقلت له ما يبكيك فقال اني اخذت تفاحه من التفاح الذي عند امي ونزلت بها الى الزقاق العب مع اخوتي واذا بعبد طويل خطفها مني وقال لي من اين جاءتك هذه فقلت له هذه سافر ابي وجاء بها من البصره من اجل امي وهي ضعيفه واشترى ثلاث تفاحات بثلاثه دنانير فاخذها مني وضربني وراح بها فخفت من امي ان تضربني من شان التفاحه.

فلما سمعت كلام الولد علمت ان العبد هو الذي افترى الكلام الكذب على بنت عمي وتحققت انها قتلت ظلما ثم اني بكيت بكاء شديدا واذا بهذا الشيخ وهو عمي والدها قد اقبل فاخبرته بما كان فجلس بجانبي وبكى ولم نزل نبكي الى نصف الليل واقمنا العزاء خمسه ايام ولم نزل الى هذا اليوم ونحن نتاسف على قتلها،

فبحرمه اجدادك ان تعجل بقتلي وتقتص مني.

فلما سمع الخليفه كلام الشاب تعجب وقال والله لا اقتل الا العبدالخبيث ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

  • قصص هاتي زنبورك
757 views

قصص الف ليلة وليلة كاملة