4:52 مساءً الخميس 24 يناير، 2019


قصص الف ليلة وليلة كاملة

 

بالصور قصص الف ليلة وليلة كاملة

حكايات الملك شهريار و اخيه الملك شاه زمان[عدل] ..

حكى و الله اعلم انه كان فيما مضي من قديم الزمان و سالف العصر و الاوان ملك من ملوك ساسان بمغرب الهند و السند صاحب جند و اعوان و خدم وحشم له و لدان احدهما كبير و الاخر صغير،

و في يوم من الايام اشتاق الكبير الى اخيه الصغير فامر و زيره ان يسافر اليه و يحضر به فاجابه بالسمع و الطاعه و سافر حتى وصل بالسلامه و دخل على اخيه و بلغه السلام و اعلمه ان اخاه مشتاق اليه و قصده ان يزوره فاجابه بالسمع و الطاعه و تجهز و اخرج خيامه و بغاله و خدمه و اعوانه و اقام و زيره حاكما في بلاده و خرج طالبا بلاد اخيه.

فلما كان في نصف الليل تذكر حاجه نسيها في قصره فرجع و دخل قصره فوجد زوجته راقده في فراشه معانقه عبدا اسود من العبيد فلما راى هذا اسودت الدنيا في و جهه و قال في نفسه: اذا كان هذا الامر قد و قع و انا ما فارقت المدينه فكيف حال هذه العاهره اذا غبت عند اخى مده ثم انه سل سيفه و ضرب الاثنين فقتلهما في الفراش و رجع من وقته و ساعته و سار الى ان وصل الى مدينه اخيه ففرح اخوه بقدومه ثم خرج اليه و لاقاه و سلم عليه و الاخر صغير و كانا بطلين و كان الكبير افرس من الصغير و قد ملك البلاد و حكم بالعدل بين العباد و احبه اهل بلاده و مملكته و كان اسمه الملك شهريار و كان اخوه الصغير اسمه الملك شاه زمان و كان ملك سمرقند العجم و لم يزل الامر مستقيما في بلادهما و كل واحد منهما في مملكته حاكم عادل في رعيته مده عشرين سنه و هم في غايه البسط و الانشراح.

لم يزالا على هذه الحاله الى ان اففرح به غايه الفرح و زين له المدينه و جلس معه يتحدث بانشراح فتذكر الملك شاه زمان ما كان من امر زوجته فحصل عنده غم زائد و اصفر لونه وضعف جسمه فلما راه اخوه على هذه الحاله ظن في نفسه ان ذلك بسبب مفارقته بلاده و ملكه فترك سبيله و لم يسال عن ذلك.

ثم انه قال له في بعض الايام: يا اخى انا في باطنى جرح و لم يخبره بما راى من زوجته فقال: انى اريد ان تسافر معى الى الصيد و القنص لعله ينشرح صدرك فابي ذلك فسافر اخوه و حده الى الصيد.

و كان في قصر الملك شبابيك تطل على بستان اخيه فنظروا و اذا بباب القصر قد فتح و خرج منه عشرون جاريه و عشرون عبدا و امراه اخيه تمشى بينهم و هى غايه في الحسن و الجمال حتى وصلوا الى فسقيه و خلعوا ثيابهم و جلسوا مع بعضهم و اذا بامراه الملك قالت: يا مسعود فجاءها عبد اسود فعانقها و عانقته و واقعها و كذلك باقى العبيد فعلوا بالجوارى و لم يزالوا في بوس و عناق و نحو ذلك حتى و لي النهار.

فلما راى اخو الملك فقال: و الله ان بليتى اخف من هذه البليه و قد هان ما عنده من القهر و الغم و قال: هذا اعظم مما جري لى و لم يزل في اكل و شرب.

و بعد هذا جاء اخوه من السفر فسلما على بعضهما و نظر الملك شهريار الى اخيه الملك شاه زمان و قد رد لونه و احمر و جهه و صار ياكل بشهيه بعدما كان قليل الاكل فتعجب من ذلك و قال: يا اخى كنت اراك مصفر الوجه و الان قد رد اليك لونك فاخبرنى بحالك فقال له: اما تغير لونى فاذكره لك و اعف عنى اخبارك برد لونى فقال له: اخبرنى اولا بتغير لونك وضعفك حتى اسمعه.

فقال له: يا اخى انك لما ارسلت و زيرك الى يطلبنى للحضور بين يديك جهزت حالى و قد بررت من مدينتى ثم انى تذكرت الخرزه التى اعطيتها لك في قصرى فرجعت فوجدت زوجتى معها عبد اسود و هو نائم في فراشى فقتلتهما و جئت عليك و انا متفكر في هذا الامر فهذا سبب تغير لونى وضعفى واما رد لونى فاعف عنى من ان اذكره لك.

فلما سمع اخوه كلامه قال له: اقسمت عليك بالله ان تخبرنى بسبب رد لونك فاعاد عليه كل ما راه فقال شهريار لاخيه شاه زمان: اجعل انك مسافر للصيد و القنص و اختف عندى و انت تشاهد ذلك و تحققه عيناك فنادي الملك من ساعته بالسفر فخرجت العساكر و الخيام الى ظاهر المدينه و خرج الملك ثم انه جلس في الخيام و قال لغلمانه لا يدخل على احد ثم انه تنكر و خرج مختفيا الى القصر الذى فيه اخوه و جلس في الشباك المطل على البستان ساعه من الزمان و اذا بالجوارى و سيدتهم دخلوا مع العبيد و فعلوا كما قال اخوه و استمروا كذلك الى العصر.

فلما راى الملك شهريار ذلك الامر طار عقله من راسه و قال لاخيه شاه زمان: قم بنا نسافر الى حال سبيلنا و ليس لنا حاجه بالملك حتى ننظر هل جري لاحد مثلنا او لا فيكون موتنا خير من حياتنا فاجابه لذلك.

ثم انهما خرجا من باب سرى في القصر و لم يزالا مسافرين اياما و ليالى الى ان وصلا الى شجره في و سط مرج عندها عين بجانب البحر المالح فشربا من تلك العين و جلسا يستريحان.

فلما كان بعد ساعه مضت من النهار و اذا هم بالبحر قد هاج و طلع منه عمود اسود صاعد الى السماء و هو قاصد تلك المرجة.

فلما رايا ذلك خافا و طلعا الى اعلي الشجره و كانت عاليه و صارا ينظران ماذا يكون الخبر و اذا بجنى طويل القامه عريض الهامه و اسع الصدر على راسه صندوق فطلع الى البر و اتي الشجره التى هما فوقها و جلس تحتها و فتح الصندوق و اخرج منه علبه ثم فتحها فخرجت منها صبيه بهيه كانها الشمس المضيئه كما قال الشاعر:

اشرقت في الدجي فلاح النهار و استنارت بنورها الاسحار
تسجد الكائنات بين يديها حين تبدو و تهتك الاستار

واذا اومضت بروق حماها هطلت بالمدامع الامطار
قال: فلما نظر اليها الجنى قال: يا سيده الحرائر التى قد اختطفتك ليله عرسك اريد ان انام قليلا ثم ان الجنى وضع راسه على ركبتيها و نام فرفعت راسها الى اعلي الشجره فرات الملكين و هما فوق تلك الشجره فرفعت راس الجنى من فوق ركبتيها و وضعته على الارض و وقفت تحت الشجره و قالت لهما بالاشاره انزلا و لا تخافا من هذا العفريت فقالا لها: بالله عليك ان تسامحينا من هذا الامر فقالت لهما بالله عليكما ان تنزلا و الا نبهت عليكما العفريت فيقتلكما شر قتله فخافا و نزلا اليها فقامت لهما و قالت ارصعا رصعا عنيفا و الا انبه عليكما العفريت فمن خوفهما قال الملك شهريار لاخيه الملك شاه زمان: يا اخى افعل ما امرتك به فقال: لا افعل حتى تفعل انت قبلى و اخذا يتغامزان على نكاحها فقالت لهما ما اراكما تتغامزان فان لم تتقدما و تفعلا و الا نبهت عليكما العفريت فمن خوفهما من الجنى فعلا ما امرتهما به فلما فرغا قالت لهما اقفا و اخرجت لهما من جيبها كيسا و اخرجت لهما منه عقدا فيه خمسمائه و سبعون خاتما فقالت لهما: اتدرون ما هذه فقالا لها: لا ندرى فقالت لهما اصحاب هذه الخواتم كلهم كانوا يفعلون بى على غفله قرن هذا العفريت فاعطيانى خاتميكما انتما الاثنان الاخران فاعطاها من يديهما خاتمين فقالت لهما ان هذا العفريت قد اختطفنى ليله عرسى ثم انه وضعنى في علبه وجعل العلبه داخل الصندوق ورمي على الصندوق سبعه اقفال وجعلنى في قاع البحر العجاج المتلاطم بالامواج و يعلم ان المراه منا اذا ارادت امر لم يغلبها شيء كما قال بعضهم:

لا تامنن الى النساء و لا تثق بعهودهن
فرضاؤهن و سخطهن معلق بفروجهن

يبدين و دا كاذبا و الغدر حشو ثيابهن

بحديث يوسف فاعتبر متحذرا من كيدهن

او ما تري ابليس اخرج ادما من اجلهن
فلما سمعا منها هذا الكلام تعجبا غايه العجب و قالا لبعضهما: اذا كان هذا عفريتا و جري له اعظم مما جري لنا فهذا شيء يسلينا.

ثم انهما انصرفا من ساعتهما و رجعا الى مدينه الملك شهريار و دخلا قصره.

ثم انه رمي عنق زوجته و كذلك اعناق الجوارى و العبيد و صار الملك شهريار كلما ياخذ بنتا بكرا يزيل بكارتها و يقتلها من ليلتها و لم يزل على ذلك مده ثلاث سنوات فضجت الناس و هربت ببناتها و لم يبق في تلك المدينه بنت تتحمل الوطء.

ثم ان الملك امر الوزير ان ياتيه بنت على جرى عادته فخرج الوزير و فتش فلم يجد بنتا فتوجه الى منزله و هو غضبان مقهور خائف على نفسه من الملك.

وكان الوزير له بنتان ذاتا حسن و جمال و بهاء و قد و اعتدال الكبيره اسمها شهرزاد و الصغيره اسمها دنيازاد و كانت الكبيره قد قرات الكتب و التواريخ و سير الملوك المتقدمين و اخبار الامم الماضيين.

قيل انها جمعت الف كتاب من كتب التواريخ المتعلقه بالامم السالفه و الملوك الخاليه و الشعراء فقالت لابيها: ما لى اراك متغيرا حامل الهم و الاحزان و قد قال بعضهم في المعني شعرا:

قل لمن يحمل هما ان هما لا يدوم

مثل ما يفني السرور هكذا تفني الهموم
فلما سمع الوزير من ابنته هذا الكلام حكي لها ما جري له من الاول الى الاخر مع الملك فقالت له: بالله يا ابت زوجنى هذا الملك فاما ان اعيش واما ان اكون فداء لبنات المسلمين و سببا لخلاصهن من بين يديه فقال لها: بالله عليك لا تخاطرى بنفسك ابدا فقالت له: لا بد من ذلك فقال: اخشي عليك ان يحصل لك ما حصل للحمار و الثور مع صاحب الزرع فقالت له: و ما الذى جري لهما يا ابت؟

حكايه الحمار و الثور مع صاحب الزرع[عدل] قال: اعلمى يا ابنتى انه كان لاحد التجاراموال و مواش و كان له زوجه و اولاد و كان الله تعالى اعطاه معرفه السن الحيوانات و الطير و كان مسكن ذلك التاجر الارياف و كان عنده في داره حمار و ثور فاتي يوما الثور الى مكان الحمار فوجده مكنوسا مرشوشا و في معلفه شعير مغربل و تبن مغربل و هو راقد مستريح و في بعض الاوقات ركبه صاحبه لحاجه تعرض له و يرجع على حاله فلما كان في بعض الايام سمع التاجر الثور و هو يقول للحمار: هنيئا لك ذلك انا تعبان و انت مستريح تاكل الشعير مغربلا و يخدمونك و في بعض الاوقات يركبك صاحبك و يرجع و انا دائما للحرث.

فقال له الحمار: اذا خرجت الى الغيط و وضعوا على رقبتك الناف فارقد و لا تقم و لو ضربوك فان قمت فارقد ثانيا فاذا رجعوا بك و وضعوا لك الفول فلا تاكله كانك ضعيف و امتنع عن الاكل و الشرب يوما او يومين او ثلاثه فانك تستريح من التعب و الجهد و كان التاجر يسمع كلامهما فلما جاء السواق الى الثور بعلفه اكل منه شيئا يسيرا فاصبح السواق ياخذ الثور الى الحرث فوجده ضعيفا فقال له التاجر: خذ الحمار و حرثه مكانه اليوم كله فلما رجع اخر النهار شكره الثور على تفضلاته حين اراحه من التعب في ذلك اليوم فلم يرد عليه الحمار جوابا و ندم اشد الندامه فلما رجع كان ثانى يوم جاء المزارع و اخذ الحمار و حرثه الى اخر النهار فلم يرجع الا مسلوخ الرقبه شديد الضعف فتامله الثور و شكره و مجده فقال له الحمار: اعلم انى لك ناصح و قد سمعت صاحبنا يقول: ان لم يقم الثور من موضعه فاعطوه للجزار ليذبحه و يعمل جلده قطعا و انا خائف عليك و نصحتك و السلام.

فلما سمع الثور كلام الحمار شكره و قال في غد اسرح معهم ثم ان الثور اكل علفه بتمامه حتى لحس المذود بلسانه كل ذلك و صاحبهما يسمع كلامهما فلما طلع النهار و خرج التاجر و زوجه الى دار البقر و جلسا فجاء السواق و اخذ الثور و خرج فلما راى الثور صاحبه حرك ذنبه و ظرط و برطع فضحك التاجر حتى استلقي على قفاه.

فقالت له زوجته: من اي شيء تضحك فقال لها: شيء رايته و سمعته و لا اقدر ان ابيح به فاموت فقالت له: لا بد ان تخبرنى بذلك و ما سبب ضحكك و لو كنت تموت فقال لها: ما اقدر ان ابوح به خوفا من الموت فقالت له: انت لم تضحك الا علي.

ثم انها لم تزل تلح عليه و تلح في الكلام الى ان غلبت عليه فتحير احضر اولاده و ارسل احضر القاضى و الشهود و اراد ان يوصى ثم يبوح لها بالسر و يموت لانه كان يحبها محبه عظيمه لانها بنت عمه و ام اولاده و كان ثم انه ارسل و احضر كل اهلها و اهل جارته و قال لهم حكايته و انه متى قال لاحد على سره ما ت فقال لها كل الناس ممن حضر: بالله عليك اتركى هذا الامر لئلا يموت زوجك ابو اولادك فقالت لهم: لا ارجع عنه حتى يقول لى و لو يموت.

فسكتوا عنها.

ثم ان التاجر قام من عندهم و توجه الى دار الدواب ليتوضا ثم يرجع يقول لهم و يموت.

و كان عنده ديك تحته خمسون دجاجه و كان عنده كلب فسمع التاجر الكلب و هو ينادى الديك و يسبه و يقول له: انت فرحان و صاحبنا رايح يموت فقال الديك للكلب: و كيف ذلك الامر فاعاد الكلب عليه القصه فقال له الديك: و الله ان صاحبنا قليل العقل.

انا لى خمسون زوجه ارضى هذه و اغضب هذه و هو ما له الا زوجه واحده و لا يعرف صلاح امره معها فما له لا ياخذ لها بعضا من عيدان التوت ثم يدخل الى حجرتها و يضربها حتى تموت او تتوب و لا تعود تساله عن شيء.

قال: فلما سمع التاجر كلام الديك و هو يخاطب الكلب رجع الى عقله و عزم على ضربها ثم قال الوزير لابنته شهرزاد ربما فعل بك مثل ما فعل التاجر بزوجته فقالت له: ما فعل قال: دخل عليها الحجره بعدما قطع لها عيدان التوت و خباها داخل الحجره و قال لها: تعالى داخل الحجره حتى اقول لك و لا ينظرنى احد ثم اموت فدخلت معه ثم انه قفل باب الحجره عليهما و نزل عليها بالضرب الى ان اغمى عليها فقالت له: تبت ثم انها قبلت يديه و رجليه و تابت و خرجت واياه و فرح الجماعه و اهلها و قعدوا في اسر الاحوال الى الممات.

فلما سمعت ابنه الوزير مقاله ابيها قالت له: لا بد من ذلك فجهزها و طلع الى الملك شهريار و كانت قد اوصت اختها الصغيره و قالت لها: اذا توجهت الى الملك ارسلت اطلبك فاذا جئت عندى و رايت الملك قضي حاجته منى قولى يا اختى حدثينا حديثا غريبا نقطع به السهر و انا احدثك حديثا يكون فيه الخلاص ان شاء الله.

ثم ان اباها الوزير طلع بها الى الملك فلما راه فرح و قال: اتيت بحاجتى فقال: نعم فلما اراد ان يدخل عليها بكت فقال لها: ما بك فقالت: ايها الملك ان لى اختا صغيره اريد ان اودعها فارسلها الملك اليها فجاءت الى اختها و عانقتها و جلست تحت السرير فقام الملك و اخذ بكارتها ثم جلسوا يتحدثون فقالت لها اختها الصغيرة: بالله عليك يا اختى حدثينا حديثا نقطع به سهر ليلتنا فقالت: حبا و كرامه ان اذن الملك المهذب فلما سمع ذلك الكلام و كان به قلق ففرح بسماع الحديث.

حكايه التاجر مع العفريت[عدل] ففى الليله الاولي قالت: بلغنى ايها الملك السعيد انه كان تاجر من التجار كثير المال و المعاملات في البلاد قد ركب يوما و خرج يطالب في بعض البلاد فاشتد عليه الحر فجلس تحت شجره و حط يده في خرجه و اكل كسره كانت معه و تمره فلما فرغ من اكل التمره رمي النواه و اذا هو بعفريت طويل القامه و بيده سيف فدنا من ذلك التاجر و قال له: قم حتى اقتلك مثل ما قتلت و لدى فقال له التاجر: كيف قتلت و لدك قال له: لما اكلت التمره ورميت نواتها جاءت النواه في صدر و لدى فقضى عليه و ما ت من ساعته فقال التاجر للعفريت: اعلم ايها العفريت انى على دين و لى ما ل كثير و اولاد و زوجه و عندى رهون فدعنى اذهب الى بيتى و اعطى كل ذى حق حقه ثم اعود اليك و لك على عهد و ميثاق انى اعود اليك فتفعل بى ما تريد و الله على ما اقول و كيل.

فاستوثق منه الجنى و اطلقه فرجع الى بلده و قضي كل تعلقاته و اوصل الحقوق الى اهلها و اعلم زوجته و اولاده بما جري له فبكوا و كذلك كل اهله و نساءه و اولاده و اوصي و قعد عندهم الى تمام السنه ثم توجه و اخذ كفنه تحت ابطه و ودع اهله و جيرانه و كل اهله و خرج رغما عن انفه و اقيم عليه العياط و الصراخ فمشي الى ان وصل الى ذلك البستان و كان ذلك اليوم اول السنه الجديده فبينما هو جالس يبكى على ما يحصل له و اذا بشيخ كبير قد اقبل عليه و معه غزاله مسلسله فسلم على هذا التاجر و حياه و قال له: ما سبب جلوسك في هذا المكان و انت منفرد و هو ما وي الجن فاخبره التاجر بما جري له مع ذلك العفريت و بسبب قعوده في هذا المكان فتعجب الشيخ صاحب الغزاله و قال: و الله يا اخى ما دينك الا دين عظيم و حكايتك حكايه عجيبه لو كتبت بالابر على افاق البصر لكانت عبره لمن اعتبر ثم انه جلس بجانبه و قال و الله يا اخى لا ابرح من عندك حتى انظر ما يجرى لك مع ذلك العفريت ثم انه جلس عنده يتحدث معه فغشى على ذلك التاجر و حصل له الخوف و الفزع و الغم الشديد و الفكر المزيد و صاحب الغزاله بجانبه فاذا بشيخ ثان قد اقبل عليهما و معه كلبتان سلاقيتان من الكلاب السود.

فسالهما بعد السلام عليهما عن سبب جلوسهما في هذا المكان و هو ما وي الجان فاخبراه بالقصه من اولها الى اخرها فلم يستقر به الجلوس حتى اقبل عليهم شيخ ثالث و معه بغله زرزوريه فسلم عليهم و سالهم عن سبب جلوسهم في هذا المكان فاخبروه بالقصه من اولها الى اخرها و بينما كذلك اذا بغبره هاجت و زوبعه عظيمه قد اقبلت من و سط تلك البريه فانكشفت الغبره و اذا بذلك الجنى و بيده سيف مسلول و عيونه ترمى بالشرر فاتاهم و جذب ذلك التاجر من بينهم و قال له: قم اقتلك مثل ما قتلت و لدى وحشاشه كبدى فانتحب ذلك التاجر و بكي و اعلن الثلاثه شيوخ بالبكاء و العويل و النحيب فانتبه منهم الشيخ الاول و هو صاحب الغزاله و قبل يد ذلك العفريت و قال له: يا ايها الجنى و تاج ملوك الجان اذا حكيت لك حكايتى مع هذه الغزاله و رايتها عجيبه اتهب لى ثلث دم هذا التاجر قال: نعم.

يا ايها الشيخ اذا انت حكيت لى الحكايه و رايتها عجيبه و هبت لك ثلث دمه فقال ذلك الشيخ الاول: اعلم يا ايها العفريت ان هذه الغزاله هى بنت عمى و من لحمى و دمى و كنت تزوجت بها و هى صغيره السن و اقمت معها نحو ثلاثين سنه فلم ارزق منها بولد فاخذت لى سريه فرزقت منها بولد ذكر كانه البدر اذا بدا بعينين مليحتين و حاجبين مزججين و اعضاء كامله فكبر شيئا فشيئا الى ان صار ابن خمس عشره سنه فطرات لى سفره الى بعض المدائن فسافرت بمتجر عظيم و كانت بنت عمى هذه الغزاله تعلمت السحر و الكهانه من صغرها فسحرت ذلك الولد عجلا و سحرت الجاريه امه بقره و سلمتها الى الراعى ثم جئت انا بعد مده طويله من السفر فسالت عن و لدى و عن امه فقالت لى جاريتك ما تت و ابنك هرب و لم اعلم اين راح فجلست مده سنه و انا حزين القلب باكى العين الى ان جاء عيد الضحيه فارسلت الى الراعى ان يخصنى ببقره سمينه و هى سريتى التى سحرتها تلك الغزاله فشمرت ثيابى و اخذت السكين بيدى و تهيات لذبحها فصاحت و بكت بكاء شديدا فقمت عنها و امرت ذلك الراعى فذبحها و سلخها فلم يجد فيها شحما و لا لحما غير جلد و عظم فندمت على ذبحها حيث لا ينفعنى الندم و اعطيتها للراعى و قلت له: ائتنى بعجل سمين فاتانى بولدى المسحور عجلا فلما رانى ذلك العجل قطع حبله و جاءنى و تمرغ على و ولول و بكي فاخذتنى الرافه عليه و قلت للراعى ائتنى ببقره و دع هذا.

و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

فقالت لها اختها: ما اطيب حديثك و الطفه و الذه و اعذبه فقالت: واين هذا مما احدثكم به الليله القابله ان عشت و ابقانى الملك فقال الملك في نفسه: و الله ما اقتلها حتى اسمع بقيه حديثها ثم انهم باتوا تلك الليله الى الصباح متعانقين فخرج الملك الى محل حكمه و طلع الوزير بالكفن تحت ابطه ثم حكم الملك و ولى و عزل الى اخر النهار و لم يخبر الوزير بشيء من ذلك فتعجب الوزير غايه العجب ثم انفض الديوان و دخل الملك شهريار قصره.

و في الليله الثانيه قالت دنيازاد لاختها شهرزاد: يا اختى اتممى لنا حديثك الذى هو حديث التاجر و الجني.

قالت حبا و كرامه ان اذن لى الملك في ذلك فقال لها الملك: احكى فقالت: بلغنى ايها الملك السعيد ذو الراى الرشيد انه لما راى بكاء العجل حن قلبه اليه و قال للراعي: ابق هذا العجل بين البهائم.

كل ذلك و الجنى يتعجب من حكايه ذلك الكلام العجيب ثم قال صاحب الغزالة: يا سيد ملوك الجان كل ذلك جري و ابنه عمى هذه الغزاله تنظر و تري و تقول اذبح هذا العجل فانه سمين فلم يهن على ان اذبحه و امرت الراعى ان ياخذه و توجه به ففى ثانى يوم و انا جالس و اذا بالراعى اقبل على و قال: يا سيدى انى اقول شيئا تسر به و لى البشارة.

فقلت: نعم فقال: ايها التاجر ان لى بنتا كانت تعلمت السحر في صغرها من امراه عجوز كانت عندنا فلما كنا بالامس و اعطيتنى العجل دخلت به عليها فنظرت اليه ابنتى و غطت و جهها و بكت ثم انها ضحكت و قالت: يا ابى قد خس قدرى عندك حتى تدخل على الرجال الاجانب.

فقلت لها: واين الرجال الاجانب و لماذا بكيت و ضحكت فقالت لى ان هذا العجل الذى معك ابن سيدى التاجر و لكنه مسحور و سحرته زوجه ابيه هو و امه فهذا سبب ضحكى واما سبب بكائى فمن اجل امه حيث ذبحها ابوه فتعجبت من ذلك غايه العجب و ما صدقت بطلوع الصباح حتى جئت اليك لاعلمك فلما سمعت ايها الجنى كلام هذا الراعى خرجت معه و انا سكران من غير مدام من كثره الفرح و السرور و الذى حصل لى الى ان اتيت الى داره فرحبت بى ابنه الراعى و قبلت يدى ثم ان العجل جاء الى و تمرغ على فقلت لابنه الراعي: احق ما تقولينه عن ذلك العجل فقالت: نعم يا سيدى ايه ابنك وحشاشه كبدك فقلت لها: ايها الصبيه ان انت خلصتيه فلك عندى ما تحت يد ابيك من المواشى و الاموال فتبسمت و قالت: يا سيدى ليس لى رغبه في المال الا بشرطين: الاول: ان تزوجنى به و الثاني: ان اسر من سحرته و احبسها و الا فلست امن مكرها فلما سمعت ايها الجنى كلام بنت الراعى قلت و لك فوق كل ما تحت يد ابيك من الاموال زياده واما بنت عمى فدمها لك مباح.

فلما سمعت كلامى اخذت طاسه و ملاتها ماء ثم انها عزمت عليها و رشت بها العجل و قالت: ان كان الله خلقك عجلا فدم على هذه الصفه و لا تتغير وان كنت مسحورا فعد الى خلقتك الاولي باذن الله تعالى و اذا به انتفض ثم صار انسانا فوقعت عليه و قلت له: بالله عليك احك لى كل ما صنعت بك و بامك بنت عمى فحكي لى كل ما جري لهما فقلت: يا و لدى قد قيض الله لك من خلصك و خلص حقك ثم انى ايها الجنى زوجته ابنه الراعى ثم انها سحرت ابنه عمى هذه الغزاله و جئت الى هنا فرايت هؤلاء الجماعه فسالتهم عن حالهم فاخبرونى بما جري لهذا التاجر فجلست لانظر ما يكون و هذا حديثى فقال الجني: هذا حديث عجيب و قد و هبت لك ثلث دمه فعند ذلك تقدم الشيخ صاحب الكلبتين السلاقيتين و قال له: اعلم يا سيد ملوك الجان ان هاتين الكلبتين اخوتى و انا ثالثهم و ما ت و الدى و خلف لنا ثلاثه الاف دينار ففتحت دكانا ابيع فيه و اشترى و سافر اخى بتجارته و غاب عنا مده سنه مع القوافل ثم اتي و ما معه شيء فقلت له: يا اخى اما اشرت عليك بعدم السفر فبكي و قال: يا اخى قدر الله عز و جل على بهذا و لم يبق لهذا الكلام فائده و لست املك شيئا فاخذته و طلعت به الى الدكان ثم ذهبت به الى الحمام و البسته حله من الملابس الفاخره و اكلت انا واياه و قلت له: يا اخى انى احسب ربح دكانى من السنه الى السنه ثم اقسمه دون راس المال بينى و بينك ثم انى عملت حساب الدكان من بربح ما لى فوجدته الفى دينار فحمدت الله عز و جل و فرحت غايه الفرح و قسمت الربح بينى و بينه شطرين و اقمنا مع بعضنا اياما ثم ان اخوتى طلبوا السفر ايضا و ارادوا ان اسافر معهم فلم ارض و قلت لهم: اي شيء كسبتم من سفركم حتى اكسب انا فالحوا على و لم اطعهم بل اقمنا في دكاكيننا نبيع و نشترى سنه كامله و هم يعرضون على السفر و انا لم ارض حتى مضت ست سنوات كوامل.

ثم و افقتهم على السفر و قلت لهم: يا اخوتى اننا نحسب ما عندنا من المال فحسبناه فاذا هو سته الاف دينار فقلت: ندفن نصفها تحت الارض لينفعا اذا اصابنا امر و ياخذ كل واحد منا الف دينار و نتسبب فيها قالوا: نعم الراى فاخذت المال و قسمته نصفين و دفنت ثلاثه الاف دينار.

و اما الثلاثه الاف الاخري فاعطيت كل واحد منهم الف دينار و جهزنا بضائع و اكترينا مركبا و نقلنا فيها حوائجنا و سافرنا مده شهر كامل الى ان دخلنا مدينه و بعنا بضائعنا فربحنا في الدينار عشره دنانير ثم اردنا السفر فوجدنا على شاطئ البحر جاريه عليها خلق مقطع فقبلت يدى و قالت: يا سيدى هل عندك احسان و معروف اجازيك عليهما قلت: نعم ان عندى الاحسان و المعروف و لو لم تجازينى فقالت: يا سيدى تزوجنى و خذنى الى بلادك فانى قد و هبتك نفسى فافعل معى معروفا لانى ممن يصنع معه المعروف و الاحسان و يجازى عليهما و لا يغرنك حالي.

فلما سمعت كلامها حن قلبى اليها لامر يريده الله عز و جل فاخذتها و كسوتها و فرشت لها في المركب فرشا حسنا و اقبلت عليها و اكرمتها ثم سافرنا و قد احبها قلبى محبه عظيمه و صرت لا افارقها ليلا و لا نهارا او اشتغلت بها عن اخوتى فغاروا منى و حسدونى على ما لى و كثرت بضاعتى و طمحت عيونهم في المال جميعه و تحدثوا بقتلى و اخذ ما لى و قالوا: نقتل اخانا و يصير المال جميعه لنا و زين لهم الشيطان اعمالهم فجاؤونى و انا نائم بجانب زوجتى ورمونى في البحر فلما استيقظت زوجتى انتفضت فصارت عفريته و حملتنى و اطلعتنى على جزيره و غابت عنى قليلا و عادت الى عند الصباح و قالت لي: انا زوجتك التى حملتك و نجيتك من القتل باذن الله تعالى و اعلم انى جنيه رايتك فحبك قلبى و انا مؤمنه بالله و رسوله فجئتك بالحال الذى رايتنى فيه فتزوجت بى و ها انا قد نجيتك من الغرق و قد غضبت على اخوتك و لا بد ان اقتلهم.

فلما سمعت حكايتها تعجبت و شكرتها على فعلها و قلت لها اما هلاك اخوتى فلا ينبغى ثم حكيت لها ما جري لى معهم من اول الزمان الى اخره.

فلما سمعت كلامى قالت: انا في هذه الليله اطير اليهم و اغرق مراكبهم و اهلكهم فقلت لها: بالله لا تفعلى فان صاحب المثل يقول: يا محسنا لمن اساء كفى المسيء فعله و هم اخوتى على كل حال قالت لا بد من قتلهم فاستعطفتها ثم انها حملتنى و طارت فوضعتنى على سطح دارى ففتحت الابواب و اخرجت الذى خباته تحت الارض و فتحت دكانى بعد ما سلمت على الناس و اشتريت بضائع فلما كان الليل دخلت دارى فوجدت هاتين الكلبتين مربوطتين فيها فلما رايانى قاما الى و بكيا و تعلقا بى فلم اشعر الا و زوجتى قالت هؤلاء اخوتك فقلت من فعل بهم هذا الفعل قالت انا ارسلت الى اختى ففعلت بهم ذلك و ما يتخلصون الا بعد عشر سنوات فجئت و انا سائر اليها تخلصهم بعد اقامتهم عشر سنوات في هذا الحال فرايت هذا الفتي قال الجني: انها حكايه عجيبه و قد و هبت لك ثلث دمه في جنايته فعند ذلك تقدم الشيخ الثالث صاحب البغله و قال للجنى انا احكى لك حكايه اعجب من حكايه الاثنين و تهب لى باقى دمه و جنايته فقال الجنى نعم فقال الشيخ ايها السلطان و رئيس الجان ان هذه البغله كانت زوجتى سافرت و غبت عنها سنه كامله ثم قضيت سفرى و جئت اليها في الليل فرايت عبد اسود راقد معها في الفراش و هما في كلام و غنج و ضحك و تقبيل و هراش فلما راتنى عجلت و قامت الى بكوز فيه ماء فتكلمت عليه و رشتنى و قالت اخرج من هذه الصوره الى صوره كلب فصرت في الحال كلبا فطردتنى من البيت فخرجت من الباب و لم ازل سائرا حتى وصلت دكان جزار فتقدمت و صرت اكل من العظام.

فلما رانى صاحب الدكان اخذنى و دخل بى بيته فلما راتنى بنت الجزار غطت و جهها منى فقالت اتجيء لنا برجل و تدخل علينا به فقال ابوها اين الرجل قالت ان هذا الكلب سحرته امراه و انا اقدر على تخليصه فلما سمع ابوها كلامها قال: بالله عليك يا بنتى خلصيه فاخذت كوزا فيه ماء و تكلمت عليه و رشت على منه قليلا و قالت: اخرج من هذه الصوره الى صورتك الاولي فصرت الى صورتى الاولي فقبلت يدها و قلت لها: اريد ان تسحرى زوجتى كما سحرتنى فاعطتنى قليلا من الماء و قالت اذا رايتها نائمه فرش هذا الماء عليها فانها تصير كما انت طالب فوجدتها نائمه فرششت عليها الماء و قلت اخرجى من هذه الصوره الى صوره بغله فصارت في الحال بغله و هى هذه التى تنظرها بعينك ايها السلطان و رئيس ملوك الجان ثم التفت اليها و قال: اصحيح هذا فهزت راسها و قالت بالاشاره نعم هذا صحيح فلما فرغ من حديثه اهتز الجنى من الطرب و وهب له باقى دمه و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

فقالت لها اختها: يا اختى ما احلي حديثك و اطيبه و الذه و اعذبه فقالت: اين هذا مما احدثكم به الليله القابله ان عشت و ابقانى الملك فقال الملك: و الله لا اقتلها حتى اسمع بقيه حديثها لانه عجيب ثم باتوا تلك الليله متعانقين الى الصباح فخرج الملك الى محل حكمه و دخل عليه الوزير و العسكر و احتبك الديوان فحكم الملك و ولي و عزل و نهي و امر الى اخر النهار ثم انفض الديوان و دخل الملك شهريار الى قصره.

‘وفى الليله الثالثه قالت لها اختها دنيا زاد يا اختى اتمى لنا حديثك فقالت حبا و كرامه بلغنى ايها الملك السعيد ان التاجر اقبل على الشيوخ و شكرهم هنوه بالسلامه و رجع كل واحد الى بلده و ما هذه باعجب من حكايه الصياد فقال لها الملك: و ما حكايه الصياد؟

حكايه الصياد مع العفريت[عدل] قالت: بلغنى ايها الملك السعيد انه كان رجل صياد و كان طاعنا في السن و له زوجه و ثلاثه اولاد و هو فقير الحال و كان من عادته انه يرمى شبكته كل يوم اربع مرات لا غير ثم انه خرج يوما من الايام في وقت الظهر الى شاطئ البحر و حط معطفه و طرح شبكته و صبر الى ان استقرت في الماء ثم جمع خيطانها فوجدها ثقيله فجذبها فلم يقدر على ذلك فذهب بالطرف الى البر و دق و تدا و ربطها فيه ثم عري و غطس في الماء حول الشبكه و ما زال يعالج حتى اطلعها و لبس ثيابه و اتي الى الشبكه فوجد فيها حمارا ميتا فلما راى ذلك حزن و قال لا حول و لا قوه الا بالله العلى العظيم ثم قال ان هذا الرزق عجيب و انشد يقول:

يا خائضا في ظلام الله و الهلكة…….اقصر عنك فليس الرزق بالحركة

ثم ان الصياد لما راى الحمار ميت خلصه من الشبكه و عصرها،

فلما فرغ من عصرها نشرها و بعد ذلك نزل البحر،

و قال بسم الله و طرحها فيه و صبر عليها حتى استقرت ثم جذبها فثقلت و رسخت اكثر من الاول فظن انه سمك فربط الشبكه و تعري و نزل و غطس،

ثم عالج الى ان خلصها و اطلعها الى البر فوجد فيها زيرا كبيرا،

و هو ملان برمل و طين فلما راى ذلك تاسف و انشد قول الشاعر:

ياحرقه الدهر كفى ان لم تكفى فعفى فلا يحظي اعطي
ولا يصنعه كفى خرجت اطلب رزقى و جدت رزقى توفي

كم جاهل في ظهور و عالم متخفي
ثم انه رمي الزير و عصر شبكته و نظفها و استغفر الله و عاد الى البحر ثالث مره ورمي الشبكه و صبر عليها حتى استقرت و جذبها فوجد فيها شفافه و قوارير فانشد قول الشاعر: هو الرزق لا حل لديك و لا ربط و لا قلم يجدى عليك و لا خط.

ثم انه رفع راسه الى السماء و قال اللهم انك تعلم انى لم ارم شبكتى غير اربع مرات و قد رميت ثلاثا،

ثم انه سمي الله ورمي الشبكه في البحر و صبر الى ان استقرت و جذبها فلم يطق جذبها و اذا بها اشتبكت في الارض فقال: لا حول و لا قوه الا بالله فتعري و غطس عليها و صار يعالج فيها الى ان طلعت على البحر و فتحها فوجد فيها قمقما من نحاس اصفر ملان و فمه مختوم برصاص عليه طبع خاتم سيدنا سليمان.

فلما راه الصياد فرح و قال هذا ابيعه في سوق النحاس فانه يساوى عشره دنانير ذهبا ثم انه حركه فوجده ثقيلا فقال: لا بد انى افتحه و انظر ما فيه و ادخره في الخرج ثم ابيعه في سوق النخاس ثم انه اخرج سكينا،

و عالج في الرصاص الى ان فكه من القمقم و حطه على الارض و هزه لينكت ما فيه فلم ينزل منه شيء و لكن خرج من ذلك القمقم دخان صعد الى السماء و مشي على وجه الارض فتعجب غايه العجب و بعد ذلك تكامل الدخان،

و اجتمع ثم انتفض فصار عفريتا راسه في السحاب و رجلاه في التراب براس كالقبه وايدى كالمدارى و رجلين كالصواري،

و فم كالمغاره و اسنان كالحجاره و مناخير كالابريق،

و عينين كالسراجين،

اشعث اغبر.

فلما راى الصياد ذلك العفريت ارتعدت فرائصه و تشبكت اسنانه،

و نشف ريقه و عمى عن طريقه فلما راه العفريت قال لا اله الا الله سليمان نبى الله،

ثم قال العفريت: يا نبى الله لا تقتلنى فانى لا عدت اخالف لك قولا و اعصى لك امرا،

فقال له الصياد: ايها المارد اتقول سليمان نبى الله،

و سليمان ما ت من مده الف و ثمانمائه سنه و نحن في اخر الزمان فما قصتك،

و ما حديثك و ما سبب دخولك الى هذا القمقم.

فلما سمع المارد كلام الصياد قال: لا اله الا الله ابشر يا صياد،

فقال الصياد: بماذا تبشرنى فقال بقتلك في هذه الساعه اشر القتلات قال الصياد: تستحق على هذه البشاره يا قيم العفاريت زوال الستر عنك،

يا بعيد لاى شيء تقتلنى واي شيء يوجب قتلى و قد خلصتك من القمقم و نجيتك من قرار البحر،

و اطلعتك الى البر فقال العفريت: تمن على اي موته تموتها،

و اي قتله تقتلها فقال الصياد ما ذنبى حتى يكون هذا جزائى منك.

فقال العفريت اسمع حكايتى يا صياد،

قال الصياد: قل و اوجز في الكلام فان روحى وصلت الى قدمي.

قال اعلم انى من الجن المارقين،

و قد عصيت سليمان بن داود و انا صخر الجنى فارسل لى و زيره اصف ابن برخيا فاتي بى مكرها و قادنى اليه و انا ذليل على رغم انفى و اوقفنى بين يديه فلما رانى سليمان استعاذ منى و عرض على الايمان و الدخول تحت طاعته فابيت فطلب هذا القمقم و حبسنى فيه و ختم على بالرصاص و طبعه بالاسم الاعظم،

و امر الجن فاحتملونى و القونى في و سط البحر فاقمت ما ئه عام و قلت في قلبى كل من خلصنى اغنيته الى الابد فمرت المائه عام و لم يخلصنى احد،

و دخلت ما ئه اخري فقلت كل من خلصنى فتحت له كنوز الارض،

فلم يخلصنى احد فمرت على اربعمائه عام اخري فقلت كل من خلصنى اقضى له ثلاث حاجات فلم يخلصنى احد فغضبت غضبا شديدا و قلت في نفسى كل من خلصنى في هذه الساعه قتلته و منيته كيف يموت و ها انك قد خلصتنى و منيتك كيف تموت.

فلما سمع الصياد كلام العفريت قال: يا الله العجب انا ما جئت اخلصك الا في هذه الايام،

ثم قال الصياد للعفريت،

اعف عن قتلى يعف الله عنك،

و لا تهلكني،

يسلط الله عليك،

من يهلكك.

فقال لا بد من قتلك،

فتمن على اي موته تموتها فلما تحقق ذلك منه الصياد راجع العفريت و قال اعف عنى اكراما لما اعتقتك،

فقال العفريت: و انا ما اقتلك الا لاجل ما خلصتني،

فقال الصياد: يا شيخ العفاريت هل اصنع معك مليح،

فتقابلنى بالقبيح و لكن لم يكذب المثل حيث قال: فعلنا جميلا قابلونا بضده و هذا لعمرى من فعال الفواجر

ومن يفعل المعروف مع غير اهله يجازي كما جوزى مجير ام عامر

فلما سمع العفريت كلامه قال لا تطمع فلا بد من موتك،

فقال الصياد هذا جني،

و انا انسى و قد اعطانى الله عقلا كاملا و ها انا ادبر امرا في هلاكه،

بحيلتى و عقلى و هو يدبر بمكره و خبثه،

ثم قال للعفريت: هل صممت على قتلى قال نعم،

فقال له بالاسم الاعظم المنقوش على خاتم سليمان اسالك عن شيء و تصدقنى فيه،

قال نعم،

ثم ان العفريت لما سمع ذكر الاسم الاعظم اضطرب و اهتز و قال: اسال و اوجز،

فقال له: كيف كنت في هذا القمقم،

و القمقم لا يسع يدك و لا رجلك فكيف يسعك كلك،

فقال له العفريت: و هل انت لا تصدق اننى كنت فيه فقال الصياد لا اصدق ابدا حتى انظرك فيه بعيني،

و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفى الليله الرابعه قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الصياد لما قال للعفريت لا اصدقك ابدا حتى انظرك بعينى في القمقم فانتفض العفريت و صار دخانا صاعدا الى الجو،

ثم اجتمع و دخل في القمقم قليلا،

حتي استكمل الدخان داخل القمقم و اذا بالصياد اسرع و اخذ سداده الرصاص المختومه و سد بها فم القمقم و نادي العفريت،

و قال له: تمن على اي موته تموتها لارميك في هذا البحر و ابنى لى هنا بيتا و كل من اتي هنا امنعه ان يصطاد و اقول له هنا عفريت و كل من اطلعه يبين له انواع الموت يخبره بينها.

فلما سمع العفريت كلام الصياد اراد الخروج فلم يقدر و راى نفسه محبوسا و راى عليه طابع خاتم سليمان و علم ان الصياد سجنه و سجن احقر العفاريت و اقذرها و اصغرها،

ثم ان الصياد ذهب بالقمقم الى جهه البحر،

فقال له العفريت لا،

لا فقال الصياد: لا بد لا بد فلطف المارد كلامه و خضع و قال ما تريد ان تصنع بى يا صياد،

قال: القيك في البحر ان كنت اقمت فيه الفا و ثمانمائه عام فانا اجعلك تمكث الى ان تقوم الساعه اما قلت لك ابقينى يبقيك الله و لا تقتلنى يقتلك الله فابيت قولى و ما اردت الا غدرى فالقاك الله في يدى فغدرت بك،

فقال العفريت افتح لى حتى احسن اليك فقال له الصياد تكذب يا ملعون،

انا مثلى و مثلك مثل و زير الملك يونان و الحكيم رويان،

فقال العفريت: و ما شان و زير الملك يونان و الحكيم رويان و ما قصتهما.

حكايه الملك يونان و الحكيم رويان[عدل] قال الصياد: اعلم ايها العفريت،

انه كان في قديم الزمان و سالف العصر و الاوان في مدينه الفرس و ارض رومان ملك يقال له الملك يونان و كان ذا ما ل و جنود و باس و اعوان من سائر الاجناس،

و كان في جسده برص قد عجزت فيه الاطباء و الحكماء و لم ينفعه منه شرب ادويه و لا سفوف و لا دهان و لم يقدر احد من الاطباء ان يداويه.

وكان قد دخل مدينه الملك يونان حكيم كبير طاعن في السن يقال له الحكيم رويان و كان عارفا بالكتب اليونانيه و الفارسيه و الروميه و العربيه و السريانيه و علم الطب و النجوم و عالما باصول حكمتها و قواعد امورها من منفعتها و مضرتها.

عالما بخواص النباتات و الحشائش و الاعشاب المضره و النافعه فقد عرف علم الفلاسفه و جاز كل العلوم الطبيه و غيرها،

ثم ان الحكيم لما دخل المدينه و اقام بها ايام قلائل سمع خبر الملك و ما جري له في بدنه من البرص الذى ابتلاه الله به و قد عجزت عن مداواته الاطباء و اهل العلوم.

فلما بلغ ذلك الحكيم بات مشغولا،

فلما اصبح الصباح لبس افخر ثيابه و دخل على الملك يونان و قبل الارض و دعا له بدوام العز و النعم و احسن ما به تكلم و اعلمه بنفسه فقال: ايها الملك: بلغنى ما اعتراك من هذا الذى في جسدك وان كثيرا من الاطباء لم يعرفوا الحيله في زواله و ها انا اداويك ايها الملك و لا اسقيك دواء و لا ادهنك بدهن.

فلما سمع الملك يونان كلامه تعجب و قال له: كيف تفعل،

فو الله لو براتنى اغنيك لولد الولد و انعم عليك،

ما تتمناه فهو لك و تكون نديمى و حبيبي.

ثم انه خلع عليه و احسن اليه و قال له ابرئنى من هذا المرض بلا دواء و لا دهان

قال نعم ابرئك بلا مشقه في جسدك.

فتعجب الملك غايه العجب ثم قال له: ايها الحكيم الذى ذكرته لى يكون في اي الاوقات و في اي الايام،

فاسرع يا و لدي؛

قال له سمعا و طاعه ثم نزل من عند الملك و اكتري له بيتا حط فيه كتبه و ادويته و عقاقيره ثم استخرج الادويه و العقاقير وجعل منها صولجانا و جوفه و عمل له قصبه و صنع له كره بمعرفته.

فلما صنع الكل و فرغ منها طلع الى الملك في اليوم الثانى و دخل عليه و قبل الارض بين يديه و امره ان يركب الى الميدان وان يلعب بالكره و الصولجان و كان معه الامراء و الحجاب و الوزراء و ارباب الدوله فما استقر بين الجلوس في الميدان حتى دخل عليه الحكيم رويان و ناوله الصولجان و قال له: خذ هذا الصولجان و اقبض عليه مثل هذه القبضه و امش في الميدان و اضرب به الكره بقوتك حتى يعرق كفك و جسدك فينفذ الدواء من كفك فيسرى في سائر جسدك فاذا عرقت و اثر الدواء فيك فارجع الى قصرك و ادخل الحمام و اغتسل و نم فقد برئت و السلام.

فعند ذلك اخذ الملك يونان ذلك الصولجان من الحكيم و مسكه بيده و ركب الجواد و ركب الكره بين يديه و ساق خلفها حتى لحقها و ضربها بقوه و هو قابض بكفه على قصبه الصولجان،

و ما زال يضرب به الكره حتى عرق كفه و سائر بدنه و سري له الدواء من القبضة.

وعرف الحكيم رويان ان الدواء سري في جسده فامره بالرجوع الى قصره وان يدخل الحمام من ساعته،

فرجع الملك يونان من وقته و امر ان يخلو له الحمام فاخلوه له،

و تسارعت الفراشون و تسابقت المماليك و اعدوا للملك قماشه و دخل الحمام و اغتسل غسيلا جيدا و لبس ثيابه داخل الحمام ثم خرج منه و ركب الى قصره و نام فيه.

هذا ما كان من امر الملك يونان،

و اما ما كان من امر الحكيم رويان فانه رجع الى داره و بات،

فلما اصبح الصباح طلع الى الملك و استاذن عليه فاذن له في الدخول فدخل و قبل الارض بين يديه و اشار الى الملك بهذه الابيات:

زهت الفصاحه اذا ادعيت لها ابا و اذا دعت يوما سواك لها ابى
يا صاحب الوجه الذى انواره تمحوا من الخطب الكريه غياهبا

ما زال و جهك مشرقا متهللا فلا تري وجه الزمان مقطبا

اوليتنى من فضلك المنن التى فعلت بنا فعل السحاب مع الربا

وصرفت جل الملا في طلب العلا حتى بلغت من الزمان ما ربا
فلما فرغ من شعره نهض الملك قائما على قدميه و عانقه و اجلسه بجانبه و خلع لعيه الخلع السنية.

ولما خرج الملك من الحمام نظر الى جسده فلم يجد فيه شيئا من البرص و صار جسده نقيا مثل الفضه البيضاء ففرح بذلك غايه الفرح واتسع صدره و انشرح،

فلما اصبح الصباح دخل الديوان و جلس على سرير ملكه و دخلت عليه الحجاب و اكابر الدوله و دخل عليه الحكيم رويان،

فلما راه قام اليه مسرعا و اجلسه بجانبه و اذا بموائد الطعام قد مدت فاكل صحبته و ما زال عنده ينادمه طول نهاره.

فلما اقبل الليل اعطي الحكيم الفى دينار غير الخلع و الهدايا و اركبه جواده و انصرف الى داره و الملك يونان يتعجب من صنعه و يقول: هذا داوانى من ظاهر جسدى و لم يدهننى بدهان،

فو الله ما هذه الا حكمه بالغه فيجب على لهذا الرجل الانعام و الاكرام وان اتخذه جليسا و انيسا مدي الزمان.

و بات الملك يونان مسرورا فرحا بصحه جسمه و خلاصه من مرضه.

فلما اصبح الملك و جلس على كرسيه و وقفت ارباب دولته و جلست الامراء و الوزراء على يمينه و يساره ثم طلب الحكيم رويان فدخل عليه و قبل الارض بين يديه فقام الملك و اجلسه بجانبه و اكل معه و حياه و خلع عليه و اعطاه،

و لم يزل يتحدث معه الى ان اقبل الليل فرسم له بخمس خلع و الف دينار،

ثم انصرف الحكيم الى داره و هو شاكر للملك.

فلما اصبح الصباح خرج الملك الى الديوان و قد احدقت به الامراء و الوزراء و الحجاب،

و كان له و زير من و زرائه بشع المنظر نحس الطالع لئيم بخيل حسود مجبول على الحسد و المقت.

فلما راى ذلك الوزير ان الملك قرب الحكيم رويان و اعطاه هذه الانعام حسده عليه و اضمر له الشر كما قيل في المعنى: ما خلا جسد من حسد.

و قيل في المعنى: الظلم كمين في النفس القوه تظهره و العجز يخفيه.

ثم ان الوزير تقدم الى الملك يونان و قبل الارض بين يديه و قال له: يا ملك العصر و الاوان: انت الذى شمل الناس احسانك و لك عندى نصيحه عظيمه فان اخفيتها عنك اكون ولد زنا،

فان امرتنى ان ابديها ابديتها لك.

فقال الملك و قد ازعجه كلام الوزير: و ما نصيحتك

فقال: ايها الملك الجليل: قد قالت القدماء من لم ينظر في العواقب فما الدهر له بصاحب،

و قد رايت الملك على غير صواب حيث انعم على عدوه و على من يطلب زوال ملكه و قد احسن اليه و اكرمه غايه الاكرام و قربه غايه القرب،

و انا اخشي على الملك من ذلك.

فانزعج الملك و تغير لونه و قال له: من الذى تزعم انه عدوى و احسنت اليه

فقال له: ايها الملك ان كنت نائما فاستيقظ فانا اشير الى الحكيم رويان.

فقال له الملك: ان هذا صديقى و هو اعز الناس عندى لانه داوانى بشيء قبضته بيدى و ابرانى من مرضى الذى عجز فيه الاطباء و هو لا يوجد مثله في هذا الزمان في الدنيا غربا و شرقا،

فكيف انت تقول عليه هذا المقال و انا من هذا اليوم ارتب له الجوامك و الجرايات و اعمل له في كل شهر الف دينار و لو قاسمته في ملكى وان كان قليلا عليه.

و ما اظن انك تقول ذلك الا حسدا كما بلغنى عن الملك يونان ذكر و الله اعلم.

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح،

فقالت لها اختها: يا اختى ما احلي حديثك و اطيبه و الذه و اعذبه فقالت لها: واين هذا مما احدثكم به الليله المقبله ان عشت و ابقانى الملك.

فقال الملك في نفسه: و الله لا اقتلها حتى اسمع بقيه حديثها لانه حديث عجيب.

ثم انهم باتوا تلك الليله متعانقين الى الصباح.

ثم خرج الملك الى محل حكمه و احتبك الديوان فحجم و ولي و امر و نهي الى اخر النهار،

ثم انفض الديوان فدخل الملك عصره و اقبل الليل و قضي حاجته من بنت الوزير شهرزاد.

وفى الليله الخامسه قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الملك يونان قال لوزيره انت داخلك الحسد من اجل هذا الحكيم فتريد ان اقتله و بعد ذلك اندم كما ندم السندباد على قتل البازي.

فقال الوزير: و كيف كان ذلك

فقال الملك: ذكر انه كان ملك ملوك الفرس يحب الفرجه و التنزه و الصيد و القنص و كان له بازى رباه و لا يفارقه ليلا و لا نهارا و يبيت طوال الليل حامله على يده و اذا طلع الى الصيد ياخذه معه و هو عامل له طاسه من الذهب معلقه في رقبته يسقيه منها.

فبينما الملك جالس و اذا بالوكيل على طير الصيد يقول: يا ملك الزمان هذا اوان الخروج الى الصيد،

فاستعد الملك للخروج و اخذ البازى على يده و ساروا الى ان وصلوا الى و اد و نصبوا شبكه الصيد اذا بغزاله و قعت في تلك الشبكه فقال الملك: كل من فاتت الغزاله من جهته قتلته،

فضيقوا عليها حلقه الصيد و اذا بالغزاله اقبلت على الملك و شبت على رجليها و حطت يديها على صدرها كانها تقبل الارض للملك فطاطا الملك للغزاله ففرت من فوق دماغه و راحت الى البر.

فالتفت الملك الى المعسكر فراهم يتغامزون عليه،

فقال: يا و زيرى ماذا يقول العساكر فقال: يقولون انك قلت كل من فاتت الغزاله من جهته يقتل فقال الملك: و حياه راسى لاتبعنها حتى اجيء بها،

ثم طلع الملك في اثر الغزاله و لم يزل و راءها و صار البازى يلطشها على عينها الى ان اعماها و دوخها فسحب الملك دبوسا و ضربها فقلبها و نزل فذبحها و سلخها و علقها في قربوس السرج.

و كانت ساعه حر و كان المكان قفرا لم يوجد فيه ماء فعطش الملك و عطش الحصان.

فالتفت الملك فراي شجره ينزل منها ماء مثل السمن،

و كان الملك لابسا في كفه جلدا فاخذ الطاسه في قبه البازى و ملاها من ذلك الماء و وضع الماء قدامه و اذا بالبازى لطش الطاسه فقلبها،

فاخذ الملك الطاسه ثانيا،

و ملاها و ظن ان البازى عطشان فوضعها قدامه فلطشها ثانيا و قلبها فغضب الملك من البازى و اخذ الطاسه ثالثا و قدمها للحصان فقلبها البازى بجناحه فقال الملك الله يخيبك يا اشام الطيور و احرمتنى من الشرب و احرمت نفسك و احرمت الحصان ثم ضرب البازى بالسيف فرمي اجنحته.

فصار البازى يقيم راسه و يقول بالاشاره انظر الذى فوق الشجره فرفع الملك عينه فراي فوق الشجره حيه و الذى يسيل سمها فندم الملك على قص اجنحه البازى ثم قام و ركب حصانه و سار و معه الغزاله حتى وصل الملك على الكرسى و البازى على يده فشهق البازى و ما ت فصاح الملك حزنا و اسفا على قتل البازي،

حيث خلصه من الهلاك،

هذا ما كان من حديث الملك السندباد.

فلما سمع الوزير كلام الملك يونان قال له: ايها الملك العظيم الشان و ما الذى فعلته من الضروره و رايت منه سوء انما فعل معك هذا شفقه عليك و ستعلم صحه ذلك فان قبلت منى نجوت و الا هلكت كما هلك و زير كان احتال على ابن ملك من الملوك،

و كان لذلك الملك ولد مولع بالصيد و القنص و كان له و زيرا،

فامر الملك ذلك الوزير ان يكون مع ابنه اينما توجه فخرج يوما من الايام،

الي الصيد و القنص و خرج معه و زير ابيه فسارا جميعا فنظر الى وحش كبير فقال الوزير لابن الملك دونك هذا الوحش فاطلبه فقصده ابن الملك،

حتي غاب عن العين و غاب عنه الوحش في البريه و تحير ابن الملك فلم يعرف اين يذهب و اذا بجاريه على راس الطريق و هى تبكى فقال لها ابن الملك من انت: قال بنت ملك من ملوك الهند و كنت في البريه فادركنى النعاس،

فوقعت من فوق الدابه و لم اعلم بنفسى فصرت حائرة.

فلما سمع ابن الملك كلامها رق لحالها و حملها على ظهر جابته و اردفها و سار حتى مر بجزيره فقالت له الجارية: يا سيد اريد ان ازيل ضروره فانزلها الى الجزيره ثم تعوقت فاستبطاها فدخل خلفها و هى لا تعلم به،

فاذا هى غوله و هى تقول لاولادها يا اولادى قد اتيتكم اليوم بغلام سمين فقالوا لها اتينا به يا امنا ناكله في بطوننا.

فلما سمع ابن الملك كلامهم ايقن بالهلاك و ارتعد فرائضه و خشى على نفسه و رجع فخرجت الغوله فراته كالخائف الوجل و هو يرتعد فقالت له: ما بالك خائفا،

فقال لها ان لى عدوا،

و انا خائف منه فقالت الغوله انك تقول انا ابن الملك قال لها نعم،

قالت له ما لك لا تعطى عدوك شيئا من المال،

فترضيه به،

فقال لها انه لا يرضي بمال و لا يرضي الا بالروح و انا خائف منه،

و انا رجل مظلوم فقالت له: ان كنت مظلوما كما تزعم فاستعن بالله عليه بانه يكفيك شره و شر كل ما تخافه.

فرفع ابن الملك راسه الى السماء و قال: يا من يجيب دعوه المضطر،

اذا دعاه و يكشف السوء انصرنى على عدوى و اصرفه عني،

انك على ما تشاء قدير فلما سمعت الغوله دعاءه،

انصرفت عنه و انصرف ابن الملك الى ابيه،

و حدثه بحديث الوزير و انت ايها الملك متى امنت لهذا الحكيم قتلك اقبح القتلات،

و ان كنت احسنت اليه و قربته منك فانه يدبر في هلاكك،

اما تري انه ابراك من المرض من ظاهر الجسد بشيء امسكته بيدك،

فلا تامن ان يهلكك بشيء تمسكه ايضا.

فقال الملك يونان: صدقت فقد يكون كما ذكرت ايها الوزير الناصح،

فلعل هذا الحكيم اتي جاسوسا في طلب هلاكي،

و اذا كان ابرانى بشيء امسكته بيدى فانه يقدر ان يهلكنى بشيء اشمه،

ثم ان الملك يونان قال لوزيره: ايها الوزير كيف العمل فيه،

فقال له الوزير: ارسل اليه في هذا الوقت و اطلبه،

فان حضر فاضرب عنقه فتكفى شره و تستريح منه و اغدر به قبل ان يغدر بك،

فقال الملك يونان صدقت ايها الوزير ثم ان الملك ارسل الى الحكيم،

فحضر و هو فرحان و لا يعلم ما قدره الرحمن كما قال بعضهم في المعنى:

يا خائفا من دهره كن امنا و كل الامور الى الذى بسط الثري ان المقدر كان لا يمحي و لك الامان من الذى ما قدرا
وانشد الحكيم مخاطبا قول الشاعر:

اذا لم اقم يوما لحقك بالشكر فقل لى ان اعددت نظمى معا لنثر
لقد جددت لى قبل السؤال بانعم اتتنى بلا مطل لديك و لا عذر

فمالى لا اعطى ثناءك حقه و اثنى على علياك السر و الجهر

ساشكر ما اوليتنى من صنائع يخف لها فمى وان اثقلت ظهري
فلما حضر الحكيم رويان قال له الملك: اتعلم لماذا احضرتك،

فقال الحكيم: لا يعلم الغيب الا الله تعالى،

فقال له الملك: احضرتك لاقتلك و اعدمك روحك،

فتعجب الحكيم رويان من تلك المقاله غايه العجب،

و قال ايها الملك لماذا تقتلني

و اي ذنب بدا منى فقال له الملك: قد قيل لى انك جاسوس و قد اتيت لتقتلنى و ها انا اقتلك قبل ان تقتلنى ثم ان الملك صاح على السياف،

و قال له اضرب رقبه هذا الغدار،

و ارحنا من شره،

فقال الحكيم ابقنى يبقيك الله و لا تقتلنى يقتلك الله،

ثم انه كرر عليه القول مثلما قلت لك ايها العفريت و انت لا تدعى بل تريد قتلى فقال الملك يونان للحكيم رويان،

انى لا امن الا ان اقتلك فانك براتنى بشيء امسكته بيدى فلا امن ان تقتلنى بشيء اشمه او غير ذلك فقال الحكيم ايها الملك اهذا جزائى منك،

تقابل المليح بالقبيح فقال الملك: لا بد من قتلك من غير مهله فلما تحقق الحكيم ان الملك قاتله لا محاله بكي و تاسف على ما صنع من الجميل مع غير اهله،

كما قيل في المعنى:

ميمونه من سمات العقل عاريه لكن ابوها من الالباب قد خلقا لم يمش من يابس يوما و لا و حل الا بنور هداه تقي الزلقا
بعد ذلك تقدم السياف و غمى عينيه و شهر سيفه و قال ائذن و الحكيم يبكى و يقول للملك: ابقنى يبقيك الله و لا تقتلنى يقتلك الله،

و انشد قول الشاعر:

نصحت فلم افلح و غشوا فافلحوا فاوقعنى نصحى بدار هوان فان عشت فلم انصح وان مت فانع لى ذوى النصح من بعدى بك لسان
ثم ان الحكيم قال للملك ايكون هذا جزائى منك،

فتجازينى مجازاه التمساح قال الملك: و ما حكايه التمساح،

فقال الحكيم لا يمكننى ان اقولها،

و انا في هذا الحال فبالله عليك ابقنى يبقيك الله،

ثم ان الحكيم بكي بكاء شديدا فقام بعض خواص الملك و قال ايها الملك هب لنا دم هذا الحكيم،

لاننا ما رايناه فعل معك ذنبا الا ابراك من مرضك الذى اعيا الاطباء و الحكماء.

فقال لهم الملك لم تعرفوا سبب قتلى لهذا الحكيم و ذلك لانى ان ابقيته فانا هالك لا محاله و من ابرانى من المرض الذى كان بى بشيء امسكته بيدى فيمكنه ان يقتلنى بشيء اشمه،

فانا اخاف ان يقتلنى و ياخذ على جعاله لانه ربما كان جاسوسا و ما جاء الا ليقتلنى فلا بد من قتله و بعد ذلك امن على نفسى فقال الحكيم ابقنى يبقيك الله و لا تقتلنى يقتلك الله.

فلما تحقق الحكيم ايها العفريت ان الملك قاتله لا محاله قال له ايها الملك ان كان و لا بد من قتلى فامهلنى حتى انزل الى دارى فاخلص نفسى و اوصى اهلى و جيرانى ان يدفنونى و اهب كتب الطب و عندى كتاب خاص الخاص اهبه لك هديه تدخره في خزانتك،

فقال الملك للحكيم و ما هذا الكتاب قال: فيه شيء لا يحصي و اقل ما فيه من الاسرار اذا قطعت راسى و فتحته و عددت ثلاث ورقات ثم تقرا ثلاث اسطر من الصحيفه التى على يسارك فان الراس تكلمك و تجاوبك عن كل ما سالتها عنه.

فتعجب الملك غايه العجب و اهتز من الطرب و قال له ايها الحكيم: و هل اذا قطعت راسك تكلمت فقال نعم ايها الملك و هذا امر عجيب،

ثم ان الملك ارسله مع المحافظه عليه،

فنزل الحكيم الى داره و قضي اشغاله في ذلك اليوم و في اليوم الثانى طلع الحكيم الى الديوان و طلعت الامراء و الوزراء و الحجاب و النواب و ارباب الدوله جميعا و صار الديوان كزهر البستان و اذا بالحكيم دخل الديوان،

و وقف قدام الملك و معه كتاب عتيق و مكحله فيها ذرور،

و جلس و قال ائتونى بطبق،

فاتوه بطبق و كتب فيه الذرور و فرشه و قال: ايها الملك خذ هذا الكتاب و لا تعمل به،

حتي تقطع راسى فاذا قطعتها فاجعلها في ذلك الطبق و امر بكبسها على ذلك الذرور فاذا فعلت ذلك فان دمها ينقطع،

ثم افتح الكتاب ففتحه الملك فوجده ملصوقا فحط اصبعه في فمه و بله بريقه و فتح اول ورقه و الثانيه و الثالثه و الورق ما ينفتح الا بجهد،

ففتح الملك ست ورقات و نظر فيها فلم يجد كتابه فقال الملك: ايها الحكيم ما فيه شيء مكتوب فقال الحكيم قلب زياده على ذلك فقلب فيه زياده فلم يكن الا قليلا من الزمان حتى سري فيه السم لوقته و ساعته فان الكتاب كان مسموما فعند ذلك تزحزح الملك و صاح و قد قال: سري في السم،

فانشد الحكيم رويان يقول:

تحكموا فاستطالوا في حكومتهم و عن قليل كان الحكم لم يكن
لو انصفوا انصفوا لكن بغوا فبغي عليهم الدهر بالافات و المحن

واصبحوا و لسان الحال يشدهم هذا بذاك و لا عتب على الزمن
فلما فرغ رويان الحكيم من كلامه سقط الملك ميتا لوقته،

فاعلم ايها العفريت ان الملك يونان لو ابقي الحكيم رويان لابقاه الله،

و لكن ابي و طلب قتله فقتله الله و انت ايها العفريت لو ابقيتنى لابقاك الله.

و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح،

فقالت لها اختها دنيازاد: ما احلي حديثك فقالت: واين هذا مما احدثكم به الليله القابله ان عشت و ابقانى الملك،

و باتوا الليله في نعيم و سرور الى الصباح،

ثم اطلع الملك الى الديوان و لما انفض الديوان دخل قصره و اجتمع باهله.

ففى الليله السادسه قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الصياد لما قال للعفريت لو ابقيتنى كنت ابقيتك،

لكن ما اردت الا قتلى فانا اقتلك محبوسا في هذا القمقم،

و القيك في هذا البحر ثم صرخ المارد و قال بالله عليك ايها الصياد لا تفعل و ابقنى كرما و لا تؤاخذنى بعملي،

فاذا كنت انا مسيئا كن انت محسنا،

و في الامثال السائره يا محسنا لمن اساء كفى المسيء فعله و لا تعمل عمل امامه مع عاتكة.

قال الصياد و ما شانهما،

فقال العفريت ما هذا وقت حديث و انا في السجن حتى تطلعنى منه و انا احدثك بشانهما فقال الصياد لا بد من القائك في البحر و لا سبيل الى اخراجك منه فانى كنت استعطفك و اتضرع اليك و انت لا تريد الا قتلى من غير ذنب استوجبته منك،

و لا فعلت معك سوءا قط و لم افعل معك الا خيرا،

لكونى اخرجتك من السجن،

فلما فعلت معى ذلك،

علمت انك رديء الاصل،

و اعلم اننى ما رميتك في هذا البحر،

الا لاجل ان كل من اطلعك اخبره بخبرك،

و احذره منك فيرميك فيه،

ثانيا فنقيم في هذا البحر الى اخر الزمان حتى تري انواع العذاب.

فقال العفريت: اطلقنى فهذا وقت المروءات و انا اعاهدك انى لم اسؤك ابدا بل انفعك بشيء يغنيك دائما،

فاخذ الصياد عليه العهد انه اذا اطلقه لا يؤذيه ابدا بل يعمل معه الجميل فلما استوثق منه بالايمان و العهود و حلفه باسم الله الاعظم فتح له الصياد فتصاعد الدخان حتى خرج و تكامل فصار عفريتا مشوه الخلقه و رفس القمقم في البحر.

فلما راى الصياد انه رمي القمقم في البحر ايقن بالهلاك و بال في ثيابه،

و قال هذه ليست علامه خير،

ثم انه قوي قلبه و قال: ايها العفريت قال الله تعالى: و اوفوا العهد،

ان العهد كان مسؤولا و انت قد عاهدتنى و حلفت انك لا تغدر بى فان غدرت بى يجرك الله فانه غيور يمهل و لا يهمل،

و انا قلت لك مثل ما قاله الحكيم رويان للملك يونان ابقنى يبقيك الله.

فضحك العفريت و مشي قدامه،

و قال ايها الصياد اتبعنى فمشي الصياد و راءه و هو لم يصدق بالنجاه الى ان خرجا من ظاهر المدينه و طلعا على جبل و نزلا الى بريه متسعه و اذا في و سطها بركه ماء،

فوقف العفريت عليها و امر الصياد ان يطرح الشبكه و يصطاد،

فنظر الصياد الى البركه و اذا بهذا السمك الوانا،

الابيض و الاحمر و الازرق و الاصفر،

فتعجب الصياد من ذلك ثم انه طرح شبكته و جذبها فوجد فيها اربع سمكات،

كل سمكه بلون،

فلما راها الصياد فرح.

فقال له العفريت ادخل بها الى السلطان و قدمها اليه،

فانه يعطيك ما يغنيك و بالله اقبل عذرى فاننى في هذا الوقت لم اعرف طريقا و انا في هذا البحر مده الف و ثمانمائه عام،

ما رايت ظاهر الدنيا الا في هذه الساعه و لا تصطد منها كل يوم الا مره واحده و استودعتك الله،

ثم دق الارض بقدميه فانشقت و ابتلعته و مضي الصياد الى المدينه متعجب مما جري له مع هذا العفريت ثم اخذ السمك و دخل به منزله و اتي بماجور ثم ملاه ماء و حط فيه السمك فاختبط السمك من داخل الماجور في الماء ثم حمل الماجور فوق راسه و قصد به قصر الملك كما امره العفريت.

فلما طلع الصياد الى الملك و قدم له السمك تعجب الملك غايه العجب من ذلك السمك الذى قدمه اليه الصياد لانه لم ير في عمره مثله صفه و لا شكلا،

فقال: القوا هذا السمك للجاريه الطباخه و كانت هذه الجاريه قد اهداها له ملك الروم منذ ثلاثه ايام و هو لم يجربها في طبيخ فامرها الوزير ان تقليه،

و قال لها يا جاريه ان الملك يقول لك ما ادخرت دمعتى الا لشدتى ففرجينا اليوم على طهيك و حسن طبيخك فان السلطان جاء اليه واحد بهديه ثم رجع الوزير بعدما اوصاها فامره الملك ان يعطى الصياد اربعمائه دينار فاعطاه الوزير اياها فاعطاها فاخذها الوزير في حجره و توجه الى منزله لزوجته،

و هو فرحان مسرور ثم اشتري لعياله ما يحتاجون اليه هذا ما كان من امر الصياد.

واما ما كان من امر الجاريه فانها اخذت السمك و نظفته و رصته،

فى الطاجن ثم انها تركت السمك حتى استوي و جهه و قلبته على الوجه الثاني،

و اذا بحائط المطبخ قد انشقت و خرجت منها صبيه رشيقه القد اسيله الخد كامله الوصف كحيله الطرف بوجه مليح و قد رجيح لابسه كوفيه من خز ازرق و في اذنيها حلق و في معاصمها اساور و في اصابعها خواتيم بالفصوص المثمنه و في يدها قضيب من الخيزران فغرزت القضيب في الطاجن و قالت: يا سمك يا سمك هل انت على العهد القديم مقيم،

فلما رات الجاريه هذا غشى عليها و قد اعادت الصبيه القول ثانيا و ثالثا فرفع السمك راسه في الطاجن و قال: نعم،

نعم ثم قال جميعه هذا البيت:

ان عدت عدنا وان و افيت و افينا وان هجرت فانا قد تكافينا
فعند ذلك قلبت الصبيه الطاجن و خرجت من الموضع الذى دخلت منه و التحمت حائط المطبخ ثم اقامت الجاريه فرات الاربع سمكات محروقه مثل الفحم الاسود،

فقالت تلك الجاريه من اول غزوته حصل كسر عصبته فبينما هى تعاتب نفسها،

و اذا بالوزير و اقف على راسها،

و قال لها هاتى السمك للسلطان فبكت الجاريه و اعلمت الوزير بالحال انه ارسل الى الصياد فاتوا به اليه،

فقال له ايها الصياد لا بد ان تجيب لنا باربع سمكات مثل التى جئت بها اولا.

فخرج الصياد الى البركه و طرح شبكته ثم جذبها و اذا باربع سمكات،

فاخذها و جاء بها الى الوزير،

فدخل بها الوزير الى الجاريه و قال لها قومى اقليها قدامي،

حتي اري هذه القضيه فقامت الجاريه اصلحت السمك،

و وضعته في الطاجن على النار فما استقر الا قليلا و اذا بالحائط قد انشقت،

و الصبيه قد ظهرت و هى لابسه ملبسها و في يدها القضيب فغرزته في الطاجن و قالت: يا سمك هل انت على العهد القديم مقيم،

فرفعت السمكات رؤوسها و انشدت هذا البيت:

ان عدت عدنا وان و افيت و افينا وان هجرت فانا قد تكافينا
وفى الليله السابعه قالت: بلغنى ايها الملك السعيد انه لما تكلم السمك قلبت الصبيه الطاجن بالقضيب و خرجت من الموضع الذى جاءت منه و التحم الحائط،

فعند ذلك قام الوزير و قال: هذا امر لا يمكن اخفاؤه عن الملك،

ثم انه تقدم الى الملك و اخبره بما جري قدامه فقال: لا بد ان انظر بعين،

فارسل الى الصياد و امره ان ياتى باربع سمكات مثل الاول و امهله ثلاثه ايام.

فذهب الصياد الى البركه و اتاه بالسمك في الحال.

فامر الملك ان يعطوه اربعمائه دينار.

ثم التفت الملك الى الوزير و قال له: سو انت السمك ههنا قدامى فقال الوزير سمعا و طاعه فاحضر الطاجن ورمي فيه السمك بعد ان نظفه ثم قلبه و اذا بالحائط قد انشق و خرج منه عبد اسود كانه ثور من الثيران او من قوم عاد و في يده قرع من شجره خضراء و قال بكلام فصيح مزعج: يا سمك يا سمك هل انت على العهد القديم مقيم

فرفع السمك راسه من الطاجن و قال: نعم و انشد هذا البيت:

ان عدت عدنا وان و افيت و افينا وان هجرت فانا قد تكافينا
ثم اقبل العبد على الطاجن و قلبه بالفرع الى ان صار فحما اسود،

ثم ذهب العبد من حيث اتى،

فلما غاب العبد عن اعينهم قال الملك: هذا امر لا يمكن السكوت عنه،

و لا بد ان هذا السمك له شان غريب،

فامر باحضار الصياد،

فلما حضر قال له: من اين هذا السمك فقال له من بركه بين اربع جبال و راء هذا الجبل الذى بظاهر مدينتك،

فالتفت الملك الى الصياد و قال له: مسيره كم يوم،

قال له يا مولاننا السلطان مسيره نصف ساعة.

فتعجب السلطان و امر بخروج العسكر من وقته مع الصياد فصار الصياد يلعن العفريت و ساروا الى ان طلعوا الجبل و نزلوا منه الى بريه متسعه لم يروها مده اعمارهم و السلطان و كل العسكر يتعجبون من تلك البريه التى نظروها بين اربع جبال و السمك فيها على اربعه الوان ابيض و احمر و اصفر و ازرق.

فوقف الملك متعجبا و قال للعسكر و لمن حضر: هل احد منكم راى هذه البركه في هذا المكان،

فقالوا كلهم لا،

فقال الملك: و الله لا ادخل مدينتى و لا اجلس على تخت ملكى حتى اعرف حقيقه هذه البركه و سمكها.

ثم امر الناس بالنزول حول هذه الجبال فنزلوا،

ثم دعا بالوزير و كان و زيرا عاقلا عالما بالامور،

فلما حضر بين يديه قال له: انى اردت ان اعمل شيئا فاخبرك به و ذلك انه خطر ببالى ان انفرد بنفسى في هذه الليله و ابحث عن خبر هذه البركه و سمكها،

فاجلس على باب خيمتى و قل للامراء و الوزراء و الحجاب ان السلطان متشوش و امرنى ان لا اؤذن لاحد في الدخول عليه و لا تعلم احد بقصدي،

فلم يقدر الوزير على مخالفته.

ثم ان الملك غير حالته و تقلد سيفه و انسل من بينهم و مشي بقيه ليله الى الصباح،

فلم يزل سائرا حتى اشتد عليه الحر فاستراح ثم مشي بقيه يومه و ليلته الثانيه الى الصباح فلاح له سواد من بعد ففرح و قال: لعلى اجد من يخبرنى بقضيه البركه و سمكها،

فلما قرب من السواد و جده قصرا مبنيا بالحجاره السود مصفحا بالحديد واحد شقى بابه مفتوح و الاخر مغلق.

ففرح الملك و وقف على الباب و دق دقا لطيفا فلم يسمع جوابا،

فدق ثانيا و ثالثا فلم يسمع جوابا،

فدق رابعا دقا مزعجا فلم يجبه احد،

فقال لا بد انه خال،

فشجع نفسه و دخل من باب القصر الى دهليز ثم صرخ و قال: يا اهل القصر انى رجل غريب و عابر سبيل،

هل عندكم شيء من الزاد

و اعاد القول ثانيا و ثالثا فلم يسمع جوابا،

فقوى قلبه و ثبت نفسه و دخل من الدهليز الى و سط القصر فلم يجد فيه احد،

غير انه مفروش و في و سطه فسقيه عليها اربع سباع من الذهب تلقى الماء من افواهها كالدر و الجواهر و في دائره طيور و على ذلك القصر شبكه تمنعها من الطلوع،

فتعجب من ذاك و تاسف حيث لم ير فيه احد يستخبر منه عن تلك البركه و السمك و الجبال و القصر،

ثم جلس بين الابواب يتفكر و اذا هو بالين من كبد حزين فسمعه يترنم بهذا الشعر:

لما خفيت ضني و وجدى قد ظهر و النوم من عينى تبدل بالسهر ناديت و جدا قد تزايد بى الفكر يا و جد لا تبقي على و لا تذر
ها مهجتى بين المشقه و الخطر

فلما سمع السلطان ذلك الانين نهض قائما و قصد جهته فوجد سترا مسبولا على باب مجلس فرفعه فراي خلف الستر شابا جالسا على سرير مرتفع عن الارض مقدار ذراع،

و هو شاب مليح بقد رجيح و لسان فصيح وجبين ازهر و خدا احمر و شامه على كرسى خده كترس من عنبر كما قال الشاعر:

ومهفهف من شعره وجبينه مشت الوري في ظلمه و ضياء
ما ابصرت عيناك احسن منظر فيما يري من سائر الاشياء

كالشامه الخضراء فوق الوجنه الحمراء تحت المقله السوداء
ففرح به الملك و سلم عليه و الصبى جالس و عليه قباء حرير بطراز من ذهب لكن عليه اثر الحزن،

فرد السلام على الملك و قال له: يا سيدى اعذرنى عن عدم القيام،

فقال الملك: ايها الشاب اخبرنى عن هذه البركه و عن سمكها الملون و عن هذا القصر و سبب و حدتك فيه و ما سبب بكائك

فلما سمع الشاب هذا الكلام نزلت دموعه على خده و بكي بكاء شديدا،

فتعجب الملك و قال: ما يبكيك ايها الشاب

فقال كيف لا ابكى و هذه حالتي،

و مد يده الى اذياله فاذا نصفه التحتانى الى قدميه حجر و من صرته الى شعر راسه بشر.

ثم قال الشاب: اعلم ايها الملك ان لهذا امرا عجيبا لو كتب بالابر على افاق البصر لكان عبره لمن اعتبر،

و ذلك يا سيدى انه كان و الدى ملك هذه المدينه و كان اسمع محمود الجزائر السود و صاحب هذه الجبال الاربعه اقام في الملك سبعين عاما ثم توفى و الدى و تسلطنت بعده و تزوجت بابنه عمى و كانت تحبنى محبه عظيمه بحيث اذا غبت عنها لا تاكل و لا تشرب حتى تراني،

فمكثت في عصمتى خمس سنين الى ان ذهبت يوما الى الحمام فامرت الطباخ ان يجهز لنا طعاما لاجل العشاء،

ثم دخلت هذا القصر و نمت في الموضع الذى انا فيه و امرت جاريتين ان يروحا على و جهى فجلست واحده عند راسى و الاخري عند رجلى و قد قلقت لغيابها و لم ياخذنى نوم غير ان عينى مغمضه و نفسى يقظانة.

فسمعت التى عند راسى تقول للتى عند رجلى يا مسعوده ان سيدنا مسكين شبابه و يا خسارته مع سيدتنا الخبيثه الخاطئة.

فقالت الاخرى: لعن الله النساء الزانيات و لكن مثل سيدنا و اخلاقه لا يصلح لهذه الزانيه التى كل ليله تبيت في غير فراشه.

فقالت التى عند راسي: ان سيدنا مغفل حيث لم يسال عنها.

فقالت الاخري و يلك و هل عند سيدنا علم بحالها او هى تخليه باختياره بل تعمل له عملا في قدح الشراب الذى يشربه كل ليله قبل المنام فتضع فيه البنج فينام و لم يشعر بما يجرى و لم يعلم اين تذهب و لا بما تصنع لانها بعدما تسقيه الشراب تلبس ثيابها و تخرج من عنده فتغيب الى الفجر و تاتى اليه و تبخره عند انفه بشيء فيستيقظ من منامه.

فلما سمعت كلام الجوارى صار الضيا في و جهى ظلاما و ما صدقت ان الليل اقبل و جاءت بنت عمى من الحمام فمدا السماط و اكلنا و جلسنا ساعه زمنيه نتنادم كالعاده ثم دعوت بالشراب الذى اشربه عند المنام فناولتنى الكاس فراوغت عنه وجعلت اشربه مثل عادتى و دلقته في عبى ورقدت في الوقت و الساعه و اذا بها قالت: نم ليتك لم تقم،

و الله كرهتك و كرهت صورتك و ملت نفسى من عشرتك.

ثم قامت و لبست اخفر ثيابها و تبخرت و تقلدت سيفا و فتحت باب القصر و خرجت.

فقمت و تبعتها حتى خرجت و شقت في اسواق المدينه الى ان انتهت الى ابواب المدينه فتكلمت بكلام لا افهمه فتساقطت الاقفال و انفتحت الابواب و خرجت و انا خلفها و هى لا تشعر حتى انتهت الى ما بين الكيمان و اتت حصنا فيه قبه مبنيه بطين لها باب فدخلته هى و صعدت انا على سطح القبه و اشرفت عليها اذا بها قد دخلت على عبد اسود احدي شفتيه غطاء و شفته الثانيه و طاء و شفاهه تلقط الرمل من الحصي و هى مبتلى و راقد على قليل من قش القصب فقبلت الارض بين يديه.

فرفع ذلك العبد راسه اليها و قال لها: و يلك ما سبب قعودك الى هذه الساعه كان عندنا السودان و شربوا الشراب و صار كل واحد بعشيقته و انا ما رضيت ان اشرب من شانك،

فقالت: يا سيدى و حبيب قلبى اما تعلم انى متزوجه بابن عمى و انا اكره النظر في صورته و ابغض نفسى في صحبته،

و لولا انى اخشي على خاطرك لكنت جعلت المدينه خرابا يصبح فيها البوم و الغراب و انقل حجارتها الى جبل قاف.

فقال العبد: تكذبين يا عاهره و انا احلف و حق فتوه السودان و الا تكون مروءتنا مروءه البيضان.

ان بقيت تقعدى الى هذا الوقت من هذا اليوم لا اصاحبك و لا اضع جسدى على جسدك،

يا خائنه تغيبين على من اجل شهوتك يا منتنه يا اخت البيضان.

قال الملك: فلما سمعت كلامها و انا انظر بعينى ما جري بينهما صارت الدنيا في و جهى ظلاما و لم اعرف روحى في اي موضع و صارت بنت عمى و اقفه تبكى اليه و تتدلل بين يديه و تقول له: يا حبيبى و ثمره فؤادى ما احد غيرك بقى لى فان طردتنى يا و يلى يا حبيبى يا نور عيني.

و ما زالت تبكى و تضرع له حتى رضى عليها ففرحت قامت و قلعت ثياب و لباسها و قالت له: يا سيدى هل عندك ما تاكله جاريتك،

فقال لها اكشفى اللقان فان تحتها عظام فيران مطبوخه فكليها و مرمشيها و قومى لهذه القواره تجدين فيها بوظه فاشربيها.

فقامت و اكلت و شربت و غسلت يديها،

و جاءت فرقدت مع العبد على قش القصب و تعرت و دخلت معه تحت الهدمه و الشرايط فلما نظرت هذه الفعال التى فعلتها بنت عمى و هممت ان اقتل الاثنين فضربت العبد اولا على رقبته فظننت انه قضى عليه.

وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح،

فلما اصبح الصباح دخل الملك الى محل الحكم و احتبك الديوان الى اخر النهار،

ثم طلع الملك قصره فقالت لها اختها دنيازاد: تممى لنا حديثك،

قالت: حبا و كرامة.

وفى الليله الثامنه قالت: بلغنى ايها الملك السعيد،

ان الشاب المسحور قال للملك: لما ضربت العبد لاقطع راسه قطعت الحلقوم و الجلد و اللحم فظننت انى قتلته فشخر شخيرا عاليا فتحركت بنت عمى و قامت بعد ذهابى فاخذت السيف و ردته الى موضعه و اتت المدينه و دخلت القصر ورقدت في فراشى الى الصباح،

و رايت بنت عمى في ذلك اليوم قد قطعت شعرها و لبست ثياب الحزن و قالت: يا ابن عمى لا تلمنى فيما افعله،

فانه بلغنى ان و الدتى توفيت وان و الدى قتل في الجهاد،

و ان اخوى احدهما ما ت ملسوعا و الاخر رديما فيحق لى ان ابكى و احزن،

فلما سمعت كلامها سكت عنها و قلت لها: افعلى ما بدا لك فانى لا اخالفك،

فمكثت في حزن و بكاء و عددى سنه كامله من الحول الى الحول،

و بعد السنه قالت لى اريد ان ابنى في قصرك مدفنا مثل القبه و انفرد فيه بالاحزان اسميه بيت الاحزان.

فقلت لهاك افعلى ما بدا لك فبنت لها بيتا للحزن في و سطه قبه و مدفنا مثل الضريح ثم نقلت العبد و انزلته فيه و هو ضعيف جدا لا ينفعها بنافعه لكنه يشرب الشراب،

و من اليوم الذى جرحته فيه ما تكلم الا انه حى لان اجله لم يفرغ فصارت كل يوم تدخل عليه القبه بكره و عشيا و تبكى عنده،

و تعدد عليه و تسقيه الشراب و المساليق و لم تزل على هذه الحاله صباحا و مساء الى ثانى سنه و انا اطول بالى عليها الى ان دخلت عليها يوما من الايام،

علي غفله فوجدتها تبكى و تلطم و جهها و تقول هذه الابيات:

عدمت وجودى في الوري بعد بعدكم فان فؤادى لا يحب سواكم
خذوا كرما جسمى الى اين ترتموا واين حللتم فادفنونى حداكم

وان تذكروا اسمى عند قبرى يجيبكم انين عظامى عند صوت نداكم
فلما فرغت من شعرها قلت لها و سيفى مسلول في يدي: هذا كلام الخائنات اللاتى يسكرن المعشره،

و لا يحفظن الصحه و اردت ان اضربها فرفعت يدى في الهواء فقامت و قد علمت انى انا الذى جرح العبد ثم و قعت على قدميها و تكلمت بكلام لا افهمه،

و قالت جعل الله بسحرى نصفك حجرا و نصفك الاخر بشرا،

فصرت كما تري و بقيت لا اقوم و لا اقعد و لا انا ميت و لا انا حي.

فلما صرت هكذا سحرت المدينه و ما فيها من الاسواق و الغبطان و كانت مدينتنا اربعه اصناف مسلمين و نصاري و يهود و مجوس فسحرتهم سمكا،

فالابيض مسلمون و الاحمر مجوس و الازرق نصاري و الاصفر يهود و سحرت الجزائر الاربعه جبال و احاطتها بالبركه ثم انها كل يوم تعذبني،

و تضربنى بسوط من الجلد ما ئه ضربه حتى يسيل الدم ثم تلبسنى من تحت هذه الثياب ثوبا من الشعر على نصفى الفوقانى ثم ان الشاب بكي و انشد:

صبرا لحكمك يا اله القضا انا صابر ان كان فيه لك الرضا قد ضقت بالاسر الذى قد نابنى فوسيلنى ال النبى المرتضى
فعند ذلك التفت الملك الى الشاب و قال له: ايها الشاب زدتنى هما على همي،

ثم قال له: واين تلك المراه قال في المدفن الذى فيه العبد راقد في القبه و هى تجيء له كل يوم مره و عند مجيئها تجيء الى و تجردنى من ثيابى و تضربنى بالسوط مئه ضربه و انا ابكى و اصيح و لم يكن في حركه حتى ادفعها عن نفسى ثم بعد ان تعاقبنى تذهب الى العبد بالشراب و المسلوقه بكره النهار.

قال الملك: و الله يا فتى لافعلن معك معروفا اذكر به و جميلا يؤرخونه سيرا من بعدي،

ثم جلس الملك يتحدث معه الى ان اقبل الليل ثم قام الملك و صبر الى ان جاء وقت السحر فتجرد من ثيابه و تقلد سيفه و نهض الى المحل الذى فيه العبد فنظر الى الشمع و القناديل و راى البخور و الادهان ثم قصد العبد و ضربه فقتله ثم حمله على ظهره ورماه في بئر كانت في القصر،

ثم نزل و لبس ثياب العبد و هو داخل القبه و السيف معه مسلول في طوله،

فبعد ساعه اتت العاهره الساحره و عند دخولها جردت ابن عمها من ثيابه و اخذت سوطا،

و ضربته فقال اه يكفينى ما انا فيه فارحمينى فقالت: هل كنت انت رحمتنى و ابقيت لى معشوق،

ثم البسته اللباس الشعر و القماش من فوقه ثم نزلت الى العبد و معها قدح الشراب و طاسه المسلوقه و دخلت عليه القبه و بكت و ولولت و قالت: يا سيدى كلمنى يا سيدى حدثنى و انشدت تقول:

فالي متى هذا التجنب و الجفا ان الذى فعل الغرام لقد كفي كم قد تطيل الهجر لى معتمدا ان كان قصدك حاسدى فقد اشتفى
ثم انها بكت و قالت: يا سيدى كلمنى و حدثنى فخفض صوته،

و عوج لسانه و تكلم بكلام السودان و قال: اه لا حول و لا قوه الا بالله فلما سمعت كلامه صرخت من الفرح و غشى عليها ثم انها استفاقت و قالت لعل سيدى صحيح،

فخفض صوته بضعف و قال: يا عاهره انت لا تستحقى ان اكلمك،

قالت ما سبب ذلك،

قال سببه انك طول النهار تعاقبين زوجك و هو يصرخ و يستغيث حتى احرمتينى النوم من العشاء الى الصباح،

و لم يزل زوجك يتضرع و يدعو عليك حتى اقلقنى صوته و لولا هذا لكنت تعافيت فهذا الذى منعنى عن جوابك،

فقالت عن اذنك اخلصه مما هو فيه،

فقال لها: خلصيه و اريحينا فقالت: سمعا و طاعة.

ثم قامت و خرجت من القبه الى القصر و اخذت طاسه ملاتها ماء ثم تكلمت عليها فصار الماء يغلى بالقدر ثم رشته منها و قالت: بحق ما تلوته ان تخرج من هذه الصوره الى صورتك الاولى: فانتفض الشاب و قام على قدميه،

و فرح بخلاصه و قال: اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه و سلم،

ثم قالت له: اخرج و لا ترجع الى هنا و الا قتلتك و صرخت في و جهه.

فخرج من بين يديها و عادت الى القبه و نزلت و قالت: يا سيدى اخرج الى حتى انظرك،

فقال لها بكلام ضعيف اي شيء فعلتيه،

ارحتينى من الفرع و لم تريحينى من الاصل،

فقالت يا حبيبى و ما هو الاصل قال: اهل هذه المدينه و الاربع جزائر كل ليله اذا انتصف الليل يرفع السمك راسه و يدعو على و عليك فهو سبب منع العافيه عن جسمي،

فخلصيهم و تعالى خذى بيدي،

و اقيميني،

فقد توجهت الى العافيه فلما سمعت كلام الملك و هى تظنه العبد،

قالت له و هى فرحه يا سيدى على راسى و عينى بسم الله،

ثم نهضت و قامت و هى مسروره تجرى و خرجت الى البركه و اخذت من ما ئها قليلا،

و ادرك شهريار الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

ففى الليله التاسعه قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الصبيه الساحره لما اخذت شيئا من هذه البركه و تكلمت عليه بكلام لا يفهم تحرك السمك،

و رفع راسه و صار ادميين في الحال،

و انفك السحر عن اهل المدينه و اصبحت عامره و الاسواق منصوبه و صار كل واحد في صناعته و انقلبت الجبال جزائر،

كما كانت ثم ان الصبيه الساحره رجعت الى الملك في الحال و هى تظن انه العبد،

و قالت يا حبيبى ناولنى يدك الكريمه اقبلها.

فقال الملك بكلام خفي: تقربى مني،

فدنت منه و قد اخذ صارمه و طعنها به في صدرها حتى خرج من ظهرها ثم ضربها فشقها نصفين و خرج فوجد الشاب المسحور و اقفا في انتظاره فهناه بالسلامه و قبل الشاب يده و شكره فقال له الملك: تقعد مدينتك ان تجيء معى الى مدينتي

فقال الشاب: يا ملك الزمان اتدرى ما بينك و بين مدينتك

فقال يومان و نصف فعند ذلك قال له الشاب: ان كنت نائما فاستيقظ ان بينك و بين مدينتك سنه للمجد و ما اتيت في يومين و نصف الا لان المدينه كانت مسحوره و انا ايها الملك لا افارقك لحظه عين.

ففرح الملك بقوله ثم قال الحمد لله الذى من على بك فانت و لدى لانى طول عمرى لم ارزق و لدا.

ثم تعانقا و فرحا فرحا شديدا،

ثم مشيا حتى وصلا الى القصر و اخبر الملك الذى كان مسحورا ارباب دولته انه مسافر الى الحج الشريف فهيئوا له كل ما يحتاج اليه ثم توجه هو و السلطان و قلب السلطان ملتهب على مدينته حيث غاب عنها سنة.

ثم سافر و معه خمسون مملوكا و معه الهدايا،

و لم يزالا مسافرين ليلا و نهارا سنه كامله حتى اقبلا على مدينه السلطان.

فخرج الوزير و العساكر بعدما قطعوا الرجاء منه و اقبلت العساكر و قبلت الارض بين يديه و هنؤه بالسلامه فدخل و جلس على الكرسى ثم اقبل على الوزير و اعلمه بكل ما جري على الشاب،

فلما سمع الوزير ما جري على الشاب هناه بالسلامة.

ولما استقر الحال انعم السلطان على اناس كثيرون،

ثم قال للوزير على بالصياد الذى اتي بالسمك فارسل الى ذلك الصياد الذى كان سببا لخلاص اهل المدينه فاحضره و خلع عليه و ساله عن حاله و هل له اولاد فاخبره ان له ابنا و بنتين فتزوج الملك باحدي بنتيه و تزوج الشاب بالاخرى،.

و اخذ الملك الابن عنده وجعله خازندارا،

ثم ارسل الوزير الى مدينه الشاب التى هى الجزائر السود و قلده سلطنتها و ارسل معه الخمسين مملوكا الذين جاؤوا معه و كثيرا من الخلع لسائر الامراء.

فقبل الوزير يديه و خرج مسافرا و استقر السلطان و الشاب.

و اما الصياد فانه قد صار اغني اهل زمانه و بناته زوجات الملوك الى ان اتاهم الممات،

و ما هذا باعجب مما جري للحمال.

حكايه الحمال مع البنات[عدل] فانه كان انسان من مدينه بغداد و كان حمالا.

فبينما هو في السوق يوما من الايام متكئا على قفصه اذ و قفت عليه امراه ملتفه بازار موصلى من حرير مزركش بالذهب و حاشيتاه من قصب فرفعت قناعها فبان من تحته عيون سوداء باهداب و اجفان و هى ناعمه الاطراف كامله الاوصاف،

و بعد ذلك قالت بحلاوه لفظها: هات قفصك و اتبعني.

فحمل الحمال القفص و تبعها الى ان و قفت على باب دار فطرقت الباب فنزل له رجل نصراني،

فاعطته دينارا و اخذت منه مقدارا من الزيتون و وضعته في القفص و قالت له: احمله و اتبعني،

فقال الحمال: هذا و الله نهار مبارك.

ثم حمل القفص و تبعها فوقفت عند دكان فاكهانى و اشترت منه تفاحا شاميا و سفرجلا عثمانيا و خوخا عمانيا و ياسمينا حلبيا و بنو فراده شقيا و خيارا نيليا و ليمونا مصريا و تمر حنا و شقائق النعمان و بنفسجا و وضعت الكل في قفص الحمال و قالت له: احمل،

فحمل و تبعها حتى و قفت على جزار و قالت له: اقطع عشره ارطال لحمه فقطع لها،

و لفت اللحم في ورق موز و وضعته في القفص و قالت له: احمل يا حمال فحمل و تبعها،

ثم و قفت على النقلى و اخذت من سائر النقل و قالت للحمال: احمل و اتبعنى فحمل القفص و تبعها الى ان و قفت على دكان الحلوانى و اشترت طبقا و ملاته كل ما عنده من مشبك و قطايف و ميمونه و امشاط و اصابع و لقيمات القاضى و وضعت كل انواع الحلاوه في الطبق و وضعته في القفص.

فقال الحمال: لو اعلمتنى لجئت معى ببغل تحمل عليه هذه الاشياء،

فتبسمت.

ثم و قفت على العطار و اشترت منه عشره مياه ماء و رد و ماء زهر و خلافه و اخذت قدرا من السكر و اخذت ماء و رد ممسك و حصي لبان ذكر و عودا عنبر و مسكا و اخذت شمعا اسكندرانيا و وضعت الكل في القفص و قالت للحمال: احمل قفصك و اتبعني،

فحمل القفص و تبعها الى ان اتت دارا مليحه و قدامها رحبه فسيحه و هى عاليه البنيان مشيده الاركان بابها صنع من الابنوس مصفح بصفائح الذهب الاحمر،

فوقفت الصبيه على الباب و دقت دقا لطيفا و اذا بالباب انفتح بشقتيه.

فنظر الحمال الى من فتح لها الباب فوجدها صبيه رشيقه القد قاعده النهد ذات حسن و جمال و قد و اعتدال وجبين كثغره الهلال و عيون كعيون الغزلان و حواجب كهلال رمضان و خدود مثل شقائق النعمان و فم كخاتم سليمان و وجه كالبدر في الاشراق و نهدين كرمانتين و بطن مطوى تحت الثياب كطى السجل للكتاب.

فلما نظر الحمال اليها سلبت عقله و كاد القفص ان يقع من فوق راسه،

ثم قال: ما رايت عمرى ابرك من هذا النهار،

فقالت الصبيه البوابه للدلاله و الحمال مرحبا و هى من داخل الباب و مشوا حتى انتهوا الى قاعه فسيحه مزركشه مليحه ذات تراكيب و شاذر و اثاث و مصاطب و سدلات وخزائن عليها الستور مرخيات،

و في و سط القاعه سرير من المرمر مرصع بالدر و الجوهر منصوب عليه ناموسيه من الاطلس الاحمر و من داخله صبيه بعيون بابليه و قامه الفيه و وجه يخجل الشمس المضيئه فكانها بعض الكواكب الدريه او عقيله عربيه كما قال فيها الشاعر:

من قاس قدك بالغصن الرطيب فقد اضحي القياس به زورا و بهتانا الغصن احسن ما تلقاه مكتسبا و انت احسن ما تلقاه عريانا
فنهضت الصبيه الثالثه من فوق السرير و خطرت قليلا الى ان صارت في و سط القاعه عند اختيها و قالت: ما و قوفهم،

حطوا عن راس هذا الحمال المسكين،

فجاءت الدلاله من قدامه و البوابه من خلفه،

و ساعدتهما الثالثه و حططن عن الحمال و افرغن ما في القفص وصفوا كل شيء في محله و اعطين الحمال دينارين و قلن له: توجه يا حمال،

فنظر الى البنات و ما هن فيه من الحسن و الطبائع الحسان فلم ير احسن منهن و لكن ليس عندهن رجال.

و نظر ما عندهن من الشراب و الفواكه و المشمومات و غير ذلك فتعجب غايه العجب و وقف عن الخروج،

فقالت له الصبية: ما بالك لا تروح

هل انت استقللت الاجره و التفتت الى اختها و قالت لها: اعطيه دينارا اخر فقال الحمال: و الله يا سيداتى ان اجرتى نصفان،

و ما استقللت الاجره و انما اشتغل قلبى و سرى بكن و كيف حالكن و انتن و حدكن و ما عندكن رجال و لا احد يؤانسكن و انتن تعرفن ان المناره لا تثبت الا على اربعه و ليس لكن رابع،

و ما يكمل حظ النساء الا بالرجال كما قال الشاعر:

انظر الى اربع عندى قد اجتمعت جنك و عود و قانون و مزمار
انتن ثلاثه فتفتقرن الى رابع يكون رجلا عاقلا لبيبا حاذقا و للاسرار كاتما فقلن له: نحن بنات و نخاف ان نودع السر عند من لا يحفظه،

و قد قرانا في الاخبار شعرا:

صن عن سواك السر لا تودعنه من اودع السر فقد ضيعه
فلما سمع الحمال كلامهن قال: و حياتكن انى رجل عاقل امين قرات الكتب و طالعت التواريخ،

اظهر الجميل و اخفى القبيح و اعمل بقول الشاعر:

لا يكتم السر الا كل ذى ثقه و السر عند خيار الناس مكتوم السر عندى في بيت له غلق ضاعت الفاتحه و الباب مختوم
فلما سمعت البنات الشعر و النظام و ما ابداه من الكلام قلن له: انت تعلم اننا غرمنا على هذا المقام جمله من المال فهل معك شيء تجازينا به،

فنحن لا ندعك تجلس عندنا حتى تغرم مبلغنا من المال لان خاطرك ان تجلس عندنا و تصير نديمنا و تطلع على وجوهنا الصباح الملاح.

فقالت صاحبه الدار: و اذا كانت بغير المال محبه فلا تساوى وزن حبه و قالت البوابه ان يكن معك شيء رح بلا شيء فقالت الدلاله يا اختى نكف عنه فوالله ما قصر اليوم معنا و لو كان غيره ما طول روحه علينا و مهما جاء عليه اغرمه عنه.

ففرح الحمال و قال و الله ما استفتحت بالدراهم الا منكن،

فقلن له اجلس على الراس و العين و قامت الدلاله و شدت و سطها و صبت القنانى و روقت المدام و عملت الخضره على جانب البحر و احضرت ما يحتاجون اليه ثم قدمت و جلست هى و اختها و جلس الحمال بينهن و هو يظن انه في المنام.

و لم يزل الحمال معهن في عناق و تقبيل و هذه تكلمه و هذه تجذبه و هذه بالمشموم تضربه و هو معهن حتى لعبت الخمره بعقولهم.

فلما تحكم الشراب معهم قامت البوابه و تجردت من ثيابها و صارت عريانه ثم رمت نفسها في تلك البحيره و لعبت في الماء و اخذت الماء في فمها و بخت الحمال ثم غسلت اعضاءها و ما بين فخذيها ثم طلعت من الماء ورمت نفسها في حجر الحمال و قالت له يا حبيبى ما اسم هذا و اشارت الى فرجها.

فقال الحمال رحمك،

فقالت يوه اما تستحى و مسكته من رقبته و صارت تصكه فقال فرجك،

فقالت غيره فقال: كسك،

فقالت غيره فقال زنبورك،

فلم تزل تصكه حتى ذاب قفاه ورقبته من الصك،

ثم قال لها و ما اسمه فقالت له: حبق الجسور،

فقال الحمد لله على السلامه يا حبق الجسور.

ثم انهم اداروا الكاس و الطاس.

فقامت الثانيه و خلعت ثيابها ورمت نفسها في تلك البحيره و عملت مثل الاولي و طلعت ورمت نفسها في حجر الحمال،

و اشارت الى فرجها و قالت له نور عينى ما اسم هذا قال فرجك،

فقالت له: ما يقبح عليك هذا الكلام و صكته كفا طن له سائر ما في القاعه فقال حبق الجسور،

فقالت له: لا،

و الضرب و الصك من قفاه فقال لها و ما اسمه فقالت له السمسم المقشور.

ثم قامت الثالثه و خلعت ثيابها و نزلت تلك البحيره و فعلت مثل من قبلها ثم لبست ثيابها و القت نفسها في حجر الحمال و قالت له ايضا ما اسم هذا و اشارت الى فرجها،

فصار يقول لها كذا و كذا الى ان قال لها و هى تضربه و ما اسمه فقالت خان ابى منصور.

ثم بعد ساعه قام الحمال و نزع ثيابه و نزل البحيره و ذكره يسبح في الماء و غسل مثل ما غسلن.

ثم طلع ورمي نفسه في حجر سيدتهن ورمي ذراعيه في حجر البوابه ورمي رجليه في حجر الدلاله ثم اشار الى ايره،

و قال: يا سيدتى ما اسم هذا فضحك الكل على كلامه حتى انقلبن على ظهورهن و قلن زبك قال لا و اخذ من كل واحده عضه قلن ايرك قال لا،

و اخذ من كل واحده حضنا.

و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

و في الليله العاشره قالت لها اختها دنيازاد: يا اختى اتمى لنا حديثك قالت حبا و كرامة: قد بلغنى ايها الملك السعيد انهن لم يزلن يقلن زبك،

ايرك و هو يقبل و يعانق و هن يتضاحكن الى ان قلن له و ما اسمه قال: اسمه البغل الجسور الذى رعي حبق الجسور و يلعق السمسم المقشور و يبيت في خان ابى منصور فضحكن حتى استلقين على ظهورهن ثم عادوا الى منادمتهم و لم يزالوا كذلك الى ان اقبل الليل عليهم فقلن للحمال توجه و ارنا عرض اكتافك.

فقال الحمال و الله خروج الروح اهون من الخروج من عندكن،

دعونا نصل الليل بالنهار و كل منا يروح في حال سبيله فقالت الدلاله بحياتى عندكن تدعنه ينام عندنا نضحك عليه فانه خليع ظريف فقلن له: تبيت عندنا بشرط ان تدخل تحت الحكم و مهما رايته لا تسال عنه و لا عن سببه،

فقالت نعم،

فقلن قم و اقرا ما على الباب مكتوبا،

فقام الى الباب فوجد مكتوبا عليه بماء الذهب: لا تتكلم فيما لا يعنيك تسمع ما لا يرضيك.

فقال الحمال اشهدوا انى لا اتكلم فيما لا يعنيني،

ثم قامت الدلاله و جهزت لهم ما كولا ثم اوقدوا الشمع و العود و قعدوا في اكل و شرب و اذا هم سمعوا دق الباب فلم يختل نظامهم فقامت واحده منهن الى الباب ثم عادت و قالت كمل صفاؤنا في هذه الليله لانى و جدت بالباب ثلاثه اعجام ذقونهم محلوقه و هم عور بالعين الشمال و هذا من اعجب الاتفاق،

و هم ناس غرباء قد حضروا من ارض الروم و لكل واحد منهم شكل و صوره مضحكه فان دخلوا نضحك عليهم.

و لم تزل تتلطف بصاحبتيها حتى قالتا لها دعيهم يدخلون و اشترطى عليهم ان لا يتكلموا في ما لا يعنيهم فيسمعوا ما لا يرضيهم.

ففرحت و زاحت ثم عادت و معها الثلاثه العور ذقونهم محلوقه و شواربهم مبرومه ممشوقه و هم صعاليك فسلموا فقام لهم البنات و اقعدوهم فنظر الرجال الثلاثه الى الحمال فوجدوه سكران فلما عاينوه ظنوا انه منهم و قالوا: هو صعلوك مثلنا يؤانسنا.

فلما سمع الحمال هذا الكلام قام و قلب عينيه و قال لهم: اقعدوا بلا فضول اما قراتم ما على الباب فضحك البنات و قلن لبعضهن اننا نضحك على الصعاليك و الحمال،

ثم وضعن الاكل للصعاليك فاكلوا ثم جلسوا يتنادمون و البوابه تسقيهم.

ولما دار الكاس بينهم قال الحمال للصعاليك يا اخواننا هل معكم حكايه او نادره تسلوننا بها فديت فيهم الحراره و طلبوا الات اللهو فاحضرت لهم البوابه فلموصليا و عودا عراقيا و جنكا عجميا فقام الصعاليك و اقفين و اخذ واحد منهم الدف،

و اخذ واحد العود،

و اخذ واحد الجنك و ضربوا بها و غنت البنات و صار لهم صوت عال.

فبينما هم كذلك و اذا بطارق يطرق الباب،

فقامت البوابه لتنظر من بالباب و كان السبب في دق الباب ان في تلك الليله نزل هارون الرشيد لينظر و يسمع ما يتجدد من الاخبار هو وجعفر و زيره و سياف نقمته،

و كان من عادته ان يتنكر في صفه التجار،

فلما نزل تلك الليله و مشي في المدينه جاءت طريقهم على تلك الدار فسمعوا الات الملاهى فقال الخليفه جعفر هؤلاء قوم قد دخل السكر فيهم و نخشي ان يصيبنا منهم شر،

فقال لا بد من دخولنا و اريد ان نتحيل حتى ندخل عليهم فقال جعفر: سمعا و طاعة.

ثم تقدم جعفر و طرق الباب فخرجت البوابه و فتحت الباب،

فقال لها: يا سيدتى نحن تجار من طبريه و لنا في بغداد عشره ايام و معنا تجاره و نحن نازلون في خان التجار و عزم علينا تاجر في هذه الليله فدخلنا عنده و قدم لنا طعاما فاكلنا ثم تنادمنا عنده ساعه ثم اذن لنا بالانصراف فخرجنا بالليل و نحن غرباء فتهنا عن الخان الذى نحن فيه فنرجو من مكارمكم ان تدخلونا هذه الليله نبيت عندكم و لكم الثواب فنظرت البوابه اليهم فوجدتهم بهيئه التجار و عليهم الوقار فدخلت لصاحبتيها و شاورتهما فقالتا لها ادخليهم.

فرجعت و فتحت لهم الباب فقالوا ندخل باذنك،

قالت ادخلوا فدخل الخليفه وجعفر و مسرور فلما اتتهم البنات قمن لهم و خدمنهم و قلن مرحبا و اهلا و سهلا بضيوفنا،

و لنا عليكم شرط ان لا تتكلموا فيما لا يعنيكم فتسمعوا ما لا يرضيكم قالوا نعم.

و بعد ذلك جلسوا للشراب و المنادمه فنظر الخليفه الى الصعاليك الثلاثه فوجدهم عور العين الشمال فتعجب منهم و نظر الى البنات و ما هم فيه من الحسن و الجمال فتحير و تعجب،

و استمر في المنادمه و الحديث و اتين الخليفه بشراب فقال انا حاج و انعزل عنهم.

فقامت البوابه و قدمت له سفره مزركشه و وضعت عليها بمطيه من الصينى و سكبت فيها ماء الخلاف و ارخت فيه قطعه من الثلج و مزجته بسكر فشكرها الخليفه و قال في نفسه لا بد ان اجازيها في غد على فعلها من صنيع الخير،

ثم اشتغلوا بمنادمتهم،

فلما تحكم الشراب قامت صاحبه البيت و خدمتهم،

ثم اخذت بيد الدلاله و قالت: يا اختى قومى بمقتضي ديننا فقالت لها نعم،

فعند ذلك قامت البوابه و اطلعت الصعاليك خلف الابواب قدامهن و ذلك بعد ان اخلت و سط القاعه و نادين الحمال و قلن له: ما اقل مودتك ما انت غريب بل انت من اهل الدار.

فقام الحمال و شد اوسطه و قال: ما تردن فلن تقف مكانك،

ثم قامت الدلاله و قالت للحمال ساعدني،

فراي كلبتين من الكلاب السود في رقبتيهما جنازير فاخذهما الحمال و دخل بهما الى و سط القاعه فقامت صاحبه المنزل و شمرت عن معصميها و اخذت سوطا و قالت للحمال قوم كلبه منهما فجرها في الجنزير و قدمها و الكلبه تبكى و تحرك راسها الى الصبيه فنزلت عليها الصبيه بالضرب على راسها و الكلبه تصرخ و ما زالت تضربها حتى كلت سواعدها فرمت السوط من يدها ثم ضمت الكلبه الى صدرها و مسحت دموعها و قبلت راسها ثم قالت للحمال ردها و هات التاليه فجاء بها و فعلت بها مثل ما فعلت بالاولى.

فعند ذلك اشتعل قلب الخليفه و ضاق صدره و غمز جعفر ان يسالها،

فقال له بالاشاره اسكت،

ثم التفتت صاحبه البيت للبوابه و قالت لها: قومى لقضاء ما عليك قالت نعم.

ثم ان صاحبه البيت صعدت على سرير من المرمر مصفح بالذهب و الفضه و قالت البوابه و الدلاله ائتيا بما عندكما،

فاما البوابه فانها صعدت على سرير بجانبها واما الدلاله فانها دخلت مخدعا و اخرجت منه كيسا من الاطلس باهداب خضر و وقفت قدام الصبيه صاحبه المنزل و نفضت الكيس و اخرجت منه عودا و اصلحت اوتاره و انشدت هذه الابيات:

ردوا على جفنى النوم الذى سلبا و خبرونى بعقلى ايه ذهبا
علمت لما رضيت الحب منزله ان المنام على جفنى قد غصبا

قالوا عهدناك من اهل الرشاد فما اغواك قلت اطلبوا من لحظه السببا

انى له عن دمى المسفوك معتذر اقول حملته في سفكه تعبا

القي بمراه فكرى شمس صورته فعكسها شب في احشائى اللهبا

من صاغه الله من ماء الحياه و قد اجري بقيته في ثغره شنبا

ماذا تري في محب ما ذكرت له الا شكي او بكي او حن او اطربا

يري خيالك في الماء الذلال اذا رام الشراب فيروي و هو ما شربا
وانشدت ايضا:

سكرت من لحظه لا من مدامته و ما ل بالنوم عن عينى تمايله
فما السلاف سلتنى بل سوالفه و ما الشمل شلتنى بل شمائله

لوى بعزمى اصداع لوين له و غال عقلى بما نحوي غلائله
فلما سمعت الصبيه ذلك،

قالت طيبك الله،

ثم شقت ثيابها و وقعت على الارض مغشيا عليها،

فلما نكشف جسدها راى الخليفه اثر ضرب المقارع و السياط فتعجب من ذلك غايه العجب فقامت البوابه و رشت الماء على و جهها و اتت اليها بحله و البستها اياها،

فقال الخليفه لجعفر اما تنظر الى هذه المراه و ما عليها من اثر الضرب،

فانا لا اقدر ان اسكت على هذا و ما استريح الا ان و قفت على حقيقه خبر هذه الصبيه و حقيقه خبر هاتين الكلبتين،

فقال جعفر: يا مولانا قد شرطوا علينا شرطا و هو ان لا نتكلم فيما لا يعنينا فنسمع ما لا يرضينا،

ثم قامت الدلاله فاخذت العود و اسندته الى نهدها،

و غمزته باناملها و انشدت تقول:

ان شكونا الهوي فماذا تقول او تلفنا شوقا فماذا السبيل
او بعثنا رسلا نترجم عنا ما يؤدى شكوي المحب رسول

او صبرنا فما لنا من بقاء بعد فقد الاحباب الا قليل

ليس الا تاسفا ثم حزنا و دموعا على الخدود تسيل

ايها الغائبون عن لمح عينى و عم في الفؤاد منى حلول

هل حفظتم لدي الهوي عهد صب ليس عنه مدي الزمان يحول

ام نسيتم على التباعد صبا شفه فبكم الضني و النحول

واذا الحشر ضمنا اتمني من لدن و بنا حسابا يطول
فلما سمعت المراه الثانيه شعر الدلاله شقت ثيابها كما فعلت الاولي و صرخت ثم القت نفسها على الارض مغشيا عليها،

فقامت الدلاله و البستها حله ثانيه بعد ان رشت الماء على و جهها ثم قامت المراه الثالثه و جلست على سرير و قالت للدلاله غنى لى لا في دينى فما بقى غير هذا الصوت فاصلحت الدلاله العود و انشدت هذه الابيات:

فالي متى هذا الصدود و ذا الجفا فلقد جوي من ادمعى ما قد كفى
كم قد اطلت الهجر لى معتمدا ان كان قصدك حاسدى فقد اشتفى

لو انصف الدهر الخؤون لعاشق ما كان يوم العواذل منصفا

فلمن ابوح بصبوتى يا قاتلى يا خيبه الشاكى اذا فقد الوفا

ويزيد و جدى في هواك تلهفا فمتي و عدت و لا رايتك مخلفا

يا مسلمون خذوا بنار متيم الف الشهاده لديه طرف ما غفا

ايحل في شرع الغرام تذللى و يكون غيرى بالوصال مشرفا

ولقد كلفت بحبكم متلذذا و غدا عذولى في الهوي متكلفا
فلما سمعت المراه الثالثه قصيدتها صرخت و شقت ثيابها و القت نفسها على الارض مغشيا عليها فلما انكشف جسدها ظهر فيه ضرب المقارع،

مثل من قبلها فقال الصعاليك ليتنا ما دخلنا هذه الدار و كنا بتنا على الكيمان،

فقد تكدر مبيتنا هنا بشيء يقطع الصلب فالتفت الخليفه اليهم و قال لهم لم ذلك قالوا قد اشتغل سرنا بهذا الامر فقال الخليفه اما انتم من هذا البيت،

قالوا لا و لا ظننا هذا الموضع الا للرجل الذى عندكم.

فقال الحمال و الله ما رايت هذا الموضع الا هذه الليله و ليتنى بت على الكيمان و لم ابت فيه.

فقال الكل نحن سبعه رجال و هن ثلاث نسوه و ليس لهن رابعه فنسالهن عن حالهن فان لم يجبننا طوعا اجبننا كرها و اتفق الكل على ذلك،

فقال جعفر ما هذا راى سديد دعوهن فنحن ضيوف عندهن و قد شرطن علينا،

شرطا فنوفى به و لم يبق من الليل الا القليل و كل منا يمضى الى حال سبيله،

ثم انه غمز الخليفه و قال ما بقى غير ساعه و في غد تحضرهن بين يديك،

فتسالهن عن قصتهن فابي الخليفه و قال لم يبق لى صبر عن خبرهن و قد كثر بينهن القيل و القال،

ثم قالوا و من يسالهن فقال بعضهم الحمال ثم قال لهم النساء يا جماعه في اي شيء تتكلمون.

فقال الحمال لصاحبه البيت و قال لها يا سيدتى سالتك بالله و اقسم عليك به ان تخبرينا عن حال الكلبتين،

و اي سبب تعاقبيهما ثم تعودين تبكين،

و تقبليهما وان تخبرينا عن سبب ضرب اختك بالمقارع و هذا سؤالنا و السلام فقالت صاحبه المكان للجماعه ما يقوله عنكم فقال الكل نعم،

الا جعفر فانه سكت.

فلما سمعت الصبيه كلامهم قالت و الله لقد اذيتمونا يا ضيوفنا،

الاذيه البالغه و تقدم لنا اننا شرطنا عليكم ان من تكلم فيما لا يعنيه،

سمع ما لا يرضيه اما كفا اننا ادخلناكم منزلنا و اطعمناكم زادنا و لكن لا ذنب لكم و انما الذنب لمن اوصلكم الينا ثم شمرت عن معصمها و ضربت الارض ثلاث ضربات و قالت عجلوا.

واذا بباب خزانه قد فتح و خرج منها سبعه عبيد بايديهم سيوف مسلوله و قالت كتفوا هؤلاء الذين كثر كلامهم و اربطوا بعضهم ببعض ففعلوا و قالوا ايتها المخدره ائذنى لنا في ضرب رقابهم،

فقالت امهلوهم ساعه حتى اسالهم عن حالهم قبل ضرب رقابهم،

فقال الحمال بالله يا سيدتى لا تقتلينى بذنب الغير فان الكل اخطاوا،

و دخلوا في الذنب،

الا انا و الله لقد كانت ليلتنا طيبه لو سلمنا من هؤلاء الصعاليك الذين لو دخلوا مدينه عامره لاخربوها،

ثم انشد يقول:

ما احسن الغفران من قادر لا سيما عن غير ذى ناصر بحرمه الود الذى بيننا لا تقتلى الاول بالاخر
فلما فرغ الحمال من كلامه ضحكت الصبيه و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

والليله الحاديه عشره قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الصبيه لما ضحكت بعد غيظها،

اقبلت على الجماعه و قالت اخبرونى بخبركم فما بقى من عمركم الا ساعه و لولا انتم اعزاء فقال الخليفه و يلك يا جعفر عرفها بنا و الا تقتلنا فقال جعفر من بعض ما نستحق،

فقال له الخليفه لا ينبغى الهزل في وقت الجد كل منهم له وقت ثم ان الصبيه اقبلت على الصعاليك،

و قالت لهم هل انتم اخوه فقالوا لا و الله ما نحن الا فقراء الحجام.

فقالت لواحد منهم هل انت و لدت اعور فقال لا و الله و انما جري لى امر غريب حيت تلفت عينى و لهذا الامر حكايه لو كتبت بالابر على اماق البصر لكانت عبره لمن اعتبر،

فسالت الثانى و الثالث فقالا لها مثل الاول ثم قالوا ان كل منا من بلد وان حديثنا عجيب و امرنا غريب،

فالتفتت الصبيه لهم،

و قالت كل واحد منكم يحكى حكايته و ما سبب مجيئه الى مكاننا ثم يملس على راسه و يروح الى حال سبيله فاول من تقدم الحمال،

فقال يا سيدتى انا رجل حمال حملتنى هذه الدلاله و اتت بى الى هنا و جري لى معكم ما جري و هذا حديثى و السلام،

فقالت له ملس على راسك و روح فقال و الله ما اروح حتى اسمع حديث رفقائي.

فتقدم الصعلوك الاول و قال لها يا سيدتي،

ان سبب حلق ذقنى و تلف عينى ان و الدى كان ملكا و له اخ و كان اخوه ملكا على مدينه اخري و اتفق ان امى و لدتنى في اليوم الذى ولد فيه ابن عمي،

ثم مضت سنون و اعوام،

و ايام حتى كبرنا و كنت ازور عمى في بعض السنين و اقعد عنده اشهر عديده فزرته مره فاكرمنى غايه الاكرام و ذبح لى الاغنام و روق لى المدام و جلسنا للشراب فلما تحكم الشراب فينا قال ابن عمي: يا ابن عمى ان لى عندك حاجه مهمه فاستوثق منى بالايمان العظام و نهض من وقته و ساعته و غاب قليلا،

ثم عاد و خلفه امراه مزينه مطيبه و عليها من الحلل ما يساوى مبلغا عظيما.

فالتفت الى و المراه خلفه،

و قال خذ هذه المراه و اسبقنى على الجبانه الفلانيه و وصفها لى فعرفتها و قال ادخل بها التربه و انتظرنى هناك فلم يمكنى المخالفه و لم اقدر على رد سؤاله لاجل الذى خلفته فاخذت المراه و سرت الى ان دخلت التربه انا واياها فلما استقر بنا الجلوس جاء ابن عمى و معه طاسه فيها ماء و كيس فيه جبس و قدوم ثم انه اخذ القدوم و جاء الى قبر في و سط التربه ففكه و نقض احجاره الى ناحيه التربه ثم حفر بالقدوم في الارض،

حتي كشف عن طابق قدر الباب الصغير فبان من تحت الطابق سلم معقود.

لم التفت الى المراه بالاشاره و قال لها دونك و ما تختارين به فنزلت المراه على ذلك السلم،

ثم التفت الى و قال يا ابن عمى تمم المعروف اذا نزلت انا في ذلك الموضع فرد الطابق و رد عليه التراب كما كان و هذا تمام المعروف و هذا الجبس الذى في الكيس و هذا الماء الذى في الطاسه اعجن منه الجبس وجبس القبر في دائر الاحجار كما كان اول حتى لا يعرفه احد و لا يقول هذا فتح جديد و تطيينه عتق لان لى سنه كامله و انا اعمل فيه،

و ما يعلم به الا الله و هذه حاجتى عندك،

ثم قال لى لا اوحش الله منك،

يا ابن عمي،

ثم نزل على السلم.

فلما غاب عنى قمت و رددت الطابق و فعلت ما امرنى به حتى صار القبر كما كان ثم رجعت الى قصر عمي،

و كان عمى في الصيد و القنص فنمت تلك الليله فلما اصبح الصباح تذكرت الليله الماضيه و ما جري فيها بينى و بين ابن عمى و ندمت على ما فعلت معه حيث لا ينفع الندم،

و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

و في الليله الثانيه عشره قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الصعلوك قال للصبيه ثم خرجت الى المقابر و فتشت على التربه فلم اعرفها و لم ازل افتش حتى اقبل الليل و لم اهتد اليها فرجعت الى القصر لم اكل و لم اشرب و قد اشتغل خاطرى بابن عمى من حيث لا اعلم له حالا فاغتممت غما شديدا و بت ليلتى مغموما،

الي الصباح فجئت ثانيا الى الجبانه و انا اتفكر فيما فعله ابن عمي،

و ندمت على سماعى منه و قد فتشت في الترب جميعا فلم اعرف تلك التربه و لا رمت التفتيش سبعه ايام فلم اعرف له طريقا.

فزاد بى الوسواس حتى كدت ان اجن فلم اجد فرجا دون ان سافرت،

و رجعت غليه،

فساعه و صولى الى مدينه ابى نهض الى جماعه من باب المدينه و كتفونى فتعجبت كل العجب انى ابن سلطان المدينه و هم خدم ابى و غلماني،

و لحقنى منهم خوف زائد،

فقلت في نفسى يا تري اجري على و الدى و صرت اسال الذين كنفونى عن سبب ذلك فلم يردوا على جوابا.

ثم بعد حين قال لى بعضهم و كان خادما عندي،

ان اباك قد غدر به الزمان و خانته العساكر وقتله الوزير و نحن نترقب و قوعك،

فاخذونى و انا غائب عن الدنيا بسبب هذه الاخبار التى سمعتها عن ابى فلما تمثلت بين يدى الوزير الذى قتل ابى و كان بينى و بينه عداوه قديمه و سبب تلك العداوه انى كنت مولعا بضر البندقيه فاتفق انى كنت و اقفا يوما من الايام على سطح قصر و اذا بطائر نزل على سطح قصر الوزير و كان و اقفا هناك،

فاردت ان اضرب الطير و غذا بالبندقيه اخطات عين الوزير،

فاتلفتها بالقضاء و القدر كما قال الشاعر:

دع الاقدار تفعل ما تشاء و طب نفسا بما فعل القضاء و لا تفرح و لا تحزن بشيء فان الشيء ليس له بقاء
وكما قال الاخر:

مشينا خطا كتبت علينا و من كتب عليه خطا مشاها و من كانت منيته بارض فليس يموت في ارض سواها
ثم قال ذلك الصعلوك: فلما اتلفت عين الوزير لم يقدر ان يتكلم لان و الدى كان ملك المدينه فهذا سبب العداوه التى بينى و بينه فلما و قفت قدامه،

و انا مكتف امر فضرب عنقى فقلت اتقتلنى بغير ذنب فقال اي ذنب اعظم من هذا،

و اشار الى عينه المتلفه فقلت له: فعلت ذلك خطا،

فقال ان كنت فعلته خطا فانا افعله بك عمدا ثم قال قدموه بين يدى فقدمونى بين يديه،

فمد اصبعه في عينى الشمال فاتلفها فصرت من ذلك الوقت اعور كما تروني،

ثم كتفنى و وضعنى في صندوق و قال للسياف: تسلم هذا و اشهر حسامك،

و خذه و اذهب به الى خارج المدينه و اقتله و دعه للوحوش،

تاكله فذهب بى السياف و صار حتى خرج من المدينه و اخرجنى من الصندوق و انا مكتوف اليدين مقيد الرجلين و اراد ان يغمى عينى و يقتلنى فبكيت و انشدت هذه الابيات:

جعلتكمو درعا حصينا لتمنعوا سهام العدا عنى فكنتم نصالها
وكنت ارجى عند كل ملمه تخص يمينى ان تكون شمالها

دعوا قصه العذال عنى بمعزل و خلوا العدا ترمى الى نبالها

اذا لم تقوا نفسى مكايده العدا فكونوا سكوتا لا عليها و لا لها
وانشدت ايضا هذه الابيات:

واخوان اتخذتهم دروعا فكانوها و لكن للاعادي
رحلتهم سهاما صائبات فكانوا و لكن في فؤادي

و قالوا قد صفت منا قلوب لقد صدقوا و لكن عن ردادي

وقالوا قد سعينا كل سعى لقد صدقوا و لكن في فسادي
فلما سمع السياف شعرى و كان سياف ابى و لى عليه احسان،

قال يا سيدى كيف افعل و انا عبد ما مور ثم قال لى فر بعمرك و لا تعد الى هذه المدينه فتهلك و تهلكنى معك كما قال الشاعر:

ونفسك فر بها ان خفت ضيما و خل الدار تنعى من بناها
فانك واحد ارضا بارض و نفسك لم تجد نفسا سواها

عجبت لمن يعيش بدار ذل و ارض الله و اسعه فلاها

و من كانت منيته بارض فليس يموت في ارض سواها

وما غلظت رقاب الاسد حتى بانفسها تولت ما عناها
فلما قال ذلك قبلت يديه و ما صدقت حتى فررت و هان على تلف عينى بنجاتى من القتل،

و سافرت حتى وصلت الى مدينه عمى فدخلت عليه و اعلمته بما جري لوالدي،

و بما جري لى من تلف عينى فبكي بكاء شديدا و قال لقد زدتنى هما على همى و غما على غمي،

فان ابن عمكقد فقد منذ ايام و لم اعلم بما جري له و لم يخبرنى احد بخبره و بكي حتى اغمى عليه فلما استفاق قال يا و لدى قد حزنت على ابن عمك حزنا شديدا و انت زدتنى بما حصل لك و لابيك،

غما على غمي،

و لكن يا و لدى بعينك و لا بروحك ثم انه لم يمكنى السكوت عن ابن عمى الذى هو و لده فاعلمته بالذى جري له كله ففرح عمى بما قلته له فرحا شديدا عند سماع خبر ابنه،

و قال ارنى التربه فقلت و الله يا عمى لم اعرف مكانها لانى رجعت بعد ذلك مرات لافتش عليها فلم اعرف مكانها،

ثم ذهبت انا و عمى الى الجبانه و نظرت يمينا و شمالا فعرفتها ففرحت انا و عمى فرحا شديدا و دخلت انا واياه التربه و ازحنا التراب و رفعنا الطابق و نزلت انا و عمى مقدار خمسين درجه فلما وصلنا الى اخر السلم و اذا بدخان طلع علينا فغشى ابصارنا،

فقال عمى الكلمه التى لا يخاف قائلها و هى لا حول و لا قوه الا بالله العلى العظيم ثم مشينا و اذا نحن بقاعه ممتلئه دقيقا و حبوبا و ما كولات و غير ذلك و راينا في و سط القاعه ستاره مسبوله على سرير فنظر عمى الى السرير فوجد ابنه هو و المراه التى قد نزلت معه صار فحما اسود و هما متعانقان كانهما القيا في جب نار،

فلما نظر عمى بصق في و جهه و قال تستحق يا خبيث فهذا عذاب الدنيا و بقى عذاب الاخره و هو اشد و ابقي و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

و في الليله الثالثه عشره قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الصعلوك قال للصبيه و الجماعه و الخليفه وجعفر يستمعون الكلام،

ثم ان عمى ضرب و لده بالنعال و هو راقد كالفحم الاسود فتعجبت من ضربه و حزنت على ابن عمى حيث صار هو و الصبيه فحما اسود ثم قلت بالله يا عمى خفف الهم عن قلبك،

فقد اشتغل سرى و خاطرى بما قد جري لولدك و كيف صار هو و الصبيه فحما اسود ما يكفيك ما هو فيه حتى تضربه بالنعال.

فقال يا ابن اخى ان و لدى هذا كان من صغره مولعا بحب اخته و كنت انهاه عنها و اقول في نفسى انهما صغيران فلما كبر اوقع بينهما القبيح و سمعت بذلك و لم اصدق و لكن زجرته زجرا بليغا و قلت له احذر من هذه الفعال القبيحه التى لم يفعلها احد قبلك و لا يفعلها احد بعدك و الا نبقي بين الملوك بالعار و النقصان الى الممات و تشيع اخبارنا مع الركبان واياك ان تصدر منك هذه الفعال فانى اسخط عليك و اقتلك ثم حجبته عنها و حجبتها عنه و كانت الخبيثه تحبه محبه عظيمه و قد تمكن الشيطان منها.

فلما رانى حجبته فعل هذا المكان الذى تحت الارض الخفية.

و نقل فيه الماكول كما تراه و استغفلنى لما خرجت الى الصيد و اتي الى هذا المكان فغار عليه و عليها الحق سبحانه و تعالى و احرقهما و لعذاب الاخره اشد و ابقى،

ثم بكي و بكيت معه و قال لى انت و لدى عوضا عنه ثم انى تفكرت ساعه في الدنيا و حوادثها من قتل الوزير لوالدى و اخذ مكانه و تلف عيني،

و ما جري لابن عمى من الحوادث الغريبة.

فبكيت ثم اننا صعدنا و رددنا الطابق و التراب،

و عملنا القبر كما كان،

ثم رجعنا الى منزلنا فلم يستقر بيننا جلوس حتى سمعنا دق طبول و بوقات ورمحت الابطال و امتلات الدنيا بالعجاج و الغبار من حوافر الخيل فحارت عقولنا و لم نعرف الخبر فسال الملك عن الخبر فقيل ان و زير اخيك قتله و جمع العسكر و الجنود و جاء بعسكره ليهجموا على المدينه و اهل المدينه لم يكن لهم طاقه بهم فسلموا اليه فقلت في نفسى متى و قعت انا في يده قتلني.

وتراكمت الاحزان و تذكرت الحوادث التى حدثت لابى و امى و لم اعرف كيف العمل فان ظهرت عرفنى اهل المدينه و عسكر ابى فيسعون في قتلى و هلاكى فلم اجد شيئا انجو به الا حلق ذقنى فحلقتها و غيرت ثيابى و خرجت من المدينه و قصدت هذه المدينه و السلام لعل احدا يوصلنى الى امير المؤمنين حتى احكى له قصتي،

و ما جري لى فوصلت الى هذه المدينه في هذه الليله فوقفت حائرا و لم ادر اين امضى و اذا بهذا الصعلوك و اقف.

فسلمت عليه و قلت له انا غريب ايضا،

فبينما نحن كذلك و اذا برفيقنا هذا الثالث جاءنا و سلم علينا،

و قال انا غريب،

فقلنا له و نحن غريبان فمشينا و قد هجم علينا الظلام فساقنا القدر اليكم،

و هذا سبب حلق ذقنى و تلف عينى فقالت الصبيه ملس على راسك و روح،

فقال لها لا اروح حتى اسمع خبر غيرى فتعجبوا من حديثه.

فقال الخليفه لجعفر و الله انا ما رايت مثل الذى جري لهذا الصعلوك،

ثم تقدم الصعلوك الثانى و قبل الارض و قال يا سيدتى انا ما و لدت اعور،

و انما لى حكايه عجيبه لو كتبت بالابر على اماق البصر لكانت عبره لمن اعتبر فانا ملك ابن ملك و قرات القران على سبع روايات و قرات الكتب على اربابها من مشايخ العلم و قرات علم النجوم و كلام الشعراء و اجتهدت في سائر العلوم حتى فقت اهل زمانى فعظم حظى عند سائر الكتبه و شاع ذكرى في سائر الاقاليم و البلدان و شاع خبرى عند سائر الملوك.

فسمع بى ملك الهند فارسل يطلبنى من ابى و ارسل اليه هدايا و تحفا تصلح للملوك فجهزنى ابى في ست مراكب و سرنا في البحر مده شهر كامل حتى وصلنا الى البر و اخرجنا حبلا كانت معنا في المركب و حملنا عشره جمال هدايا و مشينا قليلا و اذا بغبار قد علا و ثار حتى سد الاقطار و استمر ساعه من النهار ثم انكشف قبان من تحته ستون فارسا و هم ليوث و عوانس فتاملناهم و اذا هم عرب قطاع طريق فلما راونا و نحن نفر قليل و معنا عشره اجمال هدايا لملك الهند رمحوا علينا و شرعوا الرماح بين ايديهم نحونا.

فاشرنا اليهم بالاصابع و قلنا لهم: نحن رسل الى ملك الهند المعظم فلا تؤذونا فقالوا نحن لسنا في ارضه و لا تحت حكمه ثم انهم قتلوا بعض الغلمان و هرب الباقون و هربت انا بعد ان جرحت جرحا بليغا و اشتغلت عنا العرب بالمال و الهدايا التى كانت معنا فصرت لا ادرى اين اذهب،

و كنت عزيزا فصرت ذليلا و سرت الى ان اتيت راس الجبل فدخلت مغاره حتى طلع النهار ثم سرت منها حتى وصلت الى مدينه عامره بالخير و قد و لي عنها الشتاء ببرده و اقبل عليها الربيع بورده.

ففرحت بوصولى اليها و قد تعبت من المشى و علانى الهم و الاصفرار فتغيرت حالتى و لا ادرى اين اسلك فملت الى خياط في دكان و سلمت عليه فرد على السلام و رحب بى و باسطنى عن سبب غربتى فاخبرته بما جري لى من اوله الى اخره،

فاغتم لاجلى و قال يا فتى لا تظهر ما عندك فانى اخاف عليك من ملك المدينه لانه اكبر اعداء ابيك و له عنده ثار.

ثم احضر لى ما كولا و مشروبا فاكلت و اكل معى و تحادثت معه في الليل و اخلي لى محلا في جانب حانوته و اتانى بما احتاج اليه من فراش و غطاء،

فاقمت عنده ثلاثه ايام،

ثم قال لى اما تعرف صنعه تكسب بها فقلت له: انى فقيه طالب علم كاتب حاسب،

فقال: ان صنعتك في بلادنا كاسده و ليس في مدينتنا من يعرف علما و لا كتابه غير المال.

فقلت و الله لا ادرى شيئا غير الذى ذكرته لك،

فقال شد و سطك و خذ فاسا و حبلا و احتطب في البريه حطبا تتقوت به الى ان يفرج الله عنك و لا تعرف احدا بنفسك فيقتلوك،

ثم اشتري لى فاسا و حبلا و ارسلنى مع بعض الحطابين و اوصاهم علي،

فخرجت معهم و احتطبت فاتيت بحمل على راسى فبعته بنصف دينار فاكلت ببعضه و ابقيت بعضه،

و دمت على هذا الحال مده سنة.

ثم بعد السنه ذهبت يوما على عادتى الى البريه لاحتطب منها و دخلتها،

فوجدت فيها خميله اشجار فيها حطب كثير فدخلت الخميله و اتيت شجره و حفرت حولها و ازلت التراب عن جدارها فاصطكت الفاس في حلقه نحاس فنظفت التراب و اذا هى في طابق من خشب فكشفته فبان تحت سلم فنزلت الى اسفل السلم فرايت بابا فدخلته فرايت قصرا محكم البنيان فوجدت فيه صبيه كالدره السنيه تنفى الى القلب كل هم و غم و بلية.

فلما نظرت اليها سجدت لخالقها لما ابدع فيها من الحسن و الجمال فنظرت غلى و قالت لى انت انسى ام جني،

فقلت لها: انسي،

فقالت: و من اوصلك الى هذا المكان الذى لى فيه خمسه و عشرون سنه ما رايت فيه انسيا ابدا فلما سمعت كلامها و جدت له عذوبه و قلت لها يا سيدتى اوصلنى الله الى منزلك و لعله يزيل همى و غمى و حكيت لها ما جري لى من الاول الى الاخر.

فصعب عليها حالى و بكت و قالت انا الاخري اعلمك بقصتى فاعلم انى بنت ملك اقصي الهند صاحب جزيره الابنوس و كان قد زوجنى بابن عمى فاختطفنى ليله زفافى عفريت اسمه جرجريس بن رجوس بن ابليس فطار بى الى هذا المكان و نقل فيه كل ما احتاج اليه من الحلي و الحلل و القماش و المتاع و الطعام و الشراب.

فى كل عشره ايام يجيئنى مره فيبيت هنا ليله و عاهدنى اذا عرضت لى حاجه ليلا او نهارا ان المس بيدى هذين السطرين المكتوبين على القبه فما ارفع يدى حتى اراه عندى و منذ كان عندى له اليوم اربعه ايام و بقى له سته ايام حتى ياتى فهل لك ان تقيم عندى خمسه ايام،

ثم تنصرف قبل مجيئه بيوم فقلت نعم.

ففرحت ثم نهضت على اقدامها و اخذت بيدى و ادخلتنى من باب مقنطر و انتهت بى الى حمام لطيف ظريف فلما رايته خلعت ثيابى و خلعت ثيابها،

و دخلت فجلست على مرتبه و اجلستنى معها و اتت بسكر ممسك و سقتني،

ثم قدمت لى ما كولا و تحادثنا ثم قالت لى ثم و استرح فانك تعبان،

فنمت يا سيدتى و قد نسيت ما جري لي،

و شكرتها فلما استيقظت و جدتها تكبس رجلى فدعوت لها و جلسنا نتحادث ساعه ثم قالت و الله انى كنت ضيقه الصدر و انا تحت الارض و حدى و لم اجد من يحدثنى خمسه و عشرين سنه فالحمد لله الذى ارسلك الى ثم انشدت:

لو علمنا مجيئكم لفرشنا مهجه القلب او سواد العيون و فرشنا خدودنا و التقينا لكون المسير فوق الجفون
فلما سمعت شعرها شكرتها و قد تمكنت محبتها في قلبي،

و ذهب عنى همى و غمي،

ثم جلسنا في منادمه الى الليل،

فبت معها ليله ما رايت مثلها في عمرى و اصبحنا مسرورين فقلت لها هل اطلعك من تحت الارض و اريحك من هذا الجنى فضحكت و قالت اقنع و اسكت ففى كل عشره ايام يوم للعفريت و تسعه لك فقلت و قد غلب على الغرام فانا في هذه اكسر هذه القبه التى عليها النقش المكتوب لعل العفريت يجيء حتى اقتله فانى موعود بقتل العفاريت فلما سمعت كلامى انشدت:

يا طالبا للفراق مهلا بحيله قد كفي اشتياق اصبر فطبع الزمان غدر و اخر الصحبه الفراق
فلما سمعت شعرها لم التفت لكلامها بل رفست القبه رفسا قويا و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

ففى الليله الرابعه عشره قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الصعلوك الثانى قال للصبيه يا سيدتى لما رفست القبه رفسا قويا،

قالت لى المراه ان العفريت قد وصل الينا اما حذرتك من هذا و لله لقد اذيتنى و لكن انج بنفسك و اطلع من المكان الذى جئت منه فمن شده خوفى نسيت نعلى وفاسي،

فلما طلعت درجتين التفت لانظرهما فرايت الارض قد انشقت و طلع منها عفريت و منظر شنيع،

و قال ما هذه الزعجه التى ارعشتنى بها فما مصيبتك.

فقالت ما اصابنى شيء غير ان صدرى ضاق،

فاردت ان اشرب شرابا يشرح صدرى فنهضت لاقضى اشغالى فوقعت على القبه فقال لها العفريت يا فاجره و نظر في القصر يمينا و شمالا فراي النعل و الفاس فقال لها ما هذه الا متاع الانس من جاء اليك فقالت: ما نظرتهما الا في هذه الساعه و لعلهما تعلقا معك.

فقال العفريت هذا كلام محال لا ينطلى على يا عاهره ثم انه اعراها،

و صلبها بين اربعه اوتاد وجعل يعاقبها و يقررها بما كان فلم يهن على ان اسمع بكاءها فطلعت من السلم مذعورا من الخوف فلما وصلت الى اعلي الموضع رددت الطابق كما كان و سترته بالتراب و ندمت على ما فعلت غايه الندم و تذكرت الصبيه و حسنها و كيف يعاقبها هذا الملعون و هى لها معه خمسه و عشرون سنه و ما عاقبها الا بسببى و تذكرت ابى و مملكته و كيف صرت حطابا،

فقلت هذا البيت:

اذا ما اتاك الدهر يوما بنكبه فيوم تري يسرا و يوم تري عسرا
ثم مشيت الى ان اتيت رفيقى الخياط فلقيته من اجلى على مقالى النار و هو لى في الانتظار فقال لي: بت البارحه و قلبى عندك و خفت عليك من وحش او غيره فالحمد لله على سلامتك فشكرته على شفقته على و دخلت خلوتي،

و جعلت اتفكر فيما جري لى و الوم نفسى على رفسى هذه القبه و اذا بصديقى الخياط دخل على و قال لى في الدكان شخص اعجمى يطلبك و معه فاسك و نعلك قد جاء بهما الى الخياطين و قال لهم انى خرجت وقت اذان المؤذن،

لاجل صلاه الفجر فعثرت بهما و لم اعلم لمن هما فدلونى على صاحبها،

فدله الخياطون عليك و ها هو قاعد في دكانى فاخرج اليه و اشكره و خذ فاسك و نعلك.

فلما سمعت هكذا الكلام اصفر لونى و تغير حالى فبينما انا كذلك و اذا بارض محلى قد انشقت و طلع منها الاعجمى و اذا هو العفريت و قد كان عاقب الصبيه غايه العقاب فلم تقر له بشيء فاخذ الفاس و النعل و قال لها ان كنت جرجريس من ذريه ابليس فانا اجيء بصاحب هذا الفاس و النعل ثم جاء بهذه الحيله الى الخياطين و دخل على و لم يمهلنى بل اختطفنى و طار و علا بى و نزل بى و غاص في الارض و انا لا اعلم بنفسي،

ثم طلع بى القصر الذى كنت فيه فرايت الصبيه عريانه و الدم يسيل من جوانبها فقطرت عيناى بالدموع.

فاخذها العفريت و قال لها يا عاهره هذا عشيقك فنظرت الى و قالت له لا اعرفه و لا رايته الا في هذه الساعه فقال لها العفريت اهذه العقوبه و لم تقري،

فقالت ما رايته عمرى و ما يحل من الله ان اكذب عليه،

فقال لها العفريت ان كنت لا تعرفينه،

فخذى هذا السيف و اضربى عنقه فاخذت السيف و جاءتنى و وقفت على راسى فاشرت لها بحاجبى فنهضت و غمرتنى و قالت انت الذى فعلت هذا كله فاشرت لها ان هذا وقت العفو و لسان حالى يقول:

يترجم طرفى عن لسانى لتعلموا و يبدو لكم ما كان في صدرى يكتم
ولما التقينا و الدموع سواجم خرست و طرفى بالهوي يتكلم

تشير لنا عما تقول بطرفها و ارمى اليها بالبنان فتفهم

حواجبنا تقضى الحوائج بيننا فنحن سكوت و الهوي يتكلم
فلما فهمت الصبيه اشارتى رمت السيف من يدها،

فناولنى العفريت السيف و قال لى اضرب عنقها و انا اطلقك و لا انكد عليك،

فقلت نعم،

و اخذت السيف و تقدمت نشاط و رفعت يدي،

فقالت لى بحاجبها انا ما قصرت في حقك فهملت عيناى بالدموع ورميت السيف من يدي،

و قلت ايها العفريت الشديد و البطل الصنديد،

اذا كانت امراه ناقصه عقل و دين لم تستحل ضرب عنقى فكيف يحل لى ان اضرب عنقها و لم ارها عمري،

فلا افعل ذلك ابدا و لو سقيت من الموت كاس الردى.

فقال العفريت انتما بينكما موده اخذ السيف و ضرب يد الصبيه فقطعها،

ثم ضرب الثانيه فقطعها ثم قطع رجلها اليمني ثم قطع رجلها اليسري حتى قطع ارباعها باربع ضربات و انا انظر بعينى فايقنت بالموت ثم اشارت الى بعينيها فراها العفريت فقال لها و قد زنيت بعينك ثم ضربها فقطع راسها،

و التفت الى و قال يا انسى نحن في شرعنا اذا زنت الزوجه يحل لنا قتلها،

و هذه الصبيه اختطفتها ليله عرسها،

و هى بنت اثنتى عشره سنه و لم تعرف احدا غيرى و كنت اجيئها في كل عشره ايام ليله واحده في زى رجل اعجمي.

فلما تحققت انها خانتنى فقتلتها واما انت فلم اتحقق انك خنتنى فيها،

و لكن لا بد انى اما اخليك في عافيه فتمن على اي ضرر فرحت يا سيدتى غايه الفرح و طمعت في العفريت و قلت له: و ما اتمناه عليك،

قال تمن على اي صوره اسحرك فيها اما صوره كلب واما صوره حمار واما صوره قرد فقلت له و قد طمعت انه يعفو عنى و الله ان عفوت عنى يعفو الله عنك،

بعفوك عن رجل مسلم لم يؤذيك و تضرعت اليه غايه التضرع،

و بقيت بين يديه،

و قلت له انا رجل مظلوم.

فقال لى لا تطل على الكلام اما القتل فلا تخف منه واما العفو عنك فلا تطمع فيه واما سحرك فلا بد منه،

ثم شق الارض و طار بى الى الجو حتى نظرت الى الدنيا حتى كانها قصعه ماء،

ثم حطنى على جبل و اخذ قليلا من التراب و همهم عليه و تكلم و قال اخرج من هذه الصوره الى صوره قرد.

فمنذ ذلك الوقت صرت قردا ابن ما ئه سنه فلما رايت نفسى في هذه الصوره القبيحه بكيت على روحى و صبرت على جور الزمان و علمت ان الزمان ليس لاحد و انحدرت من اعلي الجبل الى اسفله و سافرت مده شهر،

ثم ذهبت الى شاطئ البحر المالح،

فوقفت ساعه و اذا انا بمركب في و سط البحر قد طاب ريحها و هى قاصده البر،

فاختفيت خلف صخره على جانب البحر و سرت الى ان اتيت و سط المركب.

فقال واحد منهم اخرجوا هذا المشؤوم من المركب،

و قال واحد منهم نقتله،

و قال اخر اقتله بهذا السيف فامسكت طرف السيف و بكيت،

و سالت دموعى فحن على الريس و قال لهم يا تجار ان هذا القرد استجار بى و قد اجرته و هو في جوارى فلا احد يعرض له و لا يشوش عليه،

ثم ان الريس صار يحسن الى و مهما تكلم به افهمه و اقضى حوائجه و اخدمه في المركب.

وقد طاب لها الريح مده خمسين يوما فرسينا على مدينه عظيمه و فيها عالم كثير لايحصي عددهم الا الله تعالى فساعه و صولنا اوقفنا مركبنا فجاءتنا مماليك من طرف ملك المدينه فنزلوا المركب و هنوا التجار بالسلامه و قالوا ان ملكنا يهنئكم بالسلامه و قد ارسل اليكم هذا الدرج الورق و قال كل واحد يكتب فيه سطرا فقمت و انا في صوره القرد و خطفت الدرج من ايديهم،

فخافوا انى اقطعه و ارميه في الماء فنهرونى و ارادوا قتلى فاشرت لهم انى اكتب فقال لهم الريس دعوه يكتب فان لخبط الكتابه طردناه عنا وان احسنها اتخذته و لدا فانى ما رايت قردا افهم منه ثم اخذ القلم و استمديت الحبر و كتبت سطرا بقلم الرقاع ورقمت هذا الشعر:

لقد كتب الدهر فضل الكرام و فضلك للان لايحسب فلا ايتم الله منك الوري لانك للفضل نعم الاب
وكتبت بقلم الثلث هذين البيتين:

وما من كاتب الاسيفني و يبقى الدهر ما كتبت يداه فلا تكتب بخطك غير شيء يسرك في القيامه ان تراه
وكتبت تحته بقلم المشق هذين البيتين:

اذا فتحت دواه العز و النعم فاجعل مدادك من جود و من كرم و اكتب بخير اذا ما كنت مقتدرا بذاك شرفت فضلا نسبه القلم
ثم ناولتهم ذلك الدرج الورق فطلعوا به الى الملك،

فلما تامل الملك ما في ذلك الدرج لم يعجبه خط احد الا خطي،

فقال لاصحابه توجهوا الى صاحب هذا الخط و البسوه هذه الحله و اركبوه بغله و هاتوه بالنوبه و احضروه بين يدى فلما سمعوا كلام الملك تبسموا فغضب منهم ثم قال كيف امركم بامر فتضحكون علي،

فقالوا ايها الملك ما نضحك على كلامك،

بل الذى كتب هذا الخط قرد و ليس هو ادميا و هو مع ريس المركب.

فتعجب الملك من كلامهم و اهتز من الطرب،

و قال اريد ان اشترى هذا القرد،

ثم بعث رسلا الى المركب و معهم البغله و الحله و قال لابد ان تلبسوه هذه الحله و تركبوه البغله و تاتوا به،

فساروا الى المركب و اخذونى من الريس و البسونى الحله فاندهش الخلائق و صاروا يتفرجون علي،

فلما طلعوا بى للملك و رايته قبلت الارض ثلاث مرات فامرنى بالجلوس،

فجلست على ركبتي.

فتعجب الحاضرون من ادبى و كان الملك اكثرهم تعجبا ثم ان الملك امر الخلق بالانصراف فانصرفوا،

و لم يبق الا الملك و الطواشى و مملوك صغير و انا،

ثم امر الملك بطعام فقدموا سفره طعام فيها ما تشتهى الانفس و تلذ الاعين فاشار الى الملك ان كل فقمت و قبلت الارض بين يديه سبع مرات و جلست اكل معه و قد ارتفعت السفره و ذهبت فغسلت يدى و اخذت الدواه و القلم و القرطاس و كتبت هذين البيتين:

اتاجر الضان ترياق من العلل و اصحن الحلو فيها منتهي املى يا لهف قلبى على مد السماط اذا ما جت كنافته بالسمن و العسل
ثم قمت و جلست بعيدا انتظر الملك الى ما كتبته و قراه فتعجب و قال هذا يكون عند قرد هذه الفصاحه و هذا الخط و الله ان هذا من اعجب العجب ثم قدم للملك شطرنج،

فقال لى الملك اتلعب قلت براسى نعم،

فتقدمت وصففت الشطرنج و لعبت معه مرتين فغلبته فحار عقل الملك و قال لو كان هذا ادميا لفاق اهل زمانه،

ثم قال لخادمه اذهب الى سيدتك و قل لها: كلمى الملك حتى تجيء فتتفرج على هذا القرد العجيب.

فذهب الطواشى و عاد معه سيدته بنت الملك،

فلما نظرت الى غطت و جهها،

و قالت يا ابى كيف طاب على خاطرك ان ترسل الى فيرانى الرجال الاجانب فقال يابنتى ما عندك سوي المملوك الصغير و الطواشى الذى رباك و هذا القرد و انا ابوك فممن تغطين و جهك.

فقالت ان هذا القرد ابن ملك و اسم ابيه ايمار،

صاحب جزائر الابنوس الداخله و هو مسحور و سحره العفريت جرجريس الذى هو من ذريه ابليس،

و قد قتل زوجته بنت ملك اقناموس و هذا الذى تزعم انه قردا انما هو رجل عالم عاقل.

فتعجب الملك من ابنته و نظر الى و قال: احق ما تقول عنك فقلت براسى نعم و بكيت فقال الملك لبنته من اين عرفت انه مسحور فقالت: يا ابت كان عندى و انا صغيره عجوز ما كره ساحره علمتنى السحر،

و قد حفظته و اتقنته و عرفت ما ئه و سبعين بابا من ابوابه،

اقل باب منها انقل به حجاره مدينتك خلف جبل قاف و اجعلها لجه بحر و اجعل اهلها سمكا في و سطه.

فقال ابوها: بحق اسم الله عليك ان تخلصى لنا هذا الشاب،

حتي اجعله و زيرى و هل فيك هذه الفضيله و لم اعلم فخلصيه حتى اجعله و زيرى لانه شاب ظريف لبيب،

فقالت له حبا و كرامه ثم اخذت بيدها سكينا،

و عملت دائره و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفى الليله الخامسه عشره قالت بلغنى ايها الملك السعيد ان الصعلوك قال للصبيه يا سيدتي،

ثم ان بنت الملك اخذت بيدها سكينا مكتوبا عليها اسماء عبرانيه و خطت بها دائره في و سط و كتبت فيها اسماء و طلاسم و عزمت بكلام و قرات كلاما،

لا يفهم،

فبعد ساعه اظلمت علينا جهات القصر،

حتي ظننا ان الدنيا قد انطبقت علينا و اذا بالعفريت قد تدلي علينا في اقبح صفه بايد كالمدارى و رجلين كالصوارى و عينين كمشعلين يوقدان نارا،

ففزعنا منه.

فقالت بنت الملك لا اهلا بك و لا سهلا،

فقال العفريت و هو في صوره اسد يا خائنه كيف خنت اليمين اما تحالفنا على ان لا يعترض احدنا للاخر فقالت له يا لعين و من اين لك يمين فقال العفريت خذى ما جاءك ثم انقلب اسدا و فتح فاه و هجم على الصبية.

فاسرعت و اخذت شعره من شعرها بيدها،

و همهمت بشفتيها فصارت الشعره سيفا ما ضيا و ضربت ذلك الاسد فقطعته نصفين،

فصارت راسه عقربا،

و انقلبت الصبيه حيه عظيمه و همهمت على هذا اللعين و هو في صفه عقرب،

فتقاتلا قتالا شديدا،

ثم انقلب العقرب عقابا فانقلبت الحيه نسرا و صارت و راء العقاب و استمرا ساعه زمانيه ثم انقلب العقاب قطا اسود،

فانقلبت الصبيه ذئبا فتشاحنا في القصر ساعه زمانيه و تقاتلا قتالا شديدا فراي القط نفسه مغلوبا فانقلب و صار رمانه حمراء كبيره و وقعت تلك الرمانه في بركه و انتثر الحب كل حبه و حدها و امتلات ارض القصر حبا فانقلب ذلك الذئب ديكا لاجل ان يلتقط ذلك الحب حتى لا يترك منه حبه فبالامر المقدر،

دارت حبه في جانب الفسقيه فصار الديك يصيح و يرفرف باجنحته و يشير الينا بمنقاره و نحن لا نفهم ما يقول،

ثم صرخ علينا صرخه تخيل لنا منها ان القصر قد انقلب علينا و دار في ارض القصر كلها حتى راى الحبه التى تدارت في جانب الفسقيه فانقض عليها ليلتقطها و اذا بالحبه سقطت في الماء فانقلب الديك حمارا كبيرا و نزل خلفها و غاب ساعه و اذا بنا قد سمعنا صراخا عاليا فارتجفنا.

و بعد ذلك طلع العفريت و هو شعله نار فالقي من فمه نارا و من عينيه و منخريه نارا و دخانا و انقلبت الصبيه لجه نار فاردنا ان نغطس في ذلك الماء خوفا على انفسنا من الحريق فما شعرنا الا العفريت قد صرخ من تحت النيران و صار عندنا في الليوان و نفخ في وجوهنا بالنار فلحقته الصبيه و نفخت في و جهه بالنار ايضا فاصابنا الشر منها و منه،

فاما شررها فلم يؤذينا واما شرره فلحقنى منه شراره في عينى فاتلفتها و انا في صوره القرد و لحق الملك شراره منه في و جهه فاحرقت نصفه التحتانى بذقنه و حنكه و وقفت اسنانه التحتانيه و وقعت شراره في صدر الطواشى فاحترق و ما ت من وقته و ساعته فايقنا بالهلاك و قطعنا رجائنا من الحياة.

فبينما نحن كذلك و اذا بقائل يقول: الله اكبر الله اكبر قد فتح ربى و نصر و خذل من كفر بدين محمد سيد البشر و اذا بالقائل بنت الملك قد احضرت العفريت فنظرنا اليه فرايناه قد صار كوم رماد،

ثم جاءت الصبيه و قالت الحقونى بطاسه ماء فجاؤوا بها فتكلمت عليها بكلام لا نفهمه ثم رشتنى بالماء و قالت اخلص بحق الحق و بحق اسم الله الاعظم الى صورتك الاولي فصرت بشرا كما كنت اولا و لكن تلفت عيني.

فقالت الصبيه النار يا و الدى ثم انها لم تزل تستغيث من النار و اذا بشرر اسود قد طلع الى صدرها و طلع الى و جهها فلما وصل الى و جهها بكت و قالت اشهد ان لا اله الا الله و اشهد ان محمدا رسول الله.

ثم نظرنا اليها فرايناها كوم رماد بجانب كوم العفريت فحزنا عليها و تمنيت لو كنت مكانها و لا اري ذلك الوجه المليح الذى عمل في هذا المعروف يصير رمادا و لكن حكم الله لا يرد.

فلما راى الملك ابنته صارت كوم رماد نتف لحيته و لطم على و جهه و شق ثيابه و فعلت كما فعل و بكينا عليها ثم جاء الحجاب و ارباب الدوله فوجدوا السلطان في حاله العدم و عنده كوم رماد فتعجبوا و داروا حول الملك ساعه فلما افاق اخبرهم بما جري لابنته مع العفريت فعظمت مصيبتهم و صرخ النساء و الجوارى و عملوا العزاء سبعه ايام.

ثم ان الملك امر ان يبنى على رماد ابنته قبه عظيمه و اوقد فيها الشموع و القناديل واما رماد العفريت فانهم اذروه في الهواء الى لعنه الله ثم مرض السلطان مرضا اشرف منه على الموت و استمر مرضه شهرا و عادت اليه العافيه فطلبنى و قال لى يا فتى قد قضينا زماننا في اهنا عيش امنين من نوائب الزمان حتى جئنا فاقبلت علينا الاكدار فليتنا ما رايناك و لا راينا طلعتك القبيحه التى لسببها صرنا في حاله العدم.

فاولا عدمت ابنتى التى كانت تساوى ما ئه رجل و ثانيا جري لى من الحريق ما جري و عدم اضراسى و ما ت خادمى و لكن ما بيدك حيله بل جري قضاء الله علينا و عليك و الحمد لله حيث خلصتك ابنتى و اهلكت نفسها،

فاخرج يا و لدى من بلدى و كفي ما جري بسببك و كل ذلك مقدر علينا و عليك،

فاخرج بسلام.

فخرجت يا سيدتى من عنده و ما صدقت بالنجاه و لا ادرى اين اتوجه،

و خطر على قلبى ما جري لى و كيف خلونى في الطريق سالما منهم و مشيت شهرا و تذكرت دخولى في المدينه و اجتماعى بالخياط و اجتماعى بالصبيه تحت الارض و خلاصى من العفريت بعد ان كان عازما على قتلى و تذكرت ما حصل لى من المبدا الى المنتهي فحمدت الله و قلت بعينى و لا بروحى و دخلت الحمام قبل ان اخرج من المدينه و حلقت ذقنى و جئت يا سيدتى و في كل يوم ابكى و اتفكر المصائب التى عاقبتها تلف عيني،

و كلما اتذكر ما جري لى ابكى و انشد هذه الابيات:

تحيرت و الرحمن لاشك في امرى و حلت بى الاحزان من حيث لا ادري
ساصبر حتى يعلم الناس اننى صبرت على شيء امر من الصبر

وما احسن الصبر الجميل مع التقي و ما قدر المولي على خلقه يجري

سرائر سرى ترجمان سريرتى اذا ما ن سر السر سرك في سري

ولو ان ما بى بالجبال لهدمت و بالنار اطفاها و الريح لم يسر

ومن قال ان الدهر فيه حلاوه فلا بد من يوم امر من المر
ثم سافرت الاقطار و وردت الامصار و قصدت دار السلام بغداد لعلى اتوصل الى امير المؤمنين و اخبره بما جرى،

فوصلت الى بغداد هذه اليله فوجدت اخى هذا الاول و اقفا متحيرا فقلت السلام عليك و تحدثت معه و اذا باخينا الثالث قد اقبل علينا و قال انا رجل غريب فقلنا و نحن غريبان و قد وصلنا هذه الليله المباركة.

فمشينا نحن الثلاثه و ما فينا احد يعرف حكايه احد فساقتنا المقادير الى هذا الباب و دخلنا عليكم و هذا سبب حلق ذقنى و تلف عينى فقالت له ان كانت حكايتك غريبه فامسح على راسك و اخرج في حال سبيلك،

فقال لا اخرج حتى اسمع حديث رفيقي.

فتقدم الصعلوك الثالث و قال ايتها السيده الجليله ما قصتى مثل قصتهما بل قصتى اعجب و ذلك ان هذين جاءهما القضاء و القدر واما انا فسبب حلق ذقنى و تلف عينى اننى جلبت القضاء لنفسى و الهم لقلبى و ذلك انى كنت ملكا ابن ملك،

و ما ت و الدى و اخذت الملك من بعده و حكمت و عدلت و احسنت للرعيه و كان لى محبه في السفر في البحر و كانت مدينتى على البحر و البحر متسع و حولنا جزائر معده للقتال.

فاردت ان اتفرج على الجزائر فنزلت في عشره مراكب و اخذت معى مؤونه شهر و سافرت عشرين يوما.

ففى ليله من الليالى هبت علينا رياح مختلفه الى ان لاح الفجر فهدا الريح و سكن البحر حتى اشرقت الشمس،

ثم اننا اشرفنا على جزيره و طلعنا الى البر و طبخنا شيئا ناكله فاكلنا ثم اقمنا يومين و سافرنا عشرين يوما فاختلفت علينا المياه و على الريس استغرب الريس البحر فقلنا للناطور: انظر البحر بتامل،

فطلع على الصارى ثم نزل الناطور و قال للريس: رايت عن يمينى سمكا على وجه الماء و نظرت الى و سط البحر فرايت سوادا من بعيد يلوح تاره اسود و تاره ابيض.

فلما سمع الريس كلام الناطور ضرب الارض بعمامته و نتف لحيته و قال للناس ابشروا بهلاكنا جميعا و لا يسلم منا احد،

و شرع يبكى و كذلك نحن الكل نبكى على انفسنا فقلت ايها الريس اخبرنا بما راى الناطور فقال يا سيدى اعلم اننا تهنا يوم جاءت علينا الرياح المختلفه و لم يهدا الريح الا بكره النهار ثم اقمنا يومين فتهنا في البحر و لم نزل تائهين احد عشر يوما من تلك الليله و ليس لنا ريح يرجعنا الى ما نحن قاصدون اخر النهار و في غد نصل الى جبل من حجر اسود يسمي حجر المغناطيس و يجرنا المياه غصبا الى جهته.

فيتمزق المركب و يروح كل مسمار في المركب الى الجبل و يلتصق به ان الله وضع حجر المغناطيس سرا و هو ان كل الحديد يذهب اليه و في ذلك الجبل حديد كثير لا يعلمه الا الله تعالى حتى انه تكسر من قديم الزمان مراكب كثيره بسبب ذلك الجبل و يلى ذلك البحر قبه من النحاس الاصفر معموده على عشره اعمده و فوق القبه فارس على فرس من نحاس و في يد ذلك الفارس رمح من النحاس و معلق في صدر الفارس لوح من رصاص منقوش عليه اسماء و طلاسم فيها ايها الملك ما دام هذا الفارس راكبا على هذه الفرس تنكسر المراكب التى تفوت من تحته و يهلك ركابها جميعا و يلتصق كل الحديد الذى في المركب بالجبل و ما الخلاص الا اذا و قع هذا الفارس من فوق تلك الفرس،

ثم ان الريس يا سيدتى بكي بكاء شديد فتحققنا اننا هالكون لا محاله و كل منا و دع صاحبه.

فلما جاء الصباح قربنا من تلك الجبل و ساقتنا المياه اليه غصبا،

فلما صارت المياه تحته انفتحت و فرت المسامير منها و كل حديد فيها نحو حجر المغناطيس و نحن دائرون حوله في اخر النهار و تمزقت المراكب فمنا من غرق و منا من سلم و لكن اكثرنا غرق و الذين سلموا لم يعلموا ببعضهم لان تلك الامواج و اختلاف الارياح ادهشتهم.

و اما انا يا سيدتى فنجانى الله تعالى لما اراده من مشقتى و عذابى و بلوتي،

فطلعت على لوح من الالواح فالقاه الريح و الموج الى جبل فاصبت طريقا متطرفا الى اعلاه على هيئه السلالم منقوره في الجبل فسميت الله تعالى و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفى الليله السادسه عشره قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الصعلوك الثالث قال للصبيه و الجماعه مكتفون و العبيد و اقفين بالسيوف على رؤوسهم،

ثم انى سميت الله و دعوته و ابتهلت اليه و حاولت الطلوع على الجبل و صرت اتمسك بالنقر التى فيه حتى اسكن الله الريح في تلك الساعه و اعاننى على الطلوع فطلعت سالما على الجبل و فرحت بسلامتى غايه الفرح و لم يكن لى داب الا القبه فدخلتها وصليت فيها ركعتين شكرا لله على سلامتى ثم انى نمت تحت القبة.

فسمعت قائلا يقول يا ابن خصيب اذا انتهيت من منامك،

فاحفر تحت رجليك قوسا من نحاس و ثلاث نشابات من رصاص منقوشا عليها طلاسم فخذ القوس و النشابات و ارم للفارس الذى على القبه و ارح الناس من هذا البلاء العظيم فاذا رميت الفارس يقع في البحر و يقع القوس من يدك فخذ القوس،

و ادفنه في موضعه.

فاذا فعلت ذلك يطفو البحر و يعلو حتى يساوى الجبل،

و يطلع عليه زورق فيه شخص غير الذى رميته فيجيء غليه و في يده مجذاف،

فاركب معه و لا تسم الله تعالى فانه يحملك و يسافر بك مده عشره ايام الى ان يوصلك الى بلدك و هذا غنما يتم لك ان لم تسم الله.

ثم استيقظت من نومي،

و قمت بنشاط و قصدت الماء،

كما قال الهاتف و ضربت الفارس فرميته فوقع في البحر و وقع القوس من يدى فاخذت القوس و دفنته فهاج البحر و علا حتى ساوي الجبل الذى انا عليه فلم البث غير ساعه حتى رايت زورقا في و سط البحر يقصدنى فحمدت الله تعالى فلما وصل الى الزورق و جدت فيه شخصا من النحاس صدره لوح من الرصاص،

منقوش باسماء و طلاسم.

فنزلت في الزورق و انا ساكت لا اتكلم فحملنى الشخص اول يوم و الثانى و الثالث الى تمام عشره ايام حتى جزائر السلامه ففرحت فرحا عظيما و من شده فرحى ذكرت الله و سميت و هللت و كبرت فلما فعلت ذلك قذفنى من الزورق في البحر ثم رجع في البحر و كنت اعرف العوم فعمت ذلك اليوم الى الليل حتى كلت سواعدى و تعبت اكتافى و صرت في الهلكات ثم تشهدت وايقنت بالموت و هاج البحر من كثره الرياح فجاءت موجه كالقلعه العظيمه فحملتنى و قذفتنى قذفه صرت بها فوق البر،

لمل يريد الله فطلعت البر و عصرت ثيابى و نشفتها على الارض و بت.

فلما اصبحت لبست ثيابى و قمت انظر اين امشى فوجدت غوطه فجئتها و درت حولها فوجدت الموضع الذى فيه جزيره صغيره و البحر محيط بها،

فقلت في نفسى كلما اخلص من بليه اقع في اعظم منها فبينما انا متفكر في امرى اتمني الموت اذ نظرت مركبا فيها ناس.

فقمت و طلعت على شجره و اذا بالمركب التصقت بالبر و طلع منها عشره عبيد معهم مساحى فمشوا حتى وصلوا الى و سط الجزيره و حفروا في الارض و كشفوا عن طابق فرفعوا الطابق و فتحوا بابه،

ثم عادوا الى المركب و نقلوا منها خبزا و دقيقا و سمنا و عسلا و اغناما و كل ما يحتاج اليه الساكن و صار العبيد مترددين بين المركب و باب الطابق و هم يحولون من المركب وينزلون في الطابق الى ان نقلوا كل ما في المركب.

ثم بعد ذلك طلع العبيد و معهم ثياب احسن ما يكون و في و سطهم،

شيخ كبير هرم قد عمر زمنا طويلا و اضعفه الدهر،

حتي صار فانيا و يد ذلك الشيخ في يد صبى قد افرغ في قالب الجمال و البس حله الكمال حتى انه يضرب بحسنه الامثال و هو كالقضيب الرطب يسحر كل قلب بجماله و يسلب كل لب بكماله فلم يزالوا يا سيدتى سائرين حتى اتوا الى الطابق و نزلوا فيه،

و غابوا عن عيني.

فلما توجهوا قمت و نزلت من فوق الشجره و مشيت الى موضع الردم،

و نبشت التراب و نقلته و صبرت نفسى حتى ازلت كل التراب فانكشف الطابق فاذا هو خشب مقدار حجر الطاحون فرفعته فبان من تحته سلم معقود من حجر فتعجبت من ذلك و نزلت السلم حتى انتهيت الى اخره فوجدت شيئا نظيفا و وجدت بستانا و ثانيا الى تمام تسعه و ثلاثين و كل بستان اري فيه ما يكل عنه الواصفون من اشجار و انهار و اثمار و ذخائر.

و رايت بابا فقلت في نفسى ما الذى في هذا المكان،

فلابد ان افتحه و انظر ما فيه ثم فتحته فوجدت فيه فرسا مسرجا ملحما مربوطا ففككته و ركبته فطار بى الى حطنى على سطح و انزلنى و ضربنى بذيله فاتلف عينى و فر منى فنزلت من فوق السطح فوجدت عشره شبان عور فلما راونى قالوا لا مرحبا بك،

فقلت لهم: اتقبلونى اجلس عندكم.

فقالوا و الله لا تجلس عندنا فخرجت من عندهم حزين القلب باكى العين،

و كتب الله لى السلامه حتى وصلت الى بغداد فحاقت ذقنى و صرت صعلوكا فوجدت هذين الاثنين العورين فسلمت عليهما و قلت لهماانا غريب،

فقالا و نحن غريبان فهذا سبب تلف عيني،

و حلق ذقني،

فقالت له امسح على راسك و روح،

فقال: لا اروح حتى اسمع قصه هؤلاء.

ثم ان الصبيه التفتت الى الخليفه وجعفر و مسرور و قالت لهم اخبرونى بخبركم،

فتقدم جعفر و حكي لها الحكايه التى قالها للبوابه عند دخولهم فلما سمعت كلامه قالت و هبت بعضكم لبعض فخرجوا الى ان صاروا في الزقاق فقال الخليفه للصعاليك يا جماعه الى اين تذهبون فقالوا ما ندرى اين نذهب فقال لهم الخليفه سيروا و بيتوا عندنا و قال لجعفر خذهم و احضرهم لى غدا،

حتي ننظر ما يكون،

فامتثل جعفر ما امره به الخليفة.

ثم ان الخليفه طلع الى قصره و لم يجئه نوم في تلك الليله فلما اصبح جلس على كرسى المملكه و دخلت عليه ارباب الدوله فالتفت الى جعفر بعد ان طلعت ارباب الدوله و قال ائتنى بالثلاث صبايا و الكلبتين و الصعاليك،

فنهض جعفر و احضرهم بين يديه فادخل الصبايا تحت الاسنار.

و التفت لهن جعفر و قال لهن قد عفونا عنكن لما اسلفتن من الاحسان الينا و لم تعرفنا فها انا اعرفكن و انتن بين يدى الخامس من بنى العباس هارون الرشيد،

فلا تخبرنه الا حقا فلما سمع الصبايا كلام جعفر،

عن لسان امير المؤمنين تقدمت الكبيره و قالت يا امير المؤمنين ان لى حديثا لو كتب بالابر على اماق البصر لكان عبره لمن اعتبر و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفى الليله السابعه عشره قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان كبيره الصبايا،

لما تقدمت بين يدى امير المؤمنين و قالت ان لى حديثا عجيبا و هو ان هاتين الصبيتين اختاى من ابى من غير امى فمات و الدنا و خلف خمسه الاف دينار و كنت انا اصغرهن سنا فتجهزت اختاى و تزوجت كل واحده برجل و مكثنا مده ثم ان كل واحد من ازواجهما هيا متجرا و اخذ من زوجته الف دينار و سافروا مع بعضهم،

و تركونى فغابوا اربع سنين و ضيع زوجاهما المال،

و خسرا و تركاهما في بلاد الناس فجاءانى في هيئه الشحاتين.

فلما رايتهما ذهلت عنهما و لم اعرفهما ثم انى لما عرفتهما،

قلت لهما: ما هذا الحال،

فقالتا يا اختاه ان الكلام لا يفيد الان،

و قد جري القلم بما حكم الله فارسلتهما الى الحمام و البست كل واحده حله و قلت لهما يا اختى انتما الكبيره و انا الصغيره و انتم عوض عن ابى و امى و الارث الذى ناسى معكما قد جعل الله فيه البركه فكلا من زكاته و احوالى جليله و انا و انتما سواء و احسنت اليهما غايه الاحسان فمكثا عندى مده سنه كامله و صار لهما ما ل من ما لى فقالتا لى ان الزواج خير لنا و ليس لنا صبر عنه.

فقلت لهما يا اختى لم تريا في الزواج خيرا فان الرجل الجيد قليل في هذا الزمان و قد اخترتما الزواج فلم يقبلا كلامي،

و تزوجا بغير رضاى فزوجتهما من ما لى و سترتهما و مضتا مع زوجيهما فاقاما مده يسيره و لعب عليهما زوجهما و اخذ ما كان معهما و سافرا و تركاهما فجاءتا عندى و هما عريانتين و اعتذرتا و قالتا لا تؤاخذينا،

فانت اصغر منا سنا و اكمل عقلا،

و ما بقينا نذكر الزواج ابدا.

فقلت مرحبا بكما يا اختى ما عندى اعز منكما و قبلتهما و زدتهما اكراما و لم تزل على هذه الحاله سنه كامله فاردت ان اجهز لى لى مركبا الى البصره فجهزت مركبا كبيره و حملت فيها البضائع و المتاجر و ما احتاج اليه في المركب و قلت يا اختى هل لكما ان تقعدوا في المنزل حتى اسافر و ارجع او تسافرا معي،

فقالتا تسافر معك فانا لا نطيق فراقك فاخذتهما و سافرنا،

و كنت قسمت ما لى نصفين فاخذت النصف و خبات النصف الثانى و قلت ربما يصيب المركب شيء و يكون في العمر مده فاذا رجعنا نجد شيئا ينفعنا.

و لم نزل مسافرين اياما و ليالي،

فتاهت بنا المركب و غفل الريس عن الطريق و دخلت المركب بحرا غير البحر الذى نريده و لم نعلم بذلك مده و طاب لنا الريح عشره ايام فلاحت لنا مدينه على بعد فقلنا للريس ما اسم هذه المدينه التى اشرفنا عليها فقال و الله لا اعلم و لا رايتها قط،

و لا سلكت عمرى هذا البحر،

و لكن جاء الامر بسلامه فما بقى الا ان تدخلوا هذه المدينه و تخرجوا بضائعكم فان حصل لكم بيع فبيعوا و غاب ساعة.

ثم جاءنا و قال قوموا الى المدينه و تعجبوا من صنع الله في خلقه و استعيذوا من سخطه فطلعنا المدينه فوجدنا كل من فيها مسخوطا حجاره سوداء،

فاندهشنا من ذلك و مشينا في الاسواق فوجدنا البضائع باقيه و الذهب و الفضه باقيين على حالهما ففرحنا و قلنا لعل هذا يكون له امر عجيب،

و تفرقنا في شوارع المدينه و كل واحد اشتغل عن رفيقه بما فيها من المال و القماش.

و اما انا فطلعت الى القلعه فوجدتها محكمه فدخلت قصر الملك فوجدت فيه كل الاوانى من الذهب و الفضه ثم رايت الملك جالسا و عنده حجابه و نوابه و وزرائه و عليه من الملابس شيء يتحير فيه الفكر فلما قربت من الملك و جدته جالسا على كرسى مرصع بالدر و الجواهر فيه كل دره تضيء كالنجمه و عليه حله مزركشه بالذهب و واقفا حوله خمسون مملوكا بين انواع الحرير،

و في ايديهم السيوف مجردة.

فلما نظرت لذلك دهش عقلى ثم مشيت و دخلت قاعه الحريم،

فوجدت في حيطانها ستائر من الحرير و وجدت الملكه عليها حله مزركشه بالؤلؤ الرطب و على راسها تاج مكلل بانواع الجواهر و في عنقها قلائد و عقودا و كل ما عليها من الملبوس و المصاغ باق على حاله و هى ممسوخه حجر اسود و وجدت بابا مفتوحا فدخلته و وجدت فيه سلما بسبع درج فصعدته،

فرايت مكانا مرخما مفروشا بالبسط المذهبه و وجدت فيه سرير من المرمر مرصعا بالدر و الجواهر و نظرت نورا لامعا في جهه فقصدتها فوجدت فيها جوهره مضيئه قدر بيض النعامه على كرسى صغير،

و هى تضيء كالشمعه و نورها ساطع و مفروش على ذلك السرير من انواع الحرير ما يحير الناظر.

فلما نظرت الى ذلك تعجبت و رايت في ذلك المكان شموعا موقده فقلت في نفسى لابد ان احدا اوقد هذه الشموع،

ثم انى مشيت حتى دخلت موضعا غيره و صرت افتش في تلك

الاماكن و نسيت نفسى مما ادهشنى من التعجب من تلك الاحوال،

و استغرق فكرى الى ان دخل الليل فاردت الخروج فلم اعرف الباب و تهت عنه فعدت الى الجهه التى فيها الشموع الموقده و جلست على السرير و تغطيت بلحاف بعد ان قرات شيئا من القران و اوردت النوم فلم استطع و لحقنى القلق.

فلما انتصف الليل سمعت تلاوه القران بصوت حسن رقيق فالتفت الى مخدع فرايت بابه مفتوحا فدخلت الباب و نظرت المكان فاذا هو معبد و فيه قناديل معلقه موقده و فيه سجاده مفروشه جالس عليها شاب حسن المنظر فتعجبت كيف هو سالم دون اهل المدينه فدخلت و سلمت عليه فرفع بصره و رد على السلام فقلت له اسالك بحق ما تتلوه من كتاب الله ان تجيبنى عن سؤالي.

فتبسم و قال اخبرنى عن سبب دخولك هذا المكان و انا اخبرك بجواب ما تسالينه عنه فاخبرته بخبرى فتعجب من ذلك،

ثم اننى سالته عن خبر هذه المدينه فقال امهلينى ثم طبق المصحف و ادخله كيس من الاطلس و اجلسنى بجنبه فنظرت اليه فاذا هو كالبدر حسن الاوصاف لين الاعطاف بهى المنظر رشيق القد اسيل الخد زهى الجنات كانه المقصود من هذه الابيات:

رصد النجم ليله فبدا له قد المليح يميس في برديه
وامد زحل سواد ذوائب و المسك هادى الخال في خديه

وغدت من المربح حمره خده و القوس يرمى النبل من جفنيه

وعطارد اعطاه فرط ذكائه و ابي السها نظر الوشاه اليه

فغدا المنجم حائرا مما راى و البدر باس الارض بين يديه
فنظرت له نظره اعقبتنى الف حسره و اوقدت بقلبى كل جمره فقلت له يا مولاى اخبرنى عما سالتك فقال سمعا و طاعة.

اعلمى ان هذه المدينه مدينه و الدى و كل اهله و قومه و هو الملك الذى رايته على الكرسى ممسوخا حجرا واما الملكه التى رايتها فهى امى و قد كانوا مجوسا يعبدون النار دون الملك الجبار و كانوا يقسمون بالنار و النور و الظل و الخرور و الفلك الذى يدور و كان ابى ليس له ولد فرزق بى في اخر عمره فربانى حتى نشات و قد سبقت لى السعاده و كان عندنا عجوز طاعنه في السن مسلمه تؤمن بالله و رسوله في الباطن و توافق اهلى في الظاهر و كان ابى يعتقد فيها لما يري عليها من الامانه و العفه و كان يكرمها و يزيد في اكرامها و كان يعتقد انها على دينه.

فلما كبرت سلمنى ابى اليها و قال: خذيه و ربيه و علميه احوال ديننا و احسنى تربيته و قومى بخدمته فاخذتنى العجوز و علمتنى دين الاسلام من الطهاره و الوضوء و الصلاه و حفظتنى القران فلما اتمت ذلك قالت لى يا و لدى اكتم هذا الامر عن ابيك و لا تعلمه به لئلا يقتلك فكتمته عنه و لم ازل على هذا الحال مده ايام قلائل و قد ما تت العجوز و زاد اهل المدينه في كفرهم و عتوهم و ضلالهم.

فبينما هم على ما هم فيه اذ سمعوا مناديا ينادى باعلي صوته مثل الرعد القاصف سمعه القريب و البعيد يقول يا اهل المدينه ارجعوا عن عباده النار و اعبدوا الملك الجبار فحصل عند اهل المدينه فزع و اجتمعوا عند ابى و هو ملك المدينه و قالوا له: ما هذا الصوت المزعج الذى سمعناه فاندهشنا من شده هوله فقال لهم لايهولنكم الصوت و لا يردعنكم عن دينكم.

فمالت قلوبهم الى قول ابى و لم يزالوا مكبين على عباده النار و استمروا على طغيانهم مده سنه حتى جاء ميعاد ما سمعوا الصوت الاول فظهر لهم ثانيا فسمعوا ثلاث مرات على ثلاث سنين في كل سنه مره فلم يزالوا عاكفين على ما هم عليه حتى نزل عليهم المقت و السخط من السماء بعد طلوع الفجر،

فمسخوا حجاره سودا و كذلك دوابهم و انعامهم و لم يسلم من اهل هذه المدينه غيري،

و من يوم ما جرت هذه الحادثه و انا على هذه الحاله في صلاه و صيام و تلاوه قران و قد يئست من الوحده و ما عندى من يؤنسني.

فعند ذلك قلت له ايها الشاب هل لك ان تروح معى الى مدينه بغداد و تنظر الى العلماء و الى الفقهاء فتزداد علما و فقها و اكون انا جاريتك مع انى سيده قومى و حاكمه على رجال و خدم و غلمان،

و عندى مركب مشحون بالمتجر و قد رمتنا المقادير على هذه المدينه حتى كان ذلك سببا في اطلاعنا على هذه الامور و كان النصيب في اجتماعنا و لم ازل ارغبه في التوجه حتى اجابنى اليه.

و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

و في الليله الثامنه عشره قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الصبيه ما زالت تحسن للشاب التوجه معها حتى غلب عليها النوم فنامت تلك الليله تحت رجليه و هى لا تصدق بما هى فيه من الفرح،

ثم قالت فلما اصبح الصباح قمنا و دخلنا الى الخزائن و اخذنا ما خف حمله و غلا ثمنه و نزلنا من القلعه الى المدينه فقابلنا العبيد و الريس و هم يفتشون على فلما راونى فرحوا بى و سالونى عن سبب غيابى فاخبرتهم بما رايت و حكيت لهم قصه الشاب و سبب مسخ اهل هذه المدينه و ما جري لهم فتعجبوا من ذلك.

فلما راتنى اختاى و معى ذلك الشاب حسدتانى عليه و صارتا في غيظ و اضمرتا المكر لي.

ثم نزلنا المركب و انا بغايه الفرح و اكثر فرحى بصحبه هذا الشاب و اقمنا ننتظر الريح حتى طابت لنا الريح فنشرنا القلوع و سافرنا فقعدت اختاى عندنا و صارت تتحدثان فقالتا لى يا اختاه ما تصنعين بهذا الشاب الحسن فقلت لهما قصدى ان اتخذه بعلا،

ثم التفت اليه و اقبلت عليه و قلت يا سيدى انا اقصد ان اقول لك شيئا فلا تخالفنى فيه.

فقال سمعا و طاعة.

ثم التفت الى اختاى و قلت لهما يكفينى هذا الشاب و كل هذه الاموال لكما فقالتا نعم ما فعلت و لكنهما اضمرتا لى الشر و لم نزل سائرين مع اعتدال الريح حتى خرجنا من بحر الخوف و دخلنا بحر الامان و سافرنا اياما قلائل الى ان قربنا من مدينه البصره و لاحت لنا ابنيتها،

فادركنا المساء فلما اخذنا النوم قامت اختاى و حملتانى انا و الغلام ورمتانا في البحر،

فاما الشاب فانه كان لا يحسن العوم فغرق و كتبه الله من الشهداء.

و اما انا فكنت من السالمين،

فلما سقطت في البحر رزقنى الله بقطعه من خشب فركبتها و ضربتنى الامواج الى ان رمتنى على ساحل جزيره فلم ازل امشى في الجزيره باقى ليلتى فلما اصبح الصباح رايت طريقا فيه اثر مشى على قدر ابن ادم و تلك الطريق متصله من الجزيره الى البر و قد طلعت الشمس فنشفت ثيابى فيها و سرت في الطريق و لم ازل سائره الى ان قربت من البر الذى فيه المدينه و اذا بحيه تقصدنى و خلفها ثعبان يريد هلاكها و قد تدلي لسانها من شده التعب.

فاخذتنى الشفقه عليها فقعدت الى حجر و القيته على راس الثعبان فمات من وقته فنشرت الحيه جناحين و صارت في الجو فتعجبت من ذلك و قد تعبت فنمت في موضعى ساعه فلما افقت و جدت تحت رجلى جاريه و هى تكبس رجلى فجلست و استحيت منها و قلت لها من انت و ما شانك فقالت ما اسرع ما نسيتنى انت التى فعلت معى الجميل وقتلت عدوي،

فانى الحيه التى خلصتينى من الثعبان جنى و هو عدوى و ما نجانى منه الا انت.

فلما نجيتنى منه طرت في الريح و ذهبت الى المركب التى رماك منها اختاك و نقلت كل ما فيها الى بيتك و احرقتها واما اختاك فانى سحرتهما كلبتين من الكلاب السود،

فانى عرفت كل ما جري لك معهما،

و اما الشاب فانه غرق ثم حملنى انا و الكلبتين و القتنا فوق سطح دارى فرايت كل ما كان في المركب من الاموال في و سط بيتى و لم يضع منه شيء،

ثم ان الحيه قالت لى و حق النقش الذى على خاتم سليمان اذا لم تضربى كل واحده منها في كل يوم ثلاثمائه سوط لاتين اجعلك مثلهما فقلت سمعا و طاعة.

فلم ازل يا امير المؤمنين اضربها ذلك الضرب و اشفق عليهما،

فتعجب الخليفه من ذلك ثم قال للصبيه الثانية: و انت ما سبب الضرب الذى على جسدك فقالت: يا امير المؤمنين انى كان لى و الد ما ت و خلف ما لا كثيرا،

فاقمت بعده مده يسيره و تزوجت برجل اسعد اهل زمانه فاقمت معه سنه كامله و ما ت فورثت منه ثمانين الف دينار،

فبينما انا جالسه في يوم من الايام اذ دخلت على عجوز بوجه مسقوط و حاجب ممغوط و عيونها مفجره و اسنانها مكسره و مخاطها سائل و عنقها ما ئل كما قال فيها الشاعر:

عجوز النحس ابليس يراها تعلمه الخديعه من سكوت تقود من السياسه الف بغل اذا انفردوا بخيط العنكبوت
فلما دخلت العجوز علمت على و قالت ان عندى بنتا يتيمه و الليله عملت عرسها و انا قصدى لك الاجر و الثواب فاحضرى عرسها فانها مكسوره الخاطر ليس لها الا الله تعالى ثم بكت و قبلت رجلى فاخذتنى الرحمه و الرافه فقلت سمعا و طاعه فقالت جهزى نفسك فانى وقت العشاء اجى و اخذك ثم قبلت يدى و ذهبت فقمت و هيات نفسى و جهزت حالى و اذا بالعجوز قد اقبلت و قالت يا سيدتى ان سيدات البلد قد حضرن و اخبرتهن بحضورك ففرحن و هن في انتظارك،

فقمت و تهيات و اخذت جوارى معى و سرت حتى اتينا الى زقاق هب فيه النسيم و راق فراينا بوابه مقنطره قبه من الرخام مشيده البنيان و في داخلها قصر قد قام من التراب و تعلق بالسحاب فلما وصلنا الى الباب طرقته العجوز ففتح لنا و دخلنا فوجدنا دهليزا مفروشا بالبسط معلقا فيه قناديل موقده و شموع مضيئه و فيه الجواهر و المعادن معلقه فمشينا في الدهليز الى ان دخلنا القاعه فلم يوجد لها نظير مفروشه بالفراش الحرير معلقا فيها القناديل الموقده و الشموع المضيئه و في صدر القاعه سرير من المرمر مرصع بالدر و الجوهر و عليه ناموسيه من الاطلس و اذا بصبيه خرجت من الناموسيه مثل القمر فقالت لى مرحبا و اهلا و سهلا يا اختى انستينى وجبرت خاطرى و انشدت تقول:

لو تعلم الدار من زارها فرحت و استبشرت ثم باست موضع القدم و اعلنت بلسان الحال قائله اهلا و سهلا باهل الجود و الكرم
ثم جلست و قالت يا اختى ان لى اخا و قد راك في الافراح و هو شاب احسن منى و قد احبك قلبه حبا شديدا و اعطي هذه العجوز دراهم حتى اتتك و عملت الحيله لاجل اجتماعه بك و يريد اخى ان يتزوجك بسنه الله و رسوله و ما في الحلال من عيب فلما سمعت كلامها و رايت نفسى قد انحجزت في الدار فقلت للصبيه سمعا و طاعه ففرحت وصفقت بيدها و فتحت بابا،

فخرج منه شاب مثل القمر كما قال الشاعر:

قد زاد حسنا تبارك الله جل الذى صاغه و سواه
قد حاز كل الجمال منفردا كل الوري في جماله تهواه

قد كتب الحسن فوق و جنته اشهد ان لا مليح الا هو
فلما نظرت اليه ما ل قلبى له ثم جاء و جلس و اذا بالقاضى قد دخل و معه اربعه شهود فسلموا و جلسوا،

ثم انهم كتبوا كتابى على ذلك الشاب و انصرفوا فالتفت الشاب الى و قال ليلتنا مباركه ثم قال يا سيدتى انى شارط عليك شرطا فقلت يا سيدى و ما الشرط فقام و احضر لى مصحفا و قال احلفى لى انك لا تختارى احدا غيرى و لا تميلى اليه فحلفت له على ذلك ففرح فرحا شديدا و عانقنى فاخذت محبته بمجامح قلبى و قدموا لنا السماط فاكلنا و شربنا حتى اكتفينا فدخل علينا الليل.

فاخذنى و نام معى على الفراش و بتنا في عناق الى الصباح،

و لم نزل على هذه الحاله مده شهر،

و نحن في هناء و سرور و بعد الشهر استاذنته في ان اسير الى السوق و اشترى بعض قماش فاذن لى في الرواح،

فلبست ثيابى و اخذت العجوز معى و نزلت في السوق فجلست على دكان تاجر تعرفه العجوز و قالت لى هذا ولد صغير ما ت ابوه و خلف ما لا كثيرا ثم قالت له هات اعز ما عندك من القماش لهذه الصبية.

فقال لها سمعا و طاعه فصارت العجوز تثنى عليه فقلت ما لنا حاجه بثنائك عليه لان مرادنا ان ناخذ حاجتنا منه و نعود الى منزلنا فاخرج لنا ما طلبناه و اعطيناه الدراهم فابي ان ياخذ شيئا و قال هذه ضيافتكما اليوم عندى فقلت للعجوز ان لم ياخذ الدراهم اعطه قماشه.

فقال: و الله لا اخذ شيئا و الكل هديه من عندى في قبله واحده فانها عندى احسن من ما في دكاني.

فقالت العجوز ما الذى يفيدك من القبله ثم قالت يا بنتى قد سمعت ما قال هذا الشاب و ما يصيبك شيء اخذ منك قبله و تاخذين ما تطلبينه فقلت لها اما تعرفين انى حالفه فقالت دعيه يقبلك و انت ساكته و لا عليك شيء و تاخذين هذه الدراهم و لازالت تحسن لى الامر حتى ادخلت راسى في الجراب و رضيت بذلك ثم انى غطيت عينى و داريت بطرف ازارى من الناس و حط فمه تحت ازارى على خدى فما ان قبلنى حتى عضنى عضه قويه حتى قطع اللحم من خدى فغشى على ثم اخذتنى العجوز في حضنها.

فلما افقت و جدت الدكان مقفوله و العجوز تظهر لى الحزن،

و تقول ما دفع الله كان اعظم ثم قالت لى قومى بنا الى البيت و اعملى نفسك ضعيفه و انا اجيء اليك بدواء تداوين به هذه العضه فتبرئين سريعا فبعد ساعه قمت من مكانى و انا في غايه الفكر و اشتداد الخوف،

فمشيت حتى وصلت الى البيت و اظهرت حاله المرض و اذا بزوجى داخل و قال ما الذى اصابك يا سيدتى في هذا الخروج فقلت له ما انا طيبه فنظر الى و قال لى ما هذا الجرح الذى بخدك و هو في المكان الناعم.

فقلت لما استاذنتك و خرجت في هذا النهار لاشترى القماش زاحمنى جمل حامل حطبا فشرط نقابى و جرح خدى كما تري فان الطريق ضيق في هذه المدينه فقال غدا اروح للحاكم و اشكوا له فيشنق كل حطاب في المدينه فقلت بالله عليك لا تتحمل خطيئه احد فانى ركبت حمارا نفر بى فوقعت على الارض فصادفنى عود فخدش خدى و جرحني،

فقال غدا اطلع لجعفر البرمكى و احكى له الحكايه فيقتل كل حمار في هذه المدينه فقلت هل انت تقتل الناس كلهم بسببى و هذا الذى جري لى بقضاء الله و قدره.

فقال لابد من ذلك و شدد على و نهض قائما و صاح صيحه عظيمه فانفتح الباب و طلع منه سبعه عبيد سود فسحبونى من فراشى ورمونى في و سط الدار ثم امر عبدا منهم ان يمسكنى من اكتافي،

و يجلس على راسى و امر الثانى ان يجلس على ركبتى و يمسك رجلى و جاء الثالث و في يده سيف فقال يا سيدى اضربها بالسيف فاقسمها نصفين و كل واحد ياخذ قطعه يرميها في بحر الدجله فياكلها السمك و هذا جزاء من يخون الايمان الموده و انشد هذا الشعر:

اذا كان لى فيمن احب مشارك منعت الهوي روحى ليتلفنى و جدى و قلت لها يا نفس موتى كريهه فلا خير في حب يكون مع الضد
ثم قال للعبد اضربها يا سعد فجرد السيف و قال اذكرى الشهاده و تذكرى ما كان لك من الحوائج و اوصى ثم رفعت راسى و نظرت الى حالى و كيف صرت في الذل بعد العجز فجرت عبرتى و بكيت انشدت هذه الابيات:

اقمتم فؤادى في الهوي و قعدتم و اسهرتم جفنى القريح و نمتم
ومنزلكم بين الفؤاد و ناظرى فلا القلب يسلوكم و لا الدمع يكتم

وعاهدتمونى ان تقيموا على الوفا فلما تملكتم فؤادى غدرتم

ولم ترحموا و جدى بكم و تلهفى اانتم صروف الحادثات امنتم

سالتكم بالله ان مت فاكتبوا على لوح قبرى ان هذا متيم

لعل شجيا عارفا لوعه الهوي يمر على قبر المحب فيرحم
فلما فرغت من شعرى بكيت فلما سمع الشعر و نظر الى بكائى ازداد غيظا على غيظه و انشد هذين البيتين:

تركت حبيب القلب لاعن ملاله و لكن جني ذنبا يؤدى الى الترك اذا اري شريكا في المحبه بيننا وايمان قلبى لا يميل الى الشرك
فلما فرغ من شعره بكيت و استعطفته،

و اذا بالعجوز قد دخلت ورمت نفسها على اقدام الشاب و قبلتها و قالت يا و لدى بحق تربيتى لك تعفوا عن هذه الصبيه فانها ما فعلت ذنبا يوجب ذلك و انت شاب صغير فاخاف عليك من دعائها ثم بكت العجوز،

و لم تزل تلح عليه حتى قال عفوت عنها،

و لكن لابد لى ان اعمل فيها اثرا يظهر عليها بقيه عمرها،

ثم امر العبيد فجذبونى من ثيابى و احضر قضيبا من سفرجل و نزل به على جسدى بالضرب،

و لم يزل يضربنى ذلك الشاب على ظهرى و جنبى حتى غبت عن الدنيا من شده الضرب و قد يئست من حياتى ثم امر العبيد انه اذا دخل الليل يحملوننى و ياخذون العجوز معهم و يرموننى في بيتى الذى كنت فيه سابقا.

ففعلوا ما امرهم به سيدهم ورمونى في بيتي،

فتعاهدت نفسى و تداويت فلما شفيت بقيت اضلاعى كانها مضروبه بالمقارع،

كما تري فاستمريت في مداواه نفسى اربعه اشهر حتى شفيت،

ثم جئت الى الدار التى جرت لى فيها ذلك الامر فوجدتها خربه و وجدت الزقاق مهد و ما من اوله الى اخره و وجدت في موقع الدار كيما و لم اعلم سبب ذلك فجئت الى اختى هذه التى من ابى فوجدت عندها هاتين الكلبتين فسلمت عليها و اخبرتها بخبرى و بجميع ما جري لي.

فقالت من ذا الذى من نكبات الزمان،

سلم الحمد لله الذى جعل الامر بسلامه ثم اخبرتنى بخبرها و بجميع ما جري لها من اختيها و قعدت انا و هى لا نذكر خبر الزواج على السنتنا ثم صاحبتنا هذه الصبيه الدلاله في كل يوم تخرج فتشترى لنا ما نحتاج اليه من المصالح على جرى علاتها،

فوقع لنا ما و قع من مجيء الجمال و الصعاليك و من مجيئكم في صفه تجار فلما صرنا في هذا اليوم و لم نشعر الا نحن بين يديك و هذه حكايتنا،

فتعجب الخليفه من هذه الحكايه وجعلها تاريخها مثبتا في خزانته و ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفى الليله التاسعه عشره قالت: بلغنى ايها الملك السعيد ان الخليفه امر ان تكتب هذه القصه في الدواوين و يجعلوها في خزانه الملك ثم انه قال للصبيه الاولي هل عندك خبر بالعفريته التى سحرت اختيك،

قالت يا امير المؤمنين انها اعطتنى سيئا من شعرها،

و قالت ان اردت حضورى فاحرقى من هذا الشعر شيئا فاحضر اليك عاجلا و لو كنت خلف جبل قاف.

فقال الخليفه احضرى لى الشعر فاحضرته الصبيه فاخذه الخليفه و احرق منه شيئا فلما فاحت منه رائحه اهتز القصر و سمعوا دويا وصلصله و اذا بالجنيه حضرت و كانت مسلمه فقالت يا خليفه فقال: و عليكم السلام و رحمه الله و بركاته،

فقالت اعلم ان هذه الصبيه صنعت معى جميلا و لا اقدر ان اكافئها عليه فهى انقذتنى من الموت وقتلت عدوى و رايت ما فعله معها اختاها فما رايت الا انى انتقم منهما فسحرتهما كلبتين بعد ان اردت قتلهما فخشيت ان يصعب عليها،

و ان اردت خلاصهما،

يا امير المؤمنين اخلصهما كرامه لك و لها فانى من المسلمين.

فقال لها خلصيهما و بعد ذلك نشرع في امر الصبيه المضروبه و تفحص عن حالها فاذا ظهر لى صدقها اخذت ثارها ممن ظلمها فقالت العفريته يا امير المؤمنين انا ادلك على ما فعل بهذه الصبيه هذا الفعل و ظلمها و اخذ ما لها و هو اقرب الناس اليك،

ثم ان العفريته اخذت طاسه من الماء و عزمت عليها،

و رشت وجه الكلبتين،

و قالت لهما عودا الى صورتكما الاولي البشريه فعادتا صبيتين سبحان خالقهما،

ثم قالت يا امير المؤمنين ان الذى ضرب الصبيه و لدك الامين فانه كان يسمع بحسنها و جمالها،

و حكت له العفريته كل ما جري للصبيه فتعجب و قال الحمد لله خلاص هاتين الكلبتين على يدي.

ثم ان الخليفه احضر و لده الامين بين يديه و ساله عن قصه الصبيه الاولي فاخبره على وجه الحق فاحضره الخليفه القضاه و الشهود و الصعاليك الثلاثه و احضر الصبيه الاولي و اختيها اللتين كانتا مسحورتين في صوره كلبتين،

و زوج الثلاثه للثلاثه الصعاليك الذين اخبروه انهم كانوا ملوكا و عملهم حجابا عنده و اعطاهم ما يحتاجون اليه و انزلهم في قصر بغداد و رد الصبيه المضروبه لولده الامين و اعطاها ما لا كثيرا و امر ان تبني الدار احسن ما كانت ثم ان الخليفه تزوج بالدلاله ورقد في تلك الليله معها.

فلما اصبح افرد لها بيتا و جوارى يخدمنها و رتب لها راتبا،

و شيد لها قصرا ثم قال لجعفر ليله من الليالى انى اريد ان ننزل في هذه الليله الى المدينه و نسال عن احوال الحكام و المتولين و كل من شكا منه احد عزلناه فقال جعفر و مسرور نعم،

و ساروا في المدينه و مشوا في الاسواق مروا بزقاق،

فراوا شيخا كبيرا على راسه شبكه و قفه و في يده عصا و هو ما ش على مهله.

ثم ان الخليفه تقدم اليه و قال له يا شيخ ما حرفتك قال يا سيدى صياد و عندى عائله و خرجت من بيتى من نصف النهار الى هذا الوقت و لم يقسم الله لى شيئا اقوت به عيالى و قد كرهت نفسى و تمنيت الموت.

فقال له الخليفه هل لك ان ترجع معنا الى البحر و تقف على شاطئ الدجله و ترمى شبكتك على بختى و كل ما طلع اشتريته منك بمائه دينار.

ففرح الرجل لما سمع هذا الكلام و قال على راسى ارجع معكم.

ثم ان الصياد و رجع الى البحر ورمي شبكته و صبر عليها،

ثم انه جذب الخيط و جر الشبكه اليه فطلع في الشبكه صندوق مقفول ثقيل الوزن فلما نظر الخليفه و جده ثقيلا فاعطي الصياد ما ئه دينار و انصرف و حمل الصندوق مسرور هو وجعفر و طلعا به مع الخليفه الى القصر و اوقد الشموع و الصندوق بين يدى الخليفه فتقدم جعفر و مسرور و كسروا الصندوق فوجدوا فيه قفه خوص محيطه بصوت احمر فقطعوا الخياطه فراوا فيها قطعه بساط فرفعوها فوجدوا تحتها ازار فرفعوا الازار فوجدوا تحتها صبيه كانها سبيكه مقتوله و مقطوعة.

فلما نظرها الخليفه جرت دموعه على خده و التفت الى جعفر و قال: يا كلب الوزراء اتقتل القتلي في زمنى و يرمون في البحر و يصيرون متعلقين بذمتى و الله لابد ان اقتص لهذه الصبيه ممن قتلها و اقتله و قال لجعفر و حق اتصال نسبى بالخلفاء من بنى العباس ان لم تاتينى بالذى قتل هذه لانصفها منه لاصلبنك على باب قصرى انت و اربعين من بنى عمك،

و اغتاظ الخليفة.

فقال جعفر امهلنى ثلاثه ايام قال امهلتك.

ثم خرج جعفر من بين يديه و مشي في المدينه و هو حزين و قال في نفسه من اعرف من قتل هذه الصبيه حتى احضره للخليفه وان احضرت له غيره يصير معلقا بذمتى و لا ادرى ما اصنع.

ثم ان جعفر جلس في بيته ثلاثه ايام و في اليوم الرابع ارسل له الخليفه يطلبه فلما تمثل بين يديه قال له اين قاتل الصبيه قال جعفر يا امير المؤمنين انا اعلم الغيب حتى اعرف قاتلها،

فاغتاظ الخليفه و امر بصلبه على باب قصره و امر مناديا ينادى في شوارع بغداد من اراد الفرجه على صلب جعفر البرمكى و زير الخليفه وصلب اولاد عمه على باب قصر الخليفه ليخرج ليتفرج.

فخرج الناس من كل الحارات ليتفرجوا على صلب جعفر وصلب اولاد عمه و لم يعلموا سبب ذلك ثم امر بنصب الخشب فنصبوه و اوقفهم تحته لاجل الصلب و صاروا ينتظرون الاذن من الخليفه و صار الخلق يتباكون على جعفر و على اولاد عمه.

فبينما هم كذلك و اذا بشاب حسن نقى الاثواب يمشى بين الناس مسرعا الى ان و قف بين يدى الوزير و قال له: سلامتك من هذه الوقفه يا سيد الامراء و كهف الفقراء،

انا الذى قتلت القتيله التى و جدتموها في الصندوق،

فاقتلنى فيها و اقتص مني.

فلما سمع جعفر كلام الشاب و ما ابداه من الخطاب فرح بخلاص نفسه و حزن على الشاب.

فبينما هم في الكلام و اذا بشيخ كبير يفسح الناس و يمشى بينهم بسرعه الى ان وصل الى جعفر و الشاب فسلم عليهما ثم قال ايها الوزير لا تصدق كلام هذا الشاب فانه ما قتل هذه الصبيه الا انا فاقتص لها مني.

فقال الشاب ايها الوزير،

ان هذا الشيخ كبير خرفان لا يدرى ما يقول و انا الذى قتلتها فاقتص مني.

فقال الشيخ،

يا و لدى انت صغير تشتهى الدنيا و انا كبير شبعت من الدنيا و انا افديك و افدى الوزير و بنى عمه و ما قتل الصبيه الا انا،

فبالله عليك ان تعجل بالاقتصاص مني،

فلما نظر الى ذلك الامر تعجب منه و اخذ الشاب و الشيخ و طلع بهما عند الخليفه و قال يا امير المؤمنين قد حضر قاتل الصبيه فقال الخليفه اين هو،

فقال ان هذا الشاب يقول انا القاتل و هذا الشيخ يكذبه و يقول لا بل انا القاتل.

فنظر الخليفه الى الشيخ و الشاب و قال من منكما قتل هذه الصبيه فقال الشاب ما قتلتها الا انا و قال الشيخ ما قتلها الا انا.

فقال الخليفه لجعفر خذ الاثنين و اصلبهما فقال جعفر اذا كان القاتل واحد فقتل الثانى ظلم،

فقال الشاب: و حق من رفع السماء و بسط الارض انى انا الذى قتلت الصبيه و هذه اماره قتلها،

و وصف ما و جده الخليفه فتحقق عند الخليفه ان الشاب هو الذى قتل الصبيه فتعجب الخليفه و قال: و ما سبب اقرارك بالقتل من غير ضرب و قولك اقتصوا لها مني.

فقال الشاب: اعلم يا امير المؤمنين ان هذه الصبيه زوجتى و بنت عمى و هذا الشيخ ابوها و هو عمى و تزوجت بها و هى بكر فرزقنى الله منها ثلاثه اولاد ذكور و كانت تحبنى و تخدمنى و لم ار عليها شيئا،

فلما كان اول هذا الشهر مرضت مرضا شديدا فاحضرت لها الاطباء حتى حصلت لها العافيه فاردت ان ادخلها الحمام فقالت انى اريد شيئا قبل دخول الحمام لانى اشتهيه فقلت لها و ما هو فقالت: انى اشتهى تفاحه اشمها و اعض منها عضة.

فطلعت من ساعتى الى المدينه و فتشت على التفاح و لو كانت الواحده بدينار فلم اجده فبت تلك الليله و انا متفكر فلما اصبح الصباح خرجت من بيتى و درت على البساتين واحد واحد فلم اجده فيها فصادفنى خولى كبير فسالته عن التفاح فقال: يا و لدى هذا شيء قل ان يوجد لانه معدوم و لا يوجد الا في بستان امير المؤمنين الذى في البصره و هو عند خولى يدخره للخليفه فجئت الى زوجتى و قد حملتنى محبتى اياها على ان هيات نفسى و سافرت يوما ليلا و نهارا في الذهاب و الاياب و جئت لها بثلاث تفاحات اشتريتها من خولى البصره بثلاثه دنانير،

ثم انى دخلت و ناولتها اياها فلم تفرح بها بل تركتها في جانبها و كان مرض الحمي قد اشتد بها،

و لم تزل في ضعفها الى ان مضي لها عشره ايام و بعد ذلك عوفيت فخرجت من البيت و ذهبت الى دكانى و جلست في بيعى و شرائي.

فبينما انا جالس في و سط النهار و اذا بعبد اسود مر على و في يده تفاحه يلعب بها فقلت له: من اين هذه التفاحه حتى اخذ مثلها فضحك و قال اخذتها من حبيبتى و انا كنت غائبا و جئت فوجدتها ضعيفه و عندها ثلاث تفاحات فقالت ان زوجى الديوث سافر من شانها الى البصره فاشتراها بثلاثه دنانير فاخذت منها هذه التفاحه فلما سمعت كلام العبد يا امير المؤمنين اسودت الدنيا في و جهى و قفلت دكانى و جئت الى البيت و انا فاقد العقل من شده الغيظ فلم اجد التفاحه الثالثه فقلت لها: اين التفاحه الثالثه فقالت لا ادرى و لا اعرف اين ذهبت.

فتحققت قول العبد و قمت و اخذت سكينا و ركبت على صدرها و نحرتها بالسكين و قطعت راسها و اعضائها و وضعتها في القفه بسرعه و غطيتها بالازار و وضعت عليها شقه بساط و انزلتها في الصندوق و قفلته و حملتها على بغلتى ورميتها في الدجله بيدي.

فبالله عليك يا امير المؤمنين ان تعجل بقتلى قصاصا لها فانى خائف من مطالبتها يوم القيامه فانى لما رميتها في بحر الدجله و لم يعلم بها احد رجعت الى البيت فوجدت و لدى الكبير يبكى و لم يكن له علم بما فعلت في امه.

فقلت له ما يبكيك فقال انى اخذت تفاحه من التفاح الذى عند امى و نزلت بها الى الزقاق العب مع اخوتى و اذا بعبد طويل خطفها منى و قال لى من اين جاءتك هذه فقلت له هذه سافر ابى و جاء بها من البصره من اجل امى و هى ضعيفه و اشتري ثلاث تفاحات بثلاثه دنانير فاخذها منى و ضربنى و راح بها فخفت من امى ان تضربنى من شان التفاحة.

فلما سمعت كلام الولد علمت ان العبد هو الذى افتري الكلام الكذب على بنت عمى و تحققت انها قتلت ظلما ثم انى بكيت بكاء شديدا و اذا بهذا الشيخ و هو عمى و الدها قد اقبل فاخبرته بما كان فجلس بجانبى و بكي و لم نزل نبكى الى نصف الليل و اقمنا العزاء خمسه ايام و لم نزل الى هذا اليوم و نحن نتاسف على قتلها،

فبحرمه اجدادك ان تعجل بقتلى و تقتص مني.

فلما سمع الخليفه كلام الشاب تعجب و قال و الله لا اقتل الا العبدالخبيث ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

  • قصص هاتي زنبورك
901 views

قصص الف ليلة وليلة كاملة