2:41 صباحًا الثلاثاء 20 فبراير، 2018

قصص الف ليلة وليلة كاملة

 

صوره قصص الف ليلة وليلة كاملة

حكايات ألملك شهريار و أخيه ألملك شاه زمان[عدل] ..
حكى و الله أعلم أنه كَان فيما مضي مِن قديم ألزمان و سالف ألعصر و ألاوان ملك مِن ملوك ساسان بمغرب ألهند و ألسند صاحب جند و أعوان و خدم و حشم لَه و لدان أحدهما كبير و ألاخر صغير،
وفى يوم مِن ألايام أشتاق ألكبير ألي أخيه ألصغير فامر و زيره أن يسافر أليه و يحضر بِه فاجابه بالسمع و ألطاعه و سافر حتي و صل بالسلامه و دخل علي أخيه و بلغه ألسلام و أعلمه أن أخاه مشتاق أليه و قصده أن يزوره فاجابه بالسمع و ألطاعه و تجهز و أخرج خيامه و بغاله و خدمه و أعوانه و أقام و زيره حاكَما في بلاده و خرج طالبا بلاد أخيه.
فلما كَان في نصف ألليل تذكر حاجه نسيها في قصره فرجع و دخل قصره فوجد زوجته راقده في فراشه معانقه عبدا أسود مِن ألعبيد فلما راي هَذا أسودت ألدنيا في و جهه و قال في نفْسه: أذا كَان هَذا ألامر قَد و قع و أنا ما فارقت ألمدينه فكيف حال هَذه ألعاهره أذا غبت عِند أخى مده ثُم أنه سل سيفه و ضرب ألاثنين فقتلهما في ألفراش و رجع مِن و قته و ساعته و سار ألي أن و صل ألي مدينه أخيه ففرح أخوه بقدومه ثُم خرج أليه و لاقاه و سلم عَليه و ألاخر صغير و كَانا بطلين و كَان ألكبير أفرس مِن ألصغير و قَد ملك ألبلاد و حكم بالعدل بَين ألعباد و أحبه أهل بلاده و مملكته و كَان أسمه ألملك شهريار و كَان أخوه ألصغير أسمه ألملك شاه زمان و كَان ملك سمرقند ألعجم و لَم يزل ألامر مستقيما في بلادهما و كُل و أحد مِنهما في مملكته حاكم عادل في رعيته مده عشرين سنه و هُم في غايه ألبسط و ألانشراح.
لم يزالا علي هَذه ألحاله ألي أن أففرح بِه غايه ألفرح و زين لَه ألمدينه و جلس معه يتحدث بانشراح فتذكر ألملك شاه زمان ما كَان مِن أمر زوجته فحصل عنده غم زائد و أصفر لونه و ضعف جسمه فلما راه أخوه علي هَذه ألحاله ظن في نفْسه أن ذَلِك بسَبب مفارقته بلاده و ملكه فترك سبيله و لَم يسال عَن ذَلك.
ثم أنه قال لَه في بَعض ألايام: يا أخى أنا في باطنى جرح و لَم يخبره بما راي مِن زوجته فقال: أنى أريد أن تسافر معى ألي ألصيد و ألقنص لعله ينشرح صدرك فابي ذَلِك فسافر أخوه و حده ألي ألصيد.
وكان في قصر ألملك شبابيك تطل علي بستان أخيه فنظروا و أذا بباب ألقصر قَد فَتح و خرج مِنه عشرون جاريه و عشرون عبدا و أمراه أخيه تمشى بينهم و هى غايه في ألحسن و ألجمال حتي و صلوا ألي فسقيه و خلعوا ثيابهم و جلسوا مَع بَعضهم و أذا بامراه ألملك قالت: يا مسعود فجاءها عبد أسود فعانقها و عانقته و واقعها و كذلِك باقى ألعبيد فعلوا بالجوارى و لَم يزالوا في بوس و عناق و نحو ذَلِك حتي و لي ألنهار.
فلما راي أخو ألملك فقال: و الله أن بليتى أخف مِن هَذه ألبليه و قَد هان ما عنده مِن ألقهر و ألغم و قال: هَذا أعظم مما جري لى و لَم يزل في أكل و شرب.
وبعد هَذا جاءَ أخوه مِن ألسفر فسلما علي بَعضهما و نظر ألملك شهريار ألي أخيه ألملك شاه زمان و قَد رد لونه و أحمر و جهه و صار ياكل بشهيه بَعدما كَان قلِيل ألاكل فتعجب مِن ذَلِك و قال: يا أخى كنت أراك مصفر ألوجه و ألان قَد رد أليك لونك فاخبرنى بحالك فقال له: أما تغير لونى فاذكره لك و أعف عنى أخبارك برد لونى فقال له: أخبرنى أولا بتغير لونك و ضعفك حتي أسمعه.
فقال له: يا أخى أنك لما أرسلت و زيرك ألى يطلبنى للحضور بَين يديك جهزت حالى و قَد بررت مِن مدينتى ثُم أنى تذكرت ألخرزه ألتى أعطيتها لك في قصرى فرجعت فوجدت زوجتى معها عبد أسود و هُو نائم في فراشى فقتلتهما و جئت عليك و أنا متفكر في هَذا ألامر فهَذا سَبب تغير لونى و ضعفى و أما رد لونى فاعف عنى مِن أن أذكره لك.
فلما سمع أخوه كلامه قال له: أقسمت عليك بالله أن تخبرنى بسَبب رد لونك فاعاد عَليه كُل ما راه فقال شهريار لاخيه شاه زمان: أجعل أنك مسافر للصيد و ألقنص و أختف عندى و أنت تشاهد ذَلِك و تحققه عيناك فنادي ألملك مِن ساعته بالسفر فخرجت ألعساكر و ألخيام ألي ظاهر ألمدينه و خرج ألملك ثُم أنه جلس في ألخيام و قال لغلمانه لا يدخل علَى أحد ثُم أنه تنكر و خرج مختفيا ألي ألقصر ألذى فيه أخوه و جلس في ألشباك ألمطل علي ألبستان ساعه مِن ألزمان و أذا بالجوارى و سيدتهم دخلوا مَع ألعبيد و فعلوا كَما قال أخوه و أستمروا كذلِك ألي ألعصر.
فلما راي ألملك شهريار ذَلِك ألامر طار عقله مِن راسه و قال لاخيه شاه زمان: قم بنا نسافر ألي حال سبيلنا و ليس لنا حاجه بالملك حتي ننظر هَل جري لاحد مِثلنا أو لا فيَكون موتنا خير مِن حياتنا فاجابه لذلك.
ثم أنهما خرجا مِن باب سرى في ألقصر و لَم يزالا مسافرين أياما و ليالى ألي أن و صلا ألي شجره في و سط مرج عندها عين بجانب ألبحر ألمالح فشربا مِن تلك ألعين و جلسا يستريحان.
فلما كَان بَعد ساعه مضت مِن ألنهار و أذا هُم بالبحر قَد هاج و طلع مِنه عمود أسود صاعد ألي ألسماءَ و هُو قاصد تلك ألمرجه .
فلما رايا ذَلِك خافا و طلعا ألي أعلي ألشجره و كَانت عاليه و صارا ينظران ماذَا يَكون ألخبر و أذا بجنى طويل ألقامه عريض ألهامه و أسع ألصدر علي راسه صندوق فطلع ألي ألبر و أتي ألشجره ألتى هما فَوقها و جلس تَحْتها و فَتح ألصندوق و أخرج مِنه علبه ثُم فَتحها فخرجت مِنها صبيه بهيه كَأنها ألشمس ألمضيئه كَما قال ألشاعر:

اشرقت في ألدجي فلاح ألنهار و أستنارت بنورها ألاسحار
تسجد ألكائنات بَين يديها حين تبدو و تهتك ألاستار

واذا أومضت بروق حماها هطلت بالمدامع ألامطار
قال: فلما نظر أليها ألجنى قال: يا سيده ألحرائر ألتى قَد أختطفتك ليله عرسك أريد أن أنام قلِيلا ثُم أن ألجنى و ضَع راسه علي ركبتيها و نام فرفعت راسها ألي أعلي ألشجره فرات ألملكين و هما فَوق تلك ألشجره فرفعت راس ألجنى مِن فَوق ركبتيها و وَضعته علي ألارض و وقفت تَحْت ألشجره و قالت لهما بالاشاره أنزلا و لا تخافا مِن هَذا ألعفريت فقالا لها: بالله عليك أن تسامحينا مِن هَذا ألامر فقالت لهما بالله عليكَما أن تنزلا و ألا نبهت عليكَما ألعفريت فيقتلكَما شر قتله فخافا و نزلا أليها فقامت لهما و قالت أرصعا رصعا عنيفا و ألا أنبه عليكَما ألعفريت فمن خوفهما قال ألملك شهريار لاخيه ألملك شاه زمان: يا أخى أفعل ما أمرتك بِه فقال: لا أفعل حتي تفعل أنت قَبلى و أخذا يتغامزان علي نكاحها فقالت لهما ما أراكَما تتغامزان فإن لَم تتقدما و تفعلا و ألا نبهت عليكَما ألعفريت فمن خوفهما مِن ألجنى فعلا ما أمرتهما بِه فلما فرغا قالت لهما أقفا و أخرجت لهما مِن جيبها كيسا و أخرجت لهما مِنه عقدا فيه خمسمائه و سبعون خاتما فقالت لهما: أتدرون ما هَذه فقالا لها: لا ندرى فقالت لهما أصحاب هَذه ألخواتم كلهم كَانوا يفعلون بى علي غفله قرن هَذا ألعفريت فاعطيانى خاتميكَما أنتما ألاثنان ألاخران فاعطاها مِن يديهما خاتمين فقالت لهما أن هَذا ألعفريت قَد أختطفنى ليله عرسى ثُم أنه و ضعنى في علبه و جعل ألعلبه داخِل ألصندوق و رمي علي ألصندوق سبعه أقفال و جعلنى في قاع ألبحر ألعجاج ألمتلاطم بالامواج و يعلم أن ألمراه منا أذا أرادت أمر لَم يغلبها شيء كَما قال بَعضهم:

لا تامنن ألي ألنساءَ و لا تثق بعهودهن
فرضاؤهن و سخطهن معلق بفروجهن

يبدين و دا كاذبا و ألغدر حشو ثيابهن

بحديث يوسف فاعتبر متحذرا مِن كيدهن

او ما تري أبليس أخرج أدما مِن أجلهن
فلما سمعا مِنها هَذا ألكلام تعجبا غايه ألعجب و قالا لبعضهما: أذا كَان هَذا عفريتا و جري لَه أعظم مما جري لنا فهَذا شيء يسلينا.
ثم أنهما أنصرفا مِن ساعتهما و رجعا ألي مدينه ألملك شهريار و دخلا قصره.
ثم أنه رمي عنق زوجته و كذلِك أعناق ألجوارى و ألعبيد و صار ألملك شهريار كلما ياخذَ بنتا بكرا يزيل بكارتها و يقتلها مِن ليلتها و لَم يزل علي ذَلِك مده ثلاث سنوات فضجت ألناس و هربت ببناتها و لَم يبق في تلك ألمدينه بنت تتحمل ألوطء.
ثم أن ألملك أمر ألوزير أن ياتيه بنت علي جرى عادته فخرج ألوزير و فتش فلم يجد بنتا فتوجه ألي منزله و هُو غضبان مقهور خائف علي نفْسه مِن ألملك.

وكان ألوزير لَه بنتان ذَاتا حسن و جمال و بهاءَ و قَد و أعتدال ألكبيره أسمها شهرزاد و ألصغيره أسمها دنيازاد و كَانت ألكبيره قَد قرات ألكتب و ألتواريخ و سير ألملوك ألمتقدمين و أخبار ألامم ألماضيين.
قيل أنها جمعت ألف كتاب مِن كتب ألتواريخ ألمتعلقه بالامم ألسالفه و ألملوك ألخاليه و ألشعراءَ فقالت لابيها: مالى أراك متغيرا حامل ألهم و ألاحزان و قَد قال بَعضهم في ألمعني شعرا:

قل لمن يحمل هما أن هما لا يدوم

مثل ما يفني ألسرور هكذا تفني ألهموم
فلما سمع ألوزير مِن أبنته هَذا ألكلام حكي لَها ما جري لَه مِن ألاول ألي ألاخر مَع ألملك فقالت له: بالله يا أبت زوجنى هَذا ألملك فاما أن أعيش و أما أن أكون فداءَ لبنات ألمسلمين و سَببا لخلاصهن مِن بَين يديه فقال لها: بالله عليك لا تخاطرى بنفسك أبدا فقالت له: لا بد مِن ذَلِك فقال: أخشي عليك أن يحصل لك ما حصل للحمار و ألثور مَع صاحب ألزرع فقالت له: و ما ألذى جري لهما يا أبت؟

حكايه ألحمار و ألثور مَع صاحب ألزرع[عدل] قال: أعلمى يا أبنتى أنه كَان لاحد ألتجاراموال و مواش و كَان لَه زوجه و أولاد و كَان الله تعالي أعطاه معرفه ألسن ألحيوانات و ألطير و كَان مسكن ذَلِك ألتاجر ألارياف و كَان عنده في داره حمار و ثور فاتي يوما ألثور ألي مكان ألحمار فوجده مكنوسا مرشوشا و في معلفه شعير مغربل و تبن مغربل و هُو راقد مستريح و في بَعض ألاوقات ركبه صاحبه لحاجه تعرض لَه و يرجع علي حاله فلما كَان في بَعض ألايام سمع ألتاجر ألثور و هُو يقول للحمار: هنيئا لك ذَلِك أنا تعبان و أنت مستريح تاكل ألشعير مغربلا و يخدمونك و في بَعض ألاوقات يركبك صاحبك و يرجع و أنا دائما للحرث.
فقال لَه ألحمار: أذا خرجت ألي ألغيط و وَضعوا علي رقبتك ألناف فارقد و لا تقم و لَو ضربوك فإن قمت فارقد ثانيا فاذا رجعوا بك و وَضعوا لك ألفول فلا تاكله كَانك ضعيف و أمتنع عَن ألاكل و ألشرب يوما أو يومين أو ثلاثه فانك تستريح مِن ألتعب و ألجهد و كَان ألتاجر يسمع كلامهما فلما جاءَ ألسواق ألي ألثور بعلفه أكل مِنه شيئا يسيرا فاصبح ألسواق ياخذَ ألثور ألي ألحرث فوجده ضعيفا فقال لَه ألتاجر: خذَ ألحمار و حرثه مكانه أليوم كله فلما رجع أخر ألنهار شكره ألثور علي تفضلاته حين أراحه مِن ألتعب في ذَلِك أليوم فلم يرد عَليه ألحمار جوابا و ندم أشد ألندامه فلما رجع كَان ثانى يوم جاءَ ألمزارع و أخذَ ألحمار و حرثه ألي أخر ألنهار فلم يرجع ألا مسلوخ ألرقبه شديد ألضعف فتامله ألثور و شكره و مجده فقال لَه ألحمار: أعلم أنى لك ناصح و قَد سمعت صاحبنا يقول: أن لَم يقم ألثور مِن موضعه فاعطوه للجزار ليذبحه و يعمل جلده قطعا و أنا خائف عليك و نصحتك و ألسلام.
فلما سمع ألثور كلام ألحمار شكره و قال في غد أسرح معهم ثُم أن ألثور أكل علفه بتمامه حتي لحس ألمذود بلسانه كُل ذَلِك و صاحبهما يسمع كلامهما فلما طلع ألنهار و خرج ألتاجر و زوجه ألي دار ألبقر و جلسا فجاءَ ألسواق و أخذَ ألثور و خرج فلما راي ألثور صاحبه حرك ذَنبه و ظرط و برطع فضحك ألتاجر حتي أستلقي علي قفاه.
فقالت لَه زوجته: مِن أى شيء تضحك فقال لها: شيء رايته و سمعته و لا أقدر أن أبيح بِه فاموت فقالت له: لا بد أن تخبرنى بذلِك و ما سَبب ضحكك و لَو كنت تموت فقال لها: ما أقدر أن أبوح بِه خوفا مِن ألموت فقالت له: أنت لَم تضحك ألا علي.
ثم أنها لَم تزل تلح عَليه و تلح في ألكلام ألي أن غلبت عَليه فَتحير أحضر أولاده و أرسل أحضر ألقاضى و ألشهود و أراد أن يوصى ثُم يبوح لَها بالسر و يموت لانه كَان يحبها محبه عظيمه لأنها بنت عمه و أم أولاده و كَان ثُم أنه أرسل و أحضر كُل أهلها و أهل جارته و قال لَهُم حكايته و أنه متي قال لاحد علي سره مات فقال لَها كُل ألناس ممن حضر: بالله عليك أتركى هَذا ألامر لئلا يموت زوجك أبو أولادك فقالت لهم: لا أرجع عنه حتي يقول لى و لَو يموت.
فسكتوا عنها.
ثم أن ألتاجر قام مِن عندهم و توجه ألي دار ألدواب ليتوضا ثُم يرجع يقول لَهُم و يموت.
وكان عنده ديك تَحْته خمسون دجاجه و كَان عنده كلب فسمع ألتاجر ألكلب و هُو ينادى ألديك و يسبه و يقول له: أنت فرحان و صاحبنا رايح يموت فقال ألديك للكلب: و كَيف ذَلِك ألامر فاعاد ألكلب عَليه ألقصه فقال لَه ألديك: و الله أن صاحبنا قلِيل ألعقل.
انا لى خمسون زوجه أرضى هَذه و أغضب هَذه و هُو ما لَه ألا زوجه و أحده و لا يعرف صلاح أمَره معها فما لَه لا ياخذَ لَها بَعضا مِن عيدان ألتوت ثُم يدخل ألي حجرتها و يضربها حتي تموت أو تتوب و لا تعود تساله عَن شيء.
قال: فلما سمع ألتاجر كلام ألديك و هُو يخاطب ألكلب رجع ألي عقله و عزم علي ضربها ثُم قال ألوزير لابنته شهرزاد ربما فعل بك مِثل ما فعل ألتاجر بزوجته فقالت له: ما فعل قال: دخل عَليها ألحجره بَعدما قطع لَها عيدان ألتوت و خباها داخِل ألحجره و قال لها: تعالى داخِل ألحجره حتي أقول لك و لا ينظرنى أحد ثُم أموت فدخلت معه ثُم أنه قفل باب ألحجره عَليهما و نزل عَليها بالضرب ألي أن أغمى عَليها فقالت له: تبت ثُم أنها قَبلت يديه و رجليه و تابت و خرجت و أياه و فرح ألجماعه و أهلها و قعدوا في أسر ألاحوال ألي ألممات.
فلما سمعت أبنه ألوزير مقاله أبيها قالت له: لا بد مِن ذَلِك فجهزها و طلع ألي ألملك شهريار و كَانت قَد أوصت أختها ألصغيره و قالت لها: أذا توجهت ألي ألملك أرسلت أطلبك فاذا جئت عندى و رايت ألملك قضي حاجته منى قولى يا أختى حدثينا حديثا غريبا نقطع بِه ألسهر و أنا أحدثك حديثا يَكون فيه ألخلاص أن شاءَ ألله.
ثم أن أباها ألوزير طلع بها ألي ألملك فلما راه فرح و قال: أتيت بحاجتى فقال: نعم فلما أراد أن يدخل عَليها بكت فقال لها: ما بك فقالت: أيها ألملك أن لى أختا صغيره أريد أن أودعها فارسلها ألملك أليها فجاءت ألي أختها و عانقتها و جلست تَحْت ألسرير فقام ألملك و أخذَ بكارتها ثُم جلسوا يتحدثون فقالت لَها أختها ألصغيره : بالله عليك يا أختى حدثينا حديثا نقطع بِه سهر ليلتنا فقالت: حبا و كرامه أن أذن ألملك ألمهذب فلما سمع ذَلِك ألكلام و كَان بِه قلق ففرح بسماع ألحديث.

حكايه ألتاجر مَع ألعفريت[عدل] ففى ألليله ألاولي قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أنه كَان تاجر مِن ألتجار كثِير ألمال و ألمعاملات في ألبلاد قَد ركب يوما و خرج يطالب في بَعض ألبلاد فاشتد عَليه ألحر فجلس تَحْت شجره و حط يده في خرجه و أكل كسره كَانت معه و تمَره فلما فرغ مِن أكل ألتمَره رمي ألنواه و أذا هُو بعفريت طويل ألقامه و بيده سيف فدنا مِن ذَلِك ألتاجر و قال له: قم حتي أقتلك مِثل ما قتلت و لدى فقال لَه ألتاجر: كَيف قتلت و لدك قال له: لما أكلت ألتمَره و رميت نواتها جاءت ألنواه في صدر و لدى فقضى عَليه و مات مِن ساعته فقال ألتاجر للعفريت: أعلم أيها ألعفريت أنى علي دين و لى مال كثِير و أولاد و زوجه و عندى رهون فدعنى أذهب ألي بيتى و أعطى كُل ذَى حق حقه ثُم أعود أليك و لك علَى عهد و ميثاق أنى أعود أليك فتفعل بى ما تُريد و الله علي ما أقول و كيل.
فاستوثق مِنه ألجنى و أطلقه فرجع ألي بلده و قضي كُل تعلقاته و أوصل ألحقوق ألي أهلها و أعلم زوجته و أولاده بما جري لَه فبكوا و كذلِك كُل أهله و نساءه و أولاده و أوصي و قعد عندهم ألي تمام ألسنه ثُم توجه و أخذَ كفنه تَحْت أبطه و ودع أهله و جيرانه و جميع أهله و خرج رغما عَن أنفه و أقيم عَليه ألعياط و ألصراخ فمشي ألي أن و صل ألي ذَلِك ألبستان و كَان ذَلِك أليوم أول ألسنه ألجديده فبينما هُو جالس يبكى علي ما يحصل لَه و أذا بشيخ كبير قَد أقبل عَليه و معه غزاله مسلسله فسلم علي هَذا ألتاجر و حياه و قال له: ما سَبب جلوسك في هَذا ألمكان و أنت منفرد و هُو ماوي ألجن فاخبره ألتاجر بما جري لَه مَع ذَلِك ألعفريت و بسَبب قعوده في هَذا ألمكان فتعجب ألشيخ صاحب ألغزاله و قال: و الله يا أخى ما دينك ألا دين عظيم و حكايتك حكايه عجيبه لَو كتبت بالابر علي أفاق ألبصر لكَانت عبره لمن أعتبر ثُم أنه جلس بجانبه و قال و الله يا أخى لا أبرح مِن عندك حتي أنظر ما يجرى لك مَع ذَلِك ألعفريت ثُم أنه جلس عنده يتحدث معه فغشى علي ذَلِك ألتاجر و حصل لَه ألخوف و ألفزع و ألغم ألشديد و ألفكر ألمزيد و صاحب ألغزاله بجانبه فاذا بشيخ ثان قَد أقبل عَليهما و معه كلبتان سلاقيتان مِن ألكلاب ألسود.
فسالهما بَعد ألسلام عَليهما عَن سَبب جلوسهما في هَذا ألمكان و هُو ماوي ألجان فاخبراه بالقصه مِن أولها ألي أخرها فلم يستقر بِه ألجلوس حتي أقبل عَليهم شيخ ثالث و معه بغله زرزوريه فسلم عَليهم و سالهم عَن سَبب جلوسهم في هَذا ألمكان فاخبروه بالقصه مِن أولها ألي أخرها و بينما كذلِك أذا بغبره هاجت و زوبعه عظيمه قَد أقبلت مِن و سط تلك ألبريه فانكشفت ألغبره و أذا بذلِك ألجنى و بيده سيف مسلول و عيونه ترمى بالشرر فاتاهم و جذب ذَلِك ألتاجر مِن بينهم و قال له: قم أقتلك مِثل ما قتلت و لدى و حشاشه كبدى فانتحب ذَلِك ألتاجر و بكي و أعلن ألثلاثه شيوخ بالبكاءَ و ألعويل و ألنحيب فانتبه مِنهم ألشيخ ألاول و هُو صاحب ألغزاله و قَبل يد ذَلِك ألعفريت و قال له: يا أيها ألجنى و تاج ملوك ألجان أذا حكيت لك حكايتى مَع هَذه ألغزاله و رايتها عجيبه أتهب لى ثلث دم هَذا ألتاجر قال: نعم.
يا أيها ألشيخ أذا أنت حكيت لى ألحكايه و رايتها عجيبه و هبت لك ثلث دمه فقال ذَلِك ألشيخ ألاول: أعلم يا أيها ألعفريت أن هَذه ألغزاله هى بنت عمى و مِن لحمى و دمى و كنت تزوجت بها و هى صغيره ألسن و أقمت معها نحو ثلاثين سنه فلم أرزق مِنها بولد فاخذت لى سريه فرزقت مِنها بولد ذَكر كَانه ألبدر أذا بدا بعينين مليحتين و حاجبين مزججين و أعضاءَ كامله فكبر شيئا فشيئا ألي أن صار أبن خمس عشره سنه فطرات لى سفره ألي بَعض ألمدائن فسافرت بمتجر عظيم و كَانت بنت عمى هَذه ألغزاله تعلمت ألسحر و ألكهانه مِن صغرها فسحرت ذَلِك ألولد عجلا و سحرت ألجاريه أمه بقره و سلمتها ألي ألراعى ثُم جئت أنا بَعد مده طويله مِن ألسفر فسالت عَن و لدى و عَن أمه فقالت لى جاريتك ماتت و أبنك هرب و لَم أعلم أين راح فجلست مده سنه و أنا حزين ألقلب باكى ألعين ألي أن جاءَ عيد ألضحيه فارسلت ألي ألراعى أن يخصنى ببقره سمينه و هى سريتى ألتى سحرتها تلك ألغزاله فشمرت ثيابى و أخذت ألسكين بيدى و تهيات لذبحها فصاحت و بكت بكاءَ شديدا فقمت عنها و أمرت ذَلِك ألراعى فذبحها و سلخها فلم يجد فيها شحما و لا لحما غَير جلد و عظم فندمت علي ذَبحها حيثُ لا ينفعنى ألندم و أعطيتها للراعى و قلت له: أئتنى بعجل سمين فاتانى بولدى ألمسحور عجلا فلما رانى ذَلِك ألعجل قطع حبله و جاءنى و تمرغ علَى و ولول و بكي فاخذتنى ألرافه عَليه و قلت للراعى أئتنى ببقره و دع هذا.
وادرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.
فقالت لَها أختها: ما أطيب حديثك و ألطفه و ألذه و أعذبه فقالت: و أين هَذا مما أحدثكم بِه ألليله ألقابله أن عشت و أبقانى ألملك فقال ألملك في نفْسه: و الله ما أقتلها حتي أسمع بقيه حديثها ثُم أنهم باتوا تلك ألليله ألي ألصباح متعانقين فخرج ألملك ألي محل حكمه و طلع ألوزير بالكفن تَحْت أبطه ثُم حكم ألملك و ولى و عزل ألي أخر ألنهار و لَم يخبر ألوزير بشيء مِن ذَلِك فتعجب ألوزير غايه ألعجب ثُم أنفض ألديوان و دخل ألملك شهريار قصره.

و في ألليله ألثانيه قالت دنيازاد لاختها شهرزاد: يا أختى أتممى لنا حديثك ألذى هُو حديث ألتاجر و ألجني.
قالت حبا و كرامه أن أذن لى ألملك في ذَلِك فقال لَها ألملك: أحكى فقالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد ذَُو ألراى ألرشيد أنه لما راي بكاءَ ألعجل حن قلبه أليه و قال للراعي: أبق هَذا ألعجل بَين ألبهائم.
كل ذَلِك و ألجنى يتعجب مِن حكايه ذَلِك ألكلام ألعجيب ثُم قال صاحب ألغزاله : يا سيد ملوك ألجان كُل ذَلِك جري و أبنه عمى هَذه ألغزاله تنظر و تري و تقول أذبح هَذا ألعجل فانه سمين فلم يهن علَى أن أذبحه و أمرت ألراعى أن ياخذه و توجه بِه ففى ثانى يوم و أنا جالس و أذا بالراعى أقبل علَى و قال: يا سيدى أنى أقول شيئا تسر بِه و لى ألبشاره .
فقلت: نعم فقال: أيها ألتاجر أن لى بنتا كَانت تعلمت ألسحر في صغرها مِن أمراه عجوز كَانت عندنا فلما كنا بالامس و أعطيتنى ألعجل دخلت بِه عَليها فنظرت أليه أبنتى و غطت و جهها و بكت ثُم أنها ضحكت و قالت: يا أبى قَد خس قدرى عندك حتي تدخل علَى ألرجال ألاجانب.
فقلت لها: و أين ألرجال ألاجانب و لماذَا بكيت و ضحكت فقالت لى أن هَذا ألعجل ألذى معك أبن سيدى ألتاجر و لكِنه مسحور و سحرته زوجه أبيه هُو و أمه فهَذا سَبب ضحكى و أما سَبب بكائى فمن أجل أمه حيثُ ذَبحها أبوه فتعجبت مِن ذَلِك غايه ألعجب و ما صدقت بطلوع ألصباح حتي جئت أليك لاعلمك فلما سمعت أيها ألجنى كلام هَذا ألراعى خرجت معه و أنا سكران مِن غَير مدام مِن كثره ألفرح و ألسرور و ألذى حصل لى ألي أن أتيت ألي داره فرحبت بى أبنه ألراعى و قَبلت يدى ثُم أن ألعجل جاءَ ألى و تمرغ علَى فقلت لابنه ألراعي: أحق ما تقولينه عَن ذَلِك ألعجل فقالت: نعم يا سيدى أيه أبنك و حشاشه كبدك فقلت لها: أيها ألصبيه أن أنت خلصتيه فلك عندى ما تَحْت يد أبيك مِن ألمواشى و ألاموال فتبسمت و قالت: يا سيدى ليس لى رغبه في ألمال ألا بشرطين: ألاول: أن تزوجنى بِه و ألثاني: أن أسر مِن سحرته و أحبسها و ألا فلست أمن مكرها فلما سمعت أيها ألجنى كلام بنت ألراعى قلت و لك فَوق كُل ما تَحْت يد أبيك مِن ألاموال زياده و أما بنت عمى فدمها لك مباح.
فلما سمعت كلامى أخذت طاسه و ملاتها ماءَ ثُم أنها عزمت عَليها و رشت بها ألعجل و قالت: أن كَان الله خلقك عجلا فدم علي هَذه ألصفه و لا تتغير و أن كنت مسحورا فعد ألي خلقتك ألاولي باذن الله تعالي و أذا بِه أنتفض ثُم صار أنسانا فَوقعت عَليه و قلت له: بالله عليك أحك لى كُل ما صنعت بك و بامك بنت عمى فحكي لى كُل ما جري لهما فقلت: يا و لدى قَد قيض الله لك مِن خلصك و خلص حقك ثُم أنى أيها ألجنى زوجته أبنه ألراعى ثُم أنها سحرت أبنه عمى هَذه ألغزاله و جئت ألي هُنا فرايت هؤلاءَ ألجماعه فسالتهم عَن حالهم فاخبرونى بما جري لهَذا ألتاجر فجلست لانظر ما يَكون و هَذا حديثى فقال ألجني: هَذا حديث عجيب و قَد و هبت لك ثلث دمه فعِند ذَلِك تقدم ألشيخ صاحب ألكلبتين ألسلاقيتين و قال له: أعلم يا سيد ملوك ألجان أن هاتين ألكلبتين أخوتى و أنا ثالثهم و مات و ألدى و خَلف لنا ثلاثه ألاف دينار ففتحت دكانا أبيع فيه و أشترى و سافر أخى بتجارته و غاب عنا مده سنه مَع ألقوافل ثُم أتي و ما معه شيء فقلت له: يا أخى أما أشرت عليك بَعدَم ألسفر فبكي و قال: يا أخى قدر الله عز و جل علَى بهَذا و لَم يبق لهَذا ألكلام فائده و لست أملك شيئا فاخذته و طلعت بِه ألي ألدكان ثُم ذَهبت بِه ألي ألحمام و ألبسته حله مِن ألملابس ألفاخره و أكلت أنا و أياه و قلت له: يا أخى أنى أحسب ربح دكانى مِن ألسنه ألي ألسنه ثُم أقسمه دون راس ألمال بينى و بينك ثُم أنى عملت حساب ألدكان مِن بربح مالى فوجدته ألفى دينار فحمدت الله عز و جل و فرحت غايه ألفرح و قسمت ألربح بينى و بينه شطرين و أقمنا مَع بَعضنا أياما ثُم أن أخوتى طلبوا ألسفر أيضا و أرادوا أن أسافر معهم فلم أرض و قلت لهم: أى شيء كسبتم مِن سفركم حتي أكسب أنا فالحوا علَى و لَم أطعهم بل أقمنا في دكاكيننا نبيع و نشترى سنه كامله و هُم يعرضون علَى ألسفر و أنا لَم أرض حتي مضت ست سنوات كوامل.

ثم و أفقتهم علي ألسفر و قلت لهم: يا أخوتى أننا نحسب ما عندنا مِن ألمال فحسبناه فاذا هُو سته ألاف دينار فقلت: ندفن نصفها تَحْت ألارض لينفعا أذا أصابنا أمر و ياخذَ كُل و أحد منا ألف دينار و نتسَبب فيها قالوا: نعم ألراى فاخذت ألمال و قسمته نصفين و دفنت ثلاثه ألاف دينار.
واما ألثلاثه ألاف ألاخري فاعطيت كُل و أحد مِنهم ألف دينار و جهزنا بضائع و أكترينا مركبا و نقلنا فيها حوائجنا و سافرنا مده شهر كامل ألي أن دخلنا مدينه و بعنا بضائعنا فربحنا في ألدينار عشره دنانير ثُم أردنا ألسفر فوجدنا علي شاطئ ألبحر جاريه عَليها خلق مقطع فقبلت يدى و قالت: يا سيدى هَل عندك أحسان و معروف أجازيك عَليهما قلت: نعم أن عندى ألاحسان و ألمعروف و لَو لَم تجازينى فقالت: يا سيدى تزوجنى و خذنى ألي بلادك فانى قَد و هبتك نفْسى فافعل معى معروفا لانى ممن يصنع معه ألمعروف و ألاحسان و يجازى عَليهما و لا يغرنك حالي.
فلما سمعت كلامها حن قلبى أليها لامر يُريده الله عز و جل فاخذتها و كسوتها و فرشت لَها في ألمركب فرشا حسنا و أقبلت عَليها و أكرمتها ثُم سافرنا و قَد أحبها قلبى محبه عظيمه و صرت لا أفارقها ليلا و لا نهارا أو أشتغلت بها عَن أخوتى فغاروا منى و حسدونى علي مالى و كثرت بضاعتى و طمحت عيونهم في ألمال جميعه و تحدثوا بقتلى و أخذَ مالى و قالوا: نقتل أخانا و يصير ألمال جميعه لنا و زين لَهُم ألشيطان أعمالهم فجاؤونى و أنا نائم بجانب زوجتى و رمونى في ألبحر فلما أستيقظت زوجتى أنتفضت فصارت عفريته و حملتنى و أطلعتنى علي جزيره و غابت عنى قلِيلا و عادت ألى عِند ألصباح و قالت لي: أنا زوجتك ألتى حملتك و نجيتك مِن ألقتل باذن الله تعالي و أعلم أنى جنيه رايتك فحبك قلبى و أنا مؤمنه بالله و رسوله فجئتك بالحال ألذى رايتنى فيه فتزوجت بى و ها أنا قَد نجيتك مِن ألغرق و قَد غضبت علي أخوتك و لا بد أن أقتلهم.
فلما سمعت حكايتها تعجبت و شكرتها علي فعلها و قلت لَها أما هلاك أخوتى فلا ينبغى ثُم حكيت لَها ما جري لى معهم مِن أول ألزمان ألي أخره.
فلما سمعت كلامى قالت: أنا في هَذه ألليله أطير أليهم و أغرق مراكبهم و أهلكهم فقلت لها: بالله لا تفعلى فإن صاحب ألمثل يقول: يا محسنا لمن أساءَ كفى ألمسيء فعله و هُم أخوتى علي كُل حال قالت لا بد مِن قتلهم فاستعطفتها ثُم أنها حملتنى و طارت فوضعتنى علي سطح دارى ففتحت ألابواب و أخرجت ألذى خباته تَحْت ألارض و فَتحت دكانى بَعد ما سلمت علي ألناس و أشتريت بضائع فلما كَان ألليل دخلت دارى فوجدت هاتين ألكلبتين مربوطتين فيها فلما رايانى قاما ألى و بكيا و تعلقا بى فلم أشعر ألا و زوجتى قالت هؤلاءَ أخوتك فقلت مِن فعل بهم هَذا ألفعل قالت أنا أرسلت ألي أختى ففعلت بهم ذَلِك و ما يتخلصون ألا بَعد عشر سنوات فجئت و أنا سائر أليها تخلصهم بَعد أقامتهم عشر سنوات في هَذا ألحال فرايت هَذا ألفتي قال ألجني: أنها حكايه عجيبه و قَد و هبت لك ثلث دمه في جنايته فعِند ذَلِك تقدم ألشيخ ألثالث صاحب ألبغله و قال للجنى أنا أحكى لك حكايه أعجب مِن حكايه ألاثنين و تهب لى باقى دمه و جنايته فقال ألجنى نعم فقال ألشيخ أيها ألسلطان و رئيس ألجان أن هَذه ألبغله كَانت زوجتى سافرت و غبت عنها سنه كامله ثُم قضيت سفرى و جئت أليها في ألليل فرايت عبد أسود راقد معها في ألفراش و هما في كلام و غنج و ضحك و تقبيل و هراش فلما راتنى عجلت و قامت ألى بكوز فيه ماءَ فتكلمت عَليه و رشتنى و قالت أخرج مِن هَذه ألصوره ألي صوره كلب فصرت في ألحال كلبا فطردتنى مِن ألبيت فخرجت مِن ألباب و لَم أزل سائرا حتي و صلت دكان جزار فتقدمت و صرت أكل مِن ألعظام.
فلما رانى صاحب ألدكان أخذنى و دخل بى بيته فلما راتنى بنت ألجزار غطت و جهها منى فقالت أتجيء لنا برجل و تدخل علينا بِه فقال أبوها أين ألرجل قالت أن هَذا ألكلب سحرته أمراه و أنا أقدر علي تخليصه فلما سمع أبوها كلامها قال: بالله عليك يا بنتى خلصيه فاخذت كوزا فيه ماءَ و تكلمت عَليه و رشت علَى مِنه قلِيلا و قالت: أخرج مِن هَذه ألصوره ألي صورتك ألاولي فصرت ألي صورتى ألاولي فقبلت يدها و قلت لها: أريد أن تسحرى زوجتى كَما سحرتنى فاعطتنى قلِيلا مِن ألماءَ و قالت أذا رايتها نائمه فرش هَذا ألماءَ عَليها فأنها تصير كَما أنت طالب فوجدتها نائمه فرششت عَليها ألماءَ و قلت أخرجى مِن هَذه ألصوره ألي صوره بغله فصارت في ألحال بغله و هى هَذه ألتى تنظرها بعينك أيها ألسلطان و رئيس ملوك ألجان ثُم ألتفت أليها و قال: أصحيح هَذا فهزت راسها و قالت بالاشاره نعم هَذا صحيح فلما فرغ مِن حديثه أهتز ألجنى مِن ألطرب و وهب لَه باقى دمه و أدرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.
فقالت لَها أختها: يا أختى ما أحلي حديثك و أطيبه و ألذه و أعذبه فقالت: أين هَذا مما أحدثكم بِه ألليله ألقابله أن عشت و أبقانى ألملك فقال ألملك: و الله لا أقتلها حتي أسمع بقيه حديثها لانه عجيب ثُم باتوا تلك ألليله متعانقين ألي ألصباح فخرج ألملك ألي محل حكمه و دخل عَليه ألوزير و ألعسكر و أحتبك ألديوان فحكم ألملك و ولي و عزل و نهي و أمر ألي أخر ألنهار ثُم أنفض ألديوان و دخل ألملك شهريار ألي قصره.

‘وفى ألليله ألثالثه قالت لَها أختها دنيا زاد يا أختى أتمى لنا حديثك فقالت حبا و كرامه بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألتاجر أقبل علي ألشيوخ و شكرهم هنوه بالسلامه و رجع كُل و أحد ألي بلده و ما هَذه باعجب مِن حكايه ألصياد فقال لَها ألملك: و ما حكايه ألصياد؟

حكايه ألصياد مَع ألعفريت[عدل] قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أنه كَان رجل صياد و كَان طاعنا في ألسن و لَه زوجه و ثلاثه أولاد و هُو فقير ألحال و كَان مِن عادته أنه يرمى شبكته كُل يوم أربع مرات لا غَير ثُم أنه خرج يوما مِن ألايام في و قت ألظهر ألي شاطئ ألبحر و حط معطفه و طرح شبكته و صبر ألي أن أستقرت في ألماءَ ثُم جمع خيطأنها فوجدها ثقيله فجذبها فلم يقدر علي ذَلِك فذهب بالطرف ألي ألبر و دق و تدا و ربطها فيه ثُم عري و غطس في ألماءَ حَول ألشبكه و ما زال يعالج حتي أطلعها و لبس ثيابه و أتي ألي ألشبكه فوجد فيها حمارا ميتا فلما راي ذَلِك حزن و قال لا حَول و لا قوه ألا بالله ألعلى ألعظيم ثُم قال أن هَذا ألرزق عجيب و أنشد يقول:

يا خائضا في ظلام الله و ألهلكه …….اقصر عنك فليس ألرزق بالحركه

ثم أن ألصياد لما راي ألحمار ميت خلصه مِن ألشبكه و عصرها،
فلما فرغ مِن عصرها نشرها و بَعد ذَلِك نزل ألبحر،
وقال بسم الله و طرحها فيه و صبر عَليها حتي أستقرت ثُم جذبها فثقلت و رسخت أكثر مِن ألاول فظن أنه سمك فربط ألشبكه و تعري و نزل و غطس،
ثم عالج ألي أن خلصها و أطلعها ألي ألبر فوجد فيها زيرا كبيرا،
وهو ملان برمل و طين فلما راي ذَلِك تاسف و أنشد قول ألشاعر:

ياحرقه ألدهر كفى أن لَم تكفى فعفى فلا يحظي أعطي
ولا يصنعه كفى خرجت أطلب رزقى و جدت رزقى توفي

كم جاهل في ظهور و عالم متخفي
ثم أنه رمي ألزير و عصر شبكته و نظفها و أستغفر الله و عاد ألي ألبحر ثالث مَره و رمي ألشبكه و صبر عَليها حتي أستقرت و جذبها فوجد فيها شفافه و قوارير فانشد قول ألشاعر: هُو ألرزق لا حل لديك و لا ربط و لا قلم يجدى عليك و لا خط.

ثم أنه رفع راسه ألي ألسماءَ و قال أللهم أنك تعلم أنى لَم أرم شبكتى غَير أربع مرات و قَد رميت ثلاثا،
ثم أنه سمي الله و رمي ألشبكه في ألبحر و صبر ألي أن أستقرت و جذبها فلم يطق جذبها و أذا بها أشتبكت في ألارض فقال: لا حَول و لا قوه ألا بالله فتعري و غطس عَليها و صار يعالج فيها ألي أن طلعت علي ألبحر و فَتحها فوجد فيها قمقما مِن نحاس أصفر ملان و فمه مختوم برصاص عَليه طبع خاتم سيدنا سليمان.

فلما راه ألصياد فرح و قال هَذا أبيعه في سوق ألنحاس فانه يساوى عشره دنانير ذَهبا ثُم أنه حركه فوجده ثقيلا فقال: لا بد أنى أفتحه و أنظر ما فيه و أدخره في ألخرج ثُم أبيعه في سوق ألنخاس ثُم أنه أخرج سكينا،
وعالج في ألرصاص ألي أن فكه مِن ألقمقم و حطه علي ألارض و هزه لينكت ما فيه فلم ينزل مِنه شيء و لكِن خرج مِن ذَلِك ألقمقم دخان صعد ألي ألسماءَ و مشي علي و جه ألارض فتعجب غايه ألعجب و بَعد ذَلِك تكامل ألدخان،
واجتمع ثُم أنتفض فصار عفريتا راسه في ألسحاب و رجلاه في ألتراب براس كالقبه و أيدى كالمدارى و رجلين كالصواري،
وفم كالمغاره ،
واسنان كالحجاره ،
ومناخير كالابريق،
وعينين كالسراجين،
اشعث أغبر.

فلما راي ألصياد ذَلِك ألعفريت أرتعدت فرائصه و تشبكت أسنانه،
ونشف ريقه و عمى عَن طريقه فلما راه ألعفريت قال لا أله ألا الله سليمان نبى ألله،
ثم قال ألعفريت: يا نبى الله لا تقتلنى فانى لا عدت أخالف لك قولا و أعصى لك أمرا،
فقال لَه ألصياد: أيها ألمارد أتقول سليمان نبى ألله،
وسليمان مات مِن مده ألف و ثمانمائه سنه ،
ونحن في أخر ألزمان فما قصتك،
وما حديثك و ما سَبب دخولك ألي هَذا ألقمقم.

فلما سمع ألمارد كلام ألصياد قال: لا أله ألا الله أبشر يا صياد،
فقال ألصياد: بماذَا تبشرنى فقال بقتلك في هَذه ألساعه أشر ألقتلات قال ألصياد: تستحق علي هَذه ألبشاره يا قيم ألعفاريت زوال ألستر عنك،
يا بعيد لاى شيء تقتلنى و أى شيء يوجب قتلى و قَد خلصتك مِن ألقمقم و نجيتك مِن قرار ألبحر،
واطلعتك ألي ألبر فقال ألعفريت: تمن علَى أى موته تموتها،
واى قتله تقتلها فقال ألصياد ما ذَنبى حتي يَكون هَذا جزائى منك.

فقال ألعفريت أسمع حكايتى يا صياد،
قال ألصياد: قل و أوجز في ألكلام فإن روحى و صلت ألي قدمي.
قال أعلم أنى مِن ألجن ألمارقين،
وقد عصيت سليمان بن داود و أنا صخر ألجنى فارسل لى و زيره أصف أبن برخيا فاتي بى مكرها و قادنى أليه و أنا ذَليل علي رغم أنفى و أوقفنى بَين يديه فلما رانى سليمان أستعاذَ منى و عرض علَى ألايمان و ألدخول تَحْت طاعته فابيت فطلب هَذا ألقمقم و حبسنى فيه و ختم علَى بالرصاص و طبعه بالاسم ألاعظم،
وامر ألجن فاحتملونى و ألقونى في و سط ألبحر فاقمت مائه عام و قلت في قلبى كُل مِن خلصنى أغنيته ألي ألابد فمرت ألمائه عام و لَم يخلصنى أحد،
ودخلت مائه أخري فقلت كُل مِن خلصنى فَتحت لَه كنوز ألارض،
فلم يخلصنى أحد فمرت علَى أربعمائه عام أخري فقلت كُل مِن خلصنى أقضى لَه ثلاث حاجات فلم يخلصنى أحد فغضبت غضبا شديدا و قلت في نفْسى كُل مِن خلصنى في هَذه ألساعه قتلته و منيته كَيف يموت و ها أنك قَد خلصتنى و منيتك كَيف تموت.

فلما سمع ألصياد كلام ألعفريت قال: يا الله ألعجب أنا ما جئت أخلصك ألا في هَذه ألايام،
ثم قال ألصياد للعفريت،
اعف عَن قتلى يعف الله عنك،
ولا تهلكني،
يسلط الله عليك،
من يهلكك.
فقال لا بد مِن قتلك،
فتمن علَى أى موته تموتها فلما تحقق ذَلِك مِنه ألصياد راجع ألعفريت و قال أعف عنى أكراما لما أعتقتك،
فقال ألعفريت: و أنا ما أقتلك ألا لاجل ما خلصتني،
فقال ألصياد: يا شيخ ألعفاريت هَل أصنع معك مليح،
فتقابلنى بالقبيح و لكِن لَم يكذب ألمثل حيثُ قال: فعلنا جميلا قابلونا بضده و هَذا لعمرى مِن فعال ألفواجر

ومن يفعل ألمعروف مَع غَير أهله يجازي كَما جوزى مجير أم عامر

فلما سمع ألعفريت كلامه قال لا تطمع فلا بد مِن موتك،
فقال ألصياد هَذا جني،
وانا أنسى و قَد أعطانى الله عقلا كاملا و ها أنا أدبر أمرا في هلاكه،
بحيلتى و عقلى و هُو يدبر بمكره و خبثه،
ثم قال للعفريت: هَل صممت علي قتلى قال نعم،
فقال لَه بالاسم ألاعظم ألمنقوش علي خاتم سليمان أسالك عَن شيء و تصدقنى فيه،
قال نعم،
ثم أن ألعفريت لما سمع ذَكر ألاسم ألاعظم أضطرب و أهتز و قال: أسال و أوجز،
فقال له: كَيف كنت في هَذا ألقمقم،
والقمقم لا يسع يدك و لا رجلك فكيف يسعك كلك،
فقال لَه ألعفريت: و هَل أنت لا تصدق أننى كنت فيه فقال ألصياد لا أصدق أبدا حتي أنظرك فيه بعيني،
وادرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

وفى ألليله ألرابعه قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألصياد لما قال للعفريت لا أصدقك أبدا حتي أنظرك بعينى في ألقمقم فانتفض ألعفريت و صار دخانا صاعدا ألي ألجو،
ثم أجتمع و دخل في ألقمقم قلِيلا،
حتي أستكمل ألدخان داخِل ألقمقم و أذا بالصياد أسرع و أخذَ سداده ألرصاص ألمختومه و سد بها فم ألقمقم و نادي ألعفريت،
وقال له: تمن علَى أى موته تموتها لارميك في هَذا ألبحر و أبنى لى هُنا بيتا و كُل مِن أتي هُنا أمنعه أن يصطاد و أقول لَه هُنا عفريت و كُل مِن أطلعه يبين لَه أنواع ألموت يخبره بينها.

فلما سمع ألعفريت كلام ألصياد أراد ألخروج فلم يقدر و راي نفْسه محبوسا و راي عَليه طابع خاتم سليمان و علم أن ألصياد سجنه و سجن أحقر ألعفاريت و أقذرها و أصغرها،
ثم أن ألصياد ذَهب بالقمقم ألي جهه ألبحر،
فقال لَه ألعفريت لا،
لا فقال ألصياد: لا بد لا بد فلطف ألمارد كلامه و خضع و قال ما تُريد أن تصنع بى يا صياد،
قال: ألقيك في ألبحر أن كنت أقمت فيه ألفا و ثمانمائه عام فانا أجعلك تمكث ألي أن تَقوم ألساعه ،
اما قلت لك أبقينى يبقيك الله و لا تقتلنى يقتلك الله فابيت قولى و ما أردت ألا غدرى فالقاك الله في يدى فغدرت بك،
فقال ألعفريت أفَتح لى حتي أحسن أليك فقال لَه ألصياد تكذب يا ملعون،
انا مِثلى و مِثلك مِثل و زير ألملك يونان و ألحكيم رويان،
فقال ألعفريت: و ما شان و زير ألملك يونان و ألحكيم رويان و ما قصتهما.

حكايه ألملك يونان و ألحكيم رويان[عدل] قال ألصياد: أعلم أيها ألعفريت،
انه كَان في قديم ألزمان و سالف ألعصر و ألاوان في مدينه ألفرس و أرض رومان ملك يقال لَه ألملك يونان و كَان ذَا مال و جنود و باس و أعوان مِن سائر ألاجناس،
وكان في جسده برص قَد عجزت فيه ألاطباءَ و ألحكماءَ و لَم ينفعه مِنه شرب أدويه و لا سفوف و لا دهان و لَم يقدر أحد مِن ألاطباءَ أن يداويه.

وكان قَد دخل مدينه ألملك يونان حكيم كبير طاعن في ألسن يقال لَه ألحكيم رويان و كَان عارفا بالكتب أليونانيه و ألفارسيه و ألروميه و ألعربيه و ألسريانيه و علم ألطب و ألنجوم و عالما باصول حكمتها و قواعد أمورها مِن منفعتها و مضرتها.
عالما بخواص ألنباتات و ألحشائش و ألاعشاب ألمضره و ألنافعه فقد عرف علم ألفلاسفه و جاز كُل ألعلوم ألطبيه و غَيرها،
ثم أن ألحكيم لما دخل ألمدينه و أقام بها أيام قلائل سمع خبر ألملك و ما جري لَه في بدنه مِن ألبرص ألذى أبتلاه الله بِه و قَد عجزت عَن مداواته ألاطباءَ و أهل ألعلوم.

فلما بلغ ذَلِك ألحكيم بات مشغولا،
فلما أصبح ألصباح لبس أفخر ثيابه و دخل علي ألملك يونان و قَبل ألارض و دعا لَه بدوام ألعز و ألنعم و أحسن ما بِه تكلم و أعلمه بنفسه فقال: أيها ألملك: بلغنى ما أعتراك مِن هَذا ألذى في جسدك و أن كثِيرا مِن ألاطباءَ لَم يعرفوا ألحيله في زواله و ها أنا أداويك أيها ألملك و لا أسقيك دواءَ و لا أدهنك بدهن.

فلما سمع ألملك يونان كلامه تعجب و قال له: كَيف تفعل،
فو الله لَو براتنى أغنيك لولد ألولد و أنعم عليك،
ما تتمناه فَهو لك و تَكون نديمى و حبيبي.
ثم أنه خلع عَليه و أحسن أليه و قال لَه أبرئنى مِن هَذا ألمرض بلا دواءَ و لا دهان قال نعم أبرئك بلا مشقه في جسدك.
فتعجب ألملك غايه ألعجب ثُم قال له: أيها ألحكيم ألذى ذَكرته لى يَكون في أى ألاوقات و في أى ألايام،
فاسرع يا و لدي؛ قال لَه سمعا و طاعه ،
ثم نزل مِن عِند ألملك و أكتري لَه بيتا حط فيه كتبه و أدويته و عقاقيره ثُم أستخرج ألادويه و ألعقاقير و جعل مِنها صولجانا و جوفه و عمل لَه قصبه و صنع لَه كره بمعرفته.

فلما صنع ألكُل و فرغ مِنها طلع ألي ألملك في أليوم ألثانى و دخل عَليه و قَبل ألارض بَين يديه و أمَره أن يركب ألي ألميدان و أن يلعب بالكره و ألصولجان و كَان معه ألامراءَ و ألحجاب و ألوزراءَ و أرباب ألدوله ،
فما أستقر بَين ألجلوس في ألميدان حتي دخل عَليه ألحكيم رويان و ناوله ألصولجان و قال له: خذَ هَذا ألصولجان و أقبض عَليه مِثل هَذه ألقبضه و أمش في ألميدان و أضرب بِه ألكره بقوتك حتي يعرق كفك و جسدك فينفذَ ألدواءَ مِن كفك فيسرى في سائر جسدك فاذا عرقت و أثر ألدواءَ فيك فارجع ألي قصرك و أدخل ألحمام و أغتسل و نم فقد برئت و ألسلام.

فعِند ذَلِك أخذَ ألملك يونان ذَلِك ألصولجان مِن ألحكيم و مسكه بيده و ركب ألجواد و ركب ألكره بَين يديه و ساق خَلفها حتي لحقها و ضربها بقوه و هُو قابض بكفه علي قصبه ألصولجان،
وما زال يضرب بِه ألكره حتي عرق كفه و سائر بدنه و سري لَه ألدواءَ مِن ألقبضه .

وعرف ألحكيم رويان أن ألدواءَ سري في جسده فامَره بالرجوع ألي قصره و أن يدخل ألحمام مِن ساعته،
فرجع ألملك يونان مِن و قته و أمر أن يخلو لَه ألحمام فاخلوه له،
وتسارعت ألفراشون و تسابقت ألمماليك و أعدوا للملك قماشه و دخل ألحمام و أغتسل غسيلا جيدا و لبس ثيابه داخِل ألحمام ثُم خرج مِنه و ركب ألي قصره و نام فيه.

هَذا ما كَان مِن أمر ألملك يونان،
واما ما كَان مِن أمر ألحكيم رويان فانه رجع ألي داره و بات،
فلما أصبح ألصباح طلع ألي ألملك و أستاذن عَليه فاذن لَه في ألدخول فدخل و قَبل ألارض بَين يديه و أشار ألي ألملك بهَذه ألابيات:

زهت ألفصاحه أذا أدعيت لَها أبا و أذا دعت يوما سواك لَها أبى
يا صاحب ألوجه ألذى أنواره تمحوا مِن ألخطب ألكريه غياهبا

ما زال و جهك مشرقا متهللا فلا تري و جه ألزمان مقطبا

اوليتنى مِن فضلك ألمنن ألتى فعلت بنا فعل ألسحاب مَع ألربا

وصرفت جل ألملا في طلب ألعلا حتي بلغت مِن ألزمان ماربا
فلما فرغ مِن شعره نهض ألملك قائما علي قدميه و عانقه و أجلسه بجانبه و خلع لعيه ألخلع ألسنيه .

ولما خرج ألملك مِن ألحمام نظر ألي جسده فلم يجد فيه شيئا مِن ألبرص و صار جسده نقيا مِثل ألفضه ألبيضاءَ ففرح بذلِك غايه ألفرح و أتسع صدره و أنشرح،
فلما أصبح ألصباح دخل ألديوان و جلس علي سرير ملكه و دخلت عَليه ألحجاب و أكابر ألدوله و دخل عَليه ألحكيم رويان،
فلما راه قام أليه مسرعا و أجلسه بجانبه و أذا بموائد ألطعام قَد مدت فاكل صحبته و ما زال عنده ينادمه طول نهاره.

فلما أقبل ألليل أعطي ألحكيم ألفى دينار غَير ألخلع و ألهدايا و أركبه جواده و أنصرف ألي داره و ألملك يونان يتعجب مِن صنعه و يقول: هَذا داوانى مِن ظاهر جسدى و لَم يدهننى بدهان،
فو الله ما هَذه ألا حكمه بالغه ،
فيَجب علَى لهَذا ألرجل ألانعام و ألاكرام و أن أتخذه جليسا و أنيسا مدي ألزمان.
وبات ألملك يونان مسرورا فرحا بصحه جسمه و خلاصه مِن مرضه.

فلما أصبح ألملك و جلس علي كرسيه و وقفت أرباب دولته و جلست ألامراءَ و ألوزراءَ علي يمينه و يساره ثُم طلب ألحكيم رويان فدخل عَليه و قَبل ألارض بَين يديه فقام ألملك و أجلسه بجانبه و أكل معه و حياه و خلع عَليه و أعطاه،
ولم يزل يتحدث معه ألي أن أقبل ألليل فرسم لَه بخمس خلع و ألف دينار،
ثم أنصرف ألحكيم ألي داره و هُو شاكر للملك.

فلما أصبح ألصباح خرج ألملك ألي ألديوان و قَد أحدقت بِه ألامراءَ و ألوزراءَ و ألحجاب،
وكان لَه و زير مِن و زرائه بشع ألمنظر نحس ألطالع لئيم بخيل حسود مجبول علي ألحسد و ألمقت.
فلما راي ذَلِك ألوزير أن ألملك قرب ألحكيم رويان و أعطاه هَذه ألانعام حسده عَليه و أضمر لَه ألشر كَما قيل في ألمعنى: ما خلا جسد مِن حسد.
وقيل في ألمعنى: ألظلم كمين في ألنفس ألقوه تظهره و ألعجز يخفيه.
ثم أن ألوزير تقدم ألي ألملك يونان و قَبل ألارض بَين يديه و قال له: يا ملك ألعصر و ألاوان: أنت ألذى شمل ألناس أحسانك و لك عندى نصيحه عظيمه فإن أخفيتها عنك أكون و لد زنا،
فان أمرتنى أن أبديها أبديتها لك.

فقال ألملك و قَد أزعجه كلام ألوزير: و ما نصيحتك فقال: أيها ألملك ألجليل: قَد قالت ألقدماءَ مِن لَم ينظر في ألعواقب فما ألدهر لَه بصاحب،
وقد رايت ألملك علي غَير صواب حيثُ أنعم علي عدوه و علي مِن يطلب زوال ملكه و قَد أحسن أليه و أكرمه غايه ألاكرام و قربه غايه ألقرب،
وانا أخشي علي ألملك مِن ذَلك.

فانزعج ألملك و تغير لونه و قال له: مِن ألذى تزعم أنه عدوى و أحسنت أليه فقال له: أيها ألملك أن كنت نائما فاستيقظ فانا أشير ألي ألحكيم رويان.
فقال لَه ألملك: أن هَذا صديقى و هُو أعز ألناس عندى لانه داوانى بشيء قبضته بيدى و أبرانى مِن مرضى ألذى عجز فيه ألاطباءَ و هُو لا يُوجد مِثله في هَذا ألزمان في ألدنيا غربا و شرقا،
فكيف أنت تقول عَليه هَذا ألمقال و أنا مِن هَذا أليوم أرتب لَه ألجوامك و ألجرايات و أعمل لَه في كُل شهر ألف دينار و لَو قاسمته في ملكى و أن كَان قلِيلا عَليه.
وما أظن أنك تقول ذَلِك ألا حسدا كَما بلغنى عَن ألملك يونان ذَكر و الله أعلم.

وادرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح،
فقالت لَها أختها: يا أختى ما أحلي حديثك و أطيبه و ألذه و أعذبه فقالت لها: و أين هَذا مما أحدثكم بِه ألليله ألمقبله أن عشت و أبقانى ألملك.
فقال ألملك في نفْسه: و الله لا أقتلها حتي أسمع بقيه حديثها لانه حديث عجيب.
ثم أنهم باتوا تلك ألليله متعانقين ألي ألصباح.
ثم خرج ألملك ألي محل حكمه و أحتبك ألديوان فحجم و ولي و أمر و نهي ألي أخر ألنهار،
ثم أنفض ألديوان فدخل ألملك عصره و أقبل ألليل و قضي حاجته مِن بنت ألوزير شهرزاد.

وفى ألليله ألخامسه قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألملك يونان قال لوزيره أنت داخِلك ألحسد مِن أجل هَذا ألحكيم فتريد أن أقتله و بَعد ذَلِك أندم كَما ندم ألسندباد علي قتل ألبازي.
فقال ألوزير: و كَيف كَان ذَلِك فقال ألملك: ذَكر أنه كَان ملك ملوك ألفرس يحب ألفرجه و ألتنزه و ألصيد و ألقنص و كَان لَه بازى رباه و لا يفارقه ليلا و لا نهارا و يبيت طوال ألليل حامله علي يده و أذا طلع ألي ألصيد ياخذه معه و هُو عامل لَه طاسه مِن ألذهب معلقه في رقبته يسقيه مِنها.

فبينما ألملك جالس و أذا بالوكيل علي طير ألصيد يقول: يا ملك ألزمان هَذا أوان ألخروج ألي ألصيد،
فاستعد ألملك للخروج و أخذَ ألبازى علي يده و ساروا ألي أن و صلوا ألي و أد و نصبوا شبكه ألصيد أذا بغزاله و قعت في تلك ألشبكه فقال ألملك: كُل مِن فاتت ألغزاله مِن جهته قتلته،
فضيقوا عَليها حلقه ألصيد و أذا بالغزاله أقبلت علي ألملك و شبت علي رجليها و حطت يديها علي صدرها كَأنها تقبل ألارض للملك فطاطا ألملك للغزاله ففرت مِن فَوق دماغه و راحت ألي ألبر.

فالتفت ألملك ألي ألمعسكر فراهم يتغامزون عَليه،
فقال: يا و زيرى ماذَا يقول ألعساكر فقال: يقولون أنك قلت كُل مِن فاتت ألغزاله مِن جهته يقتل فقال ألملك: و حياه راسى لاتبعنها حتي أجيء بها،
ثم طلع ألملك في أثر ألغزاله و لَم يزل و راءها و صار ألبازى يلطشها علي عينها ألي أن أعماها و دوخها فسحب ألملك دبوسا و ضربها فقلبها و نزل فذبحها و سلخها و علقها في قربوس ألسرج.
وكَانت ساعه حر و كَان ألمكان قفرا لَم يُوجد فيه ماءَ فعطش ألملك و عطش ألحصان.

فالتفت ألملك فراي شجره ينزل مِنها ماءَ مِثل ألسمن،
وكان ألملك لابسا في كفه جلدا فاخذَ ألطاسه في قبه ألبازى و ملاها مِن ذَلِك ألماءَ و وَضع ألماءَ قدامه و أذا بالبازى لطش ألطاسه فقلبها،
فاخذَ ألملك ألطاسه ثانيا،
وملاها و ظن أن ألبازى عطشان فوضعها قدامه فلطشها ثانيا و قلبها فغضب ألملك مِن ألبازى و أخذَ ألطاسه ثالثا و قدمها للحصان فقلبها ألبازى بجناحه فقال ألملك الله يخيبك يا أشام ألطيور و أحرمتنى مِن ألشرب و أحرمت نفْسك و أحرمت ألحصان ثُم ضرب ألبازى بالسيف فرمي أجنحته.

فصار ألبازى يقيم راسه و يقول بالاشاره أنظر ألذى فَوق ألشجره فرفع ألملك عينه فراي فَوق ألشجره حيه و ألذى يسيل سمها فندم ألملك علي قص أجنحه ألبازى ثُم قام و ركب حصانه و سار و معه ألغزاله حتي و صل ألملك علي ألكرسى و ألبازى علي يده فشهق ألبازى و مات فصاح ألملك حزنا و أسفا علي قتل ألبازي،
حيثُ خلصه مِن ألهلاك،
هَذا ما كَان مِن حديث ألملك ألسندباد.

فلما سمع ألوزير كلام ألملك يونان قال له: أيها ألملك ألعظيم ألشان و ما ألذى فعلته مِن ألضروره و رايت مِنه سوء أنما فعل معك هَذا شفقه عليك و ستعلم صحه ذَلِك فإن قَبلت منى نجوت و ألا هلكت كَما هلك و زير كَان أحتال علي أبن ملك مِن ألملوك،
وكان لذلِك ألملك و لد مولع بالصيد و ألقنص و كَان لَه و زيرا،
فامر ألملك ذَلِك ألوزير أن يَكون مَع أبنه أينما توجه فخرج يوما مِن ألايام،
الي ألصيد و ألقنص و خرج معه و زير أبيه فسارا جميعا فنظر ألي و حش كبير فقال ألوزير لابن ألملك دونك هَذا ألوحش فاطلبه فقصده أبن ألملك،
حتي غاب عَن ألعين و غاب عنه ألوحش في ألبريه ،
وتحير أبن ألملك فلم يعرف أين يذهب و أذا بجاريه علي راس ألطريق و هى تبكى فقال لَها أبن ألملك مِن أنت: قال بنت ملك مِن ملوك ألهند و كنت في ألبريه فادركنى ألنعاس،
فوقعت مِن فَوق ألدابه و لَم أعلم بنفسى فصرت حائره .

فلما سمع أبن ألملك كلامها رق لحالها و حملها علي ظهر جابته و أردفها و سار حتي مر بجزيره فقالت لَه ألجاريه : يا سيد أريد أن أزيل ضروره فانزلها ألي ألجزيره ثُم تعوقت فاستبطاها فدخل خَلفها و هى لا تعلم به،
فاذا هى غوله و هى تقول لاولادها يا أولادى قَد أتيتكم أليوم بغلام سمين فقالوا لَها أتينا بِه يا أمنا ناكله في بطوننا.

فلما سمع أبن ألملك كلامهم أيقن بالهلاك و أرتعد فرائضه و خشى علي نفْسه و رجع فخرجت ألغوله فراته كالخائف ألوجل و هُو يرتعد فقالت له: ما بالك خائفا،
فقال لَها أن لى عدوا،
وانا خائف مِنه فقالت ألغوله أنك تقول أنا أبن ألملك قال لَها نعم،
قالت لَه مالك لا تعطى عدوك شيئا مِن ألمال،
فترضيه به،
فقال لَها أنه لا يرضي بمال و لا يرضي ألا بالروح و أنا خائف مِنه،
وانا رجل مظلوم فقالت له: أن كنت مظلوما كَما تزعم فاستعن بالله عَليه بانه يكفيك شره و شر كُل ما تخافه.

فرفع أبن ألملك راسه ألي ألسماءَ و قال: يا مِن يجيب دعوه ألمضطر،
اذا دعاه و يكشف ألسوء أنصرنى علي عدوى و أصرفه عني،
انك علي ما تشاءَ قدير فلما سمعت ألغوله دعاءه،
انصرفت عنه و أنصرف أبن ألملك ألي أبيه،
وحدثه بحديث ألوزير و أنت أيها ألملك متي أمنت لهَذا ألحكيم قتلك أقبح ألقتلات،
وان كنت أحسنت أليه و قربته منك فانه يدبر في هلاكك،
اما تري أنه أبراك مِن ألمرض مِن ظاهر ألجسد بشيء أمسكته بيدك،
فلا تامن أن يهلكك بشيء تمسكه أيضا.

فقال ألملك يونان: صدقت فقد يَكون كَما ذَكرت أيها ألوزير ألناصح،
فلعل هَذا ألحكيم أتي جاسوسا في طلب هلاكي،
واذا كَان أبرانى بشيء أمسكته بيدى فانه يقدر أن يهلكنى بشيء أشمه،
ثم أن ألملك يونان قال لوزيره: أيها ألوزير كَيف ألعمل فيه،
فقال لَه ألوزير: أرسل أليه في هَذا ألوقت و أطلبه،
فان حضر فاضرب عنقه فتكفى شره و تستريح مِنه و أغدر بِه قَبل أن يغدر بك،
فقال ألملك يونان صدقت أيها ألوزير ثُم أن ألملك أرسل ألي ألحكيم،
فحضر و هُو فرحان و لا يعلم ما قدره ألرحمن كَما قال بَعضهم في ألمعنى:

يا خائفا مِن دهره كن أمنا و كُل ألامور ألي ألذى بسط ألثري أن ألمقدر كَان لا يمحي و لك ألامان مِن ألذى ما قدرا
وانشد ألحكيم مخاطبا قول ألشاعر:

اذا لَم أقم يوما لحقك بالشكر فقل لى أن أعددت نظمى معا لنثر
لقد جددت لى قَبل ألسؤال بانعم أتتنى بلا مطل لديك و لا عذر

فمالى لا أعطى ثناءك حقه و أثنى علي علياك ألسر و ألجهر

ساشكر ما أوليتنى مِن صنائع يخف لَها فمى و أن أثقلت ظهري
فلما حضر ألحكيم رويان قال لَه ألملك: أتعلم لماذَا أحضرتك،
فقال ألحكيم: لا يعلم ألغيب ألا الله تعالى،
فقال لَه ألملك: أحضرتك لاقتلك و أعدمك روحك،
فتعجب ألحكيم رويان مِن تلك ألمقاله غايه ألعجب،
وقال أيها ألملك لماذَا تقتلنى و أى ذَنب بدا منى فقال لَه ألملك: قَد قيل لى أنك جاسوس و قَد أتيت لتقتلنى و ها أنا أقتلك قَبل أن تقتلنى ثُم أن ألملك صاح علي ألسياف،
وقال لَه أضرب رقبه هَذا ألغدار،
وارحنا مِن شره،
فقال ألحكيم أبقنى يبقيك الله و لا تقتلنى يقتلك ألله،
ثم أنه كرر عَليه ألقول مِثلما قلت لك أيها ألعفريت و أنت لا تدعى بل تُريد قتلى فقال ألملك يونان للحكيم رويان،
انى لا أمن ألا أن أقتلك فانك براتنى بشيء أمسكته بيدى فلا أمن أن تقتلنى بشيء أشمه أو غَير ذَلِك فقال ألحكيم أيها ألملك أهَذا جزائى منك،
تقابل ألمليح بالقبيح فقال ألملك: لا بد مِن قتلك مِن غَير مهله فلما تحقق ألحكيم أن ألملك قاتله لا محاله بكي و تاسف علي ما صنع مِن ألجميل مَع غَير أهله،
كَما قيل في ألمعنى:

ميمونه مِن سمات ألعقل عاريه لكِن أبوها مِن ألالباب قَد خلقا لَم يمش مِن يابس يوما و لا و حل ألا بنور هداه تقي ألزلقا
بعد ذَلِك تقدم ألسياف و غمى عينيه و شهر سيفه و قال أئذن و ألحكيم يبكى و يقول للملك: أبقنى يبقيك الله و لا تقتلنى يقتلك ألله،
وانشد قول ألشاعر:

نصحت فلم أفلح و غشوا فافلحوا فاوقعنى نصحى بدار هوان فإن عشت فلم أنصح و أن مت فانع لى ذَوى ألنصح مِن بَعدى بك لسان
ثم أن ألحكيم قال للملك أيَكون هَذا جزائى منك،
فتجازينى مجازاه ألتمساح قال ألملك: و ما حكايه ألتمساح،
فقال ألحكيم لا يُمكننى أن أقولها،
وانا في هَذا ألحال فبالله عليك أبقنى يبقيك ألله،
ثم أن ألحكيم بكي بكاءَ شديدا فقام بَعض خواص ألملك و قال أيها ألملك هب لنا دم هَذا ألحكيم،
لاننا ما رايناه فعل معك ذَنبا ألا أبراك مِن مرضك ألذى أعيا ألاطباءَ و ألحكماء.

فقال لَهُم ألملك لَم تعرفوا سَبب قتلى لهَذا ألحكيم و ذَلِك لانى أن أبقيته فانا هالك لا محاله و مِن أبرانى مِن ألمرض ألذى كَان بى بشيء أمسكته بيدى فيمكنه أن يقتلنى بشيء أشمه،
فانا أخاف أن يقتلنى و ياخذَ علَى جعاله لانه ربما كَان جاسوسا و ما جاءَ ألا ليقتلنى فلا بد مِن قتله و بَعد ذَلِك أمن علي نفْسى فقال ألحكيم أبقنى يبقيك الله و لا تقتلنى يقتلك ألله.

فلما تحقق ألحكيم أيها ألعفريت أن ألملك قاتله لا محاله قال لَه أيها ألملك أن كَان و لا بد مِن قتلى فامهلنى حتي أنزل ألي دارى فاخلص نفْسى و أوصى أهلى و جيرانى أن يدفنونى و أهب كتب ألطب و عندى كتاب خاص ألخاص أهبه لك هديه تدخره في خزانتك،
فقال ألملك للحكيم و ما هَذا ألكتاب قال: فيه شيء لا يحصي و أقل ما فيه مِن ألاسرار أذا قطعت راسى و فَتحته و عدَدت ثلاث و رقات ثُم تقرا ثلاث أسطر مِن ألصحيفه ألتى علي يسارك فإن ألراس تكلمك و تجاوبك عَن كُل ما سالتها عنه.

فتعجب ألملك غايه ألعجب و أهتز مِن ألطرب و قال لَه أيها ألحكيم: و هَل أذا قطعت راسك تكلمت فقال نعم أيها ألملك و هَذا أمر عجيب،
ثم أن ألملك أرسله مَع ألمحافظه عَليه،
فنزل ألحكيم ألي داره و قضي أشغاله في ذَلِك أليوم و في أليوم ألثانى طلع ألحكيم ألي ألديوان و طلعت ألامراءَ و ألوزراءَ و ألحجاب و ألنواب و أرباب ألدوله جميعا و صار ألديوان كزهر ألبستان و أذا بالحكيم دخل ألديوان،
ووقف قدام ألملك و معه كتاب عتيق و مكحله فيها ذَرور،
وجلس و قال أئتونى بطبق،
فاتوه بطبق و كتب فيه ألذرور و فرشه و قال: أيها ألملك خذَ هَذا ألكتاب و لا تعمل به،
حتي تقطع راسى فاذا قطعتها فاجعلها في ذَلِك ألطبق و أمر بكبسها علي ذَلِك ألذرور فاذا فعلت ذَلِك فإن دمها ينقطع،
ثم أفَتح ألكتاب ففتحه ألملك فوجده ملصوقا فحط أصبعه في فمه و بله بريقه و فَتح أول و رقه و ألثانيه و ألثالثه و ألورق ما ينفَتح ألا بجهد،
ففَتح ألملك ست و رقات و نظر فيها فلم يجد كتابه فقال ألملك: أيها ألحكيم ما فيه شيء مكتوب فقال ألحكيم قلب زياده علي ذَلِك فقلب فيه زياده فلم يكن ألا قلِيلا مِن ألزمان حتي سري فيه ألسم لوقته و ساعته فإن ألكتاب كَان مسموما فعِند ذَلِك تزحزح ألملك و صاح و قَد قال: سري في ألسم،
فانشد ألحكيم رويان يقول:

تحكموا فاستطالوا في حكومتهم و عَن قلِيل كَان ألحكم لَم يكن
لو أنصفوا أنصفوا لكِن بغوا فبغي عَليهم ألدهر بالافات و ألمحن

واصبحوا و لسان ألحال يشدهم هَذا بذاك و لا عتب علي ألزمن
فلما فرغ رويان ألحكيم مِن كلامه سقط ألملك ميتا لوقته،
فاعلم أيها ألعفريت أن ألملك يونان لَو أبقي ألحكيم رويان لابقاه ألله،
ولكن أبي و طلب قتله فقتله الله و أنت أيها ألعفريت لَو أبقيتنى لابقاك ألله.
وادرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح،
فقالت لَها أختها دنيازاد: ما أحلي حديثك فقالت: و أين هَذا مما أحدثكم بِه ألليله ألقابله أن عشت و أبقانى ألملك،
وباتوا ألليله في نعيم و سرور ألي ألصباح،
ثم أطلع ألملك ألي ألديوان و لما أنفض ألديوان دخل قصره و أجتمع باهله.

ففى ألليله ألسادسه قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألصياد لما قال للعفريت لَو أبقيتنى كنت أبقيتك،
لكن ما أردت ألا قتلى فانا أقتلك محبوسا في هَذا ألقمقم،
والقيك في هَذا ألبحر ثُم صرخ ألمارد و قال بالله عليك أيها ألصياد لا تفعل و أبقنى كرما و لا تؤاخذنى بعملي،
فاذا كنت أنا مسيئا كن أنت محسنا،
وفى ألامثال ألسائره يا محسنا لمن أساءَ كفى ألمسيء فعله و لا تعمل عمل أمامه مَع عاتكه .

قال ألصياد و ما شانهما،
فقال ألعفريت ما هَذا و قت حديث و أنا في ألسجن حتي تطلعنى مِنه و أنا أحدثك بشانهما فقال ألصياد لا بد مِن ألقائك في ألبحر و لا سبيل ألي أخراجك مِنه فانى كنت أستعطفك و أتضرع أليك و أنت لا تُريد ألا قتلى مِن غَير ذَنب أستوجبته منك،
ولا فعلت معك سوءا قط و لَم أفعل معك ألا خيرا،
لكونى أخرجتك مِن ألسجن،
فلما فعلت معى ذَلك،
علمت أنك رديء ألاصل،
واعلم أننى ما رميتك في هَذا ألبحر،
الا لاجل أن كُل مِن أطلعك أخبره بخبرك،
واحذره منك فيرميك فيه،
ثانيا فنقيم في هَذا ألبحر ألي أخر ألزمان حتي تري أنواع ألعذاب.

فقال ألعفريت: أطلقنى فهَذا و قت ألمروءات و أنا أعاهدك أنى لَم أسؤك أبدا بل أنفعك بشيء يغنيك دائما،
فاخذَ ألصياد عَليه ألعهد أنه أذا أطلقه لا يؤذيه أبدا بل يعمل معه ألجميل فلما أستوثق مِنه بالايمان و ألعهود و حلفه باسم الله ألاعظم فَتح لَه ألصياد فتصاعد ألدخان حتي خرج و تكامل فصار عفريتا مشوه ألخلقه و رفس ألقمقم في ألبحر.

فلما راي ألصياد أنه رمي ألقمقم في ألبحر أيقن بالهلاك و بال في ثيابه،
وقال هَذه ليست علامه خير،
ثم أنه قوي قلبه و قال: أيها ألعفريت قال الله تعالى: و أوفوا ألعهد،
ان ألعهد كَان مسؤولا و أنت قَد عاهدتنى و حلفت أنك لا تغدر بى فإن غدرت بى يجرك الله فانه غيور يمهل و لا يهمل،
وانا قلت لك مِثل ما قاله ألحكيم رويان للملك يونان أبقنى يبقيك ألله.

فضحك ألعفريت و مشي قدامه،
وقال أيها ألصياد أتبعنى فمشي ألصياد و راءه و هُو لَم يصدق بالنجاه ألي أن خرجا مِن ظاهر ألمدينه و طلعا علي جبل و نزلا ألي بريه متسعه و أذا في و سطها بركه ماء،
فوقف ألعفريت عَليها و أمر ألصياد أن يطرح ألشبكه و يصطاد،
فنظر ألصياد ألي ألبركه ،
واذا بهَذا ألسمك ألوانا،
الابيض و ألاحمر و ألازرق و ألاصفر،
فتعجب ألصياد مِن ذَلِك ثُم أنه طرح شبكته و جذبها فوجد فيها أربع سمكات،
كل سمكه بلون،
فلما راها ألصياد فرح.

فقال لَه ألعفريت أدخل بها ألي ألسلطان و قدمها أليه،
فانه يعطيك ما يغنيك و بالله أقبل عذرى فاننى في هَذا ألوقت لَم أعرف طريقا و أنا في هَذا ألبحر مده ألف و ثمانمائه عام،
ما رايت ظاهر ألدنيا ألا في هَذه ألساعه و لا تصطد مِنها كُل يوم ألا مَره و أحده و أستودعتك ألله،
ثم دق ألارض بقدميه فانشقت و أبتلعته و مضي ألصياد ألي ألمدينه متعجب مما جري لَه مَع هَذا ألعفريت ثُم أخذَ ألسمك و دخل بِه منزله و أتي بماجور ثُم ملاه ماءَ و حط فيه ألسمك فاختبط ألسمك مِن داخِل ألماجور في ألماءَ ثُم حمل ألماجور فَوق راسه و قصد بِه قصر ألملك كَما أمَره ألعفريت.

فلما طلع ألصياد ألي ألملك و قدم لَه ألسمك تعجب ألملك غايه ألعجب مِن ذَلِك ألسمك ألذى قدمه أليه ألصياد لانه لَم ير في عمَره مِثله صفه و لا شكلا،
فقال: ألقوا هَذا ألسمك للجاريه ألطباخه ،
وكَانت هَذه ألجاريه قَد أهداها لَه ملك ألروم منذُ ثلاثه أيام و هُو لَم يجربها في طبيخ فامرها ألوزير أن تقليه،
وقال لَها يا جاريه أن ألملك يقول لك ما أدخرت دمعتى ألا لشدتى ففرجينا أليوم علي طهيك و حسن طبيخك فإن ألسلطان جاءَ أليه و أحد بهديه ثُم رجع ألوزير بَعدما أوصاها فامَره ألملك أن يعطى ألصياد أربعمائه دينار فاعطاه ألوزير أياها فاعطاها فاخذها ألوزير في حجره و توجه ألي منزله لزوجته،
وهو فرحان مسرور ثُم أشتري لعياله ما يحتاجون أليه هَذا ما كَان مِن أمر ألصياد.

واما ما كَان مِن أمر ألجاريه فأنها أخذت ألسمك و نظفته و رصته،
فى ألطاجن ثُم أنها تركت ألسمك حتي أستوي و جهه و قلبته علي ألوجه ألثاني،
واذا بحائط ألمطبخ قَد أنشقت و خرجت مِنها صبيه رشيقه ألقد أسيله ألخد كامله ألوصف كحيله ألطرف بوجه مليح و قَد رجيح لابسه كوفيه مِن خز أزرق و في أذنيها حلق و في معاصمها أساور و في أصابعها خواتيم بالفصوص ألمثمنه و في يدها قضيب مِن ألخيزران فغرزت ألقضيب في ألطاجن و قالت: يا سمك يا سمك هَل أنت علي ألعهد ألقديم مقيم،
فلما رات ألجاريه هَذا غشى عَليها و قَد أعادت ألصبيه ألقول ثانيا و ثالثا فرفع ألسمك راسه في ألطاجن و قال: نعم،
نعم ثُم قال جميعه هَذا ألبيت:

ان عدت عدنا و أن و أفيت و أفينا و أن هجرت فانا قَد تكافينا
فعِند ذَلِك قلبت ألصبيه ألطاجن و خرجت مِن ألموضع ألذى دخلت مِنه و ألتحمت حائط ألمطبخ ثُم أقامت ألجاريه فرات ألاربع سمكات محروقه مِثل ألفحم ألاسود،
فقالت تلك ألجاريه مِن أول غزوته حصل كسر عصبته فبينما هى تعاتب نفْسها،
واذا بالوزير و أقف علي راسها،
وقال لَها هاتى ألسمك للسلطان فبكت ألجاريه و أعلمت ألوزير بالحال أنه أرسل ألي ألصياد فاتوا بِه أليه،
فقال لَه أيها ألصياد لا بد أن تجيب لنا باربع سمكات مِثل ألتى جئت بها أولا.

فخرج ألصياد ألي ألبركه و طرح شبكته ثُم جذبها و أذا باربع سمكات،
فاخذها و جاءَ بها ألي ألوزير،
فدخل بها ألوزير ألي ألجاريه و قال لَها قومى أقليها قدامي،
حتي أري هَذه ألقضيه فقامت ألجاريه أصلحت ألسمك،
ووضعته في ألطاجن علي ألنار فما أستقر ألا قلِيلا و أذا بالحائط قَد أنشقت،
والصبيه قَد ظهرت و هى لابسه ملبسها و في يدها ألقضيب فغرزته في ألطاجن و قالت: يا سمك هَل أنت علي ألعهد ألقديم مقيم،
فرفعت ألسمكات رؤوسها و أنشدت هَذا ألبيت:

ان عدت عدنا و أن و أفيت و أفينا و أن هجرت فانا قَد تكافينا
وفى ألليله ألسابعه قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أنه لما تكلم ألسمك قلبت ألصبيه ألطاجن بالقضيب و خرجت مِن ألموضع ألذى جاءت مِنه و ألتحم ألحائط،
فعِند ذَلِك قام ألوزير و قال: هَذا أمر لا يُمكن أخفاؤه عَن ألملك،
ثم أنه تقدم ألي ألملك و أخبره بما جري قدامه فقال: لا بد أن أنظر بعين،
فارسل ألي ألصياد و أمَره أن ياتى باربع سمكات مِثل ألاول و أمهله ثلاثه أيام.
فذهب ألصياد ألي ألبركه و أتاه بالسمك في ألحال.
فامر ألملك أن يعطوه أربعمائه دينار.
ثم ألتفت ألملك ألي ألوزير و قال له: سو أنت ألسمك ههنا قدامى فقال ألوزير سمعا و طاعه ،
فاحضر ألطاجن و رمي فيه ألسمك بَعد أن نظفه ثُم قلبه و أذا بالحائط قَد أنشق و خرج مِنه عبد أسود كَانه ثور مِن ألثيران أو مِن قوم عاد و في يده قرع مِن شجره خضراءَ و قال بِكُلام فصيح مزعج: يا سمك يا سمك هَل أنت علي ألعهد ألقديم مقيم فرفع ألسمك راسه مِن ألطاجن و قال: نعم و أنشد هَذا ألبيت:

ان عدت عدنا و أن و أفيت و أفينا و أن هجرت فانا قَد تكافينا
ثم أقبل ألعبد علي ألطاجن و قلبه بالفرع ألي أن صار فحما أسود،
ثم ذَهب ألعبد مِن حيثُ أتى،
فلما غاب ألعبد عَن أعينهم قال ألملك: هَذا أمر لا يُمكن ألسكوت عنه،
ولا بد أن هَذا ألسمك لَه شان غريب،
فامر باحضار ألصياد،
فلما حضر قال له: مِن أين هَذا ألسمك فقال لَه مِن بركه بَين أربع جبال و راءَ هَذا ألجبل ألذى بظاهر مدينتك،
فالتفت ألملك ألي ألصياد و قال له: مسيره كَم يوم،
قال لَه يا مولاننا ألسلطان مسيره نصف ساعه .

فتعجب ألسلطان و أمر بخروج ألعسكر مِن و قته مَع ألصياد فصار ألصياد يلعن ألعفريت و ساروا ألي أن طلعوا ألجبل و نزلوا مِنه ألي بريه متسعه لَم يروها مده أعمارهم و ألسلطان و جميع ألعسكر يتعجبون مِن تلك ألبريه ألتى نظروها بَين أربع جبال و ألسمك فيها علي أربعه ألوان أبيض و أحمر و أصفر و أزرق.

فوقف ألملك متعجبا و قال للعسكر و لمن حضر: هَل أحد منكم راي هَذه ألبركه في هَذا ألمكان،
فقالوا كلهم لا،
فقال ألملك: و الله لا أدخل مدينتى و لا أجلس علي تخت ملكى حتي أعرف حقيقه هَذه ألبركه و سمكها.

ثم أمر ألناس بالنزول حَول هَذه ألجبال فنزلوا،
ثم دعا بالوزير و كَان و زيرا عاقلا عالما بالامور،
فلما حضر بَين يديه قال له: أنى أردت أن أعمل شيئا فاخبرك بِه و ذَلِك أنه خطر ببالى أن أنفرد بنفسى في هَذه ألليله و أبحث عَن خبر هَذه ألبركه و سمكها،
فاجلس علي باب خيمتى و قل للامراءَ و ألوزراءَ و ألحجاب أن ألسلطان متشوش و أمرنى أن لا أؤذن لاحد في ألدخول عَليه و لا تعلم أحد بقصدي،
فلم يقدر ألوزير علي مخالفته.

ثم أن ألملك غَير حالته و تقلد سيفه و أنسل مِن بينهم و مشي بقيه ليله ألي ألصباح،
فلم يزل سائرا حتي أشتد عَليه ألحر فاستراح ثُم مشي بقيه يومه و ليلته ألثانيه ألي ألصباح فلاح لَه سواد مِن بَعد ففرح و قال: لعلى أجد مِن يخبرنى بقضيه ألبركه و سمكها،
فلما قرب مِن ألسواد و جده قصرا مبنيا بالحجاره ألسود مصفحا بالحديد و أحد شقى بابه مفتوح و ألاخر مغلق.

ففرح ألملك و وقف علي ألباب و دق دقا لطيفا فلم يسمع جوابا،
فدق ثانيا و ثالثا فلم يسمع جوابا،
فدق رابعا دقا مزعجا فلم يجبه أحد،
فقال لا بد أنه خال،
فشجع نفْسه و دخل مِن باب ألقصر ألي دهليز ثُم صرخ و قال: يا أهل ألقصر أنى رجل غريب و عابر سبيل،
هل عندكم شيء مِن ألزاد و أعاد ألقول ثانيا و ثالثا فلم يسمع جوابا،
فقوى قلبه و ثبت نفْسه و دخل مِن ألدهليز ألي و سط ألقصر فلم يجد فيه أحد،
غير أنه مفروش و في و سطه فسقيه عَليها أربع سباع مِن ألذهب تلقى ألماءَ مِن أفواهها كالدر و ألجواهر و في دائره طيور و علي ذَلِك ألقصر شبكه تمنعها مِن ألطلوع،
فتعجب مِن ذَاك و تاسف حيثُ لَم ير فيه أحد يستخبر مِنه عَن تلك ألبركه و ألسمك و ألجبال و ألقصر،
ثم جلس بَين ألابواب يتفكر و أذا هُو بالين مِن كبد حزين فسمعه يترنم بهَذا ألشعر:

لما خفيت ضني و وجدى قَد ظهر و ألنوم مِن عينى تبدل بالسهر ناديت و جداً قَد تزايد بى ألفكر يا و جد لا تبقي علَى و لا تذر
ها مهجتى بَين ألمشقه و ألخطر

فلما سمع ألسلطان ذَلِك ألانين نهض قائما و قصد جهته فوجد سترا مسبولا علي باب مجلس فرفعه فراي خَلف ألستر شابا جالسا علي سرير مرتفع عَن ألارض مقدار ذَراع،
وهو شاب مليح بقد رجيح و لسان فصيح و جبين أزهر و خدا أحمر و شامه علي كرسى خده كترس مِن عنبر كَما قال ألشاعر:

ومهفهف مِن شعره و جبينه مشت ألوري في ظلمه و ضياء
ما أبصرت عيناك أحسن منظر فيما يري مِن سائر ألاشياء

كالشامه ألخضراءَ فَوق ألوجنه ألحمراءَ تَحْت ألمقله ألسوداء
ففرح بِه ألملك و سلم عَليه و ألصبى جالس و عَليه قباءَ حرير بطراز مِن ذَهب لكِن عَليه أثر ألحزن،
فرد ألسلام علي ألملك و قال له: يا سيدى أعذرنى عَن عدَم ألقيام،
فقال ألملك: أيها ألشاب أخبرنى عَن هَذه ألبركه و عَن سمكها ألملون و عَن هَذا ألقصر و سَبب و حدتك فيه و ما سَبب بكائك فلما سمع ألشاب هَذا ألكلام نزلت دموعه علي خده و بكي بكاءَ شديدا،
فتعجب ألملك و قال: ما يبكيك أيها ألشاب فقال كَيف لا أبكى و هَذه حالتي،
ومد يده ألي أذياله فاذا نصفه ألتحتانى ألي قدميه حجر و مِن صرته ألي شعر راسه بشر.

ثم قال ألشاب: أعلم أيها ألملك أن لهَذا أمرا عجيبا لَو كتب بالابر علي أفاق ألبصر لكان عبره لمن أعتبر،
وذلِك يا سيدى أنه كَان و ألدى ملك هَذه ألمدينه و كَان أسمع محمود ألجزائر ألسود و صاحب هَذه ألجبال ألاربعه أقام في ألملك سبعين عاما ثُم توفى و ألدى و تسلطنت بَعده و تزوجت بابنه عمى و كَانت تحبنى محبه عظيمه بحيثُ أذا غبت عنها لا تاكل و لا تشرب حتي تراني،
فمكثت في عصمتى خمس سنين ألي أن ذَهبت يوما ألي ألحمام فامرت ألطباخ أن يجهز لنا طعاما لاجل ألعشاء،
ثم دخلت هَذا ألقصر و نمت في ألموضع ألذى أنا فيه و أمرت جاريتين أن يروحا علي و جهى فجلست و أحده عِند راسى و ألاخري عِند رجلى و قَد قلقت لغيابها و لَم ياخذنى نوم غَير أن عينى مغمضه و نفْسى يقظانه .

فسمعت ألتى عِند راسى تقول للتى عِند رجلى يا مسعوده أن سيدنا مسكين شبابه و يا خسارته مَع سيدتنا ألخبيثه ألخاطئه .
فقالت ألاخرى: لعن الله ألنساءَ ألزانيات و لكِن مِثل سيدنا و أخلاقه لا يصلح لهَذه ألزانيه ألتى كُل ليله تبيت في غَير فراشه.

فقالت ألتى عِند راسي: أن سيدنا مغفل حيثُ لَم يسال عنها.
فقالت ألاخري و يلك و هَل عِند سيدنا علم بحالها أو هى تخليه باختياره بل تعمل لَه عملا في قدح ألشراب ألذى يشربه كُل ليله قَبل ألمنام فتضع فيه ألبنج فينام و لَم يشعر بما يجرى و لَم يعلم أين تذهب و لا بما تصنع لأنها بَعدما تسقيه ألشراب تلبس ثيابها و تخرج مِن عنده فتغيب ألي ألفجر و تاتى أليه و تبخره عِند أنفه بشيء فيستيقظ مِن منامه.

فلما سمعت كلام ألجوارى صار ألضيا في و جهى ظلاما و ما صدقت أن ألليل أقبل و جاءت بنت عمى مِن ألحمام فمدا ألسماط و أكلنا و جلسنا ساعه زمنيه نتنادم كالعاده ثُم دعوت بالشراب ألذى أشربه عِند ألمنام فناولتنى ألكاس فراوغت عنه و جعلت أشربه مِثل عادتى و دلقته في عبى و رقدت في ألوقت و ألساعه و أذا بها قالت: نم ليتك لَم تقم،
والله كرهتك و كرهت صورتك و ملت نفْسى مِن عشرتك.
ثم قامت و لبست أخفر ثيابها و تبخرت و تقلدت سيفا و فَتحت باب ألقصر و خرجت.

فقمت و تبعتها حتي خرجت و شقت في أسواق ألمدينه ألي أن أنتهت ألي أبواب ألمدينه فتكلمت بِكُلام لا أفهمه فتساقطت ألاقفال و أنفتحت ألابواب و خرجت و أنا خَلفها و هى لا تشعر حتي أنتهت ألي ما بَين ألكيمان و أتت حصنا فيه قبه مبنيه بطين لَها باب فدخلته هى و صعدت أنا علي سطح ألقبه و أشرفت عَليها أذا بها قَد دخلت علي عبد أسود أحدي شفتيه غطاءَ و شفته ألثانيه و طاءَ و شفاهه تلقط ألرمل مِن ألحصي و هى مبتلى و راقد علي قلِيل مِن قش ألقصب فقبلت ألارض بَين يديه.

فرفع ذَلِك ألعبد راسه أليها و قال لها: و يلك ما سَبب قعودك ألي هَذه ألساعه كَان عندنا ألسودان و شربوا ألشراب و صار كُل و أحد بعشيقته و أنا ما رضيت أن أشرب مِن شانك،
فقالت: يا سيدى و حبيب قلبى أما تعلم أنى متزوجه بابن عمى و أنا أكره ألنظر في صورته و أبغض نفْسى في صحبته،
ولولا أنى أخشي علي خاطرك لكِنت جعلت ألمدينه خرابا يصبح فيها ألبوم و ألغراب و أنقل حجارتها ألي جبل قاف.

فقال ألعبد: تكذبين يا عاهره و أنا أحلف و حق فتوه ألسودان و ألا تَكون مروءتنا مروءه ألبيضان.
ان بقيت تقعدى ألي هَذا ألوقت مِن هَذا أليوم لا أصاحبك و لا أضع جسدى علي جسدك،
يا خائنه تغيبين علَى مِن أجل شهوتك يا منتنه يا أخت ألبيضان.

قال ألملك: فلما سمعت كلامها و أنا أنظر بعينى ما جري بينهما صارت ألدنيا في و جهى ظلاما و لَم أعرف روحى في أى موضع و صارت بنت عمى و أقفه تبكى أليه و تتدلل بَين يديه و تقول له: يا حبيبى و ثمَره فؤادى ما أحد غَيرك بقى لى فإن طردتنى يا و يلى يا حبيبى يا نور عيني.
وما زالت تبكى و تضرع لَه حتي رضى عَليها ففرحت قامت و قلعت ثياب و لباسها و قالت له: يا سيدى هَل عندك ما تاكله جاريتك،
فقال لَها أكشفى أللقان فإن تَحْتها عظام فيران مطبوخه فكليها و مرمشيها و قومى لهَذه ألقواره تجدين فيها بوظه فاشربيها.

فقامت و أكلت و شربت و غسلت يديها،
وجاءت فرقدت مَع ألعبد علي قش ألقصب و تعرت و دخلت معه تَحْت ألهدمه و ألشرايط فلما نظرت هَذه ألفعال ألتى فعلتها بنت عمى و هممت أن أقتل ألاثنين فضربت ألعبد أولا علي رقبته فظننت أنه قضى عَليه.

وادرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح،
فلما أصبح ألصباح دخل ألملك ألي محل ألحكم و أحتبك ألديوان ألي أخر ألنهار،
ثم طلع ألملك قصره فقالت لَها أختها دنيازاد: تممى لنا حديثك،
قالت: حبا و كرامه .

وفى ألليله ألثامنه قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد،
ان ألشاب ألمسحور قال للملك: لما ضربت ألعبد لاقطع راسه قطعت ألحلقوم و ألجلد و أللحم فظننت أنى قتلته فشخر شخيرا عاليا فَتحركت بنت عمى و قامت بَعد ذَهابى فاخذت ألسيف و ردته ألي موضعه و أتت ألمدينه و دخلت ألقصر و رقدت في فراشى ألي ألصباح،
ورايت بنت عمى في ذَلِك أليوم قَد قطعت شعرها و لبست ثياب ألحزن و قالت: يا أبن عمى لا تلمنى فيما أفعله،
فانه بلغنى أن و ألدتى توفيت و أن و ألدى قتل في ألجهاد،
وان أخوى أحدهما مات ملسوعا و ألاخر رديما فيحق لى أن أبكى و أحزن،
فلما سمعت كلامها سكت عنها و قلت لها: أفعلى ما بدا لك فانى لا أخالفك،
فمكثت في حزن و بكاءَ و عدَدى سنه كامله مِن ألحَول ألي ألحول،
وبعد ألسنه قالت لى أريد أن أبنى في قصرك مدفنا مِثل ألقبه و أنفرد فيه بالاحزان أسميه بيت ألاحزان.

فقلت لهاك أفعلى ما بدا لك فبنت لَها بيتا للحزن في و سطه قبه و مدفنا مِثل ألضريح ثُم نقلت ألعبد و أنزلته فيه و هُو ضعيف جداً لا ينفعها بنافعه لكِنه يشرب ألشراب،
ومن أليوم ألذى جرحته فيه ما تكلم ألا أنه حى لان أجله لَم يفرغ فصارت كُل يوم تدخل عَليه ألقبه بكره و عشيا و تبكى عنده،
وتعدَد عَليه و تسقيه ألشراب و ألمساليق و لَم تزل علي هَذه ألحاله صباحا و مساءَ ألي ثانى سنه و أنا أطول بالى عَليها ألي أن دخلت عَليها يوما مِن ألايام،
علي غفله فوجدتها تبكى و تلطم و جهها و تقول هَذه ألابيات:

عدمت و جودى في ألوري بَعد بَعدكم فإن فؤادى لا يحب سواكم
خذوا كرما جسمى ألي أين ترتموا و أين حللتم فادفنونى حداكم

وان تذكروا أسمى عِند قبرى يجيبكم أنين عظامى عِند صوت نداكم
فلما فرغت مِن شعرها قلت لَها و سيفى مسلول في يدي: هَذا كلام ألخائنات أللاتى يسكرن ألمعشره،
ولا يحفظن ألصحه و أردت أن أضربها فرفعت يدى في ألهواءَ فقامت و قَد علمت أنى أنا ألذى جرح ألعبد ثُم و قعت علي قدميها و تكلمت بِكُلام لا أفهمه،
وقالت جعل الله بسحرى نصفك حجرا و نصفك ألاخر بشرا،
فصرت كَما تري و بقيت لا أقوم و لا أقعد و لا أنا ميت و لا أنا حي.

فلما صرت هكذا سحرت ألمدينه و ما فيها مِن ألاسواق و ألغبطان و كَانت مدينتنا أربعه أصناف مسلمين و نصاري و يهود و مجوس فسحرتهم سمكا،
فالابيض مسلمون و ألاحمر مجوس و ألازرق نصاري و ألاصفر يهود و سحرت ألجزائر ألاربعه جبال و أحاطتها بالبركه ،
ثم أنها كُل يوم تعذبني،
وتضربنى بسوط مِن ألجلد مائه ضربه حتي يسيل ألدم ثُم تلبسنى مِن تَحْت هَذه ألثياب ثوبا مِن ألشعر علي نصفى ألفوقانى ثُم أن ألشاب بكي و أنشد:

صبرا لحكمك يا أله ألقضا أنا صابر أن كَان فيه لك ألرضا قَد ضقت بالاسر ألذى قَد نابنى فوسيلنى أل ألنبى ألمرتضى
فعِند ذَلِك ألتفت ألملك ألي ألشاب و قال له: أيها ألشاب زدتنى هما علي همي،
ثم قال له: و أين تلك ألمراه قال في ألمدفن ألذى فيه ألعبد راقد في ألقبه و هى تجيء لَه كُل يوم مَره و عِند مجيئها تجيء ألي و تجردنى مِن ثيابى و تضربنى بالسوط مئه ضربه و أنا أبكى و أصيح و لَم يكن في حركه حتي أدفعها عَن نفْسى ثُم بَعد أن تعاقبنى تذهب ألي ألعبد بالشراب و ألمسلوقه بكره ألنهار.
قال ألملك: و الله يا فتي لافعلن معك معروفا أذكر بِه و جميلا يؤرخونه سيرا مِن بَعدي،
ثم جلس ألملك يتحدث معه ألي أن أقبل ألليل ثُم قام ألملك و صبر ألي أن جاءَ و قت ألسحر فتجرد مِن ثيابه و تقلد سيفه و نهض ألي ألمحل ألذى فيه ألعبد فنظر ألي ألشمع و ألقناديل و راي ألبخور و ألادهان ثُم قصد ألعبد و ضربه فقتله ثُم حمله علي ظهره و رماه في بئر كَانت في ألقصر،
ثم نزل و لبس ثياب ألعبد و هُو داخِل ألقبه و ألسيف معه مسلول في طوله،
فبعد ساعه أتت ألعاهره ألساحره و عِند دخولها جردت أبن عمها مِن ثيابه و أخذت سوطا،
وضربته فقال أه يكفينى ما أنا فيه فارحمينى فقالت: هَل كنت أنت رحمتنى و أبقيت لى معشوق،
ثم ألبسته أللباس ألشعر و ألقماش مِن فَوقه ثُم نزلت ألي ألعبد و معها قدح ألشراب و طاسه ألمسلوقه و دخلت عَليه ألقبه و بكت و ولولت و قالت: يا سيدى كلمنى يا سيدى حدثنى و أنشدت تقول:

فالي متي هَذا ألتجنب و ألجفا أن ألذى فعل ألغرام لقد كفي كَم قَد تطيل ألهجر لى معتمدا أن كَان قصدك حاسدى فقد أشتفى
ثم أنها بكت و قالت: يا سيدى كلمنى و حدثنى فخفض صوته،
وعوج لسانه و تكلم بِكُلام ألسودان و قال: أه لا حَول و لا قوه ألا بالله فلما سمعت كلامه صرخت مِن ألفرح و غشى عَليها ثُم أنها أستفاقت و قالت لعل سيدى صحيح،
فخفض صوته بضعف و قال: يا عاهره أنت لا تستحقى أن أكلمك،
قالت ما سَبب ذَلك،
قال سَببه أنك طول ألنهار تعاقبين زوجك و هُو يصرخ و يستغيث حتي أحرمتينى ألنوم مِن ألعشاءَ ألي ألصباح،
ولم يزل زوجك يتضرع و يدعو عليك حتي أقلقنى صوته و لولا هَذا لكِنت تعافيت فهَذا ألذى مَنعنى عَن جوابك،
فقالت عَن أذنك أخلصه مما هُو فيه،
فقال لها: خلصيه و أريحينا فقالت: سمعا و طاعه .

ثم قامت و خرجت مِن ألقبه ألي ألقصر و أخذت طاسه ملاتها ماءَ ثُم تكلمت عَليها فصار ألماءَ يغلى بالقدر ثُم رشته مِنها و قالت: بحق ما تلوته أن تخرج مِن هَذه ألصوره ألي صورتك ألاولى: فانتفض ألشاب و قام علي قدميه،
وفرح بخلاصه و قال: أشهد أن لا أله ألا الله و أن محمدا رسول الله صلي الله عَليه و سلم،
ثم قالت له: أخرج و لا ترجع ألي هُنا و ألا قتلتك و صرخت في و جهه.

فخرج مِن بَين يديها و عادت ألي ألقبه و نزلت و قالت: يا سيدى أخرج ألى حتي أنظرك،
فقال لَها بِكُلام ضعيف أى شيء فعلتيه،
ارحتينى مِن ألفرع و لَم تريحينى مِن ألاصل،
فقالت يا حبيبى و ما هُو ألاصل قال: أهل هَذه ألمدينه و ألاربع جزائر كُل ليله ،
اذا أنتصف ألليل يرفع ألسمك راسه و يدعو علَى و عليك فَهو سَبب مَنع ألعافيه عَن جسمي،
فخلصيهم و تعالى خذى بيدي،
واقيميني،
فقد توجهت ألي ألعافيه فلما سمعت كلام ألملك و هى تظنه ألعبد،
قالت لَه و هى فرحه يا سيدى علي راسى و عينى بسم ألله،
ثم نهضت و قامت و هى مسروره تجرى و خرجت ألي ألبركه و أخذت مِن مائها قلِيلا،
وادرك شهريار ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

ففى ألليله ألتاسعه قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألصبيه ألساحره ،
لما أخذت شيئا مِن هَذه ألبركه و تكلمت عَليه بِكُلام لا يفهم تحرك ألسمك،
ورفع راسه و صار أدميين في ألحال،
وانفك ألسحر عَن أهل ألمدينه و أصبحت عامَره و ألاسواق منصوبه ،
وصار كُل و أحد في صناعته و أنقلبت ألجبال جزائر،
كَما كَانت ثُم أن ألصبيه ألساحره رجعت ألي ألملك في ألحال و هى تظن أنه ألعبد،
وقالت يا حبيبى ناولنى يدك ألكريمه أقبلها.

فقال ألملك بِكُلام خفي: تقربى مني،
فدنت مِنه و قَد أخذَ صارمه و طعنها بِه في صدرها حتي خرج مِن ظهرها ثُم ضربها فشقها نصفين و خرج فوجد ألشاب ألمسحور و أقفا في أنتظاره فهناه بالسلامه و قَبل ألشاب يده و شكره فقال لَه ألملك: تقعد مدينتك أن تجيء معى ألي مدينتى فقال ألشاب: يا ملك ألزمان أتدرى ما بينك و بَين مدينتك فقال يومان و نصف فعِند ذَلِك قال لَه ألشاب: أن كنت نائما فاستيقظ أن بينك و بَين مدينتك سنه للمجد و ما أتيت في يومين و نصف ألا لان ألمدينه كَانت مسحوره و أنا أيها ألملك لا أفارقك لحظه عين.

ففرح ألملك بقوله ثُم قال ألحمد لله ألذى مِن علَى بك فانت و لدى لانى طول عمرى لَم أرزق و لدا.
ثم تعانقا و فرحا فرحا شديدا،
ثم مشيا حتي و صلا ألي ألقصر و أخبر ألملك ألذى كَان مسحورا أرباب دولته أنه مسافر ألي ألحج ألشريف فهيئوا لَه كُل ما يحتاج أليه ثُم توجه هُو و ألسلطان و قلب ألسلطان ملتهب علي مدينته حيثُ غاب عنها سنه .
ثم سافر و معه خمسون مملوكا و معه ألهدايا،
ولم يزالا مسافرين ليلا و نهارا سنه كامله حتي أقبلا علي مدينه ألسلطان.

فخرج ألوزير و ألعساكر بَعدما قطعوا ألرجاءَ مِنه و أقبلت ألعساكر و قَبلت ألارض بَين يديه و هنؤه بالسلامه فدخل و جلس علي ألكرسى ثُم أقبل علي ألوزير و أعلمه بِكُل ما جري علي ألشاب،
فلما سمع ألوزير ما جري علي ألشاب هناه بالسلامه .

ولما أستقر ألحال أنعم ألسلطان علي أناس كثِيرون،
ثم قال للوزير علَى بالصياد ألذى أتي بالسمك فارسل ألي ذَلِك ألصياد ألذى كَان سَببا لخلاص أهل ألمدينه فاحضره و خلع عَليه و ساله عَن حاله و هَل لَه أولاد فاخبره أن لَه أبنا و بنتين فتزوج ألملك باحدي بنتيه و تزوج ألشاب بالاخرى،.
واخذَ ألملك ألابن عنده و جعله خازندارا،
ثم أرسل ألوزير ألي مدينه ألشاب ألتى هى ألجزائر ألسود و قلده سلطنتها و أرسل معه ألخمسين مملوكا ألذين جاؤوا معه و كثِيرا مِن ألخلع لسائر ألامراء.
فقبل ألوزير يديه و خرج مسافرا و أستقر ألسلطان و ألشاب.
واما ألصياد فانه قَد صار أغني أهل زمانه و بناته زوجات ألملوك ألي أن أتاهم ألممات،
وما هَذا باعجب مما جري للحمال.

حكايه ألحمال مَع ألبنات[عدل] فانه كَان أنسان مِن مدينه بغداد و كَان حمالا.
فبينما هُو في ألسوق يوما مِن ألايام متكئا علي قفصه أذَ و قفت عَليه أمراه ملتفه بازار موصلى مِن حرير مزركش بالذهب و حاشيتاه مِن قصب فرفعت قناعها فبان مِن تَحْته عيون سوداءَ باهداب و أجفان و هى ناعمه ألاطراف كامله ألاوصاف،
وبعد ذَلِك قالت بحلاوه لفظها: هات قفصك و أتبعني.
فحمل ألحمال ألقفص و تبعها ألي أن و قفت علي باب دار فطرقت ألباب فنزل لَه رجل نصراني،
فاعطته دينارا و أخذت مِنه مقدارا مِن ألزيتون و وَضعته في ألقفص و قالت له: أحمله و أتبعني،
فقال ألحمال: هَذا و الله نهار مبارك.
ثم حمل ألقفص و تبعها فَوقفت عِند دكان فاكهانى و أشترت مِنه تفاحا شاميا و سفرجلا عثمانيا و خوخا عمانيا و ياسمينا حلبيا و بنو فراده شقيا و خيارا نيليا و ليمونا مصريا و تمر حنا و شقائق ألنعمان و بنفسجا و وَضعت ألكُل في قفص ألحمال و قالت له: أحمل،
فحمل و تبعها حتي و قفت علي جزار و قالت له: أقطع عشره أرطال لحمه فقطع لها،
ولفت أللحم في و رق موز و وَضعته في ألقفص و قالت له: أحمل يا حمال فحمل و تبعها،
ثم و قفت علي ألنقلى و أخذت مِن سائر ألنقل و قالت للحمال: أحمل و أتبعنى فحمل ألقفص و تبعها ألي أن و قفت علي دكان ألحلوانى و أشترت طبقا و ملاته كُل ما عنده مِن مشبك و قطايف و ميمونه و أمشاط و أصابع و لقيمات ألقاضى و وَضعت كُل أنواع ألحلاوه في ألطبق و وَضعته في ألقفص.
فقال ألحمال: لَو أعلمتنى لجئت معى ببغل تحمل عَليه هَذه ألاشياء،
فتبسمت.
ثم و قفت علي ألعطار و أشترت مِنه عشره مياه ماءَ و رد و ماءَ زهر و خلافه و أخذت قدرا مِن ألسكر و أخذت ماءَ و رد ممسك و حصي لبان ذَكر و عودا عنبر و مسكا و أخذت شمعا أسكندرانيا و وَضعت ألكُل في ألقفص و قالت للحمال: أحمل قفصك و أتبعني،
فحمل ألقفص و تبعها ألي أن أتت دارا مليحه و قدامها رحبه فسيحه و هى عاليه ألبنيان مشيده ألاركان بابها صنع مِن ألابنوس مصفح بصفائح ألذهب ألاحمر،
فوقفت ألصبيه علي ألباب و دقت دقا لطيفا و أذا بالباب أنفَتح بشقتيه.

فنظر ألحمال ألي مِن فَتح لَها ألباب فوجدها صبيه رشيقه ألقد قاعده ألنهد ذََات حسن و جمال و قَد و أعتدال و جبين كثغره ألهلال و عيون كعيون ألغزلان و حواجب كهلال رمضان و خدود مِثل شقائق ألنعمان و فم كخاتم سليمان و وجه كالبدر في ألاشراق و نهدين كرمانتين و بطن مطوى تَحْت ألثياب كطى ألسجل للكتاب.
فلما نظر ألحمال أليها سلبت عقله و كاد ألقفص أن يقع مِن فَوق راسه،
ثم قال: ما رايت عمرى أبرك مِن هَذا ألنهار،
فقالت ألصبيه ألبوابه للدلاله و ألحمال مرحبا و هى مِن داخِل ألباب و مشوا حتي أنتهوا ألي قاعه فسيحه مزركشه مليحه ذََات تراكيب و شاذر و أثاث و مصاطب و سدلات و خزائن عَليها ألستور مرخيات،
وفى و سط ألقاعه سرير مِن ألمرمر مرصع بالدر و ألجوهر منصوب عَليه ناموسيه مِن ألاطلس ألاحمر و مِن داخِله صبيه بعيون بابليه و قامه ألفيه و وجه يخجل ألشمس ألمضيئه ،
فكأنها بَعض ألكواكب ألدريه أو عقيله عربيه كَما قال فيها ألشاعر:

من قاس قدك بالغصن ألرطيب فقد أضحي ألقياس بِه زورا و بهتانا ألغصن أحسن ما تلقاه مكتسبا و أنت أحسن ما تلقاه عريانا
فنهضت ألصبيه ألثالثه مِن فَوق ألسرير و خطرت قلِيلا ألي أن صارت في و سط ألقاعه عِند أختيها و قالت: ما و قوفهم،
حطوا عَن راس هَذا ألحمال ألمسكين،
فجاءت ألدلاله مِن قدامه و ألبوابه مِن خَلفه،
وساعدتهما ألثالثه و حططن عَن ألحمال و أفرغن ما في ألقفص و صفوا كُل شيء في محله و أعطين ألحمال دينارين و قلن له: توجه يا حمال،
فنظر ألي ألبنات و ما هن فيه مِن ألحسن و ألطبائع ألحسان فلم ير أحسن مِنهن و لكِن ليس عندهن رجال.
ونظر ما عندهن مِن ألشراب و ألفواكه و ألمشمومات و غَير ذَلِك فتعجب غايه ألعجب و وقف عَن ألخروج،
فقالت لَه ألصبيه : ما بالك لا تروح هَل أنت أستقللت ألاجره ،
والتفتت ألي أختها و قالت لها: أعطيه دينارا أخر فقال ألحمال: و الله يا سيداتى أن أجرتى نصفان،
وما أستقللت ألاجره و أنما أشتغل قلبى و سرى بكن و كَيف حالكن و أنتن و حدكن و ما عندكن رجال و لا أحد يؤانسكن و أنتن تعرفن أن ألمناره لا تثبت ألا علي أربعه و ليس لكِن رابع،
وما يكمل حظ ألنساءَ ألا بالرجال كَما قال ألشاعر:

انظر ألي أربع عندى قَد أجتمعت جنك و عود و قانون و مزمار
انتن ثلاثه فتفتقرن ألي رابع يَكون رجلا عاقلا لبيبا حاذقا و للاسرار كاتما فقلن له: نحن بنات و نخاف أن نودع ألسر عِند مِن لا يحفظه،
وقد قرانا في ألاخبار شعرا:

صن عَن سواك ألسر لا تودعنه مِن أودع ألسر فقد ضيعه
فلما سمع ألحمال كلامهن قال: و حياتكُن أنى رجل عاقل أمين قرات ألكتب و طالعت ألتواريخ،
اظهر ألجميل و أخفى ألقبيح و أعمل بقول ألشاعر:

لا يكتم ألسر ألا كُل ذَى ثقه و ألسر عِند خيار ألناس مكتوم ألسر عندى في بيت لَه غلق ضاعت ألفاتحه و ألباب مختوم
فلما سمعت ألبنات ألشعر و ألنظام و ما أبداه مِن ألكلام قلن له: أنت تعلم أننا غرمنا علي هَذا ألمقام جمله مِن ألمال فهل معك شيء تجازينا به،
فنحن لا ندعك تجلس عندنا حتي تغرم مبلغنا مِن ألمال لان خاطرك أن تجلس عندنا و تصير نديمنا و تطلع علي و جوهنا ألصباح ألملاح.
فقالت صاحبه ألدار: و أذا كَانت بغير ألمال محبه فلا تساوى و زن حبه ،
وقالت ألبوابه أن يكن معك شيء رح بلا شيء فقالت ألدلاله يا أختى نكف عنه فوالله ما قصر أليوم معنا و لَو كَان غَيره ما طول روحه علينا و مُهما جاءَ عَليه أغرمه عنه.
ففرح ألحمال و قال و الله ما أستفتحت بالدراهم ألا منكن،
فقلن لَه أجلس علي ألراس و ألعين و قامت ألدلاله و شدت و سطها و صبت ألقنانى و روقت ألمدام و عملت ألخضره علي جانب ألبحر و أحضرت ما يحتاجون أليه ثُم قدمت و جلست هى و أختها و جلس ألحمال بينهن و هُو يظن أنه في ألمنام.
ولم يزل ألحمال معهن في عناق و تقبيل و هَذه تكلمه و هَذه تجذبه و هَذه بالمشموم تضربه و هُو معهن حتي لعبت ألخمَره بعقولهم.
فلما تحكم ألشراب معهم قامت ألبوابه و تجردت مِن ثيابها و صارت عريانه ثُم رمت نفْسها في تلك ألبحيره و لعبت في ألماءَ و أخذت ألماءَ في فمها و بخت ألحمال ثُم غسلت أعضاءها و ما بَين فخذيها ثُم طلعت مِن ألماءَ و رمت نفْسها في حجر ألحمال و قالت لَه يا حبيبى ما أسم هَذا و أشارت ألي فرجها.

فقال ألحمال رحمك،
فقالت يوه أما تستحى و مسكته مِن رقبته و صارت تصكه فقال فرجك،
فقالت غَيره فقال: كسك،
فقالت غَيره فقال زنبورك،
فلم تزل تصكه حتي ذَاب قفاه و رقبته مِن ألصك،
ثم قال لَها و ما أسمه فقالت له: حبق ألجسور،
فقال ألحمد لله علي ألسلامه يا حبق ألجسور.
ثم أنهم أداروا ألكاس و ألطاس.
فقامت ألثانيه و خلعت ثيابها و رمت نفْسها في تلك ألبحيره و عملت مِثل ألاولي و طلعت و رمت نفْسها في حجر ألحمال،
واشارت ألي فرجها و قالت لَه نور عينى ما أسم هَذا قال فرجك،
فقالت له: ما يقبح عليك هَذا ألكلام و صكته كفا طن لَه سائر ما في ألقاعه فقال حبق ألجسور،
فقالت له: لا،
والضرب و ألصك مِن قفاه فقال لَها و ما أسمه فقالت لَه ألسمسم ألمقشور.
ثم قامت ألثالثه و خلعت ثيابها و نزلت تلك ألبحيره و فعلت مِثل مِن قَبلها ثُم لبست ثيابها و ألقت نفْسها في حجر ألحمال و قالت لَه أيضا ما أسم هَذا و أشارت ألي فرجها،
فصار يقول لَها كذا و كذا ألي أن قال لَها و هى تضربه و ما أسمه فقالت خان أبى منصور.
ثم بَعد ساعه قام ألحمال و نزع ثيابه و نزل ألبحيره و ذَكره يسبح في ألماءَ و غسل مِثل ما غسلن.
ثم طلع و رمي نفْسه في حجر سيدتهن و رمي ذَراعيه في حجر ألبوابه و رمي رجليه في حجر ألدلاله ثُم أشار ألي أيره،
وقال: يا سيدتى ما أسم هَذا فضحك ألكُل علي كلامه حتي أنقلبن علي ظهورهن و قلن زبك قال لا و أخذَ مِن كُل و أحده عضه قلن أيرك قال لا،
واخذَ مِن كُل و أحده حضنا.
وادرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

و في ألليله ألعاشره قالت لَها أختها دنيازاد: يا أختى أتمى لنا حديثك قالت حبا و كرامه : قَد بلغنى أيها ألملك ألسعيد أنهن لَم يزلن يقلن زبك،
ايرك و هُو يقبل و يعانق و هن يتضاحكن ألي أن قلن لَه و ما أسمه قال: أسمه ألبغل ألجسور ألذى رعي حبق ألجسور و يلعق ألسمسم ألمقشور و يبيت في خان أبى منصور فضحكن حتي أستلقين علي ظهورهن ثُم عادوا ألي منادمتهم و لَم يزالوا كذلِك ألي أن أقبل ألليل عَليهم فقلن للحمال توجه و أرنا عرض أكتافك.

فقال ألحمال و الله خروج ألروح أهون مِن ألخروج مِن عندكن،
دعونا نصل ألليل بالنهار و كُل منا يروح في حال سبيله فقالت ألدلاله بحياتى عندكن تدعنه ينام عندنا نضحك عَليه فانه خليع ظريف فقلن له: تبيت عندنا بشرط أن تدخل تَحْت ألحكم و مُهما رايته لا تسال عنه و لا عَن سَببه،
فقالت نعم،
فقلن قم و أقرا ما علي ألباب مكتوبا،
فقام ألي ألباب فوجد مكتوبا عَليه بماءَ ألذهب: لا تتكلم فيما لا يعنيك تسمع ما لا يرضيك.

فقال ألحمال أشهدوا أنى لا أتكلم فيما لا يعنيني،
ثم قامت ألدلاله و جهزت لَهُم ماكولا ثُم أوقدوا ألشمع و ألعود و قعدوا في أكل و شرب و أذا هُم سمعوا دق ألباب فلم يختل نظامهم فقامت و أحده مِنهن ألي ألباب ثُم عادت و قالت كمل صفاؤنا في هَذه ألليله لانى و جدت بالباب ثلاثه أعجام ذَقونهم محلوقه و هُم عور بالعين ألشمال و هَذا مِن أعجب ألاتفاق،
وهم ناس غرباءَ قَد حضروا مِن أرض ألروم و لكُل و أحد مِنهم شَكل و صوره مضحكه ،
فان دخلوا نضحك عَليهم.
ولم تزل تتلطف بصاحبتيها حتي قالتا لَها دعيهم يدخلون و أشترطى عَليهم أن لا يتكلموا في ما لا يعنيهم فيسمعوا ما لا يرضيهم.
ففرحت و زاحت ثُم عادت و معها ألثلاثه ألعور ذَقونهم محلوقه و شواربهم مبرومه ممشوقه و هُم صعاليك فسلموا فقام لَهُم ألبنات و أقعدوهم فنظر ألرجال ألثلاثه ألي ألحمال فوجدوه سكران فلما عاينوه ظنوا أنه مِنهم و قالوا: هُو صعلوك مِثلنا يؤانسنا.

فلما سمع ألحمال هَذا ألكلام قام و قلب عينيه و قال لهم: أقعدوا بلا فضول أما قراتم ما علي ألباب فضحك ألبنات و قلن لبعضهن أننا نضحك علي ألصعاليك و ألحمال،
ثم و ضعن ألاكل للصعاليك فاكلوا ثُم جلسوا يتنادمون و ألبوابه تسقيهم.

ولما دار ألكاس بينهم قال ألحمال للصعاليك يا أخواننا هَل معكم حكايه أو نادره تسلوننا بها فديت فيهم ألحراره و طلبوا ألات أللهو فاحضرت لَهُم ألبوابه فلموصليا و عودا عراقيا و جنكا عجميا فقام ألصعاليك و أقفين و أخذَ و أحد مِنهم ألدف،
واخذَ و أحد ألعود،
واخذَ و أحد ألجنك و ضربوا بها و غنت ألبنات و صار لَهُم صوت عال.
فبينما هُم كذلِك و أذا بطارق يطرق ألباب،
فقامت ألبوابه لتنظر مِن بالباب و كَان ألسَبب في دق ألباب أن في تلك ألليله نزل هارون ألرشيد لينظر و يسمع ما يتجدد مِن ألاخبار هُو و جعفر و زيره و سياف نقمته،
وكان مِن عادته أن يتنكر في صفه ألتجار،
فلما نزل تلك ألليله و مشي في ألمدينه جاءت طريقهم علي تلك ألدار فسمعوا ألات ألملاهى فقال ألخليفه جعفر هؤلاءَ قوم قَد دخل ألسكر فيهم و نخشي أن يصيبنا مِنهم شر،
فقال لا بد مِن دخولنا و أريد أن نتحيل حتي ندخل عَليهم فقال جعفر: سمعا و طاعه .

ثم تقدم جعفر و طرق ألباب فخرجت ألبوابه و فَتحت ألباب،
فقال لها: يا سيدتى نحن تجار مِن طبريه و لنا في بغداد عشره أيام و معنا تجاره و نحن نازلون في خان ألتجار و عزم علينا تاجر في هَذه ألليله فدخلنا عنده و قدم لنا طعاما فاكلنا ثُم تنادمنا عنده ساعه ،
ثم أذن لنا بالانصراف فخرجنا بالليل و نحن غرباءَ فتهنا عَن ألخان ألذى نحن فيه فنرجو مِن مكارمكم أن تدخلونا هَذه ألليله نبيت عندكم و لكُم ألثواب فنظرت ألبوابه أليهم فوجدتهم بهيئه ألتجار و عَليهم ألوقار فدخلت لصاحبتيها و شاورتهما فقالتا لَها أدخليهم.

فرجعت و فَتحت لَهُم ألباب فقالوا ندخل باذنك،
قالت أدخلوا فدخل ألخليفه و جعفر و مسرور فلما أتتهم ألبنات قمن لَهُم و خدمنهم و قلن مرحبا و أهلا و سهلا بضيوفنا،
ولنا عليكم شرط أن لا تتكلموا فيما لا يعنيكم فتسمعوا ما لا يرضيكم قالوا نعم.
وبعد ذَلِك جلسوا للشراب و ألمنادمه فنظر ألخليفه ألي ألصعاليك ألثلاثه فوجدهم عور ألعين ألشمال فتعجب مِنهم و نظر ألي ألبنات و ما هُم فيه مِن ألحسن و ألجمال فَتحير و تعجب،
واستمر في ألمنادمه و ألحديث و أتين ألخليفه بشراب فقال أنا حاج و أنعزل عنهم.

فقامت ألبوابه و قدمت لَه سفره مزركشه و وَضعت عَليها بمطيه مِن ألصينى و سكبت فيها ماءَ ألخلاف و أرخت فيه قطعه مِن ألثلج و مزجته بسكر فشكرها ألخليفه و قال في نفْسه لا بد أن أجازيها في غد علي فعلها مِن صنيع ألخير،
ثم أشتغلوا بمنادمتهم،
فلما تحكم ألشراب قامت صاحبه ألبيت و خدمتهم،
ثم أخذت بيد ألدلاله و قالت: يا أختى قومى بمقتضي ديننا فقالت لَها نعم،
فعِند ذَلِك قامت ألبوابه و أطلعت ألصعاليك خَلف ألابواب قدامهن و ذَلِك بَعد أن أخلت و سط ألقاعه و نادين ألحمال و قلن له: ما أقل مودتك ما أنت غريب بل أنت مِن أهل ألدار.

فقام ألحمال و شد أوسطه و قال: ما تردن فلن تقف مكانك،
ثم قامت ألدلاله و قالت للحمال ساعدني،
فراي كلبتين مِن ألكلاب ألسود في رقبتيهما جنازير فاخذهما ألحمال و دخل بهما ألي و سط ألقاعه فقامت صاحبه ألمنزل و شمرت عَن معصميها و أخذت سوطا و قالت للحمال قوم كلبه مِنهما فجرها في ألجنزير و قدمها و ألكلبه تبكى و تحرك راسها ألي ألصبيه فنزلت عَليها ألصبيه بالضرب علي راسها و ألكلبه تصرخ و ما زالت تضربها حتي كلت سواعدها فرمت ألسوط مِن يدها ثُم ضمت ألكلبه ألي صدرها و مسحت دموعها و قَبلت راسها ثُم قالت للحمال ردها و هات ألتاليه ،
فجاءَ بها و فعلت بها مِثل ما فعلت بالاولى.

فعِند ذَلِك أشتعل قلب ألخليفه و ضاق صدره و غمز جعفر أن يسالها،
فقال لَه بالاشاره أسكت،
ثم ألتفتت صاحبه ألبيت للبوابه و قالت لها: قومى لقضاءَ ما عليك قالت نعم.
ثم أن صاحبه ألبيت صعدت علي سرير مِن ألمرمر مصفح بالذهب و ألفضه و قالت ألبوابه و ألدلاله أئتيا بما عندكما،
فاما ألبوابه فأنها صعدت علي سرير بجانبها و أما ألدلاله فأنها دخلت مخدعا و أخرجت مِنه كيسا مِن ألاطلس باهداب خضر و وقفت قدام ألصبيه صاحبه ألمنزل و نفضت ألكيس و أخرجت مِنه عودا و أصلحت أوتاره و أنشدت هَذه ألابيات:

ردوا علي جفنى ألنوم ألذى سلبا و خبرونى بعقلى أيه ذَهبا
علمت لما رضيت ألحب منزله أن ألمنام علي جفنى قَد غصبا

قالوا عهدناك مِن أهل ألرشاد فما أغواك قلت أطلبوا مِن لحظه ألسببا

انى لَه عَن دمى ألمسفوك معتذر أقول حملته في سفكه تعبا

القي بمراه فكرى شمس صورته فعكسها شب في أحشائى أللهبا

من صاغه الله مِن ماءَ ألحياه و قَد أجري بقيته في ثغره شنبا

ماذَا تري في محب ما ذَكرت لَه ألا شكي أو بكي أو حن أو أطربا

يري خيالك في ألماءَ ألذلال أذا رام ألشراب فيروي و هُو ما شربا
وانشدت أيضا:

سكرت مِن لحظه لا مِن مدامته و مال بالنوم عَن عينى تمايله
فما ألسلاف سلتنى بل سوالفه و ما ألشمل شلتنى بل شمائله

لوى بعزمى أصداع لوين لَه و غال عقلى بما نحوي غلائله
فلما سمعت ألصبيه ذَلك،
قالت طيبك ألله،
ثم شقت ثيابها و وقعت علي ألارض مغشيا عَليها،
فلما نكشف جسدها راي ألخليفه أثر ضرب ألمقارع و ألسياط فتعجب مِن ذَلِك غايه ألعجب فقامت ألبوابه و رشت ألماءَ علي و جهها و أتت أليها بحله و ألبستها أياها،
فقال ألخليفه لجعفر أما تنظر ألي هَذه ألمراه و ما عَليها مِن أثر ألضرب،
فانا لا أقدر أن أسكت علي هَذا و ما أستريح ألا أن و قفت علي حقيقه خبر هَذه ألصبيه و حقيقه خبر هاتين ألكلبتين،
فقال جعفر: يا مولانا قَد شرطوا علينا شرطا و هُو أن لا نتكلم فيما لا يعنينا فنسمع ما لا يرضينا،
ثم قامت ألدلاله فاخذت ألعود و أسندته ألي نهدها،
وغمزته باناملها و أنشدت تقول:

ان شكونا ألهوي فماذَا تقول أو تلفنا شوقا فماذَا ألسبيل
او بعثنا رسلا نترجم عنا ما يؤدى شكوي ألمحب رسول

او صبرنا فما لنا مِن بقاءَ بَعد فقد ألاحباب ألا قلِيل

ليس ألا تاسفا ثُم حزنا و دموعا علي ألخدود تسيل

ايها ألغائبون عَن لمح عينى و عم في ألفؤاد منى حلول

هل حفظتم لدي ألهوي عهد صب ليس عنه مدي ألزمان يحول

ام نسيتِم علي ألتباعد صبا شفه فبكم ألضني و ألنحول

واذا ألحشر ضمنا أتمني مِن لدن و بنا حسابا يطول
فلما سمعت ألمراه ألثانيه شعر ألدلاله شقت ثيابها كَما فعلت ألاولي و صرخت ثُم ألقت نفْسها علي ألارض مغشيا عَليها،
فقامت ألدلاله و ألبستها حله ثانيه بَعد أن رشت ألماءَ علي و جهها ثُم قامت ألمراه ألثالثه و جلست علي سرير و قالت للدلاله غنى لى لا في دينى فما بقى غَير هَذا ألصوت فاصلحت ألدلاله ألعود و أنشدت هَذه ألابيات:

فالي متي هَذا ألصدود و ذَا ألجفا فلقد جوي مِن أدمعى ما قَد كفى
كم قَد أطلت ألهجر لى معتمدا أن كَان قصدك حاسدى فقد أشتفى

لو أنصف ألدهر ألخؤون لعاشق ما كَان يوم ألعواذل منصفا

فلمن أبوح بصبوتى يا قاتلى يا خيبه ألشاكى أذا فقد ألوفا

ويزيد و جدى في هواك تلهفا فمتي و عدت و لا رايتك مخلفا

يا مسلمون خذوا بنار متيم ألف ألشهاده لديه طرف ما غفا

ايحل في شرع ألغرام تذللى و يَكون غَيرى بالوصال مشرفا

ولقد كلفت بحبكم متلذذا و غدا عذولى في ألهوي متكلفا
فلما سمعت ألمراه ألثالثه قصيدتها صرخت و شقت ثيابها و ألقت نفْسها علي ألارض مغشيا عَليها فلما أنكشف جسدها ظهر فيه ضرب ألمقارع،
مثل مِن قَبلها فقال ألصعاليك ليتنا ما دخلنا هَذه ألدار و كنا بتنا علي ألكيمان،
فقد تكدر مبيتنا هُنا بشيء يقطع ألصلب فالتفت ألخليفه أليهم و قال لَهُم لَم ذَلِك قالوا قَد أشتغل سرنا بهَذا ألامر فقال ألخليفه أما أنتم مِن هَذا ألبيت،
قالوا لا و لا ظننا هَذا ألموضع ألا للرجل ألذى عندكم.
فقال ألحمال و الله ما رايت هَذا ألموضع ألا هَذه ألليله و ليتنى بت علي ألكيمان و لَم أبت فيه.

فقال ألكُل نحن سبعه رجال و هن ثلاث نسوه و ليس لهن رابعه فنسالهن عَن حالهن فإن لَم يجبننا طوعا أجبننا كرها و أتفق ألكُل علي ذَلك،
فقال جعفر ما هَذا راى سديد دعوهن فنحن ضيوف عندهن و قَد شرطن علينا،
شرطا فنوفى بِه و لَم يبق مِن ألليل ألا ألقليل و كُل منا يمضى ألي حال سبيله،
ثم أنه غمز ألخليفه و قال ما بقى غَير ساعه ،
وفى غد تحضرهن بَين يديك،
فتسالهن عَن قصتهن فابي ألخليفه و قال لَم يبق لى صبر عَن خبرهن و قَد كثر بينهن ألقيل و ألقال،
ثم قالوا و مِن يسالهن فقال بَعضهم ألحمال ثُم قال لَهُم ألنساءَ يا جماعه في أى شيء تتكلمون.

فقال ألحمال لصاحبه ألبيت و قال لَها يا سيدتى سالتك بالله و أقسم عليك بِه أن تخبرينا عَن حال ألكلبتين،
واى سَبب تعاقبيهما ثُم تعودين تبكين،
وتقبليهما و أن تخبرينا عَن سَبب ضرب أختك بالمقارع و هَذا سؤالنا و ألسلام فقالت صاحبه ألمكان للجماعه ما يقوله عنكم فقال ألكُل نعم،
الا جعفر فانه سكت.

فلما سمعت ألصبيه كلامهم قالت و الله لقد أذيتمونا يا ضيوفنا،
الاذيه ألبالغه ،
وتقدم لنا أننا شرطنا عليكم أن مِن تكلم فيما لا يعنيه،
سمع ما لا يرضيه أما كفا أننا أدخلناكم منزلنا و أطعمناكم زادنا و لكِن لا ذَنب لكُم و أنما ألذنب لمن أوصلكُم ألينا ثُم شمرت عَن معصمها و ضربت ألارض ثلاث ضربات و قالت عجلوا.

واذا بباب خزانه قَد فَتح و خرج مِنها سبعه عبيد بايديهم سيوف مسلوله و قالت كتفوا هؤلاءَ ألذين كثر كلامهم و أربطوا بَعضهم ببعض ففعلوا و قالوا أيتها ألمخدره أئذنى لنا في ضرب رقابهم،
فقالت أمهلوهم ساعه حتي أسالهم عَن حالهم قَبل ضرب رقابهم،
فقال ألحمال بالله يا سيدتى لا تقتلينى بذنب ألغير فإن ألكُل أخطاوا،
ودخلوا في ألذنب،
الا أنا و الله لقد كَانت ليلتنا طيبه لَو سلمنا مِن هؤلاءَ ألصعاليك ألذين لَو دخلوا مدينه عامَره لاخربوها،
ثم أنشد يقول:

ما أحسن ألغفران مِن قادر لا سيما عَن غَير ذَى ناصر بحرمه ألود ألذى بيننا لا تقتلى ألاول بالاخر
فلما فرغ ألحمال مِن كلامه ضحكت ألصبيه ،
وادرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

والليله ألحاديه عشره قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألصبيه لما ضحكت بَعد غيظها،
اقبلت علي ألجماعه و قالت أخبرونى بخبركم فما بقى مِن عمركم ألا ساعه و لولا أنتم أعزاءَ فقال ألخليفه و يلك يا جعفر عرفها بنا و ألا تقتلنا فقال جعفر مِن بَعض ما نستحق،
فقال لَه ألخليفه لا ينبغى ألهزل في و قت ألجد كُل مِنهم لَه و قت ثُم أن ألصبيه أقبلت علي ألصعاليك،
وقالت لَهُم هَل أنتم أخوه فقالوا لا و الله ما نحن ألا فقراءَ ألحجام.

فقالت لواحد مِنهم هَل أنت و لدت أعور فقال لا و الله و أنما جري لى أمر غريب حيت تلفت عينى و لهَذا ألامر حكايه لَو كتبت بالابر علي أماق ألبصر لكَانت عبره لمن أعتبر،
فسالت ألثانى و ألثالث فقالا لَها مِثل ألاول ثُم قالوا أن كُل منا مِن بلد و أن حديثنا عجيب و أمرنا غريب،
فالتفتت ألصبيه لهم،
وقالت كُل و أحد منكم يحكى حكايته و ما سَبب مجيئه ألي مكاننا ثُم يملس علي راسه و يروح ألي حال سبيله فاول مِن تقدم ألحمال،
فقال يا سيدتى أنا رجل حمال حملتنى هَذه ألدلاله و أتت بى ألي هُنا و جري لى معكم ما جري و هَذا حديثى و ألسلام،
فقالت لَه ملس علي راسك و روح فقال و الله ما أروح حتي أسمع حديث رفقائي.

فتقدم ألصعلوك ألاول و قال لَها يا سيدتي،
ان سَبب حلق ذَقنى و تلف عينى أن و ألدى كَان ملكا و لَه أخ و كَان أخوه ملكا علي مدينه أخري و أتفق أن أمى و لدتنى في أليوم ألذى و لد فيه أبن عمي،
ثم مضت سنون و أعوام،
وايام حتي كبرنا و كنت أزور عمى في بَعض ألسنين و أقعد عنده أشهر عديده فزرته مَره فاكرمنى غايه ألاكرام و ذَبح لى ألاغنام و روق لى ألمدام و جلسنا للشراب فلما تحكم ألشراب فينا قال أبن عمي: يا أبن عمى أن لى عندك حاجه مُهمه فاستوثق منى بالايمان ألعظام و نهض مِن و قته و ساعته و غاب قلِيلا،
ثم عاد و خَلفه أمراه مزينه مطيبه و عَليها مِن ألحلل ما يساوى مبلغا عظيما.

فالتفت ألى و ألمراه خَلفه،
وقال خذَ هَذه ألمراه و أسبقنى علي ألجبانه ألفلانيه و وصفها لى فعرفتها و قال أدخل بها ألتربه و أنتظرنى هُناك فلم يُمكنى ألمخالفه و لَم أقدر علي رد سؤاله لاجل ألذى خَلفته فاخذت ألمراه و سرت ألي أن دخلت ألتربه أنا و أياها فلما أستقر بنا ألجلوس جاءَ أبن عمى و معه طاسه فيها ماءَ و كيس فيه جبس و قدوم ثُم أنه أخذَ ألقدوم و جاءَ ألي قبر في و سط ألتربه ففكه و نقض أحجاره ألي ناحيه ألتربه ،
ثم حفر بالقدوم في ألارض،
حتي كشف عَن طابق قدر ألباب ألصغير فبان مِن تَحْت ألطابق سلم معقود.

لم ألتفت ألي ألمراه بالاشاره و قال لَها دونك و ما تختارين بِه فنزلت ألمراه علي ذَلِك ألسلم،
ثم ألتفت ألى و قال يا أبن عمى تمم ألمعروف أذا نزلت أنا في ذَلِك ألموضع فرد ألطابق و رد عَليه ألتراب كَما كَان و هَذا تمام ألمعروف و هَذا ألجبس ألذى في ألكيس و هَذا ألماءَ ألذى في ألطاسه أعجن مِنه ألجبس و جبس ألقبر في دائر ألاحجار كَما كَان أول حتي لا يعرفه أحد و لا يقول هَذا فَتح جديد و تطيينه عتق لان لى سنه كامله ،
وانا أعمل فيه،
وما يعلم بِه ألا الله و هَذه حاجتى عندك،
ثم قال لى لا أوحش الله منك،
يا أبن عمي،
ثم نزل علي ألسلم.

فلما غاب عنى قمت و رددت ألطابق و فعلت ما أمرنى بِه حتي صار ألقبر كَما كَان ثُم رجعت ألي قصر عمي،
وكان عمى في ألصيد و ألقنص فنمت تلك ألليله فلما أصبح ألصباح تذكرت ألليله ألماضيه و ما جري فيها بينى و بَين أبن عمى و ندمت علي ما فعلت معه حيثُ لا ينفع ألندم،
وادرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

و في ألليله ألثانيه عشره قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألصعلوك قال للصبيه ثُم خرجت ألي ألمقابر و فتشت علي ألتربه فلم أعرفها و لَم أزل أفتش حتي أقبل ألليل و لَم أهتد أليها فرجعت ألي ألقصر لَم أكل و لَم أشرب و قَد أشتغل خاطرى بابن عمى مِن حيثُ لا أعلم لَه حالا فاغتممت غما شديدا و بت ليلتى مغموما،
الي ألصباح فجئت ثانيا ألي ألجبانه و أنا أتفكر فيما فعله أبن عمي،
وندمت علي سماعى مِنه و قَد فتشت في ألترب جميعا فلم أعرف تلك ألتربه ،
ولا رمت ألتفتيش سبعه أيام فلم أعرف لَه طريقا.

فزاد بى ألوسواس حتي كدت أن أجن فلم أجد فرجا دون أن سافرت،
ورجعت غليه،
فساعه و صولى ألي مدينه أبى نهض ألي جماعه مِن باب ألمدينه و كتفونى فتعجبت كُل ألعجب أنى أبن سلطان ألمدينه و هُم خدم أبى و غلماني،
ولحقنى مِنهم خوف زائد،
فقلت في نفْسى يا تري أجري علي و ألدى و صرت أسال ألذين كنفونى عَن سَبب ذَلِك فلم يردوا علَى جوابا.

ثم بَعد حين قال لى بَعضهم و كَان خادما عندي،
ان أباك قَد غدر بِه ألزمان و خانته ألعساكر و قتله ألوزير و نحن نترقب و قوعك،
فاخذونى و أنا غائب عَن ألدنيا بسَبب هَذه ألاخبار ألتى سمعتها عَن أبى فلما تمثلت بَين يدى ألوزير ألذى قتل أبى و كَان بينى و بينه عداوه قديمه و سَبب تلك ألعداوه أنى كنت مولعا بضر ألبندقيه فاتفق أنى كنت و أقفا يوما مِن ألايام علي سطح قصر و أذا بطائر نزل علي سطح قصر ألوزير و كَان و أقفا هناك،
فاردت أن أضرب ألطير و غذا بالبندقيه أخطات عين ألوزير،
فاتلفتها بالقضاءَ و ألقدر كَما قال ألشاعر:

دع ألاقدار تفعل ما تشاءَ و طب نفْسا بما فعل ألقضاءَ و لا تفرح و لا تحزن بشيء فإن ألشيء ليس لَه بقاء
وكَما قال ألاخر:

مشينا خطا كتبت علينا و مِن كتب عَليه خطا مشاها و مِن كَانت منيته بارض فليس يموت في أرض سواها
ثم قال ذَلِك ألصعلوك: فلما أتلفت عين ألوزير لَم يقدر أن يتكلم لان و ألدى كَان ملك ألمدينه فهَذا سَبب ألعداوه ألتى بينى و بينه فلما و قفت قدامه،
وانا مكتف أمر فضرب عنقى فقلت أتقتلنى بغير ذَنب فقال أى ذَنب أعظم مِن هذا،
واشار ألي عينه ألمتلفه فقلت له: فعلت ذَلِك خطا،
فقال أن كنت فعلته خطا فانا أفعله بك عمدا ثُم قال قدموه بَين يدى فقدمونى بَين يديه،
فمد أصبعه في عينى ألشمال فاتلفها فصرت مِن ذَلِك ألوقت أعور كَما تروني،
ثم كتفنى و وَضعنى في صندوق و قال للسياف: تسلم هَذا و أشهر حسامك،
وخذه و أذهب بِه ألي خارِج ألمدينه و أقتله و دعه للوحوش،
تاكله فذهب بى ألسياف و صار حتي خرج مِن ألمدينه ،
واخرجنى مِن ألصندوق و أنا مكتوف أليدين مقيد ألرجلين و أراد أن يغمى عينى و يقتلنى فبكيت و أنشدت هَذه ألابيات:

جعلتكمو درعا حصينا لتمنعوا سهام ألعدا عنى فكنتم نصالها
وكنت أرجى عِند كُل ملمه تخص يمينى أن تَكون شمالها

دعوا قصه ألعذال عنى بمعزل و خلوا ألعدا ترمى ألى نبالها

اذا لَم تقوا نفْسى مكايده ألعدا فكونوا سكوتا لا عَليها و لا لها
وانشدت أيضا هَذه ألابيات:

واخوان أتخذتهم دروعا فكانوها و لكِن للاعادي
رحلتهم سهاما صائبات فكانوا و لكِن في فؤادي

و قالوا قَد صفت منا قلوب لقد صدقوا و لكِن عَن ردادي

وقالوا قَد سعينا كُل سعى لقد صدقوا و لكِن في فسادي
فلما سمع ألسياف شعرى و كَان سياف أبى و لى عَليه أحسان،
قال يا سيدى كَيف أفعل و أنا عبد مامور ثُم قال لى فر بعمرك و لا تعد ألي هَذه ألمدينه فتهلك و تهلكنى معك كَما قال ألشاعر:

ونفسك فر بها أن خفت ضيما و خل ألدار تنعى مِن بناها
فانك و أحد أرضا بارض و نفْسك لَم تجد نفْسا سواها

عجبت لمن يعيش بدار ذَل و أرض الله و أسعه فلاها

و مِن كَانت منيته بارض فليس يموت في أرض سواها

وما غلظت رقاب ألاسد حتي بانفسها تولت ما عناها
فلما قال ذَلِك قَبلت يديه و ما صدقت حتي فررت و هان علَى تلف عينى بنجاتى مِن ألقتل،
وسافرت حتي و صلت ألي مدينه عمى فدخلت عَليه و أعلمته بما جري لوالدي،
وبما جري لى مِن تلف عينى فبكي بكاءَ شديدا و قال لقد زدتنى هما علي همى و غما علي غمي،
فان أبن عمكقد فقد منذُ أيام و لَم أعلم بما جري لَه و لَم يخبرنى أحد بخبره و بكي حتي أغمى عَليه فلما أستفاق قال يا و لدى قَد حزنت علي أبن عمك حزنا شديدا و أنت زدتنى بما حصل لك و لابيك،
غما علي غمي،
ولكن يا و لدى بعينك و لا بروحك ثُم أنه لَم يُمكنى ألسكوت عَن أبن عمى ألذى هُو و لده فاعلمته بالذى جري لَه كله ففرح عمى بما قلته لَه فرحا شديدا عِند سماع خبر أبنه،
وقال أرنى ألتربه فقلت و الله يا عمى لَم أعرف مكأنها لانى رجعت بَعد ذَلِك مرات لافتش عَليها فلم أعرف مكانها،
ثم ذَهبت أنا و عمى ألي ألجبانه ،
ونظرت يمينا و شمالا فعرفتها ففرحت أنا و عمى فرحا شديدا و دخلت أنا و أياه ألتربه و أزحنا ألتراب و رفعنا ألطابق و نزلت أنا و عمى مقدار خمسين درجه ،
فلما و صلنا ألي أخر ألسلم و أذا بدخان طلع علينا فغشى أبصارنا،
فقال عمى ألكلمه ألتى لا يخاف قائلها و هى لا حَول و لا قوه ألا بالله ألعلى ألعظيم ثُم مشينا و أذا نحن بقاعه ممتلئه دقيقا و حبوبا و ماكولات و غَير ذَلِك و راينا في و سط ألقاعه ستاره مسبوله علي سرير فنظر عمى ألي ألسرير فوجد أبنه هُو و ألمراه ألتى قَد نزلت معه صار فحما أسود و هما متعانقان كَانهما ألقيا في جب نار،
فلما نظر عمى بصق في و جهه و قال تستحق يا خبيث فهَذا عذاب ألدنيا و بقى عذاب ألاخره و هُو أشد و أبقي و أدرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

و في ألليله ألثالثه عشره قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألصعلوك قال للصبيه و ألجماعه و ألخليفه و جعفر يستمعون ألكلام،
ثم أن عمى ضرب و لده بالنعال و هُو راقد كالفحم ألاسود فتعجبت مِن ضربه و حزنت علي أبن عمى حيثُ صار هُو و ألصبيه فحما أسود ثُم قلت بالله يا عمى خفف ألهم عَن قلبك،
فقد أشتغل سرى و خاطرى بما قَد جري لولدك و كَيف صار هُو و ألصبيه فحما أسود ما يكفيك ما هُو فيه حتي تضربه بالنعال.

فقال يا أبن أخى أن و لدى هَذا كَان مِن صغره مولعا بحب أخته و كنت أنهاه عنها و أقول في نفْسى أنهما صغيران فلما كبر أوقع بينهما ألقبيح و سمعت بذلِك و لَم أصدق و لكِن زجرته زجرا بليغا و قلت لَه أحذر مِن هَذه ألفعال ألقبيحه ألتى لَم يفعلها أحد قَبلك و لا يفعلها أحد بَعدك و ألا نبقي بَين ألملوك بالعار و ألنقصان ألي ألممات و تشيع أخبارنا مَع ألركبان و أياك أن تصدر منك هَذه ألفعال فانى أسخط عليك و أقتلك ثُم حجبته عنها و حجبتها عنه و كَانت ألخبيثه تحبه محبه عظيمه و قَد تمكن ألشيطان مِنها.

فلما رانى حجبته فعل هَذا ألمكان ألذى تَحْت ألارض ألخفيه .
ونقل فيه ألماكول كَما تراه و أستغفلنى لما خرجت ألي ألصيد و أتي ألي هَذا ألمكان فغار عَليه و عَليها ألحق سبحانه و تعالي و أحرقهما و لعذاب ألاخره أشد و أبقى،
ثم بكي و بكيت معه و قال لى أنت و لدى عوضا عنه ثُم أنى تفكرت ساعه في ألدنيا و حوادثها مِن قتل ألوزير لوالدى و أخذَ مكانه و تلف عيني،
وما جري لابن عمى مِن ألحوادث ألغريبه .

فبكيت ثُم أننا صعدنا و رددنا ألطابق و ألتراب،
وعملنا ألقبر كَما كَان،
ثم رجعنا ألي منزلنا فلم يستقر بيننا جلوس حتي سمعنا دق طبول و بوقات و رمحت ألابطال و أمتلات ألدنيا بالعجاج و ألغبار مِن حوافر ألخيل فحارت عقولنا و لَم نعرف ألخبر فسال ألملك عَن ألخبر فقيل أن و زير أخيك قتله و جمع ألعسكر و ألجنود و جاءَ بعسكره ليهجموا علي ألمدينه و أهل ألمدينه لَم يكن لَهُم طاقه بهم فسلموا أليه فقلت في نفْسى متي و قعت أنا في يده قتلني.

وتراكمت ألاحزان و تذكرت ألحوادث ألتى حدثت لابى و أمى و لَم أعرف كَيف ألعمل فإن ظهرت عرفنى أهل ألمدينه ،
وعسكر أبى فيسعون في قتلى و هلاكى فلم أجد شيئا أنجو بِه ألا حلق ذَقنى فحلقتها و غَيرت ثيابى و خرجت مِن ألمدينه و قصدت هَذه ألمدينه و ألسلام لعل أحدا يوصلنى ألي أمير ألمؤمنين حتي أحكى لَه قصتي،
وما جري لى فوصلت ألي هَذه ألمدينه في هَذه ألليله ،
فوقفت حائرا و لَم أدر أين أمضى و أذا بهَذا ألصعلوك و أقف.

فسلمت عَليه و قلت لَه أنا غريب أيضا،
فبينما نحن كذلِك و أذا برفيقنا هَذا ألثالث جاءنا و سلم علينا،
وقال أنا غريب،
فقلنا لَه و نحن غريبان فمشينا و قَد هجم علينا ألظلام فساقنا ألقدر أليكم،
وهَذا سَبب حلق ذَقنى و تلف عينى فقالت ألصبيه ملس علي راسك و روح،
فقال لَها لا أروح حتي أسمع خبر غَيرى فتعجبوا مِن حديثه.

فقال ألخليفه لجعفر و الله أنا ما رايت مِثل ألذى جري لهَذا ألصعلوك،
ثم تقدم ألصعلوك ألثانى و قَبل ألارض و قال يا سيدتى أنا ما و لدت أعور،
وإنما لى حكايه عجيبه لَو كتبت بالابر علي أماق ألبصر لكَانت عبره لمن أعتبر فانا ملك أبن ملك و قرات ألقران علي سبع روايات و قرات ألكتب علي أربابها مِن مشايخ ألعلم و قرات علم ألنجوم و كلام ألشعراءَ و أجتهدت في سائر ألعلوم حتي فقت أهل زمانى فعظم حظى عِند سائر ألكتبه و شاع ذَكرى في سائر ألاقاليم و ألبلدان و شاع خبرى عِند سائر ألملوك.

فسمع بى ملك ألهند فارسل يطلبنى مِن أبى و أرسل أليه هدايا و تحفا تصلح للملوك فجهزنى أبى في ست مراكب و سرنا في ألبحر مده شهر كامل حتي و صلنا ألي ألبر و أخرجنا حبلا كَانت معنا في ألمركب و حملنا عشره جمال هدايا و مشينا قلِيلا و أذا بغبار قَد علا و ثار حتي سد ألاقطار و أستمر ساعه مِن ألنهار ثُم أنكشف قبان مِن تَحْته ستون فارسا و هُم ليوث و عوانس فتاملناهم و أذا هُم عرب قطاع طريق فلما راونا و نحن نفر قلِيل و معنا عشره أجمال هدايا لملك ألهند رمحوا علينا و شرعوا ألرماح بَين أيديهم نحونا.

فاشرنا أليهم بالاصابع و قلنا لهم: نحن رسل ألي ملك ألهند ألمعظم فلا تؤذونا فقالوا نحن لسنا في أرضه و لا تَحْت حكمه ثُم أنهم قتلوا بَعض ألغلمان و هرب ألباقون و هربت أنا بَعد أن جرحت جرحا بليغا و أشتغلت عنا ألعرب بالمال و ألهدايا ألتى كَانت معنا فصرت لا أدرى أين أذهب،
وكنت عزيزا فصرت ذَليلا و سرت ألي أن أتيت راس ألجبل فدخلت مغاره حتي طلع ألنهار ثُم سرت مِنها حتي و صلت ألي مدينه عامَره بالخير و قَد و لي عنها ألشتاءَ ببرده و أقبل عَليها ألربيع بورده.

ففرحت بوصولى أليها و قَد تعبت مِن ألمشى و علانى ألهم و ألاصفرار فتغيرت حالتى و لا أدرى أين أسلك فملت ألي خياط في دكان و سلمت عَليه فرد علَى ألسلام و رحب بى و باسطنى عَن سَبب غربتى فاخبرته بما جري لى مِن أوله ألي أخره،
فاغتم لاجلى و قال يا فتي لا تظهر ما عندك فانى أخاف عليك مِن ملك ألمدينه لانه أكبر أعداءَ أبيك و لَه عنده ثار.

ثم أحضر لى ماكولا و مشروبا فاكلت و أكل معى و تحادثت معه في ألليل و أخلي لى محلا في جانب حانوته و أتانى بما أحتاج أليه مِن فراش و غطاء،
فاقمت عنده ثلاثه أيام،
ثم قال لى أما تعرف صنعه تكسب بها فقلت له: أنى فقيه طالب علم كاتب حاسب،
فقال: أن صنعتك في بلادنا كاسده و ليس في مدينتنا مِن يعرف علما و لا كتابه غَير ألمال.

فقلت و الله لا أدرى شيئا غَير ألذى ذَكرته لك،
فقال شد و سطك و خذَ فاسا و حبلا و أحتطب في ألبريه حطبا تتقوت بِه ألي أن يفرج الله عنك و لا تعرف أحدا بنفسك فيقتلوك،
ثم أشتري لى فاسا و حبلا و أرسلنى مَع بَعض ألحطابين و أوصاهم علي،
فخرجت معهم و أحتطبت فاتيت بحمل علي راسى فبعته بنصف دينار فاكلت ببعضه و أبقيت بَعضه،
ودمت علي هَذا ألحال مده سنه .

ثم بَعد ألسنه ذَهبت يوما علي عادتى ألي ألبريه لاحتطب مِنها و دخلتها،
فوجدت فيها خميله أشجار فيها حطب كثِير فدخلت ألخميله ،
واتيت شجره و حفرت حولها و أزلت ألتراب عَن جدارها فاصطكت ألفاس في حلقه نحاس فنظفت ألتراب و أذا هى في طابق مِن خشب فكشفته فبان تَحْت سلم فنزلت ألي أسفل ألسلم فرايت بابا فدخلته فرايت قصرا محكم ألبنيان فوجدت فيه صبيه كالدره ألسنيه تنفى ألي ألقلب كُل هُم و غم و بليه .

فلما نظرت أليها سجدت لخالقها لما أبدع فيها مِن ألحسن و ألجمال فنظرت غلى و قالت لى أنت أنسى أم جني،
فقلت لها: أنسي،
فقالت: و مِن أوصلك ألي هَذا ألمكان ألذى لى فيه خمسه و عشرون سنه ،
ما رايت فيه أنسيا أبدا فلما سمعت كلامها و جدت لَه عذوبه و قلت لَها يا سيدتى أوصلنى الله ألي منزلك و لعله يزيل همى و غمى و حكيت لَها ما جري لى مِن ألاول ألي ألاخر.

فصعب عَليها حالى و بكت و قالت أنا ألاخري أعلمك بقصتى فاعلم أنى بنت ملك أقصي ألهند صاحب جزيره ألابنوس و كَان قَد زوجنى بابن عمى فاختطفنى ليله زفافى عفريت أسمه جرجريس بن رجوس بن أبليس فطار بى ألي هَذا ألمكان و نقل فيه كُل ما أحتاج أليه مِن ألحلي و ألحلل و ألقماش و ألمتاع و ألطعام و ألشراب.
فى كُل عشره أيام يجيئنى مَره فيبيت هُنا ليله و عاهدنى أذا عرضت لى حاجه ليلا أو نهارا أن ألمس بيدى هذين ألسطرين ألمكتوبين علي ألقبه فما أرفع يدى حتي أراه عندى و منذُ كَان عندى لَه أليوم أربعه أيام و بقى لَه سته أيام حتي ياتى فهل لك أن تقيم عندى خمسه أيام،
ثم تنصرف قَبل مجيئه بيوم فقلت نعم.

ففرحت ثُم نهضت علي أقدامها و أخذت بيدى و أدخلتنى مِن باب مقنطر و أنتهت بى ألي حمام لطيف ظريف فلما رايته خلعت ثيابى و خلعت ثيابها،
ودخلت فجلست علي مرتبه و أجلستنى معها و أتت بسكر ممسك و سقتني،
ثم قدمت لى ماكولا و تحادثنا ثُم قالت لى ثُم و أسترح فانك تعبان،
فنمت يا سيدتى و قَد نسيت ما جري لي،
وشكرتها فلما أستيقظت و جدتها تكبس رجلى فدعوت لَها و جلسنا نتحادث ساعه ،
ثم قالت و الله أنى كنت ضيقه ألصدر و أنا تَحْت ألارض و حدى و لَم أجد مِن يحدثنى خمسه و عشرين سنه فالحمد لله ألذى أرسلك ألى ثُم أنشدت:

لو علمنا مجيئكم لفرشنا مهجه ألقلب أو سواد ألعيون و فرشنا خدودنا و ألتقينا لكون ألمسير فَوق ألجفون
فلما سمعت شعرها شكرتها و قَد تمكنت محبتها في قلبي،
وذهب عنى همى و غمي،
ثم جلسنا في منادمه ألي ألليل،
فبت معها ليله ما رايت مِثلها في عمرى و أصبحنا مسرورين فقلت لَها هَل أطلعك مِن تَحْت ألارض و أريحك مِن هَذا ألجنى فضحكت و قالت أقنع و أسكت ففى كُل عشره أيام يوم للعفريت و تسعه لك فقلت و قَد غلب علَى ألغرام فانا في هَذه أكسر هَذه ألقبه ألتى عَليها ألنقش ألمكتوب لعل ألعفريت يجيء حتي أقتله فانى موعود بقتل ألعفاريت فلما سمعت كلامى أنشدت:

يا طالبا للفراق مهلا بحيله قَد كفي أشتياق أصبر فطبع ألزمان غدر و أخر ألصحبه ألفراق
فلما سمعت شعرها لَم ألتفت لكلامها بل رفست ألقبه رفسا قويا و أدرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

ففى ألليله ألرابعه عشره قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألصعلوك ألثانى قال للصبيه يا سيدتى لما رفست ألقبه رفسا قويا،
قالت لى ألمراه أن ألعفريت قَد و صل ألينا أما حذرتك مِن هَذا و لله لقد أذيتنى و لكِن أنج بنفسك و أطلع مِن ألمكان ألذى جئت مِنه فمن شده خوفى نسيت نعلى و فاسي،
فلما طلعت درجتين ألتفت لانظرهما فرايت ألارض قَد أنشقت و طلع مِنها عفريت و منظر شنيع،
وقال ما هَذه ألزعجه ألتى أرعشتنى بها فما مصيبتك.

فقالت ما أصابنى شيء غَير أن صدرى ضاق،
فاردت أن أشرب شرابا يشرح صدرى فنهضت لاقضى أشغالى فَوقعت علي ألقبه ،
فقال لَها ألعفريت يا فاجره و نظر في ألقصر يمينا و شمالا فراي ألنعل و ألفاس فقال لَها ما هَذه ألا متاع ألانس مِن جاءَ أليك فقالت: ما نظرتهما ألا في هَذه ألساعه و لعلهما تعلقا معك.

فقال ألعفريت هَذا كلام محال لا ينطلى علَى يا عاهره ،
ثم أنه أعراها،
وصلبها بَين أربعه أوتاد و جعل يعاقبها و يقررها بما كَان فلم يهن علَى أن أسمع بكاءها فطلعت مِن ألسلم مذعورا مِن ألخوف فلما و صلت ألي أعلي ألموضع رددت ألطابق كَما كَان و سترته بالتراب و ندمت علي ما فعلت غايه ألندم و تذكرت ألصبيه و حسنها و كَيف يعاقبها هَذا ألملعون و هى لَها معه خمسه و عشرون سنه و ما عاقبها ألا بسببى و تذكرت أبى و مملكته و كَيف صرت حطابا،
فقلت هَذا ألبيت:

اذا ما أتاك ألدهر يوما بنكبه فيوم تري يسرا و يوم تري عسرا
ثم مشيت ألي أن أتيت رفيقى ألخياط فلقيته مِن أجلى علي مقالى ألنار و هُو لى في ألانتظار فقال لي: بت ألبارحه و قلبى عندك و خفت عليك مِن و حش أو غَيره فالحمد لله علي سلامتك فشكرته علي شفقته علَى و دخلت خلوتي،
وجعلت أتفكر فيما جري لى و ألوم نفْسى علي رفسى هَذه ألقبه و أذا بصديقى ألخياط دخل علَى و قال لى في ألدكان شخص أعجمى يطلبك و معه فاسك و نعلك قَد جاءَ بهما ألي ألخياطين و قال لَهُم أنى خرجت و قت أذان ألمؤذن،
لاجل صلاه ألفجر فعثرت بهما و لَم أعلم لمن هما فدلونى علي صاحبها،
فدله ألخياطون عليك و ها هُو قاعد في دكانى فاخرج أليه و أشكره و خذَ فاسك و نعلك.

فلما سمعت هكذا ألكلام أصفر لونى و تغير حالى فبينما أنا كذلِك و أذا بارض محلى قَد أنشقت و طلع مِنها ألاعجمى و أذا هُو ألعفريت و قَد كَان عاقب ألصبيه غايه ألعقاب فلم تقر لَه بشيء فاخذَ ألفاس و ألنعل و قال لَها أن كنت جرجريس مِن ذَريه أبليس فانا أجيء بصاحب هَذا ألفاس و ألنعل ثُم جاءَ بهَذه ألحيله ألي ألخياطين و دخل علَى و لَم يمهلنى بل أختطفنى و طار و علا بى و نزل بى و غاص في ألارض و أنا لا أعلم بنفسي،
ثم طلع بى ألقصر ألذى كنت فيه فرايت ألصبيه عريانه و ألدم يسيل مِن جوانبها فقطرت عيناى بالدموع.

فاخذها ألعفريت و قال لَها يا عاهره هَذا عشيقك فنظرت ألى و قالت لَه لا أعرفه و لا رايته ألا في هَذه ألساعه ،
فقال لَها ألعفريت أهَذه ألعقوبه و لَم تقري،
فقالت ما رايته عمرى و ما يحل مِن الله أن أكذب عَليه،
فقال لَها ألعفريت أن كنت لا تعرفينه،
فخذى هَذا ألسيف و أضربى عنقه فاخذت ألسيف و جاءتنى و وقفت علي راسى فاشرت لَها بحاجبى فنهضت و غمرتنى و قالت أنت ألذى فعلت هَذا كله فاشرت لَها أن هَذا و قت ألعفو و لسان حالى يقول:

يترجم طرفى عَن لسانى لتعلموا و يبدو لكُم ما كَان في صدرى يكتم
ولما ألتقينا و ألدموع سواجم خرست و طرفى بالهوي يتكلم

تشير لنا عما تقول بطرفها و أرمى أليها بالبنان فتفهم

حواجبنا تقضى ألحوائج بيننا فنحن سكوت و ألهوي يتكلم
فلما فهمت ألصبيه أشارتى رمت ألسيف مِن يدها،
فناولنى ألعفريت ألسيف و قال لى أضرب عنقها و أنا أطلقك و لا أنكد عليك،
فقلت نعم،
واخذت ألسيف و تقدمت نشاط و رفعت يدي،
فقالت لى بحاجبها أنا ما قصرت في حقك فهملت عيناى بالدموع و رميت ألسيف مِن يدي،
وقلت أيها ألعفريت ألشديد و ألبطل ألصنديد،
اذا كَانت أمراه ناقصه عقل و دين لَم تستحل ضرب عنقى فكيف يحل لى أن أضرب عنقها و لَم أرها عمري،
فلا أفعل ذَلِك أبدا و لَو سقيت مِن ألموت كاس ألردى.

فقال ألعفريت أنتما بينكَما موده أخذَ ألسيف و ضرب يد ألصبيه فقطعها،
ثم ضرب ألثانيه فقطعها ثُم قطع رجلها أليمني ثُم قطع رجلها أليسري حتي قطع أرباعها باربع ضربات و أنا أنظر بعينى فايقنت بالموت ثُم أشارت ألى بعينيها فراها ألعفريت فقال لَها و قَد زنيت بعينك ثُم ضربها فقطع راسها،
والتفت ألى و قال يا أنسى نحن في شرعنا أذا زنت ألزوجه يحل لنا قتلها،
وهَذه ألصبيه أختطفتها ليله عرسها،
وهى بنت أثنتى عشره سنه و لَم تعرف أحدا غَيرى و كنت أجيئها في كُل عشره أيام ليله و أحده في زى رجل أعجمي.
فلما تحققت أنها خانتنى فقتلتها و أما أنت فلم أتحقق أنك خنتنى فيها،
ولكن لا بد أنى أما أخليك في عافيه فتمن علَى أى ضرر فرحت يا سيدتى غايه ألفرح و طمعت في ألعفريت و قلت له: و ما أتمناه عليك،
قال تمن علَى أى صوره أسحرك فيها أما صوره كلب و أما صوره حمار و أما صوره قرد فقلت لَه و قَد طمعت أنه يعفو عنى و الله أن عفوت عنى يعفو الله عنك،
بعفوك عَن رجل مسلم لَم يؤذيك و تضرعت أليه غايه ألتضرع،
وبقيت بَين يديه،
وقلت لَه أنا رجل مظلوم.

فقال لى لا تطل علَى ألكلام أما ألقتل فلا تخف مِنه و أما ألعفو عنك فلا تطمع فيه و أما سحرك فلا بد مِنه،
ثم شق ألارض و طار بى ألي ألجو حتي نظرت ألي ألدنيا حتي كَأنها قصعه ماء،
ثم حطنى علي جبل و أخذَ قلِيلا مِن ألتراب و همهم عَليه و تكلم و قال أخرج مِن هَذه ألصوره ألي صوره قرد.

فمنذُ ذَلِك ألوقت صرت قردا أبن مائه سنه فلما رايت نفْسى في هَذه ألصوره ألقبيحه بكيت علي روحى و صبرت علي جور ألزمان و علمت أن ألزمان ليس لاحد و أنحدرت مِن أعلي ألجبل ألي أسفله و سافرت مده شهر،
ثم ذَهبت ألي شاطئ ألبحر ألمالح،
فوقفت ساعه و أذا أنا بمركب في و سط ألبحر قَد طاب ريحها و هى قاصده ألبر،
فاختفيت خَلف صخره علي جانب ألبحر و سرت ألي أن أتيت و سط ألمركب.

فقال و أحد مِنهم أخرجوا هَذا ألمشؤوم مِن ألمركب،
وقال و أحد مِنهم نقتله،
وقال أخر أقتله بهَذا ألسيف فامسكت طرف ألسيف و بكيت،
وسالت دموعى فحن علَى ألريس و قال لَهُم يا تجار أن هَذا ألقرد أستجار بى و قَد أجرته و هُو في جوارى فلا أحد يعرض لَه و لا يشوش عَليه،
ثم أن ألريس صار يحسن ألى و مُهما تكلم بِه أفهمه و أقضى حوائجه و أخدمه في ألمركب.

وقد طاب لَها ألريح مده خمسين يوما فرسينا علي مدينه عظيمه ،
وفيها عالم كثِير لايحصي عدَدهم ألا الله تعالي فساعه و صولنا أوقفنا مركبنا فجاءتنا مماليك مِن طرف ملك ألمدينه فنزلوا ألمركب و هنوا ألتجار بالسلامه ،
وقالوا أن ملكنا يهنئكم بالسلامه و قَد أرسل أليكم هَذا ألدرج ألورق و قال كُل و أحد يكتب فيه سطرا فقمت و أنا في صوره ألقرد و خطفت ألدرج مِن أيديهم،
فخافوا أنى أقطعه و أرميه في ألماءَ فنهرونى و أرادوا قتلى فاشرت لَهُم أنى أكتب فقال لَهُم ألريس دعوه يكتب فإن لخبط ألكتابه طردناه عنا و أن أحسنها أتخذته و لدا فانى ما رايت قردا أفهم مِنه ثُم أخذَ ألقلم و أستمديت ألحبر و كتبت سطرا بقلم ألرقاع و رقمت هَذا ألشعر:

لقد كتب ألدهر فضل ألكرام و فضلك للان لايحسب فلا أيتِم الله منك ألوري لانك للفضل نعم ألاب
وكتبت بقلم ألثلث هذين ألبيتين:

وما مِن كاتب ألاسيفني و يبقى ألدهر ما كتبت يداه فلا تكتب بخطك غَير شيء يسرك في ألقيامه أن تراه
وكتبت تَحْته بقلم ألمشق هذين ألبيتين:

اذا فَتحت دواه ألعز و ألنعم فاجعل مدادك مِن جود و مِن كرم و أكتب بخير أذا ما كنت مقتدرا بذاك شرفت فضلا نسبه ألقلم
ثم ناولتهم ذَلِك ألدرج ألورق فطلعوا بِه ألي ألملك،
فلما تامل ألملك ما في ذَلِك ألدرج لَم يعجبه خط أحد ألا خطي،
فقال لاصحابه توجهوا ألي صاحب هَذا ألخط و ألبسوه هَذه ألحله و أركبوه بغله و هاتوه بالنوبه و أحضروه بَين يدى فلما سمعوا كلام ألملك تبسموا فغضب مِنهم ثُم قال كَيف أمركم بامر فتضحكون علي،
فقالوا أيها ألملك ما نضحك علي كلامك،
بل ألذى كتب هَذا ألخط قرد و ليس هُو أدميا و هُو مَع ريس ألمركب.
فتعجب ألملك مِن كلامهم و أهتز مِن ألطرب،
وقال أريد أن أشترى هَذا ألقرد،
ثم بعث رسلا ألي ألمركب و معهم ألبغله و ألحله و قال لابد أن تلبسوه هَذه ألحله و تركبوه ألبغله و تاتوا به،
فساروا ألي ألمركب و أخذونى مِن ألريس و ألبسونى ألحله فاندهش ألخلائق و صاروا يتفرجون علي،
فلما طلعوا بى للملك و رايته قَبلت ألارض ثلاث مرات فامرنى بالجلوس،
فجلست علي ركبتي.
فتعجب ألحاضرون مِن أدبى و كَان ألملك أكثرهم تعجبا ثُم أن ألملك أمر ألخلق بالانصراف فانصرفوا،
ولم يبق ألا ألملك و ألطواشى و مملوك صغير و أنا،
ثم أمر ألملك بطعام فقدموا سفره طعام فيها ما تشتهى ألانفس و تلذَ ألاعين فاشار ألى ألملك أن كُل فقمت و قَبلت ألارض بَين يديه سبع مرات و جلست أكل معه و قَد أرتفعت ألسفره و ذَهبت فغسلت يدى و أخذت ألدواه و ألقلم و ألقرطاس و كتبت هذين ألبيتين:

اتاجر ألضان ترياق مِن ألعلل و أصحن ألحلو فيها منتهي أملى يا لهف قلبى علي مد ألسماط أذا ماجت كنافته بالسمن و ألعسل
ثم قمت و جلست بعيدا أنتظر ألملك ألي ما كتبته و قراه فتعجب و قال هَذا يَكون عِند قرد هَذه ألفصاحه و هَذا ألخط و الله أن هَذا مِن أعجب ألعجب ثُم قدم للملك شطرنج،
فقال لى ألملك أتلعب قلت براسى نعم،
فتقدمت و صففت ألشطرنج و لعبت معه مرتين فغلبته فحار عقل ألملك و قال لَو كَان هَذا أدميا لفاق أهل زمانه،
ثم قال لخادمه أذهب ألي سيدتك و قل لها: كلمى ألملك حتي تجيء فتتفرج علي هَذا ألقرد ألعجيب.
فذهب ألطواشى و عاد معه سيدته بنت ألملك،
فلما نظرت ألى غطت و جهها،
وقالت يا أبى كَيف طاب علي خاطرك أن ترسل ألى فيرانى ألرجال ألاجانب فقال يابنتى ما عندك سوي ألمملوك ألصغير و ألطواشى ألذى رباك و هَذا ألقرد و أنا أبوك فممن تغطين و جهك.
فقالت أن هَذا ألقرد أبن ملك و أسم أبيه أيمار،
صاحب جزائر ألابنوس ألداخله و هُو مسحور و سحره ألعفريت جرجريس ألذى هُو مِن ذَريه أبليس،
وقد قتل زوجته بنت ملك أقناموس و هَذا ألذى تزعم أنه قردا أنما هُو رجل عالم عاقل.
فتعجب ألملك مِن أبنته و نظر ألى و قال: أحق ما تقول عنك فقلت براسى نعم و بكيت فقال ألملك لبنته مِن أين عرفت أنه مسحور فقالت: يا أبت كَان عندى و أنا صغيره عجوز ماكره ساحره علمتنى ألسحر،
وقد حفظته و أتقنته و عرفت مائه و سبعين بابا مِن أبوابه،
اقل باب مِنها أنقل بِه حجاره مدينتك خَلف جبل قاف و أجعلها لجه بحر و أجعل أهلها سمكا في و سطه.
فقال أبوها: بحق أسم الله عليك أن تخلصى لنا هَذا ألشاب،
حتي أجعله و زيرى و هَل فيك هَذه ألفضيله و لَم أعلم فخلصيه حتي أجعله و زيرى لانه شاب ظريف لبيب،
فقالت لَه حبا و كرامه ،
ثم أخذت بيدها سكينا،
وعملت دائره ،
وادرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

وفى ألليله ألخامسه عشره قالت بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألصعلوك قال للصبيه يا سيدتي،
ثم أن بنت ألملك أخذت بيدها سكينا مكتوبا عَليها أسماءَ عبرانيه ،
وخطت بها دائره في و سط و كتبت فيها أسماءَ و طلاسم و عزمت بِكُلام و قرات كلاما،
لا يفهم،
فبعد ساعه أظلمت علينا جهات ألقصر،
حتي ظننا أن ألدنيا قَد أنطبقت علينا و أذا بالعفريت قَد تدلي علينا في أقبح صفه بايد كالمدارى و رجلين كالصوارى و عينين كمشعلين يوقدان نارا،
ففزعنا مِنه.
فقالت بنت ألملك لا أهلا بك و لا سهلا،
فقال ألعفريت و هُو في صوره أسد يا خائنه كَيف خنت أليمين أما تحالفنا علي أن لا يعترض أحدنا للاخر فقالت لَه يا لعين و مِن أين لك يمين فقال ألعفريت خذى ما جاءك ثُم أنقلب أسدا و فَتح فاه و هجم علي ألصبيه .
فاسرعت و أخذت شعره مِن شعرها بيدها،
وهمهمت بشفتيها فصارت ألشعره سيفا ماضيا و ضربت ذَلِك ألاسد فقطعته نصفين،
فصارت راسه عقربا،
وانقلبت ألصبيه حيه عظيمه و همهمت علي هَذا أللعين و هُو في صفه عقرب،
فتقاتلا قتالا شديدا،
ثم أنقلب ألعقرب عقابا فانقلبت ألحيه نسرا و صارت و راءَ ألعقاب و أستمرا ساعه زمانيه ثُم أنقلب ألعقاب قطا أسود،
فانقلبت ألصبيه ذَئبا فتشاحنا في ألقصر ساعه زمانيه و تقاتلا قتالا شديدا فراي ألقط نفْسه مغلوبا فانقلب و صار رمانه حمراءَ كبيره و وقعت تلك ألرمانه في بركه و أنتثر ألحب كُل حبه و حدها و أمتلات أرض ألقصر حبا فانقلب ذَلِك ألذئب ديكا لاجل أن يلتقط ذَلِك ألحب حتي لا يترك مِنه حبه فبالامر ألمقدر،
دارت حبه في جانب ألفسقيه فصار ألديك يصيح و يرفرف باجنحته و يشير ألينا بمنقاره و نحن لا نفهم ما يقول،
ثم صرخ علينا صرخه تخيل لنا مِنها أن ألقصر قَد أنقلب علينا و دار في أرض ألقصر كلها حتي راي ألحبه ألتى تدارت في جانب ألفسقيه فانقض عَليها ليلتقطها و أذا بالحبه سقطت في ألماءَ فانقلب ألديك حمارا كبيرا و نزل خَلفها و غاب ساعه و أذا بنا قَد سمعنا صراخا عاليا فارتجفنا.
وبعد ذَلِك طلع ألعفريت و هُو شعله نار فالقي مِن فمه نارا و مِن عينيه و منخريه نارا و دخانا و أنقلبت ألصبيه لجه نار فاردنا أن نغطس في ذَلِك ألماءَ خوفا علي أنفسنا مِن ألحريق فما شعرنا ألا ألعفريت قَد صرخ مِن تَحْت ألنيران و صار عندنا في ألليوان و نفخ في و جوهنا بالنار فلحقته ألصبيه و نفخت في و جهه بالنار أيضا فاصابنا ألشر مِنها و مِنه،
فاما شررها فلم يؤذينا و أما شرره فلحقنى مِنه شراره في عينى فاتلفتها و أنا في صوره ألقرد و لحق ألملك شراره مِنه في و جهه فاحرقت نصفه ألتحتانى بذقنه و حنكه و وقفت أسنانه ألتحتانيه و وقعت شراره في صدر ألطواشى فاحترق و مات مِن و قته و ساعته فايقنا بالهلاك و قطعنا رجائنا مِن ألحياه .
فبينما نحن كذلِك و أذا بقائل يقول: الله أكبر الله أكبر قَد فَتح ربى و نصر و خذل مِن كفر بدين محمد سيد ألبشر و أذا بالقائل بنت ألملك قَد أحضرت ألعفريت فنظرنا أليه فرايناه قَد صار كوم رماد،
ثم جاءت ألصبيه و قالت ألحقونى بطاسه ماءَ فجاؤوا بها فتكلمت عَليها بِكُلام لا نفهمه ثُم رشتنى بالماءَ و قالت أخلص بحق ألحق و بحق أسم الله ألاعظم ألي صورتك ألاولي فصرت بشرا كَما كنت أولا و لكِن تلفت عيني.
فقالت ألصبيه ألنار يا و ألدى ثُم أنها لَم تزل تستغيث مِن ألنار و أذا بشرر أسود قَد طلع ألي صدرها و طلع ألي و جهها فلما و صل ألي و جهها بكت و قالت أشهد أن لا أله ألا الله و أشهد أن محمدا رسول ألله.
ثم نظرنا أليها فرايناها كوم رماد بجانب كوم ألعفريت فحزنا عَليها و تمنيت لَو كنت مكأنها و لا أري ذَلِك ألوجه ألمليح ألذى عمل في هَذا ألمعروف يصير رمادا و لكِن حكم الله لا يرد.
فلما راي ألملك أبنته صارت كوم رماد نتف لحيته و لطم علي و جهه و شق ثيابه و فعلت كَما فعل و بكينا عَليها ثُم جاءَ ألحجاب و أرباب ألدوله فوجدوا ألسلطان في حاله ألعدَم و عنده كوم رماد فتعجبوا و داروا حَول ألملك ساعه فلما أفاق أخبرهم بما جري لابنته مَع ألعفريت فعظمت مصيبتهم و صرخ ألنساءَ و ألجوارى و عملوا ألعزاءَ سبعه أيام.
ثم أن ألملك أمر أن يبنى علي رماد أبنته قبه عظيمه و أوقد فيها ألشموع و ألقناديل و أما رماد ألعفريت فانهم أذروه في ألهواءَ ألي لعنه الله ثُم مرض ألسلطان مرضا أشرف مِنه علي ألموت و أستمر مرضه شهرا و عادت أليه ألعافيه فطلبنى و قال لى يا فتي قَد قضينا زماننا في أهنا عيش أمنين مِن نوائب ألزمان حتي جئنا فاقبلت علينا ألاكدار فليتنا ما رايناك و لا راينا طلعتك ألقبيحه ألتى لسببها صرنا في حاله ألعدم.
فاولا عدمت أبنتى ألتى كَانت تساوى مائه رجل و ثانيا جري لى مِن ألحريق ما جري و عدَم أضراسى و مات خادمى و لكِن ما بيدك حيله بل جري قضاءَ الله علينا و عليك و ألحمد لله حيثُ خلصتك أبنتى و أهلكت نفْسها،
فاخرج يا و لدى مِن بلدى و كفي ما جري بسببك و كُل ذَلِك مقدر علينا و عليك،
فاخرج بسلام.
فخرجت يا سيدتى مِن عنده و ما صدقت بالنجاه و لا أدرى أين أتوجه،
وخطر علي قلبى ما جري لى و كَيف خلونى في ألطريق سالما مِنهم و مشيت شهرا و تذكرت دخولى في ألمدينه و أجتماعى بالخياط و أجتماعى بالصبيه تَحْت ألارض و خلاصى مِن ألعفريت بَعد أن كَان عازما علي قتلى و تذكرت ما حصل لى مِن ألمبدا ألي ألمنتهي فحمدت الله و قلت بعينى و لا بروحى و دخلت ألحمام قَبل أن أخرج مِن ألمدينه و حلقت ذَقنى و جئت يا سيدتى و في كُل يوم أبكى و أتفكر ألمصائب ألتى عاقبتها تلف عيني،
وكلما أتذكر ما جري لى أبكى و أنشد هَذه ألابيات:

تحيرت و ألرحمن لاشك في أمرى و حلت بى ألاحزان مِن حيثُ لا أدري
ساصبر حتي يعلم ألناس أننى صبرت علي شيء أمر مِن ألصبر

وما أحسن ألصبر ألجميل مَع ألتقي و ما قدر ألمولي علي خلقه يجري

سرائر سرى ترجمان سريرتى أذا مان سر ألسر سرك في سري

ولو أن ما بى بالجبال لهدمت و بالنار أطفاها و ألريح لَم يسر

ومن قال أن ألدهر فيه حلاوه فلا بد مِن يوم أمر مِن ألمر
ثم سافرت ألاقطار و وردت ألامصار و قصدت دار ألسلام بغداد لعلى أتوصل ألي أمير ألمؤمنين و أخبره بما جرى،
فوصلت ألي بغداد هَذه أليله فوجدت أخى هَذا ألاول و أقفا متحيرا فقلت ألسلام عليك و تحدثت معه و أذا باخينا ألثالث قَد أقبل علينا و قال أنا رجل غريب فقلنا و نحن غريبان و قَد و صلنا هَذه ألليله ألمباركه .
فمشينا نحن ألثلاثه و ما فينا أحد يعرف حكايه أحد فساقتنا ألمقادير ألي هَذا ألباب و دخلنا عليكم و هَذا سَبب حلق ذَقنى و تلف عينى فقالت لَه أن كَانت حكايتك غريبه فامسح علي راسك و أخرج في حال سبيلك،
فقال لا أخرج حتي أسمع حديث رفيقي.
فتقدم ألصعلوك ألثالث و قال أيتها ألسيده ألجليله ما قصتى مِثل قصتهما بل قصتى أعجب و ذَلِك أن هذين جاءهما ألقضاءَ و ألقدر و أما أنا فسَبب حلق ذَقنى و تلف عينى أننى جلبت ألقضاءَ لنفسى و ألهم لقلبى و ذَلِك أنى كنت ملكا أبن ملك،
ومات و ألدى و أخذت ألملك مِن بَعده و حكمت و عدلت و أحسنت للرعيه و كَان لى محبه في ألسفر في ألبحر و كَانت مدينتى علي ألبحر و ألبحر متسع و حولنا جزائر معده للقتال.
فاردت أن أتفرج علي ألجزائر فنزلت في عشره مراكب و أخذت معى مؤونه شهر و سافرت عشرين يوما.
ففى ليله مِن ألليالى هبت علينا رياح مختلفه ألي أن لاح ألفجر فهدا ألريح و سكن ألبحر حتي أشرقت ألشمس،
ثم أننا أشرفنا علي جزيره و طلعنا ألي ألبر و طبخنا شيئا ناكله فاكلنا ثُم أقمنا يومين و سافرنا عشرين يوما فاختلفت علينا ألمياه و علي ألريس أستغرب ألريس ألبحر فقلنا للناطور: أنظر ألبحر بتامل،
فطلع علي ألصارى ثُم نزل ألناطور و قال للريس: رايت عَن يمينى سمكا علي و جه ألماءَ و نظرت ألي و سط ألبحر فرايت سوادا مِن بعيد يلوح تاره أسود و تاره أبيض.
فلما سمع ألريس كلام ألناطور ضرب ألارض بعمامته و نتف لحيته و قال للناس أبشروا بهلاكنا جميعا و لا يسلم منا أحد،
وشرع يبكى و كذلِك نحن ألكُل نبكى علي أنفسنا فقلت أيها ألريس أخبرنا بما راي ألناطور فقال يا سيدى أعلم أننا تهنا يوم جاءت علينا ألرياح ألمختلفه و لَم يهدا ألريح ألا بكره ألنهار ثُم أقمنا يومين فتهنا في ألبحر و لَم نزل تائهين أحد عشر يوما مِن تلك ألليله و ليس لنا ريح يرجعنا ألي ما نحن قاصدون أخر ألنهار و في غد نصل ألي جبل مِن حجر أسود يسمي حجر ألمغناطيس و يجرنا ألمياه غصبا ألي جهته.
فيتمزق ألمركب و يروح كُل مسمار في ألمركب ألي ألجبل و يلتصق بِه أن الله و ضَع حجر ألمغناطيس سرا و هُو أن كُل ألحديد يذهب أليه و في ذَلِك ألجبل حديد كثِير لا يعلمه ألا الله تعالي حتي أنه تكسر مِن قديم ألزمان مراكب كثِيره بسَبب ذَلِك ألجبل و يلى ذَلِك ألبحر قبه مِن ألنحاس ألاصفر معموده علي عشره أعمده و فَوق ألقبه فارس علي فرس مِن نحاس و في يد ذَلِك ألفارس رمح مِن ألنحاس و معلق في صدر ألفارس لوح مِن رصاص منقوش عَليه أسماءَ و طلاسم فيها أيها ألملك ما دام هَذا ألفارس راكبا علي هَذه ألفرس تنكسر ألمراكب ألتى تفوت مِن تَحْته و يهلك ركابها جميعا و يلتصق كُل ألحديد ألذى في ألمركب بالجبل و ما ألخلاص ألا أذا و قع هَذا ألفارس مِن فَوق تلك ألفرس،
ثم أن ألريس يا سيدتى بكي بكاءَ شديد فَتحققنا أننا هالكون لا محاله و كُل منا و دع صاحبه.
فلما جاءَ ألصباح قربنا مِن تلك ألجبل و ساقتنا ألمياه أليه غصبا،
فلما صارت ألمياه تَحْته أنفتحت و فرت ألمسامير مِنها و كُل حديد فيها نحو حجر ألمغناطيس و نحن دائرون حوله في أخر ألنهار و تمزقت ألمراكب فمنا مِن غرق و منا مِن سلم و لكِن أكثرنا غرق و ألذين سلموا لَم يعلموا ببعضهم لان تلك ألامواج و أختلاف ألارياح أدهشتهم.
واما أنا يا سيدتى فنجانى الله تعالي لما أراده مِن مشقتى و عذابى و بلوتي،
فطلعت علي لوح مِن ألالواح فالقاه ألريح و ألموج ألي جبل فاصبت طريقا متطرفا ألي أعلاه علي هيئه ألسلالم منقوره في ألجبل فسميت الله تعالي و أدرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

وفى ألليله ألسادسه عشره قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألصعلوك ألثالث قال للصبيه و ألجماعه مكتفون و ألعبيد و أقفين بالسيوف علي رؤوسهم،
ثم أنى سميت الله و دعوته و أبتهلت أليه و حاولت ألطلوع علي ألجبل و صرت أتمسك بالنقر ألتى فيه حتي أسكن الله ألريح في تلك ألساعه و أعاننى علي ألطلوع فطلعت سالما علي ألجبل و فرحت بسلامتى غايه ألفرح و لَم يكن لى داب ألا ألقبه فدخلتها و صليت فيها ركعتين شكرا لله علي سلامتى ثُم أنى نمت تَحْت ألقبه .
فسمعت قائلا يقول يا أبن خصيب أذا أنتهيت مِن منامك،
فاحفر تَحْت رجليك قوسا مِن نحاس و ثلاث نشابات مِن رصاص منقوشا عَليها طلاسم فخذَ ألقوس و ألنشابات و أرم للفارس ألذى علي ألقبه و أرح ألناس مِن هَذا ألبلاءَ ألعظيم فاذا رميت ألفارس يقع في ألبحر و يقع ألقوس مِن يدك فخذَ ألقوس،
وادفنه في موضعه.
فاذا فعلت ذَلِك يطفو ألبحر و يعلو حتي يساوى ألجبل،
ويطلع عَليه زورق فيه شخص غَير ألذى رميته فيجيء غليه و في يده مجذاف،
فاركب معه و لا تسم الله تعالي فانه يحملك و يسافر بك مده عشره أيام ألي أن يوصلك ألي بلدك و هَذا غنما يتِم لك أن لَم تسم ألله.
ثم أستيقظت مِن نومي،
وقمت بنشاط و قصدت ألماء،
كَما قال ألهاتف و ضربت ألفارس فرميته فَوقع في ألبحر و وقع ألقوس مِن يدى فاخذت ألقوس و دفنته فهاج ألبحر و علا حتي ساوي ألجبل ألذى أنا عَليه فلم ألبث غَير ساعه حتي رايت زورقا في و سط ألبحر يقصدنى فحمدت الله تعالي فلما و صل ألى ألزورق و جدت فيه شخصا مِن ألنحاس صدره لوح مِن ألرصاص،
منقوش باسماءَ و طلاسم.
فنزلت في ألزورق و أنا ساكت لا أتكلم فحملنى ألشخص أول يوم و ألثانى و ألثالث ألي تمام عشره أيام حتي جزائر ألسلامه ففرحت فرحا عظيما و مِن شده فرحى ذَكرت الله و سميت و هللت و كبرت فلما فعلت ذَلِك قذفنى مِن ألزورق في ألبحر ثُم رجع في ألبحر و كنت أعرف ألعوم فعمت ذَلِك أليوم ألي ألليل حتي كلت سواعدى و تعبت أكتافى و صرت في ألهلكات ثُم تشهدت و أيقنت بالموت و هاج ألبحر مِن كثره ألرياح فجاءت موجه كالقلعه ألعظيمه ،
فحملتنى و قذفتنى قذفه صرت بها فَوق ألبر،
لمل يُريد الله فطلعت ألبر و عصرت ثيابى و نشفتها علي ألارض و بت.
فلما أصبحت لبست ثيابى و قمت أنظر أين أمشى فوجدت غوطه فجئتها و درت حولها فوجدت ألموضع ألذى فيه جزيره صغيره ،
والبحر محيط بها،
فقلت في نفْسى كلما أخلص مِن بليه أقع في أعظم مِنها فبينما أنا متفكر في أمرى أتمني ألموت أذَ نظرت مركبا فيها ناس.
فقمت و طلعت علي شجره و أذا بالمركب ألتصقت بالبر و طلع مِنها عشره عبيد معهم مساحى فمشوا حتي و صلوا ألي و سط ألجزيره و حفروا في ألارض و كشفوا عَن طابق فرفعوا ألطابق و فَتحوا بابه،
ثم عادوا ألي ألمركب و نقلوا مِنها خبزا و دقيقا و سمنا و عسلا و أغناما و جميع ما يحتاج أليه ألساكن و صار ألعبيد مترددين بَين ألمركب و باب ألطابق و هُم يحولون مِن ألمركب و ينزلون في ألطابق ألي أن نقلوا كُل ما في ألمركب.
ثم بَعد ذَلِك طلع ألعبيد و معهم ثياب أحسن ما يَكون و في و سطهم،
شيخ كبير هرم قَد عمر زمنا طويلا و أضعفه ألدهر،
حتي صار فانيا و يد ذَلِك ألشيخ في يد صبى قَد أفرغ في قالب ألجمال و ألبس حله ألكمال حتي أنه يضرب بحسنه ألامثال و هُو كالقضيب ألرطب يسحر كُل قلب بجماله و يسلب كُل لب بكماله فلم يزالوا يا سيدتى سائرين حتي أتوا ألي ألطابق و نزلوا فيه،
وغابوا عَن عيني.
فلما توجهوا قمت و نزلت مِن فَوق ألشجره و مشيت ألي موضع ألردم،
ونبشت ألتراب و نقلته و صبرت نفْسى حتي أزلت كُل ألتراب فانكشف ألطابق فاذا هُو خشب مقدار حجر ألطاحون فرفعته فبان مِن تَحْته سلم معقود مِن حجر فتعجبت مِن ذَلِك و نزلت ألسلم حتي أنتهيت ألي أخره فوجدت شيئا نظيفا و وجدت بستانا و ثانيا ألي تمام تسعه و ثلاثين و كُل بستان أري فيه ما يكل عنه ألواصفون مِن أشجار و أنهار و أثمار و ذَخائر.
ورايت بابا فقلت في نفْسى ما ألذى في هَذا ألمكان،
فلابد أن أفتحه و أنظر ما فيه ثُم فَتحته فوجدت فيه فرسا مسرجا ملحما مربوطا ففككته و ركبته فطار بى ألي حطنى علي سطح و أنزلنى و ضربنى بذيله فاتلف عينى و فر منى فنزلت مِن فَوق ألسطح فوجدت عشره شبان عور فلما راونى قالوا لا مرحبا بك،
فقلت لهم: أتقبلونى أجلس عندكم.
فقالوا و الله لا تجلس عندنا فخرجت مِن عندهم حزين ألقلب باكى ألعين،
وكتب الله لى ألسلامه حتي و صلت ألي بغداد فحاقت ذَقنى و صرت صعلوكا فوجدت هذين ألاثنين ألعورين فسلمت عَليهما و قلت لهماانا غريب،
فقالا و نحن غريبان فهَذا سَبب تلف عيني،
وحلق ذَقني،
فقالت لَه أمسح علي راسك و روح،
فقال: لا أروح حتي أسمع قصه هؤلاء.
ثم أن ألصبيه ألتفتت ألي ألخليفه و جعفر و مسرور و قالت لَهُم أخبرونى بخبركم،
فتقدم جعفر و حكي لَها ألحكايه ألتى قالها للبوابه عِند دخولهم فلما سمعت كلامه قالت و هبت بَعضكم لبعض فخرجوا ألي أن صاروا في ألزقاق فقال ألخليفه للصعاليك يا جماعه ألي أين تذهبون فقالوا ما ندرى أين نذهب فقال لَهُم ألخليفه سيروا و بيتوا عندنا و قال لجعفر خذهم و أحضرهم لى غدا،
حتي ننظر ما يكون،
فامتثل جعفر ما أمَره بِه ألخليفه .
ثم أن ألخليفه طلع ألي قصره و لَم يجئه نوم في تلك ألليله فلما أصبح جلس علي كرسى ألمملكه و دخلت عَليه أرباب ألدوله ،
فالتفت ألي جعفر بَعد أن طلعت أرباب ألدوله و قال أئتنى بالثلاث صبايا و ألكلبتين و ألصعاليك،
فنهض جعفر و أحضرهم بَين يديه فادخل ألصبايا تَحْت ألاسنار.
والتفت لهن جعفر و قال لهن قَد عفونا عنكن لما أسلفتن مِن ألاحسان ألينا و لَم تعرفنا فها أنا أعرفكن و أنتن بَين يدى ألخامس مِن بنى ألعباس هارون ألرشيد،
فلا تخبرنه ألا حقا فلما سمع ألصبايا كلام جعفر،
عن لسان أمير ألمؤمنين تقدمت ألكبيره و قالت يا أمير ألمؤمنين أن لى حديثا لَو كتب بالابر علي أماق ألبصر لكان عبره لمن أعتبر و أدرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

وفى ألليله ألسابعه عشره قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن كبيره ألصبايا،
لما تقدمت بَين يدى أمير ألمؤمنين و قالت أن لى حديثا عجيبا و هُو أن هاتين ألصبيتين أختاى مِن أبى مِن غَير أمى فمات و ألدنا و خَلف خمسه ألاف دينار و كنت أنا أصغرهن سنا فتجهزت أختاى و تزوجت كُل و أحده برجل و مكثنا مده ثُم أن كُل و أحد مِن أزواجهما هيا متجرا و أخذَ مِن زوجته ألف دينار و سافروا مَع بَعضهم،
وتركونى فغابوا أربع سنين و ضيع زوجاهما ألمال،
وخسرا و تركاهما في بلاد ألناس فجاءانى في هيئه ألشحاتين.
فلما رايتهما ذَهلت عنهما و لَم أعرفهما ثُم أنى لما عرفتهما،
قلت لهما: ما هَذا ألحال،
فقالتا يا أختاه أن ألكلام لا يفيد ألان،
وقد جري ألقلم بما حكم الله فارسلتهما ألي ألحمام و ألبست كُل و أحده حله و قلت لهما يا أختى أنتما ألكبيره و أنا ألصغيره و أنتم عوض عَن أبى و أمى و ألارث ألذى ناسى معكَما قَد جعل الله فيه ألبركه فكلا مِن زكاته و أحوالى جليله و أنا و أنتما سواءَ و أحسنت أليهما غايه ألاحسان فمكثا عندى مده سنه كامله و صار لهما مال مِن مالى فقالتا لى أن ألزواج خير لنا و ليس لنا صبر عنه.
فقلت لهما يا أختى لَم تريا في ألزواج خيرا فإن ألرجل ألجيد قلِيل في هَذا ألزمان و قَد أخترتما ألزواج فلم يقبلا كلامي،
وتزوجا بغير رضاى فزوجتهما مِن مالى و سترتهما و مضتا مَع زوجيهما فاقاما مده يسيره و لعب عَليهما زوجهما و أخذَ ما كَان معهما و سافرا و تركاهما فجاءتا عندى و هما عريانتين و أعتذرتا و قالتا لا تؤاخذينا،
فانت أصغر منا سنا و أكمل عقلا،
وما بقينا نذكر ألزواج أبدا.
فقلت مرحبا بكَما يا أختى ما عندى أعز منكَما و قَبلتهما و زدتهما أكراما و لَم تزل علي هَذه ألحاله سنه كامله فاردت أن أجهز لى لى مركبا ألي ألبصره ،
فجهزت مركبا كبيره و حملت فيها ألبضائع و ألمتاجر و ما أحتاج أليه في ألمركب و قلت يا أختى هَل لكَما أن تقعدوا في ألمنزل حتي أسافر و أرجع أو تسافرا معي،
فقالتا تسافر معك فانا لا نطيق فراقك فاخذتهما و سافرنا،
وكنت قسمت مالى نصفين فاخذت ألنصف و خبات ألنصف ألثانى و قلت ربما يصيب ألمركب شيء و يَكون في ألعمر مده فاذا رجعنا نجد شيئا ينفعنا.
ولم نزل مسافرين أياما و ليالي،
فتاهت بنا ألمركب و غفل ألريس عَن ألطريق و دخلت ألمركب بحرا غَير ألبحر ألذى نُريده و لَم نعلم بذلِك مده ،
وطاب لنا ألريح عشره أيام فلاحت لنا مدينه علي بَعد فقلنا للريس ما أسم هَذه ألمدينه ألتى أشرفنا عَليها فقال و الله لا أعلم و لا رايتها قط،
ولا سلكت عمرى هَذا ألبحر،
ولكن جاءَ ألامر بسلامه فما بقى ألا أن تدخلوا هَذه ألمدينه و تخرجوا بضائعكم فإن حصل لكُم بيع فبيعوا و غاب ساعه .
ثم جاءنا و قال قوموا ألي ألمدينه و تعجبوا مِن صنع الله في خلقه و أستعيذوا مِن سخطه فطلعنا ألمدينه فوجدنا كُل مِن فيها مسخوطا حجاره سوداء،
فاندهشنا مِن ذَلِك و مشينا في ألاسواق فوجدنا ألبضائع باقيه و ألذهب و ألفضه باقيين علي حالهما ففرحنا و قلنا لعل هَذا يَكون لَه أمر عجيب،
وتفرقنا في شوارع ألمدينه و كُل و أحد أشتغل عَن رفيقه بما فيها مِن ألمال و ألقماش.
واما أنا فطلعت ألي ألقلعه فوجدتها محكمه فدخلت قصر ألملك فوجدت فيه كُل ألاوانى مِن ألذهب و ألفضه ثُم رايت ألملك جالسا و عنده حجابه و نوابه و وزرائه و عَليه مِن ألملابس شيء يتحير فيه ألفكر فلما قربت مِن ألملك و جدته جالسا علي كرسى مرصع بالدر و ألجواهر فيه كُل دره تضيء كالنجمه و عَليه حله مزركشه بالذهب و واقفا حوله خمسون مملوكا بَين أنواع ألحرير،
وفى أيديهم ألسيوف مجرده .
فلما نظرت لذلِك دهش عقلى ثُم مشيت و دخلت قاعه ألحريم،
فوجدت في حيطأنها ستائر مِن ألحرير و وجدت ألملكه عَليها حله مزركشه بالؤلؤ ألرطب و علي راسها تاج مكلل بانواع ألجواهر و في عنقها قلائد و عقودا و جميع ما عَليها مِن ألملبوس و ألمصاغ باق علي حاله و هى ممسوخه حجر أسود و وجدت بابا مفتوحا فدخلته و وجدت فيه سلما بسبع درج فصعدته،
فرايت مكانا مرخما مفروشا بالبسط ألمذهبه و وجدت فيه سرير مِن ألمرمر مرصعا بالدر و ألجواهر و نظرت نورا لامعا في جهه فقصدتها فوجدت فيها جوهره مضيئه قدر بيض ألنعامه علي كرسى صغير،
وهى تضيء كالشمعه ،
ونورها ساطع و مفروش علي ذَلِك ألسرير مِن أنواع ألحرير ما يحير ألناظر.
فلما نظرت ألي ذَلِك تعجبت و رايت في ذَلِك ألمكان شموعا موقده فقلت في نفْسى لابد أن أحدا أوقد هَذه ألشموع،
ثم أنى مشيت حتي دخلت موضعا غَيره و صرت أفتش في تلك

الاماكن و نسيت نفْسى مما أدهشنى مِن ألتعجب مِن تلك ألاحوال،
واستغرق فكرى ألي أن دخل ألليل فاردت ألخروج فلم أعرف ألباب و تهت عنه فعدت ألي ألجهه ألتى فيها ألشموع ألموقده و جلست علي ألسرير و تغطيت بلحاف بَعد أن قرات شيئا مِن ألقران و أوردت ألنوم فلم أستطع و لحقنى ألقلق.
فلما أنتصف ألليل سمعت تلاوه ألقران بصوت حسن رقيق فالتفت ألي مخدع فرايت بابه مفتوحا فدخلت ألباب و نظرت ألمكان فاذا هُو معبد و فيه قناديل معلقه موقده و فيه سجاده مفروشه جالس عَليها شاب حسن ألمنظر فتعجبت كَيف هُو سالم دون أهل ألمدينه فدخلت و سلمت عَليه فرفع بصره و رد علَى ألسلام فقلت لَه أسالك بحق ما تتلوه مِن كتاب الله أن تجيبنى عَن سؤالي.
فتبسم و قال أخبرنى عَن سَبب دخولك هَذا ألمكان و أنا أخبرك بجواب ما تسالينه عنه فاخبرته بخبرى فتعجب مِن ذَلك،
ثم أننى سالته عَن خبر هَذه ألمدينه فقال أمهلينى ثُم طبق ألمصحف و أدخله كيس مِن ألاطلس و أجلسنى بجنبه فنظرت أليه فاذا هُو كالبدر حسن ألاوصاف لين ألاعطاف بهى ألمنظر رشيق ألقد أسيل ألخد زهى ألجنات كَانه ألمقصود مِن هَذه ألابيات:

رصد ألنجم ليله فبدا لَه قَد ألمليح يميس في برديه
وامد زحل سواد ذَوائب و ألمسك هادى ألخال في خديه

وغدت مِن ألمربح حمَره خده و ألقوس يرمى ألنبل مِن جفنيه

وعطارد أعطاه فرط ذَكائه و أبي ألسها نظر ألوشاه أليه

فغدا ألمنجم حائرا مما راي و ألبدر باس ألارض بَين يديه
فنظرت لَه نظره أعقبتنى ألف حسره و أوقدت بقلبى كُل جمَره فقلت لَه يا مولاى أخبرنى عما سالتك فقال سمعا و طاعه .
اعلمى أن هَذه ألمدينه مدينه و ألدى و جميع أهله و قومه و هُو ألملك ألذى رايته علي ألكرسى ممسوخا حجرا و أما ألملكه ألتى رايتها فهى أمى و قَد كَانوا مجوسا يعبدون ألنار دون ألملك ألجبار و كَانوا يقسمون بالنار و ألنور و ألظل و ألخرور و ألفلك ألذى يدور و كَان أبى ليس لَه و لد فرزق بى في أخر عمَره فربانى حتي نشات و قَد سبقت لى ألسعاده ،
وكان عندنا عجوز طاعنه في ألسن مسلمه تؤمن بالله و رسوله في ألباطن و توافق أهلى في ألظاهر و كَان أبى يعتقد فيها لما يري عَليها مِن ألامانه و ألعفه و كَان يكرمها و يزيد في أكرامها و كَان يعتقد أنها علي دينه.
فلما كبرت سلمنى أبى أليها و قال: خذيه و ربيه و علميه أحوال ديننا و أحسنى تربيته و قومى بخدمته فاخذتنى ألعجوز و علمتنى دين ألاسلام مِن ألطهاره و ألوضوء و ألصلاه و حفظتنى ألقران فلما أتمت ذَلِك قالت لى يا و لدى أكتم هَذا ألامر عَن أبيك و لا تعلمه بِه لئلا يقتلك فكتمته عنه و لَم أزل علي هَذا ألحال مده أيام قلائل و قَد ماتت ألعجوز و زاد أهل ألمدينه في كفرهم و عتوهم و ضلالهم.
فبينما هُم علي ما هُم فيه أذَ سمعوا مناديا ينادى باعلي صوته مِثل ألرعد ألقاصف سمعه ألقريب و ألبعيد يقول يا أهل ألمدينه أرجعوا عَن عباده ألنار و أعبدوا ألملك ألجبار فحصل عِند أهل ألمدينه فزع و أجتمعوا عِند أبى و هُو ملك ألمدينه و قالوا له: ما هَذا ألصوت ألمزعج ألذى سمعناه فاندهشنا مِن شده هوله فقال لَهُم لايهولنكم ألصوت و لا يردعنكم عَن دينكم.
فمالت قلوبهم ألي قول أبى و لَم يزالوا مكبين علي عباده ألنار و أستمروا علي طغيانهم مده سنه حتي جاءَ ميعاد ما سمعوا ألصوت ألاول فظهر لَهُم ثانيا فسمعوا ثلاث مرات علي ثلاث سنين في كُل سنه مَره فلم يزالوا عاكفين علي ما هُم عَليه حتي نزل عَليهم ألمقت و ألسخط مِن ألسماءَ بَعد طلوع ألفجر،
فمسخوا حجاره سودا و كذلِك دوابهم و أنعامهم و لَم يسلم مِن أهل هَذه ألمدينه غَيري،
ومن يوم ما جرت هَذه ألحادثه و أنا علي هَذه ألحاله في صلاه و صيام و تلاوه قران و قَد يئست مِن ألوحده و ما عندى مِن يؤنسني.
فعِند ذَلِك قلت لَه أيها ألشاب هَل لك أن تروح معى ألي مدينه بغداد و تنظر ألي ألعلماءَ و ألي ألفقهاءَ فتزداد علما و فقها و أكون أنا جاريتك مَع أنى سيده قومى و حاكمه علي رجال و خدم و غلمان،
وعندى مركب مشحون بالمتجر و قَد رمتنا ألمقادير علي هَذه ألمدينه حتي كَان ذَلِك سَببا في أطلاعنا علي هَذه ألامور و كَان ألنصيب في أجتماعنا و لَم أزل أرغبه في ألتوجه حتي أجابنى أليه.
وادرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

و في ألليله ألثامنه عشره قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألصبيه ما زالت تحسن للشاب ألتوجه معها حتي غلب عَليها ألنوم فنامت تلك ألليله تَحْت رجليه و هى لا تصدق بما هى فيه مِن ألفرح،
ثم قالت فلما أصبح ألصباح قمنا و دخلنا ألي ألخزائن و أخذنا ما خف حمله و غلا ثمنه و نزلنا مِن ألقلعه ألي ألمدينه فقابلنا ألعبيد و ألريس و هُم يفتشون علَى فلما راونى فرحوا بى و سالونى عَن سَبب غيابى فاخبرتهم بما رايت و حكيت لَهُم قصه ألشاب و سَبب مسخ أهل هَذه ألمدينه و ما جري لَهُم فتعجبوا مِن ذَلك.

فلما راتنى أختاى و معى ذَلِك ألشاب حسدتانى عَليه و صارتا في غيظ و أضمرتا ألمكر لي.
ثم نزلنا ألمركب و أنا بغايه ألفرح و أكثر فرحى بصحبه هَذا ألشاب و أقمنا ننتظر ألريح حتي طابت لنا ألريح فنشرنا ألقلوع و سافرنا فقعدت أختاى عندنا و صارت تتحدثان فقالتا لى يا أختاه ما تصنعين بهَذا ألشاب ألحسن فقلت لهما قصدى أن أتخذه بعلا،
ثم ألتفت أليه و أقبلت عَليه و قلت يا سيدى أنا أقصد أن أقول لك شيئا فلا تخالفنى فيه.
فقال سمعا و طاعه .
ثم ألتفت ألي أختاى و قلت لهما يكفينى هَذا ألشاب و جميع هَذه ألاموال لكَما فقالتا نعم ما فعلت و لكِنهما أضمرتا لى ألشر و لَم نزل سائرين مَع أعتدال ألريح حتي خرجنا مِن بحر ألخوف و دخلنا بحر ألامان و سافرنا أياما قلائل ألي أن قربنا مِن مدينه ألبصره و لاحت لنا أبنيتها،
فادركنا ألمساءَ فلما أخذنا ألنوم قامت أختاى و حملتانى أنا و ألغلام و رمتانا في ألبحر،
فاما ألشاب فانه كَان لا يحسن ألعوم فغرق و كتبه الله مِن ألشهداء.
واما أنا فكنت مِن ألسالمين،
فلما سقطت في ألبحر رزقنى الله بقطعه مِن خشب فركبتها و ضربتنى ألامواج ألي أن رمتنى علي ساحل جزيره فلم أزل أمشى في ألجزيره باقى ليلتى فلما أصبح ألصباح رايت طريقا فيه أثر مشى علي قدر أبن أدم و تلك ألطريق متصله مِن ألجزيره ألي ألبر و قَد طلعت ألشمس فنشفت ثيابى فيها و سرت في ألطريق و لَم أزل سائره ألي أن قربت مِن ألبر ألذى فيه ألمدينه و أذا بحيه تقصدنى و خَلفها ثعبان يُريد هلاكها و قَد تدلي لسأنها مِن شده ألتعب.
فاخذتنى ألشفقه عَليها فقعدت ألي حجر و ألقيته علي راس ألثعبان فمات مِن و قته فنشرت ألحيه جناحين و صارت في ألجو فتعجبت مِن ذَلِك و قَد تعبت فنمت في موضعى ساعه ،
فلما أفقت و جدت تَحْت رجلى جاريه و هى تكبس رجلى فجلست و أستحيت مِنها و قلت لَها مِن أنت و ما شانك فقالت ما أسرع ما نسيتنى أنت ألتى فعلت معى ألجميل و قتلت عدوي،
فانى ألحيه ألتى خلصتينى مِن ألثعبان جنى و هُو عدوى و ما نجانى مِنه ألا أنت.
فلما نجيتنى مِنه طرت في ألريح و ذَهبت ألي ألمركب ألتى رماك مِنها أختاك و نقلت كُل ما فيها ألي بيتك و أحرقتها و أما أختاك فانى سحرتهما كلبتين مِن ألكلاب ألسود،
فانى عرفت كُل ما جري لك معهما،
واما ألشاب فانه غرق ثُم حملنى أنا و ألكلبتين و ألقتنا فَوق سطح دارى فرايت كُل ما كَان في ألمركب مِن ألاموال في و سط بيتى و لَم يضع مِنه شيء،
ثم أن ألحيه قالت لى و حق ألنقش ألذى علي خاتم سليمان أذا لَم تضربى كُل و أحده مِنها في كُل يوم ثلاثمائه سوط لاتين أجعلك مِثلهما فقلت سمعا و طاعه .
فلم أزل يا أمير ألمؤمنين أضربها ذَلِك ألضرب و أشفق عَليهما،
فتعجب ألخليفه مِن ذَلِك ثُم قال للصبيه ألثانيه : و أنت ما سَبب ألضرب ألذى علي جسدك فقالت: يا أمير ألمؤمنين أنى كَان لى و ألد مات و خَلف مالا كثِيرا،
فاقمت بَعده مده يسيره و تزوجت برجل أسعد أهل زمانه فاقمت معه سنه كامله و مات فورثت مِنه ثمانين ألف دينار،
فبينما أنا جالسه في يوم مِن ألايام أذَ دخلت علَى عجوز بوجه مسقوط و حاجب ممغوط و عيونها مفجره و أسنأنها مكسره و مخاطها سائل و عنقها مائل كَما قال فيها ألشاعر:

عجوز ألنحس أبليس يراها تعلمه ألخديعه مِن سكوت تقود مِن ألسياسه ألف بغل أذا أنفردوا بخيط ألعنكبوت
فلما دخلت ألعجوز علمت علَى و قالت أن عندى بنتا يتيمه و ألليله عملت عرسها و أنا قصدى لك ألاجر و ألثواب فاحضرى عرسها فأنها مكسوره ألخاطر ليس لَها ألا الله تعالي ثُم بكت و قَبلت رجلى فاخذتنى ألرحمه و ألرافه فقلت سمعا و طاعه فقالت جهزى نفْسك فانى و قت ألعشاءَ أجى و أخذك ثُم قَبلت يدى و ذَهبت فقمت و هيات نفْسى و جهزت حالى و أذا بالعجوز قَد أقبلت و قالت يا سيدتى أن سيدات ألبلد قَد حضرن و أخبرتهن بحضورك ففرحن و هن في أنتظارك،
فقمت و تهيات و أخذت جوارى معى و سرت حتي أتينا ألي زقاق هب فيه ألنسيم و راق فراينا بوابه مقنطره قبه مِن ألرخام مشيده ألبنيان و في داخِلها قصر قَد قام مِن ألتراب و تعلق بالسحاب فلما و صلنا ألي ألباب طرقته ألعجوز ففَتح لنا و دخلنا فوجدنا دهليزا مفروشا بالبسط معلقا فيه قناديل موقده و شموع مضيئه و فيه ألجواهر و ألمعادن معلقه فمشينا في ألدهليز ألي أن دخلنا ألقاعه فلم يُوجد لَها نظير مفروشه بالفراش ألحرير معلقا فيها ألقناديل ألموقده و ألشموع ألمضيئه و في صدر ألقاعه سرير مِن ألمرمر مرصع بالدر و ألجوهر و عَليه ناموسيه مِن ألاطلس و أذا بصبيه خرجت مِن ألناموسيه مِثل ألقمر فقالت لى مرحبا و أهلا و سهلا يا أختى أنستينى و جبرت خاطرى و أنشدت تقول:

لو تعلم ألدار مِن زارها فرحت و أستبشرت ثُم باست موضع ألقدم و أعلنت بلسان ألحال قائله أهلا و سهلا باهل ألجود و ألكرم
ثم جلست و قالت يا أختى أن لى أخا و قَد راك في ألافراح و هُو شاب أحسن منى و قَد أحبك قلبه حبا شديدا و أعطي هَذه ألعجوز دراهم حتي أتتك و عملت ألحيله لاجل أجتماعه بك و يُريد أخى أن يتزوجك بسنه الله و رسوله و ما في ألحلال مِن عيب فلما سمعت كلامها و رايت نفْسى قَد أنحجزت في ألدار فقلت للصبيه سمعا و طاعه ففرحت و صفقت بيدها و فَتحت بابا،
فخرج مِنه شاب مِثل ألقمر كَما قال ألشاعر:

قد زاد حسنا تبارك الله جل ألذى صاغه و سواه
قد حاز كُل ألجمال منفردا كُل ألوري في جماله تهواه

قد كتب ألحسن فَوق و جنته أشهد أن لا مليح ألا هو
فلما نظرت أليه مال قلبى لَه ثُم جاءَ و جلس و أذا بالقاضى قَد دخل و معه أربعه شهود فسلموا و جلسوا،
ثم أنهم كتبوا كتابى علي ذَلِك ألشاب و أنصرفوا فالتفت ألشاب ألى و قال ليلتنا مباركه ،
ثم قال يا سيدتى أنى شارط عليك شرطا فقلت يا سيدى و ما ألشرط فقام و أحضر لى مصحفا و قال أحلفى لى أنك لا تختارى أحدا غَيرى و لا تميلى أليه فحلفت لَه علي ذَلِك ففرح فرحا شديدا و عانقنى فاخذت محبته بمجامح قلبى و قدموا لنا ألسماط فاكلنا و شربنا حتي أكتفينا فدخل علينا ألليل.
فاخذنى و نام معى علي ألفراش و بتنا في عناق ألي ألصباح،
ولم نزل علي هَذه ألحاله مده شهر،
ونحن في هناءَ و سرور و بَعد ألشهر أستاذنته في أن أسير ألي ألسوق و أشترى بَعض قماش فاذن لى في ألرواح،
فلبست ثيابى و أخذت ألعجوز معى و نزلت في ألسوق فجلست علي دكان تاجر تعرفه ألعجوز و قالت لى هَذا و لد صغير مات أبوه و خَلف مالا كثِيرا ثُم قالت لَه هات أعز ما عندك مِن ألقماش لهَذه ألصبيه .
فقال لَها سمعا و طاعه فصارت ألعجوز تثنى عَليه فقلت ما لنا حاجه بثنائك عَليه لان مرادنا أن ناخذَ حاجتنا مِنه و نعود ألي منزلنا فاخرج لنا ما طلبناه و أعطيناه ألدراهم فابي أن ياخذَ شيئا و قال هَذه ضيافتكَما أليوم عندى فقلت للعجوز أن لَم ياخذَ ألدراهم أعطه قماشه.
فقال: و الله لا أخذَ شيئا و ألجميع هديه مِن عندى في قَبله و أحده فأنها عندى أحسن مِن ما في دكاني.
فقالت ألعجوز ما ألذى يفيدك مِن ألقبله ثُم قالت يا بنتى قَد سمعت ما قال هَذا ألشاب و ما يصيبك شيء أخذَ منك قَبله و تاخذين ما تطلبينه فقلت لَها أما تعرفين أنى حالفه فقالت دعيه يقبلك و أنت ساكته و لا عليك شيء و تاخذين هَذه ألدراهم و لازالت تحسن لى ألامر حتي أدخلت راسى في ألجراب و رضيت بذلِك ثُم أنى غطيت عينى و داريت بطرف أزارى مِن ألناس و حط فمه تَحْت أزارى علي خدى فما أن قَبلنى حتي عضنى عضه قويه ،
حتي قطع أللحم مِن خدى فغشى علَى ثُم أخذتنى ألعجوز في حضنها.
فلما أفقت و جدت ألدكان مقفوله و ألعجوز تظهر لى ألحزن،
وتقول ما دفع الله كَان أعظم ثُم قالت لى قومى بنا ألي ألبيت و أعملى نفْسك ضعيفه و أنا أجيء أليك بدواءَ تداوين بِه هَذه ألعضه فتبرئين سريعا فبعد ساعه قمت مِن مكانى و أنا في غايه ألفكر و أشتداد ألخوف،
فمشيت حتي و صلت ألي ألبيت و أظهرت حاله ألمرض و أذا بزوجى داخِل و قال ما ألذى أصابك يا سيدتى في هَذا ألخروج فقلت لَه ما أنا طيبه فنظر ألى و قال لى ما هَذا ألجرح ألذى بخدك و هُو في ألمكان ألناعم.
فقلت لما أستاذنتك و خرجت في هَذا ألنهار لاشترى ألقماش زاحمنى جمل حامل حطبا فشرط نقابى و جرح خدى كَما تري فإن ألطريق ضيق في هَذه ألمدينه فقال غدا أروح للحاكم و أشكوا لَه فيشنق كُل حطاب في ألمدينه فقلت بالله عليك لا تتحمل خطيئه أحد فانى ركبت حمارا نفر بى فَوقعت علي ألارض فصادفنى عود فخدش خدى و جرحني،
فقال غدا أطلع لجعفر ألبرمكى و أحكى لَه ألحكايه فيقتل كُل حمار في هَذه ألمدينه فقلت هَل أنت تقتل ألناس كلهم بسببى و هَذا ألذى جري لى بقضاءَ الله و قدره.
فقال لابد مِن ذَلِك و شدد علَى و نهض قائما و صاح صيحه عظيمه فانفَتح ألباب و طلع مِنه سبعه عبيد سود فسحبونى مِن فراشى و رمونى في و سط ألدار ثُم أمر عبدا مِنهم أن يمسكنى مِن أكتافي،
ويجلس علي راسى و أمر ألثانى أن يجلس علي ركبتى و يمسك رجلى و جاءَ ألثالث و في يده سيف فقال يا سيدى أضربها بالسيف فاقسمها نصفين و كُل و أحد ياخذَ قطعه يرميها في بحر ألدجله فياكلها ألسمك و هَذا جزاءَ مِن يخون ألايمان ألموده و أنشد هَذا ألشعر:

اذا كَان لى فيمن أحب مشارك مَنعت ألهوي روحى ليتلفنى و جدى و قلت لَها يا نفْس موتى كريهه فلا خير في حب يَكون مَع ألضد
ثم قال للعبد أضربها يا سعد فجرد ألسيف و قال أذكرى ألشهاده و تذكرى ما كَان لك مِن ألحوائج و أوصى ثُم رفعت راسى و نظرت ألي حالى و كَيف صرت في ألذل بَعد ألعجز فجرت عبرتى و بكيت أنشدت هَذه ألابيات:

اقمتم فؤادى في ألهوي و قعدتم و أسهرتم جفنى ألقريح و نمتم
ومنزلكُم بَين ألفؤاد و ناظرى فلا ألقلب يسلوكم و لا ألدمع يكتم

وعاهدتمونى أن تقيموا علي ألوفا فلما تملكتم فؤادى غدرتم

ولم ترحموا و جدى بكم و تلهفى أانتم صروف ألحادثات أمنتم

سالتكم بالله أن مت فاكتبوا علي لوح قبرى أن هَذا متيم

لعل شجيا عارفا لوعه ألهوي يمر علي قبر ألمحب فيرحم
فلما فرغت مِن شعرى بكيت فلما سمع ألشعر و نظر ألي بكائى أزداد غيظا علي غيظه و أنشد هذين ألبيتين:

تركت حبيب ألقلب لاعن ملاله و لكِن جني ذَنبا يؤدى ألي ألترك أذا أري شريكا في ألمحبه بيننا و أيمان قلبى لا يميل ألي ألشرك
فلما فرغ مِن شعره بكيت و أستعطفته،
واذا بالعجوز قَد دخلت و رمت نفْسها علي أقدام ألشاب و قَبلتها و قالت يا و لدى بحق تربيتى لك تعفوا عَن هَذه ألصبيه فأنها ما فعلت ذَنبا يوجب ذَلِك و أنت شاب صغير فاخاف عليك مِن دعائها ثُم بكت ألعجوز،
ولم تزل تلح عَليه حتي قال عفوت عنها،
ولكن لابد لى أن أعمل فيها أثرا يظهر عَليها بقيه عمرها،
ثم أمر ألعبيد فجذبونى مِن ثيابى و أحضر قضيبا مِن سفرجل و نزل بِه علي جسدى بالضرب،
ولم يزل يضربنى ذَلِك ألشاب علي ظهرى و جنبى حتي غبت عَن ألدنيا مِن شده ألضرب و قَد يئست مِن حياتى ثُم أمر ألعبيد أنه أذا دخل ألليل يحملوننى و ياخذون ألعجوز معهم و يرموننى في بيتى ألذى كنت فيه سابقا.
ففعلوا ما أمرهم بِه سيدهم و رمونى في بيتي،
فتعاهدت نفْسى و تداويت فلما شفيت بقيت أضلاعى كَأنها مضروبه بالمقارع،
كَما تري فاستمريت في مداواه نفْسى أربعه أشهر حتي شفيت،
ثم جئت ألي ألدار ألتى جرت لى فيها ذَلِك ألامر فوجدتها خربه و وجدت ألزقاق مهد و ما مِن أوله ألي أخره و وجدت في موقع ألدار كيما و لَم أعلم سَبب ذَلِك فجئت ألي أختى هَذه ألتى مِن أبى فوجدت عندها هاتين ألكلبتين فسلمت عَليها و أخبرتها بخبرى و بجميع ما جري لي.
فقالت مِن ذَا ألذى مِن نكبات ألزمان،
سلم ألحمد لله ألذى جعل ألامر بسلامه ثُم أخبرتنى بخبرها و بجميع ما جري لَها مِن أختيها و قعدت أنا و هى لا نذكر خبر ألزواج علي ألسنتنا ثُم صاحبتنا هَذه ألصبيه ألدلاله في كُل يوم تخرج فتشترى لنا ما نحتاج أليه مِن ألمصالح علي جرى علاتها،
فوقع لنا ما و قع مِن مجيء ألجمال و ألصعاليك و مِن مجيئكم في صفه تجار فلما صرنا في هَذا أليوم و لَم نشعر ألا نحن بَين يديك و هَذه حكايتنا،
فتعجب ألخليفه مِن هَذه ألحكايه و جعلها تاريخها مثبتا في خزانته و أدرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

وفى ألليله ألتاسعه عشره قالت: بلغنى أيها ألملك ألسعيد أن ألخليفه أمر أن تكتب هَذه ألقصه في ألدواوين و يجعلوها في خزانه ألملك ثُم أنه قال للصبيه ألاولي هَل عندك خبر بالعفريته ألتى سحرت أختيك،
قالت يا أمير ألمؤمنين أنها أعطتنى سيئا مِن شعرها،
وقالت أن أردت حضورى فاحرقى مِن هَذا ألشعر شيئا فاحضر أليك عاجلا و لَو كنت خَلف جبل قاف.
فقال ألخليفه أحضرى لى ألشعر فاحضرته ألصبيه فاخذه ألخليفه ،
واحرق مِنه شيئا فلما فاحت مِنه رائحه أهتز ألقصر و سمعوا دويا و صلصله و أذا بالجنيه حضرت و كَانت مسلمه فقالت يا خليفه فقال: و عليكم ألسلام و رحمه الله و بركاته،
فقالت أعلم أن هَذه ألصبيه صنعت معى جميلا و لا أقدر أن أكافئها عَليه فهى أنقذتنى مِن ألموت و قتلت عدوى و رايت ما فعله معها أختاها فما رايت ألا أنى أنتقم مِنهما فسحرتهما كلبتين بَعد أن أردت قتلهما فخشيت أن يصعب عَليها،
وان أردت خلاصهما،
يا أمير ألمؤمنين أخلصهما كرامه لك و لَها فانى مِن ألمسلمين.
فقال لَها خلصيهما و بَعد ذَلِك نشرع في أمر ألصبيه ألمضروبه ،
وتفحص عَن حالها فاذا ظهر لى صدقها أخذت ثارها ممن ظلمها فقالت ألعفريته يا أمير ألمؤمنين أنا أدلك علي ما فعل بهَذه ألصبيه هَذا ألفعل و ظلمها و أخذَ مالها و هُو أقرب ألناس أليك،
ثم أن ألعفريته أخذت طاسه مِن ألماءَ و عزمت عَليها،
ورشت و جه ألكلبتين،
وقالت لهما عودا ألي صورتكَما ألاولي ألبشريه فعادتا صبيتين سبحان خالقهما،
ثم قالت يا أمير ألمؤمنين أن ألذى ضرب ألصبيه ،
ولدك ألامين فانه كَان يسمع بحسنها و جمالها،
وحكت لَه ألعفريته كُل ما جري للصبيه فتعجب و قال ألحمد لله خلاص هاتين ألكلبتين علي يدي.

ثم أن ألخليفه أحضر و لده ألامين بَين يديه و ساله عَن قصه ألصبيه ألاولي فاخبره علي و جه ألحق فاحضره ألخليفه ألقضاه و ألشهود و ألصعاليك ألثلاثه ،
واحضر ألصبيه ألاولي و أختيها أللتين كَانتا مسحورتين في صوره كلبتين،
وزوج ألثلاثه للثلاثه ألصعاليك ألذين أخبروه أنهم كَانوا ملوكا و عملهم حجابا عنده و أعطاهم ما يحتاجون أليه و أنزلهم في قصر بغداد و رد ألصبيه ألمضروبه لولده ألامين و أعطاها مالا كثِيرا و أمر أن تبني ألدار أحسن ما كَانت ثُم أن ألخليفه تزوج بالدلاله و رقد في تلك ألليله معها.
فلما أصبح أفرد لَها بيتا و جوارى يخدمِنها و رتب لَها راتبا،
وشيد لَها قصرا ثُم قال لجعفر ليله مِن ألليالى أنى أريد أن ننزل في هَذه ألليله ألي ألمدينه و نسال عَن أحوال ألحكام و ألمتولين و كُل مِن شكا مِنه أحد عزلناه فقال جعفر و مسرور نعم،
وساروا في ألمدينه و مشوا في ألاسواق مروا بزقاق،
فراوا شيخا كبيرا علي راسه شبكه و قفه و في يده عصا و هُو ماش علي مهله.

ثم أن ألخليفه تقدم أليه و قال لَه يا شيخ ما حرفتك قال يا سيدى صياد و عندى عائله و خرجت مِن بيتى مِن نصف ألنهار ألي هَذا ألوقت و لَم يقسم الله لى شيئا أقوت بِه عيالى و قَد كرهت نفْسى و تمنيت ألموت.
فقال لَه ألخليفه هَل لك أن ترجع معنا ألي ألبحر و تقف علي شاطئ ألدجله و ترمى شبكتك علي بختى و كُل ما طلع أشتريته منك بمائه دينار.
ففرح ألرجل لما سمع هَذا ألكلام و قال علي راسى أرجع معكم.
ثم أن ألصياد و رجع ألي ألبحر و رمي شبكته و صبر عَليها،
ثم أنه جذب ألخيط و جر ألشبكه أليه فطلع في ألشبكه صندوق مقفول ثقيل ألوزن فلما نظر ألخليفه و جده ثقيلا فاعطي ألصياد مائه دينار و أنصرف و حمل ألصندوق مسرور هُو و جعفر و طلعا بِه مَع ألخليفه ألي ألقصر و أوقد ألشموع و ألصندوق بَين يدى ألخليفه فتقدم جعفر و مسرور و كسروا ألصندوق فوجدوا فيه قفه خوص محيطه بصوت أحمر فقطعوا ألخياطه فراوا فيها قطعه بساط فرفعوها فوجدوا تَحْتها أزار فرفعوا ألازار فوجدوا تَحْتها صبيه كَأنها سبيكه مقتوله و مقطوعه .
فلما نظرها ألخليفه جرت دموعه علي خده و ألتفت ألي جعفر و قال: يا كلب ألوزراءَ أتقتل ألقتلي في زمنى و يرمون في ألبحر و يصيرون متعلقين بذمتى و الله لابد أن أقتص لهَذه ألصبيه ممن قتلها و أقتله و قال لجعفر و حق أتصال نسبى بالخلفاءَ مِن بنى ألعباس أن لَم تاتينى بالذى قتل هَذه لانصفها مِنه لاصلبنك علي باب قصرى أنت و أربعين مِن بنى عمك،
واغتاظ ألخليفه .
فقال جعفر أمهلنى ثلاثه أيام قال أمهلتك.
ثم خرج جعفر مِن بَين يديه و مشي في ألمدينه و هُو حزين و قال في نفْسه مِن أعرف مِن قتل هَذه ألصبيه حتي أحضره للخليفه و أن أحضرت لَه غَيره يصير معلقا بذمتى و لا أدرى ما أصنع.
ثم أن جعفر جلس في بيته ثلاثه أيام و في أليوم ألرابع أرسل لَه ألخليفه يطلبه فلما تمثل بَين يديه قال لَه أين قاتل ألصبيه قال جعفر يا أمير ألمؤمنين أنا أعلم ألغيب حتي أعرف قاتلها،
فاغتاظ ألخليفه و أمر بصلبه علي باب قصره و أمر مناديا ينادى في شوارع بغداد مِن أراد ألفرجه علي صلب جعفر ألبرمكى و زير ألخليفه و صلب أولاد عمه علي باب قصر ألخليفه ليخرج ليتفرج.
فخرج ألناس مِن كُل ألحارات ليتفرجوا علي صلب جعفر و صلب أولاد عمه و لَم يعلموا سَبب ذَلِك ثُم أمر بنصب ألخشب فنصبوه و أوقفهم تَحْته لاجل ألصلب و صاروا ينتظرون ألاذن مِن ألخليفه و صار ألخلق يتباكون علي جعفر و علي أولاد عمه.
فبينما هُم كذلِك و أذا بشاب حسن نقى ألاثواب يمشى بَين ألناس مسرعا ألي أن و قف بَين يدى ألوزير و قال له: سلامتك مِن هَذه ألوقفه يا سيد ألامراءَ و كهف ألفقراء،
انا ألذى قتلت ألقتيله ألتى و جدتموها في ألصندوق،
فاقتلنى فيها و أقتص مني.
فلما سمع جعفر كلام ألشاب و ما أبداه مِن ألخطاب فرح بخلاص نفْسه و حزن علي ألشاب.
فبينما هُم في ألكلام و أذا بشيخ كبير يفسح ألناس و يمشى بينهم بسرعه ألي أن و صل ألي جعفر و ألشاب فسلم عَليهما ثُم قال أيها ألوزير لا تصدق كلام هَذا ألشاب فانه ما قتل هَذه ألصبيه ألا أنا فاقتص لَها مني.
فقال ألشاب أيها ألوزير،
ان هَذا ألشيخ كبير خرفان لا يدرى ما يقول و أنا ألذى قتلتها فاقتص مني.
فقال ألشيخ،
يا و لدى أنت صغير تشتهى ألدنيا و أنا كبير شبعت مِن ألدنيا و أنا أفديك و أفدى ألوزير و بنى عمه و ما قتل ألصبيه ألا أنا،
فبالله عليك أن تعجل بالاقتصاص مني،
فلما نظر ألي ذَلِك ألامر تعجب مِنه و أخذَ ألشاب و ألشيخ و طلع بهما عِند ألخليفه و قال يا أمير ألمؤمنين قَد حضر قاتل ألصبيه فقال ألخليفه أين هو،
فقال أن هَذا ألشاب يقول أنا ألقاتل و هَذا ألشيخ يكذبه و يقول لا بل أنا ألقاتل.
فنظر ألخليفه ألي ألشيخ و ألشاب و قال مِن منكَما قتل هَذه ألصبيه فقال ألشاب ما قتلتها ألا أنا و قال ألشيخ ما قتلها ألا أنا.
فقال ألخليفه لجعفر خذَ ألاثنين و أصلبهما فقال جعفر أذا كَان ألقاتل و أحد فقتل ألثانى ظلم،
فقال ألشاب: و حق مِن رفع ألسماءَ و بسط ألارض أنى أنا ألذى قتلت ألصبيه و هَذه أماره قتلها،
ووصف ما و جده ألخليفه فَتحقق عِند ألخليفه أن ألشاب هُو ألذى قتل ألصبيه فتعجب ألخليفه و قال: و ما سَبب أقرارك بالقتل مِن غَير ضرب و قولك أقتصوا لَها مني.
فقال ألشاب: أعلم يا أمير ألمؤمنين أن هَذه ألصبيه زوجتى و بنت عمى و هَذا ألشيخ أبوها و هُو عمى و تزوجت بها و هى بكر فرزقنى الله مِنها ثلاثه أولاد ذَكور و كَانت تحبنى و تخدمنى و لَم أر عَليها شيئا،
فلما كَان أول هَذا ألشهر مرضت مرضا شديدا فاحضرت لَها ألاطباءَ حتي حصلت لَها ألعافيه فاردت أن أدخلها ألحمام فقالت أنى أريد شيئا قَبل دخول ألحمام لانى أشتهيه فقلت لَها و ما هُو فقالت: أنى أشتهى تفاحه أشمها و أعض مِنها عضه .
فطلعت مِن ساعتى ألي ألمدينه و فتشت علي ألتفاح و لَو كَانت ألواحده بدينار فلم أجده فبت تلك ألليله و أنا متفكر فلما أصبح ألصباح خرجت مِن بيتى و درت علي ألبساتين و أحد و أحد فلم أجده فيها فصادفنى خولى كبير فسالته عَن ألتفاح فقال: يا و لدى هَذا شيء قل أن يُوجد لانه معدوم و لا يُوجد ألا في بستان أمير ألمؤمنين ألذى في ألبصره و هُو عِند خولى يدخره للخليفه فجئت ألي زوجتى و قَد حملتنى محبتى أياها علي أن هيات نفْسى و سافرت يوما ليلا و نهارا في ألذهاب و ألاياب و جئت لَها بثلاث تفاحات أشتريتها مِن خولى ألبصره بثلاثه دنانير،
ثم أنى دخلت و ناولتها أياها فلم تفرح بها بل تركتها في جانبها و كَان مرض ألحمي قَد أشتد بها،
ولم تزل في ضعفها ألي أن مضي لَها عشره أيام و بَعد ذَلِك عوفيت فخرجت مِن ألبيت و ذَهبت ألي دكانى و جلست في بيعى و شرائي.
فبينما أنا جالس في و سط ألنهار و أذا بعبد أسود مر علَى و في يده تفاحه يلعب بها فقلت له: مِن أين هَذه ألتفاحه حتي أخذَ مِثلها فضحك و قال أخذتها مِن حبيبتى و أنا كنت غائبا و جئت فوجدتها ضعيفه و عندها ثلاث تفاحات فقالت أن زوجى ألديوث سافر مِن شأنها ألي ألبصره فاشتراها بثلاثه دنانير فاخذت مِنها هَذه ألتفاحه ،
فلما سمعت كلام ألعبد يا أمير ألمؤمنين أسودت ألدنيا في و جهى و قفلت دكانى و جئت ألي ألبيت و أنا فاقد ألعقل مِن شده ألغيظ فلم أجد ألتفاحه ألثالثه فقلت لها: أين ألتفاحه ألثالثه فقالت لا أدرى و لا أعرف أين ذَهبت.
فتحققت قول ألعبد و قمت و أخذت سكينا و ركبت علي صدرها و نحرتها بالسكين و قطعت راسها و أعضائها و وَضعتها في ألقفه بسرعه و غطيتها بالازار و وَضعت عَليها شقه بساط و أنزلتها في ألصندوق و قفلته و حملتها علي بغلتى و رميتها في ألدجله بيدي.
فبالله عليك يا أمير ألمؤمنين أن تعجل بقتلى قصاصا لَها فانى خائف مِن مطالبتها يوم ألقيامه فانى لما رميتها في بحر ألدجله و لَم يعلم بها أحد رجعت ألي ألبيت فوجدت و لدى ألكبير يبكى و لَم يكن لَه علم بما فعلت في أمه.
فقلت لَه ما يبكيك فقال أنى أخذت تفاحه مِن ألتفاح ألذى عِند أمى و نزلت بها ألي ألزقاق ألعب مَع أخوتى و أذا بعبد طويل خطفها منى و قال لى مِن أين جاءتك هَذه فقلت لَه هَذه سافر أبى و جاءَ بها مِن ألبصره مِن أجل أمى و هى ضعيفه و أشتري ثلاث تفاحات بثلاثه دنانير فاخذها منى و ضربنى و راح بها فخفت مِن أمى أن تضربنى مِن شان ألتفاحه .
فلما سمعت كلام ألولد علمت أن ألعبد هُو ألذى أفتري ألكلام ألكذب علي بنت عمى و تحققت أنها قتلت ظلما ثُم أنى بكيت بكاءَ شديدا و أذا بهَذا ألشيخ و هُو عمى و ألدها قَد أقبل فاخبرته بما كَان فجلس بجانبى و بكي و لَم نزل نبكى ألي نصف ألليل و أقمنا ألعزاءَ خمسه أيام و لَم نزل ألي هَذا أليوم و نحن نتاسف علي قتلها،
فبحرمه أجدادك أن تعجل بقتلى و تقتص مني.
فلما سمع ألخليفه كلام ألشاب تعجب و قال و الله لا أقتل ألا ألعبد ألخبيث أدرك شهرزاد ألصباح فسكتت عَن ألكلام ألمباح.

  • قصص هاتي زنبورك
389 views

قصص الف ليلة وليلة كاملة