1:16 مساءً الخميس 21 فبراير، 2019


مفاسد الكذب

بالصور مفاسد الكذب 971fb82b0a19ab730508603a0d8306e4

 

فوائد الصدق و مفاسد الكذب
عبده قايد الذريبي

الحمد لله مستحق الحمد و اهله، يجزى الصادقين بصدقهم من رحمته و فضله، و يجازى الكاذبين فيعاقبهم ان شاء بحكمته و عدله، و اشهد ان لا اله الا الله و حده لا شريك له في حكمه، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله افضل خلقه، صلى الله و سلم عليه و على اله و صحبه.
اما بعد:
فان الصدق دليل الايمان و لباسه، و لبه و روحه؛ كما ان الكذب بريد الكفر و نبته و روحه، و السعاده دائره مع الصدق و التصديق، و الشقاوه دائره مع الكذب و التكذيب.
والصدق من الاخلاق التى اجمعت الامم على مر العصور و الازمان، و في كل مكان، و في كل الاديان، على الاشاده به، و على اعتباره فضله، و هو خلق من اخلاق الاسلام الرفيعه وصفه من صفات عباد الله المتقين؛ و لذلك فقد وصف الله نبيه محمدا – صلى الله عليه و سلم – بانه جاء بالصدق، وان ابا بكر و غيره من المسلمين هم الصادقون، قال – تعالى والذى جاء بالصدق و صدق به اولئك هم المتقون [الزمر: 33].
كما ان التحلى بالصدق كان من اوليات دعوته – صلى الله عليه و سلم ، كما جاء مصرحا بذلك في قصه ابى سفيان مع هرقل، و فيها: ان هرقل قال لابى سفيان: (فماذا يامركم؟) يعني: النبى – صلى الله عليه و سلم ، قال ابو سفيان: (يقول: اعبدوا الله و حده و لا تشركوا به شيئا، و اتركوا ما يقول اباؤكم، و يامرنا بالصلاه و الصدق، و العفاف، و الصلة))[رواه البخارى و مسلم].
كما ان الصدق سمه من سمات الانبياء و المرسلين، و كل عباد الله الصالحين، قال تعالى عن خليله ابراهيم على نبينا و على كل الانبياء الصلاه و السلام: واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا [مريم: 41].
وقال عن اسحاق و يعقوب: ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا [مريم: 50].
وقال عن اسماعيل: واذكر في الكتاب اسماعيل انه كان صادق الوعد و كان رسولا نبيا [مريم: 54].
وقال عن ادريس: واذكر في الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيا [مريم: 56].
وقال عن صحابه رسوله الاخيار: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا [الاحزاب: 23].
وقد انزل الله في شان الصادقين معه ايات تتلي الى ان يرث الله الارض و من عليها، فقد ثبت عن انس ان عمه انس بن النضر لم يشهد بدرا مع رسول الله – صلى الله عليه و سلم ، فشق ذلك على قلبه، و قال: اول مشهد شهده رسول الله – صلى الله عليه و سلم – غبت عنه، اما و الله، لئن ارانى الله مشهدا مع رسول الله – صلى الله عليه و سلم – ليرين الله ما اصنع قال: فشهد احدا في العام القابل، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا ابا عمر، الى اين فقال: و اها لريح الجنة انى اجد ريحها دون احد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع و ثمانون ما بين رميه و ضربه و طعنه فقالت اخته الربيع بنت النضر: ما عرفت اخى الا ببنانه، فنزلت هذه الاية: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الاحزاب: 23][رواه البخاري].
ويكفى الصدق شرفا و فضلا ان مرتبه الصديقيه تاتى في المرتبه الثانيه بعد مرتبه النبوة؛ قال الله – تعالى ومن يطع الله و الرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا [النساء: 69].
وقد امرنا الله بان نتحلي بهذا الخلق العظيم، وان نكون مع الصادقين، فقال – تعالى يا ايها الذين امنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين [التوبة: 119].
وجاء في حديث ابن مسعود – رضى الله عنه – عن النبى – صلى الله عليه و سلم – انه قال: (عليكم بالصدق؛ فان الصدق يهدى الى البر، وان البر يهدى الى الجنه و ما يزال الرجل يصدق و يتحري الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، واياكم و الكذب؛ فان الكذب يهدى الى الفجور، وان الفجور يهدى الى النار، و ما يزال الرجل يكذب و يتحري الكذب حتى يكتب عند الله كذابا))[رواه البخارى و مسلم].

ولم يامر المولي تبارك و تعالى عباده بالتحلى بالصدق، الا لما في ذلك من الثمرات الفريده و الفوائد العديده التى تعود على الصادقين في الدنيا و الاخره و من ذلك:
اولا: الصدق اصل البر، و الكذب اصل الفجور، كما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال: (عليكم بالصدق؛ فان الصدق يهدى الى البر، وان البر يهدى الى الجنه و لا يزال الرجل يصدق و يتحري الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، واياكم و الكذب؛ فان الكذب يهدى الى الفجور، وان الفجور يهدى الى النار، و لا يزال الرجل يكذب و يتحري الكذب حتى يكتب عند الله كذابا))[رواه البخارى و مسلم].
ثانيا: انتفاء صفه النفاق عن الصادقين؛ ففى الصحيحين عن انس بن ما لك قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (ثلاث من كن فيه كان منافقا: اذا حدث كذب، و اذا و عد اخلف، و اذا اؤتمن خان))[رواه البخارى و مسلم].
ثالثا: تفريج الكربات، و اجابه الدعوات، و النجاه من المهلكات، كما يدل على ذلك قصه اصحاب الغار التى اخرجها البخارى و مسلم عن عبد الله بن عمر عن النبى – صلى الله عليه و سلم ، و فيها انه قال بعضهم لبعض: (…انه و الله يا هؤلاء، لا ينجيكم الا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم انه قد صدق فيه))، فدعا كل واحد منهم ربه بما عمله من عمل صدق فيه لله، و اخلص له فيه، فكان ان جاء الفرج، ففرج لهم فرجه بعد اخرى، حتى خرجوا من تلك المحنة.
قال الربيع بن سليمان:
صبر جميل ما اسرع الفرجا * من صدق الله في الامور نجا
من خشى الله لم ينله اذي * و من رجا الله كان حيث رجا
ويحكي ان هاربا لجا الى احد الصالحين، و قال له: اخفنى عن طالبي، فقال له: نم هنا، و القي عليه حزمه من خوص، فلما جاء طالبوه و سالوا عنه، قال لهم: ها هو ذا تحت الخوص، فظنوا انه يسخر منهم فتركوه، و نجا ببركه صدق الرجل الصالح.
ويروي ان الحجاج بن يوسف خطب يوما فاطال الخطبه فقال احد الحاضرين: الصلاه فان الوقت لا ينتظرك، و الرب لا يعذرك، فامر بحبسه، فاتاه قومه و زعموا ان الرجل مجنون، فقال الحجاج: ان اقر بالجنون خلصته من سجنه، فقال الرجل: لا يسوغ لى ان اجحد نعمه الله التى انعم بها علي، و اثبت لنفسى صفه الجنون التى نزهنى الله عنها، فلما راى الحجاج صدقه، خلي سبيله.
ونري في سيره السلف الصالح حرصهم الشديد على الصدق، فهذا الشيخ عبد القادر الجيلانى يقول: عقدت امرى منذ طفولتى على الصدق، فخرجت من مكه الى بغداد لطلب العلم، فاعطتنى امى اربعين دينارا لاستعين بها على معيشتي، و عاهدتنى على الصدق، فلما وصلنا ارض همدان، خرج علينا جماعه من اللصوص، فاخذوا القافله كلها، و قال لى واحد منهم: ما معك قلت: اربعون دينارا، فظن انى اهزا، فتركنى و سالنى اخر، فقلت: 40 دينارا، فاخذهم منى كبيرهم، فقال لي: ما حملك على الصدق فقلت: عاهدتنى امى على الصدق، فاخاف ان اخون عهدها، فاخذت الخشيه رئيس اللصوص، فصاح و قال: انت تخاف ان تخون امك، و انا لا اخاف ان اخون عهد الله ثم امر برد ما اخذوه من القافله و قال: انا تائب على يدك، فقال من معه: انت كبيرنا في قطع الطريق، و انت اليوم كبيرنا في التوبه فتابوا جميعا بسبب الصدق.
رابعا: التوفيق لكل خير، كما يدل عليه قصه كعب بن ما لك في تخلفه عن تبوك، كما في البخارى و مسلم، و فيها ان النبى – صلى الله عليه و سلم – قال لكعب: (ما خلفك الم تكن قد ابتعت ظهرك؟))، قال: قلت: يا رسول الله، انى و الله، لو جلست عند غيرك من اهل الدنيا، لرايت انى ساخرج من سخطه بعذر، و لقد اعطيت جدلا – اي: فصاحه و قوه في الاقناع – و لكنى و الله، لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضي به عني، ليوشكن الله ان يسخطك علي، و لئن حدثتك حديث صدق تجد على فيه – اي: تغضب على فيه – انى لارجو فيه عفو الله، و الله ما كان لى عذر، و الله ما كنت قط اقوي و لا ايسر في حين تخلفت عنك، قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (اما هذا، فقد صدق))، فلما صدق مع الله و مع رسوله، تاب الله عليه، و انزل فيه و في صاحبيه ايات تتلي الى قيام الساعه فقال – تعالى لقد تاب الله على النبى و المهاجرين و الانصار الذين اتبعوه في ساعه العسره من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم انه بهم رؤوف رحيم [التوبة: 117] الى قوله: يا ايها الذين امنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين [التوبة: 119][رواه البخارى و مسلم].
خامسا: حسن العاقبه لاهله في الدنيا و الاخرة؛ قال – صلى الله عليه و سلم (ان الصدق يهدى الى البر، وان البر يهدى الى الجنة))[رواه البخارى و مسلم].
سادسا: ان الصادق يرزق صدق الفراسه فمن صدقت لهجته، ظهرت حجته، و هذا من سنه الجزاء من جنس العمل؛ فان الله يثبت الذين امنوا بالقول الثابت في الحياه الدنيا و الاخره فيلهم الصادق حجته، و يسدد منطقه، حتى انه لا يكاد ينطق بشيء يظنه الا جاء على ما ظنه، كما قال عامر العدواني: \”انى و جدت صدق الحديث طرفا من الغيب، فاصدقوا\”.
سابعا: ثقه الناس بالصادقين، و ثناؤهم الحسن عليهم، كما ذكر الله – عز و جل – ذلك عن انبيائه الكرام: وجعلنا لهم لسان صدق عليا [مريم: 50].
والمراد باللسان الصدق: الثناء الحسن؛ كما فسره ابن عباس.
ثامنا: البركه في الكسب، و الزياده في الخير، فعن حكيم بن حزام – رضى الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا – او قال: حتى يتفرقا – فان صدقا و بينا، بورك لهما في بيعهما، وان كتما و كذبا، محقت بركه بيعهما))[رواه البخارى و مسلم].
تاسعا: استجلاب مصالح الدنيا و الاخرة؛ قال – تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم [المائدة: 119].
عاشرا: راحه الضمير و طمانينه النفس؛ قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم (الصدق طمانينه و الكذب ريبة))[رواه الترمذي، و قال: حديث حسن صحيح].
الحادى عشر: التوفيق للخاتمه الحسنة؛ لما ثبت في الحديث الذى اخرجه النسائى و غيره عن شداد بن الهاد – رضى الله عنه – ان رجلا من الاعراب جاء الى النبى – صلى الله عليه و سلم – فامن به و اتبعه، ثم قال: اهاجر معك فاوصي به النبى – صلى الله عليه و سلم – بعض اصحابه، فلما كانت غزاته، غنم النبى – صلى الله عليه و سلم ، فقسم و قسم له، فاعطي اصحابه ما قسم له، و كان يرعي ظهرهم، فلما جاء دفعوه اليه، فقال: ما هذا قالوا: قسم قسمه لك النبى – صلى الله عليه و سلم ، فاخذه فجاء به الى النبى – صلى الله عليه و سلم ، فقال: ما هذا قال: (قسمته لك))، قال: ما على هذا اتبعتك، و لكن اتبعتك على ان ارمي الى هاهنا – و اشار الى حلقه بسهم – فاموت فادخل الجنه فقال: (ان تصدق الله يصدقك))، فلبثوا قليلا، ثم نهضوا الى قتال العدو، فاتى به الى النبى – صلى الله عليه و سلم – يحمل، قد اصابه سهم حيث اشار، فقال النبى – صلى الله عليه و سلم (اهو هو؟))، قالوا: نعم، قال: (صدق الله فصدقه))، ثم كفنه النبى – صلى الله عليه و سلم – في جبته التى عليه، ثم قدمه فصلي عليه، و كان مما ظهر من صلاته: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا، انا شهيد على ذلك)).
الثانى عشر: الثناء في الملا الاعلى؛ لقوله – صلى الله عليه و سلم (حتي يكتب عند الله صديقا))[رواه البخارى و مسلم].
الثالث عشر: الفوز بالجنه و النجاه من النار، قال – تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا – رضى الله عنهم – و رضوا عنه ذلك الفوز العظيم [المائدة: 119].
وقد سئل النبى – صلى الله عليه و سلم ما عمل الجنة فقال: (الصدق))[رواه احمد].
الرابع عشر: الفوز بمنزله الشهداء، قال – عليه الصلاه و السلام (من سال الله الشهاده بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وان ما ت على فراشه))[رواه مسلم].
وغير ذلك من فوائد و ثمرات الصدق مع الخالق، و مع الخلق، و مع النفس.

وفى المقابل: امر الله بتجنب الكذب، و حذر منه؛ لما فيه من المفاسد، و من ذلك:
اولا: الكذب من خصال المنافقين، ففى الحديث عن ابى هريره عن النبى – صلى الله عليه و سلم – قال: (ايه المنافق ثلاث: اذا حدث كذب، و اذا و عد اخلف، و اذا اؤتمن خان))[رواه البخارى و مسلم].
ثانيا: من تكرر منه الكذب حتى صار عاده يكتب عند الله في صحائف الكذابين، و هذا من اقبح و اشنع ما يكون، كما في الحديث: (وان الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا))[رواه البخارى و مسلم].
فالمرء لا يرضي ان يصنف من قبل اهله و اصحابه في قائمه الكذابين، فكيف يرضي ان يكون عند خالقه كذلك؟
ثالثا: الكاذب قد يرد صدقه؛ لان الناس لا يثقون بكلامه، قال ابن المبارك – رحمه الله تعالى \”اول عقوبه الكاذب من كذبه انه يرد عليه صدقه\”[رواه ابن ابى الدنيا].
خامسا: جمله من مفاسد الكذب، ذكرها ابن القيم – رحمه الله – فقال: \”وكم قد ازيلت بالكذب من دول و ممالك، و خربت به من بلاد، و استلبت به من نعم، و تعطلت به من معايش، و فسدت به مصالح، و غرست به عداوات، و قطعت به مودات، و افتقر به غني، و ذل به عزيز، و هتكت به مصونه ورميت به محصنه و خلت به دور و قصور، و عمرت به قبور، و ازيل به انس، و استجلبت به وحشه و افسد به بين الابن و ابيه، و غاض بين الاخ و اخيه، و احال الصديق عدوا مبينا، و رد الغنى العزيز مسكينا، و كم فرق بين الحبيب و حبيبه، فافسد عليه عيشته، و نغص عليه حياته، و كم جلا عن الاوطان، و كم سود من وجوه، و طمس من نور، و اعمي من بصيره و افسد من عقل، و غير من فطره و جلب من معره و قطعت به السبل، و عفت به معالم الهدايه و درست به من اثار النبوه و خفيت به من مصالح العباد في المعاش و المعاد، و هذا و اضعافه ذره من مفاسده، و جناح بعوضه من مضاره و مصالحه، الا فما يجلبه من غضب الرحمن، و حرمان الجنان، و حلول دار الهوان، اعظم من ذلك، و هل ملئت الجحيم الا باهل الكذب الكاذبين على الله و على رسوله و على دينه، و على اوليائه، المكذبين بالحق حميه و عصبيه جاهلية و هل عمرت الجنان الا باهل الصدق الصادقين المصدقين بالحق قال – تعالى فمن اظلم ممن كذب على الله و كذب بالصدق اذ جاءه اليس في جهنم مثوي للكافرين و الذى جاء بالصدق و صدق به اولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين [الزمر: 32 – 34]\”[مفتاح دار السعاده و منشور و لايه العلم و الاراده 2/74)].

اسال الله باسمائه الحسني وصفاته العلي ان يجعلنا من الصادقين مع الخالق و مع الخلق، و مع النفس، في كل احوالنا و اقوالنا و افعالنا، وان يصرف عنا الكذب انه و لى ذلك و القادر عليه، وصلى الله و سلم و بارك على نبينا محمد، و على اله و صحبه اجمعين.

650 views

مفاسد الكذب